مقالات

معركة دلالية بين النزعة الخارجية والنزعة الداخلية 1-2 – صلاح إسماعيل

النزعة الخارجية الدلالية

سؤال المعنى سؤال لغوي وفلسفي قديم، وتستطيع أن تقول إنه سؤال بشري قديم أيضًا. ذلك بأن السؤال: ما معنى كذا؟ سابق على سؤال الخير والشر، مثلًا؛ وأبسط الأدلة على ذلك أن روبنسون لم يواجه معضلات أخلاقية قبل أن يقابل جمعة (فرايدي) في قصة دانيال ديفو “روبنسون كروزو”.

هل معاني ألفاظ النوع الطبيعي، مثل “ماء” أو “نمر”، في الرأس أم في العالم؟ هذا السؤال ملح ومثير للجدل في الفلسفة المعاصرة. فطبيعة المعنى المتعلق بالمضامين القضوية وألفاظ النوع الطبيعي يثير خلافًا أساسيًا بين فريقين من الفلاسفة هم أصحاب النزعة الداخلية internalism وأصحاب النزعة الخارجية externalism. ويختلف الفريقان على كيفية تحديد المعنى. يقول الداخليون إن المعنى يتحدد كلية عن طريق جوانب تكون داخلية للمتكلم، والمضامين العقلية هي مضامين دلالية تكون في عقولنا أو رؤوسنا، وشعارهم هو “المعاني توجد في الرأس أو المخ”. ويقول الخارجيون إن المعنى يتحدد في جانبٍ منه على الأقل عن طريق جوانب تكون خارجية للمتكلم، والمضامين هي إشارات لغوية وتوجد في العالم الخارجي، وشعارهم هو “المعاني لا توجد في الرأس فقط”.

ويتجلى هذا الخلاف في ثلاثة مجالات فلسفية متقاربة هي فلسفة العقل، وفلسفة اللغة، والإبستمولوجيا، ويمتد إلى فلسفة الأخلاق وغيرها. ويمثل الجدل بين هاتين النزعتين مسألة مثيرة للبحث والنظر واتخاذ المواقف المؤيدة أو المعارضة. ولم يتشكل الخلاف بصورة قوية وواضحة إلا في الربع الأخير من القرن العشرين ولا يزال شديدا في وقتنا الحاضر. وكلما هدأت حدة هذا الخلاف في مجال، نشأ صدام في مجال آخر. والشيء المحقق لاندلاع نار الحرب بين الفريقين من حين إلى حين هو حالات التقدم التي تطرأ على البحث الفلسفي في العقل والإبستمولوجيا، والتي تنعكس بدورها على البحث الدلالي في اللغة. ولا عجب أن تجد نصيرًا لأحد الفريقين يقول:

قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي              لَيسَ قَولي يرادُ لَكِن فعالي

ويرد عليه نصير الفريق الآخر :

                   قَرِّبا مَربَطَ المُشَهَّرِ مِنّي                إِنَّ قَولي مُطابِقٌ لِفِعالي

وأريد في هذه المقالة أن ألقي ضوءًا شارحًا على هذا الخلاف، وذلك من خلال النظر في أصوله، وشرح بعض الحجج المؤيدة للنزعة الخارجية، وبيان أثر هذا الخلاف في فهم طبيعة المعنى. وسوف أعالج حجج النزعة الداخلية في مقالة أخرى.

النزعة الخارجية الدلالية

  • صور منوعة من النزعة الخارجية
  • نظرية الوصف والنظرية السببية
  • هيلارى بتنام وتجربة فكر الأرض التوأم
  • تايلر بيرج وحجة التهاب المفاصل
  • دونالد ديفيدسون والنزعة الخارجية المتعلقة بالإدراك الحسي
  • أندي كلارك وديفيد شالمرز : النزعة الخارجية الفعالة

        * * *

1-  صور منوعة من النزعة الخارجية

أرى من الخير أن أوضح بداية طبيعة الخلاف بين النزعة الداخلية والنزعة الخارجية في ثلاثة مجالات هي فلسفة العقل، وفلسفة اللغة، والإبستمولوجيا، وبعد ذلك أركز حديثي على الخلاف الدلالي في فلسفة اللغة.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي اجتنب الفلاسفة النزعة الفردية individualism (وهو مصطلح مرادف إلى حد ما للنزعة الداخلية). تقول النزعة الداخلية في فلسفة العقل إن مضمون الحالات القصدية مثل الاعتقادات والرغبات الملائم لتفسير السلوك يتحدد كلية عن طريق عوامل داخلية للفرد. ونادى بهذا الرأي في الأصل فودور (الذي تحول بعد ذلك إلى النزعة الخارجية) تحت اسم الأنا وحدية المنهجية methodological solipsism بوصفها المبدأ القائل إن علم النفس المعرفي (والنظرية الحسابية في العقل computational theory of mind) يجب أن يحصر اهتمامه فيما يدور داخل رؤوس الناس ويتجاهل بيئاتهم الخارجية، لأن الحالات الداخلية هي وحدها التي يمكن أن تسبب السلوك والحالات العقلية الأخرى. (Rakova, M. 2006: 91-92;  Brown, J. 2004: 9)   

والحجة عند أنصار النزعة الداخلية أن مضامين أفكارنا الخاصة لا تتحدد إلا عن طريق ما يدور داخل رؤوسنا، لأنها إذا لم تكن كذلك، فسيكون من المستحيل على كل شخص منا أن يعرف عن طريق الاستبطان فقط ما يفكر فيه. والاعتماد على الاستبطان أو المدخل المميز لمضاميننا العقلية من أخص ما تمتاز به النزعة الداخلية في العقل.

أما النزعة الخارجية في فلسفة العقل فترى أن الظواهر العقلية تعتمد في تكوينها على عناصر في العالم الخارجي، أعنى أنه يمكن تشخيصها عن طريق تفاعلنا السببى مع العالم الطبيعي والاجتماعى. ويرى الخارجيون في فلسفة العقل أن الحالات القصدية لها مضمون واسع broad content أعنى مضمون يعتمد من ناحية التكوين على بيئة الفرد. ومن أنصار المضمون الواسع بتنام، وبيرج، وديفيدسون، وأخيرا فودور. وذلك في مقابل المضمون الضيق narrow content عند الداخليين وهو المضمون الذي تملكه الحالات القصدية بصورة داخلية وبشكل مستقل عن البيئة الخارجية للفرد. ومن أنصار المضمون الضيق فودور، وسيرل، وسيجال، ونيد بلوك، وشالمرز.

وفي فلسفة اللغة يظهر الخلاف بين النزعة الداخلية الدلالية semantic internalism والنزعة الخارجية الدلالية semantic externalism. تعتمد النزعة الداخلية الدلالية، وهي وجهة النظر التقليدية في المعنى، على افتراض مؤداه أن الحالة النفسية للمتكم تحدد معنى  اللفظ الذي يستعمله. وتحظى هذه النزعة بتأييد فلاسفة مثل جون سيرل، ونيد بلوك، وجبرييل سيجال.

أما النزعة الخارجية الدلالية فهي وجهة النظر القائلة إن معاني الألفاظ لا تحددها تحديدا كاملًا عوامل داخلية للمتكلم، وإنما تؤدي البيئة الخارجية دورًا مهمًا في تحديدها. وتأتي النزعة الخارجية الدلالية في صورتين. فأما الأولى فهي النزعة الخارجية للنوع الطبيعي natural kind externalism أو النزعة الخارجية الفيزيائية physical externalism . وتسمى هكذا لأنها ترتبط بألفاظ النوع الطبيعي مثل “ماء” و”نمر” و”ألمنيوم”، وهي كلمات دالة على أنواع الشيء الموجود في الطبيعة. وأبرز الأمثلة لها تجربة فكر الأرض التوأم twin earth thought experiment  عند هيلارى بتنام. وأما الصورة الثانية فهي النزعة الخارجية المرتبطة بالنوع الطبيعي وغير الطبيعي مثل “منضدة” و”كمبيوتر”. وأخص ما تمتاز به هذه النزعة هو السمة الاجتماعية، ولذلك تسمى النزعة الخارجية الاجتماعية social externalism ، وأبرز الأمثلة لها حجة التهاب المفاصل arthritis argument التي قدمها تايلر بيرج.

ويدور الخلاف بين النزعة الخارجية والنزعة الداخلية في الإبستمولوجيا بصفة عامة حول موضوع التسويغ المعرفي (صلاح إسماعيل  :2020178- 179). تفسر النزعة الخارجية التسويغ بوصفه علاقة سببية خارجية، وبالتالي تزودنا بنوع من التسويغ الخارجي. ولكن النزعة الداخلية تقيد التسويغ بشرط سهولة المنال للشخص المعتقد. إذ تشترط النزعة الداخلية أن تكون جميع العوامل المطلوبة لتسويغ اعتقاد المرء سهلة المنال أو متاحة معرفيًا بالنسبة إليه، ومن ثم تكون داخلية بالنسبة لوجهة نظره المعرفية، أما النزعة الخارجية فترى أن بعض عوامل التسويغ ليست في حاجة إلى أن تكون سهلة المنال بالنسبة للمرء، ومن ثم يمكن أن تتجاوز مجال إدراكه وتكون خارجية بالنسبة لوجهة نظره المعرفية.

2- نظرية الوصف والنظرية السببية

هناك نظريتان مختلفتان في فهم ألفاظ النوع الطبيعي. تسمى إحداهما نظرية الوصف description theory (أو النزعة الوصفية descriptivism) وتسمى الأخرى النظرية السببية causal theory. تزعم نظرية الوصف أننا إذا شئنا أن نفهم لفظ النوع الطبيعي، فلا بد من أن نفهم مغزاه أو قصده. والسبيل إلى فهم المغزى أو القصد هو معرفة الشروط الوصفية للفظ المشار إليه. ومغزى اللفظ يتم تقديمه عن طريق وصف محدد يرتبط بالاسم ارتباطًا أساسيًا، مثل “مصطفي صادق الرافعي مؤلف وحي القلم”. “مصطفي صادق الرافعي” اسم، و”مؤلف وحي القلم” وصف محدد.

وتصف النظرية السببية في الإشارة جانبين. فأما الأول فهو نظرية تثبيت الإشارة، وتخبرنا بكيفية ارتباط اللفظ بما يشير إليه. وأما الثاني فهو نظرية اقتباس الإشارة، وتعني النقل الاجتماعي للفظ الذي له سلسلة سببية تربطه بالجماعة اللغوية.

ويعتقد صاحب نظرية الوصف أن معنى اللفظ العام يكمن في مضامينه الوصفية، ومن ثم يمكن تحديد إشارات أسماء الأعلام عن طريق الوصف. إذا أردت أن تحصل على معنى لفظ النوع الطبيعي، قم بضم خصائصه الأساسية. كيف تعرف نمرًا؟ الجواب ببساطة “اجمع خصائصه”. النمر له خصائص مختلفة مثل مخطط، ومن ذوات الأربع، وآكل للحم، ونحو ذلك. وجمع هذه الخصائص يمثل المعنى الفعلي للفظ “النمر”.

والحجة الأساسية التي تقدمها النظرية السببية في الإشارة عند بتنام وكريبكي وغيرهما ضد نظرية الوصف هي أننا لا نحصل على المعنى المطلوب للفظ النوع الطبيعي من خلال ربط السمات المحددة، لأن هناك بعض الحالات لا يمكن أن تساعد فيها السمات المحددة في الحصول على المعنى الدقيق بسبب بعض السمات الشاذة للحد أو اللفظ المشار إليه. فلفظ “النمر” لا يقبل التعريف عن طريق ضم بعض سماته المحددة، لأن لفظ النوع الطبيعي له بعض الشواذ، فالنمر الذي له ثلاثة أرجل يظل نمرًا. وتحديد معنى اللفظ في النظرية السببية يأتي من خلال الوقوف على “الانتقال الاجتماعي” للأسماء و”السلسلة السببية” التي ترتبط بجماعة لغوية. وعلى هذا النحو تهتم النظرية السببية، أي النزعة الخارجية الدلالية، بثلاثة جوانب تم إهمالها في النظريات التقليدية في المعنى وهي الإشارية indexicality، والعالم world، والممارسة الاجتماعية social practice.

وتستطيع أن تنظر إلى فريجه بوصفه من أنصار النزعة الداخلية من جهة، وبوصفه من أنصار النزعة الخارجية من جهة أخرى. على حين تدور نظرية فريجه في المعنى حول العلاقة بين اللغة والعقل، تدور نظريته في الإشارة حول العلاقة بين اللغة والعالم. ومن ثم نجد أنصار فريجه بين أصحاب النزعة الداخلية مثل سيرل وسيجال يؤكدون على نظرية فريحه في المعنى، بينما يؤكد أنصار فريجه بين أصحاب النزعة الخارجية مثل بتنام وجاريث إيفانز Gareth Evans على نظرية فريجه في الإشارة.

وها هو سيرل في كتابه “القصدية: مقال في فلسفة العقل” يقول:

إن التقرير الفريجي والحالي معًا في المعنى داخليان بمعنى أنه بمقتضى حالة عقلية ما في رأس المتكلم والسامع – الحالة العقلية لإدراك كائن مجرد أو ببساطة امتلاك مضمون قصدي معين – يمكن أن يفهم المتكلم أو السامع الإشارات اللغوية. (Searle, J. 1983:198)

ولكن بتنام يعتبر فريجه من أنصار النزعة الخارجية، ونجد ذلك في مقالته “المعنى والإشارة”:

ثار فريجه ضد هذه النزعة السيكولوجيةpsychologism . ومع اعتقاده أن المعاني خاصية عامة – وأن المعنى نفسه يمكن أن يدركه أكثر من شخص واحد ويدركه أشخاص في أوقات مختلفة- طابق التصورات (ومن ثم “المفاهيم” أو “المعاني”) بكائنات مجردة بدلا من كائنات عقلية. (Putnam, H. 1973: 699-700)

3-  هيلارى بتنام وتجربة فكر الأرض التوأم

في مقالة “المعنى والإشارة” 1973 ومقالة “معنى”المعنى”” 1975 ومواضع أخرى برهن هيلارى بتنام Hilary Putnam (2016- 1929) على النزعة الخارجية الدلالية الخاصة بألفاظ النوع الطبيعي. وألفاظ النوع الطبيعي هي الكلمات الدالة على أنواع الشيء الموجود في الطبيعة مثل “ماء” وليست الكلمات الدالة على مصنوعات بشرية مثل “كمبيوتر”. وفكرتها الأساسية هي أن حدود النوع الطبيعي مثل “ماء” و”نمر” و”ألمنيوم” و”ذهب” تعني ما تعنيه لأننا نتفاعل تفاعلًا سببيًا مع الأنواع التي ترتبط بها هذه الحدود. والتفاعل مع الأنواع الطبيعية يكون شرطًا ضروريًا للمعنى ولا يكون شرطًا كافيًا له.

ويرفض بتنام وجهة نظر فريجه في المعنى على أساس أنها تترك مسألة المعنى في ظلام كما كانت دائمًا، وأن النظريات التي سلكت سبيلها خاطئة مثلها أيضًا. ولإثبات هذا يرى بتنام أن فريجه يفسر معنى meaning الألفاظ أو مغزاها sense أو مفهومها intension عن طريق افتراضين:

  • معرفة معتى اللفظ هي مجرد كون المرء في حالة نفسية معينة.
  • معنى اللفظ يحدد ماصدقه.

والرأي عند بتنام أننا لا نستطيع قبول هذين الافتراضين معًا. ولا بد من أن نتخلى عن أحدهما. ويقترح التخلي عن الافتراض الأول بينما يحتفظ بصورة معدلة من الثاني.

والسؤال الآن هو: بمقتضى أى شيء يملك لفظ “ماء” ما يملكه من معنى؟ الجواب عند صاحب النزعة الخارجية الدلالية أن معنى هذا اللفظ يتحدد جزئيًا عن طريق جوانب في العالم الخارجي. ويستخدم بتنام تجربة فكر الأرض التوأم لإثبات هذا. وتراه يطلب منا أن نتصور السيناريو التالي الذي يعود فيه الزمن إلى عام 1750 حيث لا توجد معرفة حقيقية بالكيمياء.

نتخيل كوكبًا مطابقًا تقريبًا للأرض وليكن اسمه الأرض التوأم. والناس الذين يعيشون على الأرض لهم نسخ مطابقة من الناحية الفيزيائية والبيولوجية والنفسية تعيش على الأرض التوأم. والأرض التوأم تشبه أرضنا في جمع الجوانب ما عدا جانب واحد

إحدى خصوصيات الأرض التوأم أن السائل المسمى “ماء” ليس يد2أ، وإنما سائل مختلف صيغته الكيميائية معقدة وطويلة جدًا. وسوف أختصر هذه الصيغة ببساطة على أنها XYZ. (Putnam, H. 1975: 223)

ومع ذلك كل الخواص التي يمكن ملاحظتها في يد2أ موجودة في XYZ أو قل الماء التوأم. فالماء التوأم مادة عديمة اللون، وعديمة الرائحة، وتوجد في الأنهار والبحيرات والبحار، وتسقط من السماء على هيئة مطر، ويستخدمها الناس في الشرب. ورغم أن  XYZيشبه الماء ظاهريًا، ويسميه أبناء الأرض التوأم “ماء” فإنه ليس ماء. والأنواع الطبيعية لها ماهيات يكون امتلاك ملامحها أمرًا ضروريًا وكافيا ليكون الشيء مثالًا لها.

والآن تخيل اثنين من المتكلمين هما أحمد على الأرض وأحمد التوأم على الأرض التوأم. وكل واحد منهما نسخة دقيقة من الآخر. ويتكلمان لغة إحدى كلماتها “ماء”. ويقول أحمد: “الماء يروى الظمأ”، وبصورة مماثلة يقول أحمد التوأم: “الماء يروى الظمأ”. ويقترح بتنام أنه رغم كونهما في الحالة النفسية ذاتها، فإن كلمة “ماء” لديهما تشير إلى شيء مختلف. وما دامت الفترة التي نبحثها قبل معرفة الكيمياء، فلا يعرف أحد على الأرض أو الأرض التوأم أن السائل الموجود حوله هو يد2أ أو XYZ. ومن ثم لا يستطيع المتكلمان تمييزهما كيميائيا. كلمة “ماء” عند أحمد لا تشير إلى XYZ وإنما تشير فقط إلى يد2أ ، وكلمة “ماء” عند أحمد التوأم لا تشير إلى يد2أ وإنما تشير فقط إلى XYZ. وما دام اللفظان يشيران إلى شيئين مختلفين، فإن أحمد وأحمد التوأم يعنيان شيئين مختلفين عندما يستعملان اللفظ. وإن شئت فقل المعنى مختلف لأن المادة مختلفة.

وهكذا يستنتج بتنام أن افتراض فريجه الأول (معرفة معنى اللفظ هي مجرد كون المرء في حالة نفسية معينة) خاطئ. لأن ما يدور في رأس أحمد وأحمد التوأم بالإضافة إلى حالتيهما النفسيتين يعجز عن تحديد ما يعنيانه باستعمالهما الخاص لكلمة “ماء”. والنزعة الخارجية للنوع الطبيعي إذن هي الموقف القائل إن معاني ألفاظ النوع الطبيعي لا تحددها الحالات النفسية، وإنما تحددها علاقات سببية مع النوع الطبيعي نفسه. وينتهي بتنام إلى القول: “اقطع الفطيرة بأية طريقة تحب، المعاني ليست فقط في الرأس”. (Putnam, H. 1975: 227; Berger, A. 2015: 315)

وتستطيع أن تضع الحجة في صيغة مقاربة على النحو التالي:

  • إذا كانت الحالة النفسية لمتكلم تحدد معنى اللفظ الذي يستعمله، فإن لفظ “ماء” لدى أحمد وأحمد التوأم سيعني الشيء نفسه ما داما متطابقين داخليًا أو نفسيًا.
  • ولما كانت المعاني تختلف باختلاف مادة الشيء المشار إليه، فإن أحمد وأحمد التوأم يعنيان شيئين مختلفين عندما يستعملان لفظ “ماء”.
  • وهكذا لا يتحدد المعنى عن طريق ملامح داخلية للمتكلم، وإنما يتحدد عن طريق جوانب في البيئة الفيزيائية. وإن شئت فقل: “المعاني ليست في الرأس فقط”.

ما الذي تعنيه النتيجة القائلة إن المعاني ليست في الرأس فقط؟ الجواب: تعني أمرين أحدهما سلبي والآخر إيجابي. فأما السلبي فهو أن الحالة النفسية لشخص لا تحدد معاني كلماته. وأما الإيجابي فهو أن المعنى يتحدد عن طريق مضمونه الواسع أو العلاقي، أي المضمون الذي يتحدد من خلال علاقة الشخص بالبيئة. يعتقد بتنام أن ما يوجد في رأس المرء لا يحدد ما يعنيه بالكلمات لأنه لا يحدد الإشارة. فأحمد على الأرض وأحمد التوأم على الأرض التوأم لا يعنيان الشيء نفسه بكلمة “ماء” لأنهما لا يشيران إلى الشيء نفسه. ولا يمكن استخلاص معنى الكلمة من الحالة النفسية للمتكلم لأن المعنى يعتمد على عوامل أخرى خارجية.

ويتعين على المتكلم فهم الظاهرة اللغوية الاجتماعية بدلا من الاقتصار على الجانب الخاص والفردي. وفكرة بتنام عن تقسيم العمل اللغوي   division of linguistic labour توحي لنا بأن المعاني لا بد من أن تكون معروفة على نحو ضمني (أو مرتبطة بالكلمات والجمل الملائمة) من جانب كل متكلم يعد متمكنًا تمامًا من استعمال اللغة. ويجوز أن يسمى هذا قيد العمومية: إنه يشترط أن المعاني لا بد من أن تكون عامة.(Putnam, H. 1986: 412) 

وخلاصة القول إن المعنى ليس ظاهرة نفسية، والمعاني ليست فردية وإنما عامة.

وبعد أن نشر بتنام أفكاره لاحظ كولين ماكجين وتايلر بيرج أن ما يصح للمعنى اللغوي يمتد إلى مضامين مواقفنا القضوية. ويبدو أن هذه المضامين ليست أيضًا في رؤوسنا. (McGinn, C. 2015:146)

 

4- تايلر بيرج وحجة التهاب المفاصل     

وجاء تايلر بيرج  (1946 –   ) Tyler Burge ليوسع النتيجة التي انتهي إليها بتنام، وجاء هذا التوسيع بطريقة ثلاثية: أولًا، إذا كان المضمون اللغوي متشخصًا بصورة خارجية، فكذلك يكون المضمون العقلي. وبالفعل إذا كانت الحالات العقلية نفسها تتشخص جزئيًا عن طريق مضامينها، فإن كون المرء في حالة اعتقاد مع هذا المضمون يكون مشخصًا بصورة خارجية أيضًا. ثانيًا، لا يعتمد المضمون العقلي على وقائع فيزيائية حول البيئة الخارجية فقط، وإنما يعتمد أيضًا على وقائع اجتماعية حول الطريقة التي تستخدم بها اللغة استخدامًا اصطلاحيًا في الجماعة اللغوية. ثالثًا، ليس فقط ألفاظ النوع الطبيعي هي التي يتم تشخيصها خارجيًا، وإنما مضمون ألفاظ النوع غير الطبيعي أيضا. (Kallestrup, J. 2012: 6)

في مجموعة من المقالات في مقدمتها “النزعة الفردية وما هو عقلى”، ومعاودة النظر في تجربتين للفكر”، و”الأجسام الأخرى” برهن بيرج على نزعة خارجية اجتماعية عن طريق حجة التهاب المفاصل. وتدور الحجة على النحو التالي:

تخيل أن أحمد يعيش في القاهرة ولديه مجموعة من الاعتقادات حول التهاب المفاصل، كثير منها صادق، ولكن في هذه الحالة يعتقد بصورة كاذبة أنه مصاب بالتهاب مفاصل في فخذه. ويذهب لاستشاره طبيبه ويقول: دكتور: “أعاني من ألم في فخذي، أعتقد أنه التهاب المفاصل”. وبعد سماع شكوى أحمد يصحح له الطبيب ويخبره بأنه لا يعاني من التهاب المفاصل لأن التهاب المفاصل لا يكون في الفخذ وإنما يكون في المفاصل.

والآن دع حالة أحمد كما هي. وتخيل حالة أخرى لشخص يدعى محمود له نفس حالة أحمد من الناحية الفسيولوجية والسلوكية، لكنه نشأ في مجتمع لغوي مختلف يمكن أن نسميه القاهرة التوأم. في مجتمع محمود، يشير مصطلح “التهاب المفاصل” إلى آلام العضلات والتهاب المفاصل معًا. وعندما يزور محمود طبيبه ويذكر التهاب المفاصل، لا يصحح له الطبيب.

والآن ما يوجد في مخ أحمد هو على وجه الدقة ما يوجد في مخ محمود، ولكن يبدو أن اعتقاد أحمد مختلف عن اعتقاد محمود. ومع ذلك فإن هذه الاختلافات “تنشأ من اختلافات خارج المريض”. وينتهي بيرج إلى القول: “من الضروري بصورة ميتافيزيقية أو تكوينية أنه لكي يملك المرء فكرة حول التهاب المفاصل لا بد من أن يكون في علاقات مع الآخرين الذين يكونون في وضع أفضل لتحديد المرض”. (Burge 1988: 350; Burge 2003b: 683; Burge 2007: 154)

والنتيجة التي يخلص إليها بيرج من حجة التهاب المفاصل هي أن معاني كلماتنا ومضامين اعتقاداتنا تتشكل جزئيًا عن طريق علاقات اجتماعية مع الجماعة التي نحيا معها.

ويقدم أصحاب النزعة الخارجية تجارب مماثلة للتجربتين السابقتين، ويحاولون توسيع النزعة الخارجية وتعميمها على كل المضامين. (انظر وليم لايكن Lycan 2001، ومايكل تاى Tye 2008، وجوناثان إيليس  Ellis 2010).

 

5- دونالد ديفيدسون والنزعة الخارجية المتعلقة بالإدراك الحسي

             

 يمكن أن تتخذ النزعة الخارجية الدلالية صورة فيزيائية أو صورة اجتماعية، وذلك اعتمادًا على نوع العوامل البيئية التي تبرز في تحديد المعنى الدلالي. ويمكن أن تتخذ الصورتين معًا. وفقًا للنزعة الخارجية الفيزيائية، تتحدد معاني المنطوقات ومضامين الأفكار جزئيًا عن طريق عوامل تنتمي إلى البيئة الفيزيائية للمتكلمين والمفكرين. وتبعًا للنزعة الخارجية الاجتماعية، تتحدد معاني المنطوقات ومضامين الأفكار جزئيًا عن طريق عوامل تنتمي إلى البيئة الاجتماعية للمتكلمين والمفكرين. وتضم النزعة الخارجية عند دونالد ديفيدسون Donald Davidson  (1917-2003)الصورتين الفيزيائية والاجتماعية معًا. ويسمى ديفيدسون رؤيته للنزعة الخارجية الفيزيائية بالنزعة الخارجية المتعلقة بالإدراك الحسي perceptual externalism. وتعتمد هذه النزعة على فكرة مفادها أن مضامين أفكارنا وأقوالنا تتحدد جزئيًا عن طريق تاريخ التفاعلات السببية مع البيئة. (Davidson, D. 2001:2)

يعتقد ديفيدسون أن معنى الكلمة يرتكز على الخلفية اللغوية للمتكلم وما تعلمه في الجماعة اللغوية. ويمكن أن نصور رؤية ديفيدسون للنزعة الخارجية، نحذو في ذلك حذو بيتر هاكر، بالطريقة التالية :

  • الخلاف الطبيعي: في نظرية المعنى يعتقد ديفيدسون بالطريقة التجريبية. تتخذ الكلمات وعلاقاتها بالأشياء والمواقف المناسبة مكانًا ملائمًا في نظريته.
  • العنصر السببي في المعنى: في مقالة “أسطورة الموضوعية” يوضح ديفيدسون فكرته عن العنصر السببي في المعنى عن طريق القول إنه “في الحالات البسيطة والأساسية للغاية تستمد الكلمات والجمل معناها من الأشياء والظروف التي تم تعلمها في حضورها”. ((Davidson.D. 2001:44 ويخبرنا أيضًا أن معنى الكلمة يعتمد على علاقة سببية بين الفاعل والعالم الخارجي.
  • العلاقة بين اللغة والواقع: اللغة عند ديفيدسون مثبتة في الواقع. حضور الماء سيكون صادقًا عندما يوجد ماء في الواقع الفعلي. ومع ذلك يعترف بوجود كثير من الكلمات في اللغة الطبيعية لا تملك علاقة سببية بالعالم، ولا نستطيع تعلم هذه الكلمات عن طريق نظرية التناظر في المعنى.
  • القيود الوراثية على المعنى لدى المتكلم: ترتكز إشارة الكلمة التي يستعملها المتكلم ومعناها على الرابطة بين الكلمات والأشياء. يقول ديفيدسون:

“التفسير الصحيح لما يعنيه متكلم لا يتحدد عن طريق ما يوجد في رأسه فحسب، وإنما يعتمد أيضا على التاريخ الطبيعي لما يوجد في الرأس”. (Davidson, D. 2001: 44; Hacker, P. 1998: 539-552; Claudine Verheggen, C. 2017: 145; Bernecker, S.2003: 443)

وعلى هذا النحو، فإن “إنسان المستنقع” swampman المخلوق للتو، الذي تصوره ديفيدسون بوصفه كائنًا بلا تاريخ سببي، لا يستطيع امتلاك المضامين التي نملكها، أو حتى امتلاك مضامين على الإطلاق.

 

6- أندي كلارك وديفيد شالمرز : النزعة الخارجية الفعالة

خلَف من بعد رواد النزعة الخارجية الكلاسيكية جيل من الفلاسفة الأحياء لا يعتمدون على النظرية السببية في الإشارة، وإنما يلتمسون أفكارهم في تأييد النزعة الخارجية من البحوث المتقدمة في فلسفة العقل والعلم المعرفي.

طور أندي كلارك ( Andy Clark (   – 1957 وديفيد شالمرز ( David Chalmers (  – 1966 صورة من النزعة الخارجية تعرف بالنزعة الخارجية الفعالة active externalism. وتعرف بأسماء أخرى مثل النزعة البيئية environmentalism، وفرض العقل الممتد mind hypothesis extended ، وفرض الإدراك الممتد hypothesis extended cognition . ووضع كلارك وشالمرز مصطلح النزعة الخارجية الفعالة لأول مرة في مقالهما المشهور “العقل الممتد” 1988. وطرحا السؤال: أين يتوقف العقل وتبدأ بقية العالم؟ وجاء الجواب مثيرًا ومستفزًا: العمليات الإدراكية “ليست كلها في الرأس”:

أين يتوقف العقل وتبدأ بقية العالم؟ يغري السؤال بإجابتين نموذجيتين. يقبل بعضهم حدود الجلد والجمجمة، ويقولون إن ما هو خارج الجسم يكون خارج العقل. وتأثر آخرون بالحجج التي تقترح أن معنى كلماتنا “ليس فقط في الرأس”، وتمسكوا بأن هذه النزعة الخارجية عن المعنى تنتقل إلى نزعة خارجية عن العقل. أما نحن فنقترح متابعة موقف ثالث. نحن نؤيد نوعًا مختلفًا جدًا من النزعة الخارجية: نزعة خارجية فعالة تستند إلى الدور الفعال للبيئة في قيادة العمليات الإدراكية. (Clark, A. and Chalmers, D. 1998: 7)

 

وتقوم النزعة الخارجية الفعالة على فرضين:

  • يمكن أن تمتد العمليات الإدراكية وراء المخ والجسم.
  • يمكن أن تتشكل الحالات الإدراكية جزئيًا عن طريق أشياء وعمليات بيئية غير بيولوجية.

والمثال الذي يبين أن العمليات والحالات الإدراكية يمكن أن تتشكل جزئيًا عن طريق جوانب في العالم المحيط بنا هو مثال أوتو فاقد الذاكرة. يرى كلارك وشالمرز أن بعض اعتقادات أوتو تشمل المعلومات المتضمنة في مفكرته.

الآن تأمل أوتو. يعاني أوتو من مرض الزهايمر، وهو يعتمد على المعلومات الموجودة في البيئة للمساعدة في تنظيم حياته، شأنه في ذلك شأن الكثرة الكبيرة من مرضى الزهايمر. يحمل أوتو مفكرته معه في كل مكان يذهب إليه. عندما يتعلم معلومات جديدة، تراه يكتبها. وعندما يحتاج إلى بعض المعلومات القديمة، تراه يبحث عنها. تؤدى المفكرة بالنسبة إلى أوتو الدور الذي تؤديه عادة الذاكرة البيولوجية. (Clark, A. and Chalmers, D. 1998: 12)

أراد كلارك وشالمرز من هذه الحالة بيان كيف يستطيع الفرد أن يعول على شيء خارجي، وهو هنا دفتر الملاحظات، بحيث يؤدي هذا الشيء الخارجي الدور الوظيفي، تخزين المعلومات واسترجاعها، الذي تؤديه الذاكرة الأحيائية للشخص العادي. ولذلك لا يوجد في رأيهما سبب جيد لعدم النظر إلى العملية الإدراكية لدى أوتو بوصفها نوعا من “الذاكرة الممتدة” حيث تتحقق العملية التذكارية الممتدة جزئيًا عن طريق شيء ما خارج الجمجمة.

وهكذا عندما تؤدي أنواع معينة من الأشياء، مثل الهاتف المحمول والتابلت، وظائف معقدة، فإن الأشياء تغير حوامل مضاميننا بالإضافة إلى كيفية معالجتنا للمعلومات. وعندما نعالج للمعلومات، فإننا نصل إلى الاعتماد على الأشياء مثل الهواتف المحمولة بحيث تصبح حرفيًا أجزاء من عقولنا، وأجزاء من ذواتنا. (Clark, A. 2008, 2010; Menary, 2007; Rowlands, 1999;  Sterelny, 2004, 2012; Wilson, 2004: Bernecker, 2014:1-2; Sprevak, M. and J. Kallestrup, 2014:79)

وتؤكد دعوى العقل الممتد على أن العمليات الإدراكية ليست مرتبطة فقط بجمجمة الأفراد أو حتى جلدهم، ولكنها تدمج بفاعلية تركيبات بيئية من قبيل الرموز، والأدوات، والمصنوعات، ووسائل الإعلام، والممارسات الثقافية، والأعراف، أو الجماعات والمؤسسات. وخلص كلارك وشالمرز إلى أن عقولنا وذواتنا تكون ممتدة ما دام لا يوجد حد فاصل بين أجسامنا وبين أشياء معينة وعوالمنا الاجتماعية. وإن شئت أن تستخدم عبارة شالمرز ، فقل إن العمليات الإدراكية يمكن أن تمتد خارج المخ والجسم لتشمل أشياء نتفاعل معها في بيئتنا .(Chalmers, D. 2019 : 9) ومضى بعض أنصار النزعة الخارجية الفعالة إلى ما هو أبعد من ذلك، وزعموا أنه لا يوجد أشخاص منعزلون على الإطلاق. (Noe 2006:411-434; Wilson 2010: 167-189)

ويوضح كلارك الاختلاف بين النزعة الخارجية الكلاسيكية والنزعة الخارجية الفعالة على النحو التالي:

الجوانب الخارجية التي تهم، في هذه الحالات ]الحالات التي وصفها بتنام وبيرج[، سلبية  passiveبشكل واضح ولا تؤدى دورًا في قيادة العملية الإدراكية هنا والآن. وعلى العكس من ذلك، في الحالات التي وصفها كلارك وشالمرز، نجد أن الجوانب الخارجية ذات الصلة تكون فعالة active . فهي جزء من الأدوات المحلية التي تؤدي دورًا سببًا في توليد الفعل. قم بطرح ترميز المفكرة، ولا يذهب أوتو إلى شارع 53 . ضع بدلًا منه ترميزًا يشير بطريق الخطأ إلى شارع 56 ، وينتهي أوتو إلى هناك بدلاً من ذلك. (Clark, A. 2014: 196)

على أن خصوم النزعة الخارجية الفعالة يعترضون على الفرضين (1) و(2). صحيح أنهم يعترفون بأن العناصر الخارجية ربما تسهم بطريقة سببية في المعالجة الإدراكية، ولكنهم ينكرون أن تقوم العناصر بدور تكويني في الإدراك. وإذا رجعنا إلى مثال أوتو، وجدنا أن الدعامات الخارجية، مثل مفكرة أوتو، ربما تساعد في إنجاز مهام إدراكية معينة، ولكن هذه الدعامات لا تزيد على كونها معونات للمعالجة الإدراكية الفريدة التي تحدث داخل الرأس.

واقترح بعض الفلاسفة طرقًا منوعة لوضع حدّ فاصل بين العقل والأشياء (Adams and Aizawa 2010). وذهب آخرون إلى أنه نظرًا لأن النزعة الخارجية الفعالة تستلزم أن العقل يستغرق الأشياء، فلن تكون هناك نزعة خارجية على الإطلاق. (Bartlett 2008)

وفي سياق مناقشة الخلاف المتكرر في علم الأعصاب بين أنصار التمركز وأنصار الكل في دراسة وظائف المخ، تجد ماريو بونجي (   – 1919) – الذي احتفل الفلاسفة والعلماء بمئويته في 21 سبتمبر من عام 2019 ولا يزال حيًا يرزق عند كتابة هذه السطور – يرفض دعوى العقل الممتد. مال أنصار التمركز مثل جالينوس وجال إلى الواحدية المادية، بينما مال أنصار الكل مثل جاكسون وفرويد إلى الثنائية، ويؤيد بونجي نزعة التمركز المعتدلة التي تؤكد على وجود تمركز وظيفي بالإضافة إلى التكامل، وشعارها ميز ولكن لا تفصل، أى ابحث عن مراكز للمخ ولكن لا تفصلها عن البقية. وينقد بونجي وجهة النظر القائلة إن الشخص الكامل بدلًا من المخ هو حامل المحمولات العقلية (Bennett, M., and P. Hacker. 2003). لأنه لو صح ذلك، فسيكون أصحاب الشلل الرباعي أغبياء. وإذا كان توسيع العقل إلى الشخص كله يعتبر ناقصًا في رأى بونجي، فلا عجب أن تجده متهكمًا من فكرة العقل الممتد عند كلارك. العقل الذي يشمل مقالة المفكر وقلمه ومكتبته وهاتفه المحمول، ويقول بونجي لماذا لا نعمم ونعتبر أن المطبخ ينتمي إلى “البطن الموسعة”، وأن حجرة الألعاب جزء من “الجهاز العضلي والهيكل العظمي الموسع”، وهلم جرا. وهذا لن يحدث لأن الأمخاخ لا يمكن استبدالها أو إصلاحها أو إهمالها مثل الأدوات. والخطوة الإضافية في عملية توسيع العقل ربما توصلنا إلى مذهب شمول النفس panpsychism.(ماريو بونجي، 2019: 425) وهو المذهب الذي يرى أن كل مادة طبيعية ذات طبيعة روحية شبيهة بطبيعة النفس، والصورة البارزة لهذا المذهب هي نظرية ليبنتز عن الموناد.

وأنت ترى إذن أن النزعة الخارجية الدلالية تطورت من النظرية السببية التاريخية في الإشارة إلى العقل الممتد. وفي النظرية السببية للإشارة لا تعتمد الإشارة ببساطة على ما يفكر فيه المتكلم فحسب، وإنما تعتمد أيضًا على عوامل معينة خارج رأس المتكلم، وترتبط هذه العوامل بالجماعة اللغوية للمتكلم والبيئة التي يستخدم فيها تعبيراته. وهكذا تنتهي النزعة الخارجية الدلالية إلى التخلي عن التفكير في أن الحالة السيكولوجية للمتكلم تحدد معاني كلماته، والتمسك بدلًا من ذلك بأن المفاهيم المهمة لمعرفتنا تصبح خالية من المعنى إذا لم تكن لها علاقة سببية بالبيئة أو الأشياء في العالم الخارجي.

 

 


 

المراجع:

  • Bennett, Max, and Peter Hacker. 2003. Philosophical Foundations of Neuroscience. Oxford: Blackwell.
  • Bernecker, Sven “Triangular Externalism.” In A Companion to Donald Davidson, edited by Ernie Lepore and Kirk Ludwig, West Sussex: Wiley Blackwell, 443-455.
  • Bernecker, 2014. “How to Understand the Extended Mind.” Philosophical Issues, 24, Extended Knowledge, 1-23.
  • Brown, Jessica. 2004. Anti-Individualism and Knowledge, MIT Press.
  • Burge, T. 1979. “Individualism and the Mental.” In French, P., Uehling, T., and Wettstein, H., eds., Midwest Studies in Philosophy4Minneapolis: University of Minnesota Press, 73-121.
  • Burge, T. 1982a. “Two Thought Experiments Reviewed.” Notre Dame Journal of Formal Logic3, 284-293.
  • Burge, T. 1982b. “Other Bodies.” In Woodfield, Andrew, ed., Thought and Object: Essays on Intentionality.Oxford: Oxford University Press, 97-121.
  • Burge, T. 1985. “Cartesian Error and the Objectivity of Perception.” In Pettit, P. and McDowell, J., eds. Subject, Thought, and Context. Oxford: Clarendon Press, 117-135.
  • Burge, T. 1986. “Intellectual Norms and the Foundations of Mind.” Journal of Philosophy83, 697-720.
  • Burge, T. 1988. “Individualism and Self-Knowledge.” Journal of Philosophy 85, 647-663.
  • Burge, T. 1989a. “Wherein is Language Social?” Reprinted in Owens J. ed., Propositional Attitudes: The Role of Content in Logic, Language and MindCambridge: Cambridge University Press, 113-131.
  • Burge, T. 1989b. “Individuation and Causation in Psychology.” In Pacific Philosophical Quarterly, 303-322.
  • Burge, T. 1995. “Intentional Properties and Causation.” In C. Macdonald (ed.), Philosophy of Psychology: Debates on Psychological Explanation. Cambridge: Blackwell, 225-234.
  • Burge, T. 1998. “Memory and Self-Knowledge.” In Ludlow and Martin eds., Externalism and Self-Knowledge. Stanford: CLSI Publications, 351-370.
  • Burge, T. 2003a. “Replies from Tyler Burge.” In Frapolli, M. and Romero, E., eds. Meaning, Basic Self-Knowledge, and Mind. Stanford, Calif.: CSLI Publications, 250-282.
  • Burge, T. 2003b. “Social Anti-Individualism, Objective Reference,” Philosophy and Phenomenological Research 73, 682-692.
  • Burge, T. 2003c. “Some Reflections on Scepticism: Reply to Stroud.” In Martin Hahn & B. Ramberg (eds.), Reflections and Replies: Essays on the Philosophy of Tyler Burge. Mass: MIT Press, 335-346.
  • Burge, T. 2007. “Postscript to ‘Individualism and the Mental.’” Reprinted in Foundations of Mind, by Tyler Burge. Oxford: Oxford University Press, 151-182.
  • Chalmers, David. 2019. “Extended Cognition and Extended Consciousness.” In  Matteo Colombo, Eliz Abeth Irvine and Mog Stapleton, (eds.), Andy Clark and His Critics, New York: Oxford University Press, 9-20.
  • Clark, A. 2008. Supersizing the Mind: Embodiment, Action, and Cognitive Extension. Oxford: Oxford University Press.
  • Clark, A. 2010. “Memento’s Revenge: The Extended Mind, Extended.” In The Extended Mind, R. Menary (ed.), Cambridge/MA: MIT Press, 43–66.
  • Clark, A. 2014. Mindware: An Introduction to the Philosophy of Cognitive Science, second edition, New York, Oxford: Oxford University Press.
  • Clark, Andy, David Chalmers. 1998. “The Extended Mind.” Analysis, 58: 7-19.
  • Davidson, Donald. 2001. “Externalisms.” in Interpreting Davidson, edited by P. Kotatko, P. Pagin and G. Sagal (eds.), Stanford, CA: CSLI Publications, 1-19.
  • Davidson, Donald . 2001. Subjective, Intersubjective, Objective, Oxford: Clarendon Press.
  • Hacker, P. M. S. 1998. “Davidson on Intentionality and Externalism.” Philosophy, Vol. 73, No. 286, 539-552.
  • Kallestrup, Jesper. 2012. Semantic Externalism, London and New Yourk: Routledge.
  • Ellis, J. 2010. “Phenomenal Character, Phenomenal Consciousness, and Externalism.” Philosophical Studies, 147.2, 279-298.
  • Loughlin, Victor and Karim Zahidi. 2017. “What Is Left of the Active Externalism Debate?.” European Journal of Philosophy, 25:4, 1614–1639.
  • W. 2001. “The Case for Phenomenal Externalism.” Philosophical Perspectives 15, 17-35.
  • McGinn, Colin. 2015.  Philosophy of Language: The Classics Explained, Cambridge, Massachusetts: The MIT Press.
  • Menary, R. 2007. Cognitive Integration: Mind and Cognition Unbounded, Basingstoke: Palgrave Macmillan.
  • Noe, A. 2006. “Experience without the Head.” In Gendler and Hawthorne, (eds.), Perceptual Experience. Oxford: Oxford University Press, 411-434.
  • Putnam, 1973. “Meaning and Reference.” The Journal of Philosophy, Vol. 70, No. 19: 699-711.
  • Putnam, Hilary. 1975. “The Meaning of ‘Meaning’.” Minnesota Studies in the Philosophy of Science 7: 131–93.
  • Putnam, 1981 Reason, Truth and History, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Putnam, 1990. “Is Water Necessarily H2O?’ in his Realism with a Human Face, Cambridge, MA: Harvard University Press, 54–79.
  • Putnam, 1996. “Introduction.” In Andrew Pessin and Sanford Goldberg (eds), The Twin Earth Chronicles, New York: M. E. Sharp, xv–xxii.
  • Putnam, 1999. “Brains in a Vat.” In Keith DeRose and Ted A. Warfield (eds), Skepticism: A Contemporary Reader, Oxford: Oxford University Press, 27–42.
  • Rakova, Marina. 2006. Philosophy of Mind A-Z, Edinburgh: Edinburgh University Press.
  • Rowlands, M. 1999. The Body in Mind: Understanding Cognitive Processes, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Searle, John R. 1983. Intentionality: An Essay in Philosophy of Mind, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sprevak, Mark and Jesper Kallestrup, 2014. “Entangled Externalisms.” In M. Sprevak et al. (eds.), New Waves in Philosophy of Mind, Palgrave Macmillan, 77-97.
  • Sterelny, K. 2004. “Externalism, Epistemic Artefacts and the Extended Mind.” The Externalist Challenge, R. Schantz (ed.), Berlin: De Gruyter, 239–254.
  • Verheggen, Claudine. 2017. “Davidson’s Semantic Externalism: From Radical Interpretation to Traingulation.”  Argumenta 3, 1: 145-161.
  • Wilson, R. 2004. Boundaries of the Mind: The Individual in the Fragile Sciences: Cognition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Wilson, R. 2010. “Meaning, Making, and the Mind of the Externalist.” In Menary, ed. The Extended Mind. Cambridge, Mass. MIT Press, 167-189.
  • صلاح إسماعيل (2020). نظرية المعرفة : مقدمة معاصرة، الطبعة الأولى، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
  • ماريو بونجي (2019). المادة والعقل : بحث فلسفي، ترجمة وتقديم صلاح إسماعيل، الطبعة الأولى، القاهرة : المركز القومي للترجمة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق