مقالات

هل الأخلاق نسبيّة؟

جوشوا نوب - ترجمة: كريم محمد

لنتخيّل شخصين يناقشان مسألة في الرياضيّات. يقولُ أحدهما إنّ »رقم 7,497 هو رقم أوّليّ«، بينما يقول الثاني إنّ »رقم 7,497 ليس أوليًّا». في حالةٍ كهذه، من المحتمل أن يخلص المرءُ إلى أنّه ليس هناك إلّا إجابة واحدة صحيحة. قد نُكنّ احترامًا كبيرًا للاثنين المتشاركين في المحادثة، وقد نقبلُ بأنّهما عقلانيان ومُنصفان، لكن في النهاية، سيتحتّم على أحدهما أن يكون هو الذي على خطأ. ولربّما نقول إنّ السؤال قيد النقاش ههنا هو موضوعيّ تمامًا.

لكن لنفترض الآن أنّنا ننتقلُ إلى موضوع مختلف: اثنان يتحدّثان عن الطعام. يقول أحدهما «لا تفكّر حتّى في تناول اليرقات! إنّها مُقرفة تمامًا ولا طعم لها على الإطلاق»، بينما يقول الآخر ‘‘اليرقات لديها مذاقٌ خاصّ: إنّها واحدةٌ من الأكلات الأكثر طيابة ولذاذةً التي يمكن للمرء أن يتناولها على الإطلاق». في هذه الحالة الثانية، سيكون لدينا ردّ فعل مختلف تمامًا. ولربّما نعتقدُ بأنّه ما من إجابةٍ صحيحة واحدة على هذا. فقد تكون اليرقات أكلة لذيذة للبعض، وليس كذلك للبعض الآخر. ويبنغي، باعتقادنا، أن يُفهَم هذا السؤال الأخير على أنّه نسبويّ.

والآن وقد غدا لدينا حسّ أساسيّ بهذيْن التصنيفيْن، فإنّه باستطاعتنا أن ننتقلَ إلى حالةٍ ذات طبيعة جداليّة أكثر. فلنفترض أنّ شخصين يتحدّثان عن الأخلاق. يقول أحدهما إنّ «هذا التصرّف خاطئ بعمق من ناحية أخلاقيّة»، بينما يتحدثّ الثاني عن التصرّف نفسه ويقول «هذا التصرّف حسنٌ تمامًا، وما من شيء يدعو للريبة بشأنه». للمرء أن يتساءل في حالةٍ كهذه عن ما هي ردّة الفعل الأكثر ملاءمةً. هل يجبُ علينا أن نقول إن هناك إجابةً صحيحة واحدة، وإنّ أيّ أحد يقول العكس يكون على خطأ، أم يجب علينا أن نقول إنّ الإجابات المختلفة قد تكون صحيحة لأشخاص مختلفين؟ بمعنى آخر، هل يجبُ علينا أن نقول إنّ الأخلاق هي موضوعيّة أم أنّها نسبيّة؟

هذا سؤالٌ شائكٌ، وقد يكون من الصّعب أن نرى كيف يمكن للمرء حتى أن يشرع في تناوله. ففي مواجهة إشكالٍ كهذا، أينَ يجب علينا بالتحديد أن نبحث عن الدليل؟

رغم أنّ الفلاسفةَ قد قدّموا عدّة مقاربات في هذا الصّدد، إلّا أنّ واحدةً من أكثر المقاربات أهميّة وتأثيرًا هي البدء بحقائق/وقائع معيّنة من الممارسات الأخلاقيّة العاديّة للناس. الفكرة هي أنّنا نستطيعُ أن نشرعَ بحقائق حول طرق من التفكير أو الكلام للناس واستخدام تلك الحقائق في الحصول على بعض التبصّرات في الأسئلة حول الطبيعة الحقّة للأخلاق.

إنّ المفكّرين الذين يأخذون بهذه المقاربة عادةً ما يبدأون بالافتراض بأنّ التفكير والكلام العاديين عن الأخلاق لهما طابعٌ موضوعيّ. فمثلًا، يزعمُ الفيلسوفُ ميخائيل سميث (Michael Smith):

بأنّه يبدو أنّنا نفكّر أنّ الأسئلةَ الأخلاقيّةَ لها أجوبة صحيحة، وأن الأجوبةَ الصحيحةَ جُعلت صحيحةً بحقائق أخلاقيّة موضوعيّة، وأنّ الأخلاق الموضوعيّة تُحدَّد كليًّا بالملابسات والظروف المحيطة بها وأنّه بإمكاننا، بالانخراط في محادثة أو حجاج أخلاقيّ، أن نستكشف ماهيّة تلك الأخلاق الموضوعيّة المُحدّدة بماهية هذه الملابسات والظروف.

ويكتب فرانك جونسون:

أعتقد أن جانبًا من الأخلاق الشعبيّة الحالية ترى بأن الإتفاق قد اِنعقد أو سوف ينعقد حول هذه المسائل الأخلاقية. نحن لدينا ضربٌ من الالتزام بفكرة أنّ الخلافات الأخلاقيّة يمكن حلّها عن طريق التفكير النّقديّ الكافي؛ وذلك هو السبب في أنّنا نتكبّد عناء الجدال الأخلاقيّ. وإلى هذا الحدّ، فإنّ [هناك] ضربًا من النزعة الموضوعيّة (الموضوعانيّة objectivism) يمثل جانبًا من الأخلاق الشعبيّة الحاليّة.

إذن، بمجرّد أن يُدرك المرءُ هذا الادّعاء بشأن الفهم العاديّ للناس، فإنّ الهدف ينصبّ على استعماله كجزءٍ من حجّة معقّدة لاستنتاج فلسفيّ أوسع. والحال أنّ الاشتغال الفلسفيّ على هذه الإشكالات بارزٌ في هذا السياق؛ إذ نرى اهتمامًا حادًا بالتفريقات المفاهيميّة، وبعضٍ من الحجج والاعتراضات والردود البارعة حقًّا. وليس ثمّة إلّا عقبة واحدة: ما من دليل يُقدَّم أبدًا على الافتراض الأصليّ بأنّ التفكير والحديث الأخلاقيّين العاديّين لهما هذه السّمة الموضوعيّة. وينزعُ الفلاسفة، بدلًا من ذلك، إلى التشديد ببساطة على أنّ الممارسة العاديّة للناس هي موضوعيّة، ومن ثمّ يشرعون في الحجاج من هذه النقطة.

وإذا أردنا حقًّا أن نقتفي أثر هذه الإشكالات بطريقة صارمة، فيبدو أنّه يتوجّب علينا أن نتبنّى مقاربة مختلفة. تتمثّل الخطوة الأولى في الانخراط في بحثٍ إمبريقيّ نسقيّ لاستكشاف كيف تعملُ الممارسة العادية عملَها حقًّا. ومن ثمّ، ما إن نتحصّل على البيانات ذات الصّلة بالموضوع، فإنّنا نستطيعُ أن نبدأ بالنّظر بعمقٍ في المترتّبات الفلسفيّة، مع العلم أنّنا لا ننخرط في مجرّد اختلاق فلسفيّ، بل بالأحرى ننظرُ في المترتبات الفلسفيّة على الممارسات الفعليّة للناس.

والحال أنّه في السنوات القليلة الماضية فحسب، قام الفلاسفة التجريبيّون بجمع مادة جديدة هائلة من البيانات المتعلّقة بهذه الإشكالات، وبحوزتنا الآن، على الأقل، الإلماعات الأولى لبرنامج بحثيّ إمبريقيّ حقيقيّ ههنا. لكن، حدث شيءٌ غريب عندما شرع الناس في الحديث عن هذه الأسئلة في المختبر. فكلما تناول الباحثون هذه الأسئلة تجريبيًّا مرارًا وتكرارًا، فإنّهم لا ينتهون بتأييد وجهة النّظر التقليديّة. فهم لا يجدون أنّ الناس لا يفضّلون، بالأعمّ، النزعة الموضوعيّة (objectivism)، وتشيرُ النتائج باستمرار، بدلًا من ذلك، إلى صورة أكثر تعقيدًا. يبدو أنّ هناك قدرًا مذهلًا من الصّراع حتى في بداهات الناس العاديين، فهناك بعضُ الناس تحت ظروف معيّنة يقدمون إجابات موضوعيّة، بينما أناسٌ آخرون تحت ظروف أخرى يقدمون وجهات نظر نسبويّة. وليس هذا هو كلّ شيء. فيبدو أنّ النتائج الإمبريقيّة تمنحنا فهمًا أعمقَ لسبب الذي يجعل الناس ينجذبون في هذه الاتجاهات المختلفة، وما يجعلُ بعضَ الناس يتجّهون نحو النزعة الموضوعيّة بينما ينزعُ الآخرون نحو الرؤى النسبويّة.

ولمثال جيّد على بحث حديث، فلننظر إلى الدراسة التي قام بها آدم فليتز (Adam Feltz) وإدوارد كوكلي (Edward Cokely). فقد كانا معنيّين بالعلاقة بين تبنّي الناس للنزعة النسبويّة الأخلاقيّة وسِمة الانفتاح على التجارب(*). وخلصا، وفقًا لذلك، إلى دراسةٍ قاسا بها الانفتاح على التجربة والإيمان في النزعة النسبويّة الأخلاقيّة. ولقياس درجة انفتاح النّاس على التجربة، فإنّهما استعملا مقياسًا معياريًا صمّمه باحثون في علم نفس الشخصيّة (personality psychology). ولقياس قبول الناس بالنزعة النسبويّة الأخلاقيّة، فقد أخبرا المشاركين بشخصيتين -جون وفرِد- اللذين أبديا آراءً متعارضة بشأن ما إذا كان تصرُّفٌ ما سيئًا من الناحية الأخلاقيّة أم لا. وبالتالي، سُئلَ المشاركون عما إذا كان أحد هذين المشاركين على خطأ (الإجابة الموضوعيّة) أو ما إذا ربّما كان كلاهما مخطئين (الإجابة النسبويّة). والحال أنّ ما وجداه الباحثان كان نتيجة مذهلة؛ إذْ لم يُفضّل المشاركون في الغالب الإجابة الموضوعيّة. بدلًا من ذلك، فإنّ إجابات الناس كانت مرتبطة بسمات شخصياتهم؛ فكلّما كان المشاركُ أعلى في انفتاحه على التجربة، فمن المرجّح بزيادة أنّه كان يملي بإجابة نسبيّة أكثر.

وقد اتّبع جوفيري غودين (Geoffrey Goodwin) وجون دارلي (John Darley) مقاربة مماثلة، وبحثا هذه المرّة العلاقة بين إيمان الناس بالنزعة الموضوعيّة الأخلاقيّة ونزعتهم إلى مقاربة الأسئلة بالنظر في تنويعة كبيرة جدًّا من الاحتمالات. وقد شرعوا في ذلك عن طريق منح المشاركين ألغازًا رياضيّة لا يمكن حلّها إلّا باحتمالات مختلفة ومتعددة. وبالتالي، فإنّ المشاركين الذين أخذوا بالاعتبار كلّ هذه الاحتمالات قد نزعوا إلى حلّ هذه المشكلات بصورة صحيحة، بينما الذين فشلوا في أخذ كلّ تلك الاحتمالات في الاعتبار قد نزعوا إلى حلّها بصورة خاطئة. والآن تأتي النتيجةُ المدهشةُ: فالمشاركون الذين حلّوا المشكلات بصورة صحيحة كانوا أكثر ميلًا لتقديم إجابات نسبويّة من هؤلاء الذين حلّوها على نحوٍ خاطئ.

وبمقاربة مختلفة قليلًا، بحث كلٌّ من شون نيكولز (Shaun Nichols) وفولدز-بينيت (Folds-Bennett) كيف تتطوّر تصوّرات الناس الأخلاقيّة كلّما تقدمّوا في العمر. وأظهرت الأبحاث في علم نفس النموّ (developmental psychology) أنّ الأطفال مع نموّهم يطوّرون أفهامًا مختلفةً للعالم الماديّ، وللأرقام، ولعقول البشر. وماذا عن الأخلاق؟ هل للبشر فهم مختلف للأخلاق عندما يكونون في العشرين من عمرهم عمّا يكونون في العام الرابع من عمرهم فقط؟ ما كشفت عنه النتائج كان بمثابة اختلاف نسقيّ في النمو. حيث يُظهر الأطفال الصّغار تُفضيلًا قويًّا للنزعة الموضوعيّة، لكن مع تقدّمهم في العمر، يصبحون أكثر ميلًا لتبنّي الرؤى النسبيّة. بمعنى آخر، يبدو أنّ هناك تحوّلًا له علاقة بالنمو نحو المزيد من النسبويّة مع نضوج الأطفال. (وفي منعطف جديد مدهش حول هذه المقاربة، أوضج جيمس بيب (James Beebe) وديفيد ساكريس (David Sackris) أنّ هذا النمط ينقلبُ في الأخير، حيث يُظهر البشر في منتصف العمر ميولًا أقلّ نحو النزعة النسبيّة من ميل طلّاب الجامعات).

 

إذن، فإنّ الناس يكونون أكثر ميلًا نحو النزعة النسبيّة عندما يسجّلون درجةً عالية في الانفتاح على التجربة، حينما يكون لديهم مقدرة جيدة بخاصّة على النظر في إمكانات متعددة، وعندما ينضجوا بعد مرحلة الطفولة (لكن ليس عندما يكونون في منتصف العمر). ونظرًا إلى هذه الآثار المختلفة، فإنّني والمتعاونون معي اعتقدنا بأنّه من الممكن أن نقدم تصورًا صلبًا واحدًا يستطيع أن يفسّر ذلك كلّه. تحديدًا؛ تفكيرنا كان منصبًّا على أنّ الناس ينجذبون إلى النزعة النسبيّة بقدر انفتاح عقولهم على منظورات بديلة. ويمكن أن تكون هناك كافّة الأنواع من العوامل المختلفة التي تؤدّي بالنّاس إلى أن يفتحوا عقولهم بهذه الطريقة (سمات الشخصيّة، الميول الإدراكية، العمر)، لكن بصرف النّظر عن العامل المُحفّز؛ فقد بدا الباحثون دومًا أنّهم يبحثون عن الأثر الأساسيّ نفسه. فكلّما كان لدى الناس قابليّة أكثر للانخراط بصدق مع المنظورات الأخرى، فإنّهم يميلون صوب النسبويّة الأخلاقيّة.

ولوضع هذه الفرضيّة حقًّا على محكّ الاختبار، فقد تعاونّا كفريق أنا وهاكوب سركيسيان وجنيفر رايت وجون بارك وديفيد تيان لإجراء سلسلة من الدراسات الجديدة. كان هدفُنا منصّبًا على التلاعب فعلًا بالمرحلة التي عندها ينظرُ الناس إلى المنظورات المختلفة. أي إنّنا أردنا أنْ نعيّن عشوائيًّا أناسًا لشروط مختلفة سينتهي بهم المطاف فيها إلى التفكير على نحو مختلف، حتى نتمكّن من ثمّ بفحص أثر تلك الشروط المختلفة على بداهاتهم بشأن النسبويّة الأخلاقيّة.

حصل المشاركون في حالة واحدة على سؤال مشابه للأسئلة المستخدمة في الدراسات السابقة. فقد سُئلوا أن يتخيّلوا أنّ شخصًا ما في الولايات المتّحدة الأميركيّة قام بقتل طفل وليد. ثمّ أُخْبِروا بأنّ شخصًا من رفقائهم الدراسيين اعتقدَ أنّ هذا التصرّف كان سيئًا من الناحية الأخلاقيّة، بينما اعتقدَ آخر أنّه كان جائزًا أخلاقيًّا. ومن ثمّ، كان السؤالُ ما إذا كانوا يقبلون أو يرفضون العبارة التالية:

بما أنّ رفيقك الدراسيّ ونظيره لهما أحكامٌ مختلفة حول هذه القضيّة، فإنّ أحدهما يجب أن يكون مخطئًا على الأقل.

وقد تلقّى المشاركون في حالات أخرى أسئلة هدفت إلى تحريك تفكيرهم في اتجاه مختلف. فقد أخُبر الذين خُصّصوا لحالة «الثقافة الأخرى» أن يتخيّلوا قبيلة أمازونيّة، وهي قبيلة (Mamilons)، التي لديها أسلوب حياة مختلف عن أسلوب حياتنا. وأُعطوا وصفًا موجزًا لطقوس هذه القبيلة وقيمها وعاداتها وتفكيرها. ثمّ أُخبروا بأن يتخيلوا أن واحدًا من زملائهم الدراسيين اعتقدَ أنّ قتل طفل وليد كان تصرّفًا سيئًا من الناحية الأخلاقيّة، بينما اعتقدَ شخصٌ من هذه القبيلة الأمازونيّة بأنّ التصرف كان جائزًا أخلاقيًّا. ثمّ سُئلَ المشاركون ما إذا كانوا يقبلون أو يرفضون هذه العبارة المتماثلة:

بما أنّ رفيقك الدراسيّ وهذا الشخص من القبيلة الأمازونيّة لهما أحكامٌ مختلفة حول هذه القضيّة، فإنّ أحدهما يجب أن يكون مخطئًا على الأقل.

وأخيرًا، أُخبرَ المشاركون في حالة «فضائيّة» بشأن ثقافة كانت مختلفة تمامًا عن ثقافتنا أشدّ الاختلاف. وطُلب منهم أن يتخيّلوا عرق هؤلاء البشر الفضائيين، البينترز (Pentars)، الذين لا شأن لهم في الصداقة أو الحب أو السعادة. بدلًا من ذلك، فإنّ هدفهم الوحيد يتمثّل في زيادة عدد المخمسّات متساوية الأضلاع في الكون، وأنّهم وهم يتحرّكون في الفضاء يبذلون كلّ ما في وسعهم لتحقيق هذا الهدف. (وحينما تصبحُ واحدة منهم عاجزة عن العمل، فإنّها تُقتل فورًا وتحوَّل نفسها إلى مخمّس). ثمّ أُخبر هؤلاء المشاركون بأن يتخيّلوا بأنّ شخصًا من البينترز يعتقدُ بأنّ قتل طفل وليد أمرٌ جائزٌ أخلاقيًّا. ثمّ تأتي العبارةُ المعتادة:

بما أنّ رفيقك الدراسيّ وهذا الشخص من البينترز لهما أحكامٌ مختلفة حول هذه القضيّة، فإنّ أحدهما يجب أن يكون مخطئًا على الأقل.

أظهرت نتائج الدراسة اختلافًا نسقيًّا بين مختلف الحالات. وبالأخصّ، كلّما تحرّكنا صوب ثقافاتٍ أبعد، نجد تحوّلًا راسخًا نحو مزيد من الإجابات النسبويّة؛ حيث في الحالة الأولى يميل الناس إلى القبول بعبارة أنّ أحدهم كان مخطئًا، بينما هم في الحالة الثانية انقسموا بالتساوي بين الإجابتيْن، ومالوا في الحالة الثالثة إلى رفض العبارة تمامًا بشكل قاطع.

لنلاحظ أنّ كل المشاركين في الدراسة يفكّرون في الأحكام المتعلّقة بالتصرّف ذاته. فلا يوجَد سوى شخص واحد يقوم بقتل الطفل الوليد في الولايات المتحدة، والمشاركون يُجرى الطلب منهم بأن ينظروا إلى أحكام مختلفة قد يتخذها شخص ما حول التصرف نفسه. ومع ذلك، عندما طُلب من المشاركين أن ينظروا إلى الأشخاص الذين يأتون إلى القضيّة من منظورات جدّ مختلفة، فقد انتهى بهم المطاف إلى استنتاجٍ مفاده أنّ هؤلاء الأفراد قد يكون لهم آراء متعارضة دون أن يكون أيّ منهم مخطئًا بأيّ حال من الأحوال. يبدو أنّ هذه النتيجة تشيرُ بقوّة إلى أنّ الناس يمكن جذبهم تحت ظروف محددة إلى نوع من النسبويّة الأخلاقيّة.

لكنّنا نواجه الآن سؤالًا جديدًا: إذا علمنا أن الممارسة العاديّة للناس ليست بممارسة موضوعيّة -فهي تختلف في الواقع اعتمادًا على الدرجة التي يأخذُ فيها الناس المنظورات الأخرى في حسبانهم- فكيف يمكننا إذن أن نستخدم هذه المعلومة لمعالجة الإشكالات الفلسفيّة الأعمق حول الطبيعة الحقّة للأخلاق؟

الجواب ههنا معقّد جدًا من جانب، ويسيرٌ من جانب آخر. فهو معقّد لكون المرء لا يستطيع أن يجاوب على أسئلةٍ كهذه إلا عن طريق استخدام المناهج الفلسفيّة الدقيقة والمتطورة. ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، فهو بسيطٌ لكون هذه المناهج قد تطورت بالفعل ويُجرى صقلها وتطويرها على الدوام داخل أدبيات الفلسفة التحليليّة. وما البراعةُ الآن إلّا في تناول هذه المناهج وتطبيقها لاستنباط المترتبات على الممارسة العاديّة الموجودة فعليًّا.

 

 


(*) سمة من السمات الخمس في نظرية سمات الشخصية الخمس الكبرى؛ النظرية السائدة في علم نفس الشخصية التي تُفسّر استعدادات الإنسان ومنازعه ومزاجه، وهي قائمة على تحليل عوامل معينة إحصائيًا يُقاس الشخص بناء عليها. والسمات الخمس هي: العصبيّة (تتعلّق بالاستقرار العاطفي) والإنبساطيّة (انطوائي أو اجتماعي) القبول (تتعلّق بمدى قبول الشخص ووفاقه ولطفه في التعامل مع الآخرين) والضمير (تتعلق بالانضباط والدقة) والانفتاح (تتعلق بانفتاح الشخص على التجارب وتقبله للأفكار الجديدة). (المُراجِع)

– جوشوا نوب أستاذ مساعد في جامعة ييل ومرتبط ببرنامج علم الإدراك الدراسي وكلية الفلسفة.

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق