مقالات

التفريق بين الرأي والحقيقة – جون كورفينو

ترجمة: مروان الرشيد

يجادل جون كورفينو أن الزعم بأن «هذا رأيك لا غير» زعمٌ مُضِرٌّ ويجب أن يُودَع اللهب.

 

عند المجادلة في مسائل أخلاقية وأخرى مُثيرة للجدل، يسمع المرء هذا الزعم كثيرًا: «هذا رأيك ليس إلَّا». وهو زعم مُضر، وخاو من معنى جلي، ويجب أن يُودَع اللهب، أو هذا ما سأجادل عنه هنا.

عندما يصف أحدهم أمرًا بأنهُ رأي، نفترض أنه يريد أن يقارنه بأمر ليس رأيًا؛ والمُرشح الأوضح لهذه المقارنة هو «الحقيقة» (fact). قد يُغري الأمر الفلاسفة لأن يضعوا هذا التفريق، بتعريف الحقائق باعتبارها «حالات الأمور» (states of affairs) –الأحداث الموجودة في العالم بمُستقل عمَّا يعتقد بها أيُّ أحد– ويعرِّفون الآراء باعتبارها مُعتقدات (أو حالة ذهنية أخرى) حيال حالات الأمور. ووفقًا لهذه المُقاربة، يمكننا التفريق بين الحقائق والآراء باستخدام ما يُسميه باري وادل اختبارُ «المَنْ؟»: إذ إنه من المنطقي سؤالُ «رأي مَنْ هذا؟» لكن من المحال سؤال «حقيقةُ مَنْ هذه؟».

لكن هذه الطريقة في وضع التفريق تؤخِّر المشكلة فقط. فمن بين المعتقدات التي يحملها الناس إزاء العالم، تُوضَع بعضها في خانة «الحقيقة» غالبًا، وأخرى تُوضَع في خانة «الرأي» عادةً. أي أنهم يُباينون «المُعتقدات الحقيقية» من الآراء (مُعتقدات الرأي)، ومن المُناسب في هاتين الحالتين سؤالُ «مُعتقدُ مَنْ؟». والأمر ذاته ينطبق على «تعابير» المُعتقد: يمكننا أن نتحدث عن «أقوال الحقيقة» مُقابل «أقوال الرأي»، أو «مزاعم الحقيقة» مُقابل «مزاعم الرأي» وهكذا، وكل هذا في أفواه الفاعلين.

لنفترض إذن أننا نحصُر بحثنا في الأقوال، فإذا سألنا: «ما الفرق بين الحقائق والآراء؟» فنحن نسأل فعلًا: «ما الفرق بين أقول الحقيقة وأقوال الرأي؟».

قد يبدو هذا سؤالًا سهلًا، لكن غالبًا ما يُحيِّر غالبية الناس في الشارع. لاحظ أنهم لا يجدون صعوبة في تقديم أمثلة على الأمرين، أو في تصنيف أمثلة الآخرين. على سبيل المثال عندما يُعطَون هذه الأمثلة:

(ب) مذاق الحليب أحسن من مذاق العصير. (أ) ثمة عصير في ثلاجتي.
(ب) الأرض مَخلُوقة. (أ) الأرض تدور حول الشمس.
(ب) الإبادة العرقية خطأ. (أ) قُتِلَ الآلافُ في دارفور.
(ب) ديمقراطي سيفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة. (أ) رئيس الولايات المتحدة الحالي جمهوري.

 

سيقولون إن الأقوال (أ) حقائق، والأقوال (ب) آراء. لكن عندما يُسَألون أن يوضحوا مبدأ التفريق بين الاثنين –القاعدة التي تُخبرنا كيف نضع المقولة في هذا التصنيف أو في الآخر– غالبًا ما تنعقد ألسنتهم.

لقد حاول البعض أن يُفسِّروا التفريق لي بأن يجادلوا أنَّ الحقائق (facts) صادقة (true). هذه الإجابة ليست مفيدة على الإطلاق، بما أن الآراء تُقال عادةً باعتبارها صادقة، ولأن بعض مزاعم الحقيقة يتبين أنها خاطئة. على سبيل المثال، سيقول غالبية الناس إن القول إن الإبادة العرقية خطأ قول صادق، وأنه قد يكون في ثلاجتي عصير وقد لا يكون. التفريق بين الحقيقة/الرأي (fact/opinion) يتغاير باستقلال عن التفريق بين الصدق/الخطأ (true/false).

يقول آخرون إن الأقوال الحقيقية هي أقوالٌ «عينيَّة» (concrete) وليست «مُجرَّدة» (abstract)، لكن هذه الإجابة ستجعل جميع الأقوال الرياضية أقولًا ليست حقيقية، بما أنَّ الرياضيات تحتوي مفاهيمًا مُجردةً (الأرقام). ولا يفيد أيضًا القول –على الأقل من الوهلة الأولى– إن الحقائق «موضوعيَّة» (وليست «ذاتيَّة»)، بما أن بعض الأقوال –على الأقل– التي في خانة «الرأي» تتعلق بمسائل يمكن أن تكون صادقة (أو خاطئة) بغض النظر عمَّا يعتقده أيُّ فرد. على سبيل المثال، ما إذا كانت الأرض مخلوقة أم لا هي مسألة موضوعية، ولو أنها مسألة جدليَّة ويصعب البرهنة عليها. وإن كانت فعلًا مخلوقة، فهي مخلوقة سوى أعتقد أحد ذلك أم لم يعتقد، وكذلك العكس (سأتحدث أكثر على التفريق بين الذاتي/الموضوعي لاحقًا).

لرُبما المثال الأخير يقترح إجابة أفضل: أن الفرق بين الحقائق والآراء هو أن أقوال الحقيقة لا جدلَ فيها. لكن هذا الجواب لا يبدو صحيحًا أيضًا، إذ سيجعل معيار الحقيقة قائمًا على المُستمعين: مثلًا القول «الأرض تدور حول الشمس» ستكون حقيقة عند الأوروبيين الحديثين لكن عند الأوربيين في العصور الوسطى ليست كذلك. والقول «الأرضُ مخلوقة» حقيقة عند المؤمنين ولكنها ليست كذلك عند المُتشككين. والقول «الأرض مُسطحة» حقيقة عند المؤمنين بسطحية الأرض وليس كذلك عند بقيتنا. وما نفع التفريق بين الحقيقة/الرأي إن كان القول يمكن أن يكون أيًّا منهما اعتمادًا على السامعين؟

وإن كان الملاحظون العاديون يلتبس عليهم التفريق، فليس حال «الخبراء» أفضل بكثير. مدفوعًا بفضول معرفة التفسير المُتعارف عليه، غوغلت «الحقائق ضد الآراء» (هذه ليست طريقةً لإجراء بحث فلسفيٍّ جاد، لكنها يمكن أن تكون طريقة نافعة لقياس الأفكار الشائعة في موضوع ما). هذه كانت النتيجة الأولى التي ظهرت لي، من موقع «التفكير النقدي عبر مشروع المنهج الدراسي»:

«الحقيقة: قول عن واقعة. والحقيقة قائمة على الدليل المباشر أو التجربة الفعليَّة أو الرصد».

«الرأي: قول عن مُعتقد أو شعور. وهو يُفصح عن شعور الشخص حيال أمر. أما الآراء المتينة –رغم قيامها على حقائق– فهي وجهات نظر الشخص في موضوع ما وليست الحقائق بحدِّ ذاتها».

هذه الطريقة في التفريق تجعل القول «الأرض تدور حول الشمس» رأيًا –أو ليس حقيقة على الأقل– لأن أحدًا لم يرصد عَيَانًا هذا الدوران (وهذا يشمل رواد الفضاء!). كذلك تخلط بين الوقائع (ما سميناه سابقًا «حالات الأمور»)، وأقوال في الوقائع، والدليل على هذه الأقوال.

ولعل الأمر الأكثر إرباكًا هو تصنيف هذه الآراء بأنها «أقوال في المُعتقد»؛ فكما استخدمنا هذه المُصطلحات، جميع الأقوال تُعبِّر عن مُعتقد، وواجبنا هو تحديد أيًّا منها يُعبِّر عن مُعتقدات حقيقة وأيًّا يُعبِّر عن آراء.

لذا بحثت أبعد، فكانت هاتين النتيجتين الثانية والثالثة من بحثي السريع في الإنترنت، من الموقعين «واحة التربية» (Education Oasis) و«التعلُّم الساحر» (Enchanted Learning) على التوالي:

«الحقيقة هي قول يمكن البرهنة على صِدقه».

«الرأي يُعبِّر عن مُعتقد الشخص أو شعوره أو رؤيته أو فكرته أو حكمه حيال شيء أو شخص».

و

«الحقائق هي أقوال يمكن إظهار صِدقها أو البرهنة عليها أو أمور حدثت فعلًا. يمكنك أن تجد الحقائق في موسوعة أو مرجع آخر، أو يمكنك أن تراها بنفسك. على سبيل المثال، من الحقائق أن البروكلي مُفيد لك (يمكنك أن تبحث عن هذا في كتب الحميات الصحيَّة)».

«الآراء تُعبِّر عن كيف يشعر المرء إزاء شيء ما، والآراء ليس لها بالضرورة أساس منطقي. على سبيل المثال، من الآراء أن مذاق البروكلي طيِّب (أو سيء)».

كِلا المثالين يجعلان الحقيقة مرتبطة بقابليَّة البرهنة (provability). بيد أنه في الخطاب العمومي، يبدو أن «قابليَّة البرهنة» مُرتبطة بالسامعين أيضًا: فبينما يجد شخص أن دليل أنسلم الأنطولوجي (Anselm’s ontological argument) دليل كافٍ على إثبات وجود الإله (ما يجعل «وجود الإله» حقيقة عند ذلك الشخص)، وقد لا يجده أناس آخرون كذلك.

يُعلن موقع «واحة التربية» أن «الرأي يُعبِّر عن مُعتقد الشخص.. حيال شيء»، فهل إذا اعتقدت أن هناك عصير في ثلاجتي فإنِّي أُعبِّر عن رأيي ليس إلَّا؟ يُعقِّد موقع «التعلُّم الساحر» الأمر أكثر بزعم أنه يمكنك أن تبحث عن الحقائق في موسوعة (دائمًا؟ ألم توجد الحقائق قبل وجود الكتب؟)، وبإضافة مفهوم تقويمي («مُفيد لك») في أمثلة الحقائق.

إن كان هذا هو «التفكير النقدي» فسأكره أن أرى كيف يبدو التفكير الواهي.

دعوني أقدِّم ظنًّا: أن التفريق بين الحقيقة/الرأي مُلْتَبِس، وأن الناس حين يحاولون شرحه يخلطونه بتفريقات أخرى قريبة منه.

دعونا نرى ثلاثًا من هذه التفريقات الأخرى. لنرَ أولًا التفريق الفلسفي المُعتاد بين المُعتقد (belief) والواقع (reality). ففي الفهم السائد هناك العالم (الواقع)، وهناك تمثُّلاتنا (representations) لهذا الواقع (مُعتقداتنا: تَصْدُق أحيانًا وأحيانًا لا تَصْدُق). قد أعتقد أن هناك عصير في الثلاجة، سواء كان هناك عصير أو لم يكن. يمكنني أن أعتقد أن إلهًا خلق العالم، سواء أخلقه أم لم يخلقه، وسواء وجِدَ أم لم يوجد. وعلى العموم نحن نحاول قدر الإمكان أن نجعل معتقداتنا دقيقة في تمثلها للواقع، بيد أن هذا لا يُزيل الفجوة (سيقول البعض: «الهوة») بين الاثنين.

المشكلة طبعًا تتمثل في أن محاولات سد هذه الفجوة تمرُّ من خلال ملكاتنا الإدراكيَّة القاصرة. فالمعتقدات في الواقع تبقى معتقدات، وبعضها -رغمًا عن أفضل جهودنا- يتبيَّن خطؤه. ويصدق هذا سواء كنا في شأن المعتقدات التي نجدها في خانة «الحقيقة» («ثمة عصير في ثلاجتي») أو في خانة «الرأي» («الأرض مَخلُوقة»). وبعبارة أخرى، الحقائق والآراء قد ينجحان في تمثيل الواقع أو قد يخفقان، وعلى هذا فإن التفريق بين الحقيقة/الرأي ليس مُطابقًا للتفريق بين المُعتقد/الواقع.

التفريق الثاني بين الذاتي/الموضوعي. يكون الشيء ذاتيًّا بقدر ما يكون مُعتمدًا على العقل، ويكون موضوعيًّا بقدر ما يكون مُستقلًّا عن العقل. بالنظر إلى هذا التعريف، جميع المعتقدات (باعتبارها معتقدات) ذاتيَّة، لأن المعتقدات معتمدة على العقول. ولأننا عاملنا الحقائق والآراء معاملة أقوال في المُعتقدات، فإنهما جميعًا يتصفان بالذاتية. وبعبارة أخرى، بمقدورنا دائمًا أن نسأل: «مُعتقد مَنْ؟» أو «قول مَنْ؟».

بطبيعة الحال ثمة أنواع مختلفة من المعتقدات والأقوال؛ بعضها حيال مسائل موضوعيَّة كوجود عصير في الثلاجة، وبعضها حيال مسائل ذاتيَّة كأيِّ مشروب ألذ العنب أم البرتقال. لربما التفريق بين الحقيقة/الرأي يتبع التفريق بين الأقوال ذات المحتوى الموضوعي (الحقائق؟) وتلك التي لها محتوى ذاتي (الآراء). ولكن إن كان الأمر كذلك، سنحتاج أن نُراجع ما يوضع عادةً في كلِّ خانة. على الخصوص القول بأن «الأرض مَخلُوقة» يجب أن يُنقل لخانة «الحقيقة»، بما أن خلق الأرض مسألة موضوعية؛ فهي مخلوقة (أو غير مخلوقة) بمستقل عمَّا نعتقد حيال حدوث هذا. والأمر نفسه ينطبق على مقولة «الإله موجود» – فهي ليست رأيًا في هذه الخِطَّة– وإنما زعم حقائقي (قد يكون صادقًا أو خاطئًا).

وليس جليًّا على الإطلاق أن مقولة «الإبادة العرقية خطأ» يجب أن تبقى في خانة «الرأي»؛ فعلى الرغم من أن بعض الفلاسفة يرى أن المُعتقدات الأخلاقية ذاتيَّة، إلَّا أن الكثير لا يرون هذا. علاوة على ذلك هناك حدس بديهي قوي أن الإبادة العرقيَّة خطأ بغض النظر عن مُعتقد أيِّ أحد بخطئها، مما يوحي أن هذا الزعم زعم موضوعيٌّ وليس ذاتيًّا. لذا فرغم أن التفريق بين الموضوعي/الذاتي قد يكون تفريقًا مُفيدًا في تفسير التفريق بين الحقيقة/الرأي، إلا أن اعتماد هذه المقاربة سيتطلب منا مُراجعة تفكيرنا السائد في الحقائق والآراء. وهذا ليس شيئًا سيئًا بالضرورة بما أن تفكيرنا السائد –كما رأينا– في الحقائق والآراء يبدو مُلتبسًا إلى حدٍ كبير.

لنرَ أخيرًا التفريق بين الوصفي/المعياري. المقولات الوصفيَّة تصف أو تُمثِّل العالم، أما المعياريَّة فهي تُقوِّمه. على سبيل المثال: القول إن الآلاف قُتِلوا في دارفور وصفي، أما القول إن قتلهم خطأ فهو معياري.

يُدعى التفريق بين الوصفي/المعياري أحيانًا تفريقًا بين الحقيقة/القيمة، وهو ما قد يقود إلى لبس مع تفريق الحقيقة/الرأي. لكن مِنْ مَثَار الجدل ما إذا كانت جميع المزاعم المعياريَّة مسائل رأي. وعلاوة على هذا العديد من أمثلة «الرأي» المتعارف عليها ليست معياريَّة: خذ مثلًا «الإله موجود» أو «ديمقراطي سيفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة». ولو أن التفريق بين الحقيقة/الرأي متطابق مع التفريق بين الحقيقة/القيمة، فسيكون علينا مرة أخرى أن نُراجع تفكيرنا السائد إزاء الحقائق والآراء.

بعد أن فصلنا بين هذه التفريقات المختلفة، ونظرنا في المحاولات المتعددة لشرح الفرق بين الحقيقة والرأي، يمكن لنا أن نقترح هذه التعريفات:

  • قول الحقيقة هو قول له محتوى موضوعي ومُدعَّم بالدليل المتوفر.
  • قول الرأي هو قول محتواه إما ذاتي وإما ليس مُدعَّمًا بالدليل المتوفر.

لهذه التعريفات عدة مزايا. الأولى أنها تلتقط الهموم التي تقود الناس إلى الإصرار على التفريق بين الحقيقة/الرأي في المقام الأول، على الخصوص القلق من أن المزاعم يجب ألَّا تُقبل بلا بينة قوية. والثانية أنها تُفسِّر لماذا بعض المسائل الموضوعية –على الخصوص مسائل جدلية كوجود الإله أو التنبؤات بالمستقبل– تُوضع في فئة الرأي، رغمًا عن مُحتواها الموضوعي. والثالثة أنها تجتنب الارتباك الذي تعاني منه المُقترحات السابقة. ومع ذلك، فما تزال نسخة منقحة إلى حدٍ ما: فهي لا تلتقط الاستخدام اليومي للكلمات التقاطًا تامًّا (بما أن الاستخدام اليومي مُضطرب ومُلتبس)، لكنها بدلًا عن ذلك ترمي إلى صقل هذا الاستخدام.

لِمَ نُبالي بالتفريق بين الحقيقة/الرأي؟ أحدُ الأسباب أن التفكير المُحْكَم نفيسٌ في حدِّ ذاته. لكن ثمة سبب آخر أكثر برغماتية. فعلى الرغم من عدم جلاء المعنى، فإن الزعم القائل «هذا لا يعدو أن يكون رأيُكَ» له استخدام جلي: إنه يستخدم لإنهاء النقاش. وهو طريقة للإنقاص من الزعم، بجعله مسألة من مسائل الذوق التي لا يمكن المُنازعة فيها (De gustibus non est disputandum: لا نزاع في الذوق).

وحقًا، فإن تصنيف «الرأي» لا يُستخدم للتقليل من مواقف الآخرين فقط، بل أيضًا لتفريغ موقف المُتحدِّث. واعترافًا بأن مُعتقدًا شخصيًّا يختلف بشدة عن معتقدات الآخرين وثقافاتهم قد يستنتج المرء «هذا لا يعدو أن يكون رأيي، وهو ليس بأحسن من آراء الآخرين». هذا الاستنتاج قد يكون مرجعه تواضع جدير بالإعجاب، لكن من ناحية أخرى قد يكون له أثر خبيث: إذ يؤدي إلى ضرب من الوهن والتضعضع، حيث يُحْجِم الإنسان عن مُناصرة قناعاته خشية أن يفرض «مُجرَّد آراء». وتحفُّظ من هذا القبيل يتعارض مع الحس السليم؛ إذ إنه من الأكيد أنَّ بعض الآراء مدروسة ومُلمة ومتماسكة أكثر وأهمُّ من آراء أخرى.

هذا التقليل من الآراء مُقْلِق خصوصًا في المناظرات الأخلاقية. فالمُناظرات الأخلاقية مناظرات عمليَّة –فيما يجب أن يُفْعَل– وتُعْنَى بقيمنا: أي الأشياء التي تهمُّنا. إما أن نرسل جنودًا إلى سوريا أو لا نُرسل، إما أن نسمح بزواج المثليين أو لا نسمح، إما أن نكذب على والدينا إزاء ما حصل بالسيارة أو لا نكذب. وتصنيف هذه المسائل على أنها «مسائل رأي» لا يجعلها أقل أهمية أو حيوية.

لذلك أقترح أن نتخلى عن التفريق المُلتبس بين الحقيقة/الرأي، وأن نتخلى خصوصًا عن الرد الصارف للنظر القائل «هذا رأيك لا غير». وعلينا نركز بدلًا عن ذلك على ما إذا كان الناس يقدمون أسبابًا وجيهة للمزاعم التي يطرحونها؛ أي، أسباب تضطرُّنا إلى مشاركتهم وجهات نظرهم. ومهما يكن من أمر، هذا رأيي. وإن كنت ترى رأيًا أفضل منه، لا تقل ذلك وحسب؛ بل أخبرنا لِمَ.

 

 


 

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق