Newphilosopher

السفر: تحقيق أكبر قدر من الفرق – بيتر سنغر

ترجمة: آية علي

يجري زان بوغ مقابلة مع بيتر سنغر لمناقشة المسائل الأخلاقية التي تنشأ عن السفر. بيتر سنغر إيه سي Peter Singer AC هو أستاذ الأخلاقيات الحيويّة Bioethics بجامعة برينستون، وأستاذًا فخريًا في مركز الفلسفة التطبيقية والأخلاقيات العامة بجامعة ملبورن. وتشمل كتبه: كيف يمكننا العيش؟ والحياة التي يمكنك إنقاذها، وأكثر شيء جيّد يمكنك القيام به. وفي عام 2012، حصل على وسام Companion of the Order of Australia لخدماته في مجال الفلسفة والأخلاقيات الحيويّة. اختير كواحد من العشرة مفكّرين الأكثر نفوذًا في أستراليا عام 2006.

 

زان بوغ: أود أن أبدأ بسؤال يتعلق بالمسائل الأخلاقية التي تنشأ عن السفر بشكل عام وعن السياحة بشكل خاص. ويتمثل الفرق الذي أُحدثه بين الأمرين في القول بأن للسفر هدفا من نوعٍ ما، سواء كان للمعمل أو لزيارة الأسرة أو الدراسة أو التعليم الذاتي، في حين أن السياحة لا تتجاوز كونها رحلات تلذّذية تهدف إلى الاستمتاع وتكون بغرض الترفيه وحسب. إذا أراد الناس السفر كسائحين، فكيف يمكنهم تحقيق أقصى قدر من المنفعة لمن هم بحاجة إليها في تلك المناطق؟ هل من الممكن أن تكون سائحًا أخلاقيًا؟

بيتر سنغر: هذا أمر يحتاج الناس لأن يفكّروا فيه: هل يفعلون شيئًا مهمًا، أم أن هنالك قضايا أكثر أهمية من السياحة؟ وما موقع الأموال التي تنفقها على السياحة من تلك الميزانية؟ أظن أن هذه مسألة أخلاقيّة. يمكنك ان تسافر بطريقة أخلاقية، لكنّ ذلك أمر معقّد. سيتعيّن عليك التفكير فيمن يحصل فعليًّا على معظم الأموال التي تنفقها -من الواضح أن هنالك دولًا أكثر فقرًا توفر فرص عمل قيمة وتقدّم المساعدة- لكن معظم أموالك تذهب على الأرجح لمن يملك الفندق الذي تقيم فيه، أو غيره من المرافق التي تستخدمها. لذا إن كنت جادًا حقًا بشأن ذلك فعليك إجراء بعض الأبحاث حول الأجور التي يتلقاها الناس ومدى فائدتها لهم. من الواضح أن باستطاعتك فعل هذا الأمر. لكن معظم العطلات التي يقضيها الناس كسائحين، من المبالغة القول: «إنّ ما أفعله مبرّر لأنه يعود بالنفع على أهالي البلدة التي أزورها».

زان بوغ: في كتابك أكثر شيء جيد يمكنك القيام به، تكتب عن تقدير الذات أن «الأساس الأكثر رسوخًا ومتانة لتقدير الذات هو أن تعيش حياةً أخلاقية، أي حياةً يساهم فيها المرء إلى أقصى حد ممكن في أن يجعل العالم مكانًا أفضل». إن النظر إلى بناء تقدير الذات بهذه الطريقة يتطلب نظرة عالمية تطالبنا بالنظر إلى ما هو أبعد من حدودنا لنرى -أو ربما ينبغي أن أقول لنشعر– بمعاناة الآخرين. لكن هل يمكننا حقًا أن نأخذ على عاتقنا أمر معاناتهم الكبيرة دون أن نكون موجودين لرؤيتها بشكل مباشر؟ هل يمكن أن يؤدي السفر للأماكن التي تضم الأشخاص المعوزين إلى رفع احتمالية منح المزيد لهم، سواء كان ذلك على شكل نقد أم أشياء عينيّة؟

بيتر سنغر: هذا ممكن، وهناك بعض الحالات التي يحدث فيها ذلك. أنا متأكد من أن هناك أشخاصًا بمقدورهم أن يقولوا: «لم أفعل ما فعلته لو لم أذهب إلى هناك ورأيت الوضع بنفسي، حينها قرّرت إنشاء منظمة غير حكومية تستطيع فعل شيء حيال الأمر». أعرف أشخاصًا فعلوا ذلك بالضبط، وبعض تلك المنظمات ناجح للغاية؛ هناك شخص ذهب للترحال في نيبال فأسس منظمة غير حكومية تساعد في بناء المدارس في المناطق النائية، وهكذا. أجل، يمكن أن يحدث ذلك، لكن ليس عليك أن تفعل ذلك لتدرك أن الناس يعانون. لدينا مجموعة مذهلة من المعلومات التي يمكننا الحصول عليها الآن؛ كالمعلومات المرئية التي يمكننا الاختيار من بينها على الانترنت، وأنواع مختلفة من التقارير، كما يمكننا سماع شهادات الناس، ورؤية ما يحدث. قد تكون التجربة المباشرة ضرورية لبعض الأشخاص، لكنها ليست كذلك بالتأكيد بالنسبة لمعظم الناس، إذ يكفي أن نرى الأرقام: يموت الكثير من الأطفال دون سن الخامسة بسبب الإسهال أو الحصبة أو الملاريا. ربما تكون والدًا، لذا فأنت تعرف شعور فقدان طفل صغير، لذا فأنت تعرف هذا بالفعل؛ أي لا داعي لأن ترى طفلًا يموت من أحد هذه الأمراض، كما أن معظم السائحين لن يصادفوا مثل هذا الموقف أبدًا. لكن قد يكون هناك بعض الأشخاص الذين يُحدث معهم مثل هذا الأمر فرقًا كبيرًا. لكن الأشخاص الذين ينجذبون بشدة إلى حركة الإيثار الفعّال، والذين أوجه لهم ذلك الكتاب، لا يحتاجون إلى ذلك، لأنهم من نوع الأشخاص الذين يتأثرون في العادة بعقولهم كما يتأثرون تمامًا بقلوبهم.

زان بوغ: ما الذي يجعلهم مختلفين؟ ما الذي يجعلهم يستجيبون على هذا النحو دون الحاجة لأن يروا الأمر بأنفسهم؟

بيتر سينجر: لا أملك إجابة لهذا السؤال، لكنّني أعتقد أن الناس يولدون مختلفين وحسب؛ أي إن للناس طرقهم المختلفة. فبعض الأشخاص يتأثرون بعواطفهم أكثر، ولا يستوعبون الأشياء حق الاستيعاب بالطريقة التحليلية، بينما يوجد العكس. مع أنه قد يكون هناك بالطبع صلة بين الأمر وبين طريقة نشأتك وتعليمك.

زان بوغ: أهو أمر يمكن تعلّمه؟

بيتر سينجر: أعتقد ذلك، وآمل حقًا أن يكون كذلك لأن هذا جزء ممّا تحاول حركة الإيثار الفعّال أن تفعله: نشر فكرة أنك بحاجة لأن تستخدم عقلك إلى جانب قلبك للتأكد من أن تبرعاتك فعّالة قدر الإمكان. آمل أن يدرك الناس أنه ليس بالضرورة أن يكون شعورهم القوي حيال شيء ما هو السبب الأفضل لدعم تلك القضية بالذات. مثال على هذا الأمر: هناك الكثير من الناس الذين يمتلكون مشاعر قوية وجياشة حيال الكلاب، لذا يقولون:»أحب الكلاب، ولهذا سأتبرع لمنظّمة تنقذ الكلاب الضالة أو المهجورة«. لكن من خلال التحدث كثيرًا مع هؤلاء الأشخاص، يمكنك أن تجعلهم يرون أن هناك عدد كبير من الخنازير الذين يتعرضون لسوء المعاملة في المزارع الصناعية، والذين يفوق عددهم عدد الكلاب الضالة … وأن بمقدورنا أيضا فعل شيء أكثر فعالية من حيث التكلفة حيال هذا الأمر من مجرد رعايتنا للكلاب الضالة. لذا فعلى الرغم من أنهم قد لا يملكون أي ارتباط عاطفي بالخنازير، إلا أنّ بمقدورهم أن يفهموا أوجه التشابه، وأنّ الخنازير تعاني بقدر معاناة الكلاب، ويمكنهم أن يتفقوا على أنّ عليهم دعم تلك المنظمات التي تحاول إيقاف المزارع الصناعية لتربية الخنازير.

زان بوغ: أود العودة إلى كتابك أكثر شيء جيد يمكنك القيام به، والذي تكتب فيه عن الخيار الذي اتخذته قبل عدة سنوات بتحديد الاتجاه الذي عليك أن تركّز جهودك فيه، وتوجّه وقتك، وقدراتك، وطاقتك، في سبيل قضيّةٍ ما. فبدلًا من أن تختار القضية الأكثر إلحاحًا -وهي القضية التي تحتاج إلى تدخل عاجل- أو القضية الأهم في نظرك، فقد رأيت أن تساهم في الموضوع الذي يمكنك إحداث أكبر فارقٍ مُمكن فيه. لقد لاحظتَ أنه بينما كان هناك العديد من الأشخاص المؤهلين للغاية والذين يقومون بحملات عن الفقر العالمي والحروب ونزع السلاح النووي، فإنّه لم يكن هناك الكثير ممن يركزون على الدعوة إلى تغيير الوضع الأخلاقي للحيوانات. بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في تكريس وقتهم لقضيةٍ ما، كيف يمكنهم تحديد أفضل مكان يستطيعون أن يصنعوا فيه فارقًا؟

بيتر سينجر: في البداية علينا أن ندرك أن هذا سؤال جيد. والسبب الذي جعلني أكتب هذا الجزء في الكتاب هو أنّني كنت أردّ على أحد أكبر مستشاري الأعمال الخيرية في العالم، وهي مؤسسة مستشارو روكفلر للأعمال الخيرية، الذين ذكروا في إحدى منشوراتهم أن هذه القضية هي أكثر قضية مُلحّة (يتعيّن عليك العمل عليها). وكنت أحاول أن أوضّح لهم أنّها قد لا تكون أكثر قضية ملحة يتعيّن عليك العمل عليها، بل القضية التي يمكنك أن تصنع فيها أكبر قدرٍ مُمكن من الفرق الهامشي. وهذا – أي حيث يمكننا إحداث التغيير – هو شيء لا يفكر فيه كثير من الأشخاص الذين يشاركون في المؤسسات أو الأعمال الخيرية والتطوعية. ولكن بمجرد أن تفكّر في الأمر، تجده أمرًا بديهيًا، وأن هذا ما يجب عليك فعله حقًا. لكن الإجابة ستعتمد على مجموعة مهاراتك الشخصية. ما الشيء الذي تفتقر إليه منطقة ما، ويمكنك إحضاره إليها؟ بم يمكنك أن تفيد مجموعة أو منظمة محلية؛ إلى ماذا يفتقرون؟

زان بوغ: لقد استخدمت مثال الاحتباس الحراري مقابل الملاريا: أن هناك العديد من المنظمات الكبيرة التي تعالج المشاكل التي نواجهها بسبب الاحترار العالمي، لذا فعلى الرغم من أنّها قضية مُلحّة، إلا أنه ربما يكون الناس قادرين على إحداث فرق أكبر من خلال استغلال طاقاتهم في تقليل المعاناة الناجمة عن الملاريا.

بيتر سينجر: هذا مجرّد مثالٍ مُحتمل، فأنا لا باس عندي أن يعود إليّ شخص ما ويقول: «إليك هذه المنظمة الرائعة التي تعمل على الحد من ظاهرة التغير المناخي أو تغيير سياسات تغيّر المناخ، ولديها هذه الاستراتيجيّة التي أرى أنها ستنجح». إذا كنت في ذلك الموقف وكنت تعتقد أنّها استراتيجيّة قابلة للتنفيذ، وأنّ بإمكانك إحداث فرق في فرصتها للنجاح -حتى وإن كانت فرصة ضئيلة كون تغير المناخ يمثل قضية كبيرة- فربما يكون ذلك يستحق الفعل. لذا فأنا لا أحاول استبعاد فكرة أن التغير المناخي قد يكون قضية جيدة، وكل ما أحاول قوله هو إن عليك التفكير في أن التغير المناخي لا يمثل قضية ملحة وحسب، بل أنه قضية ملحة وتأتي معه بطريقة ممكنة للتأثير عليه.

زان بوغ: أودّ العودة لبضع سنوات إلى كتابك لعام 2009 الحياة التي يمكنك إنقاذها، والذي تطرح فيه فكرة أن على السفر ألّا يكون عشوائيًا، بل يجب أن يكون له هدف، وهو هدف تقليل المعاناة الإنسانية. هل يجب أن يكون للسفر غاية؟

بيتر سينجر: أعتقد ذلك. لقد كنا نتحدث للتو عن التغير المناخي، وحقيقة أن معظم الرحلات التي نقوم بها تشمل حرق الوقود الأحفوري تعطينا سببًا آخر لأن يكون للسفر غاية. الناس معتادون على فعل ذلك كثيرا، وكان والداي يفعلان ذلك عندما كنت طفلًا، كانا يقولان: «إنه يوم أحدٍ جميل، لنذهب في رحلة بالسيارة». لذا كانا يستقلّان السيارة ويقودان إلى الخارج نحو سلسلة جبال داندينونج، وربّما يتوقفان ويترجّلا لتمشيةٍ قصيرة في مكانٍ ما، لكنهما كانا قد خرجا في الأساس بهدف خوض رحلة بالسيارة. بالنسبة لي، فإن هذا الفعل يبدو لي في الوقت الحالي فعلًا مستهترًا. إذا كنت تحرق الوقود الأحفوري فأنت بذلك تساهم -قد تكون مساهمةً صغيرة، لكنها تظلّ مُساهمة- في التغير المناخي. يجب أن يكون لديك سبب للقيام بذلك، وليس لمجرد أنه «شيء تستمتع بفعله»، مع أن بمقدورك الاستمتاع بأشياء أخرى كذلك مثل التمشية دون قيادة السيارة لفترة طويلة قبل ذلك. سيكون لذلك تأثير أقل على التغيّر المناخي.

زان بوغ: إننا في الغرب ننظر إلى «السفر» كطقس عبور، كشيء نتعلم منه وننمو؛ شيء سيمنحنا السرور والذكريات الجميلة. لكن بالنسبة للعديد من الآخرين، فإن السفر يأخذ معنى مختلفًا تمامًا؛ معنى الهروب من المجاعة أو الحرب أو الاضطهاد. وهذا بعيد كل البعد عن رحلات الاستمتاع الخاصة بالغربيين. ما هي مسؤوليتنا تجاه اللاجئين -المسافرين المُجبرين على الترحال- وما الذي يمكننا فعله لمساعدتهم على أفضل وجه؟

بيتر سينجر: أعتقد أنه يجب علينا أن نساعد اللاجئين في البحث عن ملجأ من الاضطهاد، وهذا أمر تقع على عاتق أستراليا مسؤولية كبيرة للقيام به؛ أن تستوعب عددا كبيرًا من اللاجئين. أعتقد أن هذه مسؤولية مهمّة. لكن لا بد من أن يكون لديك منظور تاريخي قصير المدى للاعتقاد بأن هناك فرقًا بين وجهة النظر «الغربية» ووجهات النظر «الأخرى». لقد كان هناك الكثير من اللاجئين في الحضارة الغربية في الآونة الأخيرة، بما فيهم والديّ. إنها مسألة جغرافية إلى حدٍّ ما، كما أن الوقت الحالي يعدّ حادثة تاريخية: أنه لا يوجد الكثير من اللاجئين من الدول الغربية بينما هناك الكثير من دول أخرى عديدة. هذا أمر يمكن أن يتغيّر. لا أعتقد أنه ثيمة غربية متميزة، بل مجرد حال العالم في الوقت الحالي.

زان بوغ: أود معرفة وجهة نظرك في مسألة الحدود؛ علامات محددة بوضوح لمنطقة ما على خريطة تبقي الناس إما في الداخل أو الخارج. هل تعد الحدود جزءًا من سبب حدوث الكثير من المعاناة؛ هذا التمييز «بيننا» و«بينهم»؟

بيتر سينجر: لو كنا نعيش في عالم عقلاني مثالي لكان الجواب نعم، ولم تكن لتوجد الحدود، ولكان للناس حركة مفتوحة بحرية حول العالم. لكن أعتقد أن هذا محض خيالات في الوقت الحالي، أما في المستقبل المنظور فلن يقبل الناس بذلك. لذا فمن الناحية العملية، وفي العالم الواقعي، فإن الحدود هي سبب الكثير من المعاناة، ولكن إن لم تكن موجودة لكان هناك أشكال أخرى كثيرة من المعاناة. كنا سنشهد قتالات في الشوارع، وأناس يحاولون الحفاظ على «دولتنا» «لنا». وقد رأينا هذا بالفعل في العديد من الدول، وربّما في أستراليا أيضا إلى حدٍّ ما، كما شهدناه بالتأكيد في أوروبا مع ظهور المزيد من الجماعات اليمينية. ولأنهم أكثر ثراءً فإن هذه المسألة مسألة قيمٍ كذلك. إنّها إلى حد ما مسألة ارتباط عرقي بأشخاص آخرين، حسب البلد. وفي رأيي أن توسع الاتحاد الأوروبي أمر إيجابي بكل تأكيد. قد يقول بعض الناس أن الموضوع قد حدث بسرعة كبيرة لدرجة أن الناس عاجزة عن مواكبة الأمر واستيعابه، وأن هناك بعض ردود الفعل العكسية العنيفة الآن، لكنني أعتقد بالتأكيد أنه كان إيجابيًا جدًا بالنسبة للعديد من الدول التي قُبلت حديثًا، أي الدول حديثة العهد نسبياً في الاتحاد الأوروبي. لقد فعلوا أكثر بكثير ممّا كان بمقدورهم تحقيقه، كما شهدنا امتدادًا لبعض الأفكار الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان والمعايير العليا لرفاه الحيوان في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي في بلدان لم تكن لتحظى بهذه المعايير قط لولا انضمامها للاتحاد الأوروبي. لذا ففي حين أن الأمر غير مثالي من نواحٍ كثيرة، إلا أننّي أعتقد أنه مرغوب. وفي نهاية المطاف، آمل أن يحدث شيء من هذا القبيل على نطاق عالمي، ولكن ذكرت، فما يزال أمامنا الكثير من الوقت على ذلك.

زان بوغ: يجعلك عملك في تنقّلٍ مُستمر بين أستراليا والولايات المتحدة؛ من ثقافة ومناخ محددين إلى غيرهما. هل تعتقد أنك «بيتر» مختلف في كل مكان؟ ما تأثير الحركة وتغيير المشهد عليك وعلى شعورك بالهويّة؟

بيتر سينجر: لا أشعر بأنني شخص مختلف، بل بأنني الشخص ذاته. ربما لديّ أمورٌ مختلفة أقدمها في أماكن مختلفة لأن هناك سياقًا فكريًا في الولايات المتحدة يختلف عن نظيره في أستراليا؛ أشياء أقولها في الولايات المتحدة قد تكون أكثر إثارة للانتباه وأكثر استفزازية مما تكون عليه في أستراليا. ففي هذا الإطار، فإن هناك اختلافات فيما أقوله وفي التأثير الذي يُحدثه. لكن أعتقد أنني في الأساس نفس الشخص، ولا أشعر بانفصال تام. ربما لو انتقلتُ إلى ثقافة مختلفة اختلافا جذريًا عن مجرد الاختلافات الموجودة بين الولايات المتحدة وأستراليا لصار شعوري حيال الأمر مختلفًا.

زان بوغ: أفترض أنه طفيف للغاية؛ أي الفرق بين البلدين، على الرغم من الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في كل بلد.

بيتر سينجر: في الحقيقة هو ليس طفيفًا لتلك الدرجة التي كنت أتخيلها قبل أن أبدأ. إن مشاهدة الكثير من الأفلام والبرامج التلفزيونية الأمريكية تجعلك تعتقد أن هنالك تشابه، لكن هنالك اختلافات؛ إذ إن الولايات المتحدة اكثر تحفظًا وتدينًا، وهناك الكثير من المنظمات المناهضة للحكومة وتلك المؤيدة للسلاح، وهناك مختلف الأشياء عن أمريكا التي ستفاجئك حقًا بمجرد أن تختبرها مباشرة. وبالتأكيد، فالأمريكيون متأثرون للغاية بالإعلام الذي يشاهدونه. هل هم أكثر تأثرًا من الأستراليين؟ لا أدري حقًا. ويتمثل أحد الاختلافات في أنه يبدو لي أن وسائل الإعلام الامريكية أكثر حزبيّة، لذا يميل الأشخاص المحافظون إلى مشاهدة [القنوات] المحافظة بشكل متطرّف؛ فيؤدي هذا إلى تعزيز أفكارهم الموجودة بالفعل، ومن ثم تزداد الفجوة بين هؤلاء اليمينيين المحافظين وبين اليسار – حسنًا، ليس هناك يسار في أمريكا حقًا، لكن لنقل الأشخاص الموجودين في الوسط- لكن هذا لا يحدث بالقدر نفسه هنا في أستراليا. لا أعتقد أن لدينا هنا قنوات تلفزيونية مكافئة تضع باستمرار خطًا سياسيًا ضيقًا يشاهده الناس، لذا أعتقد أن هذا اختلاف، لكن أفترض أن الأستراليين متأثرون جدًا بوسائل إعلامهم أيضًا.

زان بوغ: بالبقاء في هذا الموضوع الخاص بتجربتك الشخصية أثناء السفر، ما تجربة السفر التي كان لها أكبر تأثير عميق عليك؟

بيتر سينجر: حسنًا، إذا كنا نتحدث عن السفر بشكل عام وليس السياحة فقط، فلا شك أن السفر الأكثر أهمية بالنسبة لي كان الذهاب إلى جامعة أكسفورد كطالب دراساتٍ عليا، لأن هذا قد غير حقيقة تفكيري حينها فيما يتعلق بالفلسفة والأخلاق. لقد أتت معظم الأشياء الكبيرة والمميزة في وجهة نظري الفلسفية نتيجة تفكيري فيها بجامعة أكسفورد، وبالأخص التفكير في أخلاقيات كيفية تعاملنا مع الحيوانات، والتي أتت نتيجة لقاءاتي ونقاشاتي مع طلاب آخرين يدرسون في جامعة أكسفورد؛ لم يكونوا طلابًا بريطانيين في الحقيقة، بل كانوا كنديين، على الرغم من وجود بعض البريطانيين الذين كانوا جزءًا من هذه المجموعة. لم أكن لأقابلهم لو كنت قد بقيت في أستراليا، ولم أكن لأطوّر وجهة النظر التي أتبنّاها الآن تجاه الحيوانات، والتي طوّرتها نتيجة نقاشاتي معهم. وأعتقد أن ذلك كان سيؤثر على وجهة نظري بأكملها، لذا فأنا على يقين من أنّ أكثر رحلة سفر كانت بمثابة نقطة تحول بالنسبة لي هي ذهابي إلى أكسفورد للقيام بدراساتي العليا.

زان بوغ: أهناك شيء آخر تودّ إضافته؟ نصيحة ما يمكنك تقديمها لمن يقرأون مقابلتك؟

بيتر سينجر: أعتقد أن حركة الإيثار الناشئة هي حركة لأشخاص وجدوا وسيلة لإضفاء معنى على حياتهم وتوجيهها نحو ما هو مهم بالفعل، وهي تحدث فرقًا إيجابيًا حقًا لعدد كبير من الناس. إنني أراها كبديل علماني … أعتقد أنه يمكن للناس إضفاء معنى على حياتهم من خلال التفكير في الكيفية التي يمكنهم بها القيام بأكبر قدر ممكن من الخير في العالم. آمل فقط أن يتأثر الكثير من الناس بهذا الأمر لينطلقوا ويفعلوا ذلك.

 

 


 

New Philosopher: Issue #08: travel

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق