مقالات

معركة دلالية بين النزعة الخارجية والنزعة الداخلية 2-2 – صلاح إسماعيل

2- النزعة الداخلية الدلالية

   أوضحت في مقالة سابقة جذور الخلاف بين النزعة الخارجية والنزعة الداخلية في عدة مجالات فلسفية أبرزها فلسفة اللغة، وفلسفة العقل، والإبستمولوجيا. وناقشت تطور النزعة الخارجية الدلالية، والحجج التي قدمها الفلاسفة لتأييدها. وتبيّن أن الخلاف الدلالي يدور في مجمله حول تشخيص المعنى: يقول أنصار النزعة الداخلية إن المعنى يتحدد كلية عن طريق جوانب تكون داخلية للمتكلم، بينما يقول أنصار النزعة الخارجية إن المعنى يتحدّد في جانب منه على الأقل عن طريق ملامح تكون خارجية للمتكلم. وفي المقالة الحالية بيان بأفكار النزعة الداخلية الدلالية والحجج التي تدعمها، وبعض ردود أنصارها على خصومهم. وتحظى هذه النزعة بتأييد فلاسفة مثل سيرل، وتشومسكي، وجاكندروف، وبلوك، وسيجال، وبوجوسيان، ومن تحرى في طريقتهم وقام على سكيكتهم.

  • اعتراضان على النزعة الخارجية
  • سيرل: تحديد المضمون القصدي من منظور النزعة الداخلية
  • تشومسكي: ما دامت اللغة داخلية، فالمعنى داخلي أيضًا
نعوم تشومسكي
جون سيرل
  • اعتراضان على النزعة الخارجية

عاود أنصار النزعة الداخلية الهجوم على النزعة الخارجية من جهتين مؤثرتين، وحاولوا من خلالهما إثبات أن النزعة الخارجية غير منسجمة مع أمرين:

  • ألفاظ النوع الطبيعي الفارغة empty natural kind terms
  • المعرفة الذاتية المتميزة وسلطة المتكلم privileged self-knowledge and first person authority

 

الاعتراض الأول: ألفاظ النوع الطبيعي الفارغة

يقرر أنصار النزعة الخارجية أن ألفاظ النوع الطبيعي ترتبط ببيئتها ارتباطًا أساسيًا. ولكن أنصار النزعة الداخلية، مثل جبرييل سيجال (1959-   ) Gabriel Segal في كتابه “كتاب نحيل حول مضمون ضيق”، يعترضون على هذا الرأي بحجة أنه يضيق واسعًا، لأن هناك ألفاظًا للنوع الطبيعي تكون فارغة ولا تكون خالية من المعنى.

إن هذا الرأي الجريء للغاية من الآراء الخارجية كارثي. هناك ألفاظ نوع فارغة عديدة يجب أن نقبلها للتعبير عن المفاهيم.(Segal, G. 2000: 33)

صحيح أن سيجال ينظر إلى تجربة فكر الأرض التوأم عند بتنام بوصفها حالة نموذجية في فلسفة اللغة وفلسفة العقل. ولكن هناك مشكلات تعيبها أيضًا. من المفترض أن يوضح مثال الأرض التوأم أن التوائم المتطابقة جوهريًا يمكن أن يكون لها حالات نفسية بمضامين مختلفة. المشكلة الأولى هي أن يد2أ يدخل بشكل كبير في تكوين البشر. وبالتالي، إذالم يكن هناك يد2أ على الأرض التوأم، فلن يكون أحمد التوأم هو توأم أحمد. وهكذا يتعثر المثال عند بدايته.

وتستطيع أن تضع هذه النقطة بطريقة أخرى مع ماريو بونجي وتقول: ما دام الماء على الأرض التوأم مختلف في خصائصه عن الماء على أرضنا، فلن يكون ماء. ومن الواضح أن الكوكب من دون ماء سيكون خاليًا من الكائنات الحية. ومن ثم لن يكون توأما للأرض، ولذلك سيكون جديرًا بإسم مختلف. (ماريو بونجي 2019: 95-96) وخلاصة هذه المشكلة أن تجربة فكر الأرض التوأم تتعثر في خطواتها الأولى.

المشكلة الثانية شائقة إلى حد كبير. وهي نقطة طرحها توماس كون على سيجال ذات مرة، وهي أنه لا يوجد شيء له بنية مختلفة بشكل مهم عن يد2أ يمكن أن يكون مثل الماء إلى حدّ بعيد بشكل مجهري. إذا كان كون محقًا في هذا الأمر، فيلزم عن ذلك أن المثال مستحيل من ناحية القانون الطبيعي. (Segal, G. 2000: 24-25) وهكذا يقول صاحب النزعة الداخلية إن تجربة فكر الأرض التوأم رغم أنها ممكنة من الناحية المفهومية، فإنها مستحيلة من ناحية القانون الطبيعي.

وتفنيد سيجال للسمات الأساسية للنزعة الخارجية الفيزيائية كما دافع عنها بتنام يأتي على النحو التالي:

أولًا، تقرر النزعة الخارجية الفيزيائية أن ماصدق الحد (اللفظ) غير الفارغ يعتمد على العلاقة الواقعية بين الفاعل والعالم الخارجي. ولكن سيجال يدحض الدعوى بإثبات أن الألفاظ اللافيزيائية أو المفاهيم الفارغة ليست خالية من المعنى. يمكن أن يكون لدينا أفكار مهمة فيما يتعلق ببعض الألفاظ الفارغة مثل “كوارك”، و”شبح”، ونحو ذلك.

ثانيًا، في النزعة الخارجية الفيزيائية، من المطلوب أيضًا أن شرط الماصدق ضروري للمضمون المعرفي للمفهوم. يقول سيجال إن هذا التفكير كارثي بمعنى أن هناك مفاهيم فارغة كثيرة يتم التعبير عنها بلغتنا. قد يجادل شخص بأن “الماء رطب” من دون أي تفكير يحتوي على فكرة يد2أ. يمكن للمرء أن يشير إلى يد2أ فقط إذا كانت الأرض تحتوي بالفعل على ماء، وليس إذا كانت الأرض فارغة.( Chakraborty, S. 2016: 54)

الألفاظ الدالة على كائنات لا فيزيائية أو الأفاظ الفارغة بصفة عامة ليست خالية من المعنى. نحن نملك فكرة عن الأشباح، وكون الأشباح لا وجود لها على المستوى الفيزيائي لا يعني أن كلمة “شبح” الدالة على لفظ نوع طبيعي فارغ خالية من المعنى. فمثل هذه الألفاظ تشترك في فهمها ثقافات مختلفة.

الاعتراض الثاني: المعرفة الذاتية وسلطة المتكلم

قرأ سقراط عبارة “اعرف نفسك” Γ Ν Ω Θ Ι Σ Α Υ Τ Ο Ν على جدران معبد دلفي. وجاءت الحكمة السقراطية تقول إن الحياة غير المفحوصة ليست حياة خليقة بالإنسان. وتستطيع أن تقول إن الحياة التي تخلو من المعرفة الذاتية ليست جديرة بالعيش.

المعرفة الذاتية هي معرفة الحالات العقلية الخاصة بالمرء. وتبدو معرفتنا بمضامين عقولنا الخاصة متميزة معرفيًا بالقياس إلى معرفة الآخرين بعقولنا. إذا أراد شخص معرفة ما أفكر فيه، تراه يلاحظ سلوكي اللغوي وغير اللغوي، وإذا كنت ساكنًا وصامتًا، تراه يطرح السؤال، ويأمل أن أرد عليه بصدق. وعلى عكس هذا الإجراء التجريبى الذي يلجأ إليه غيري، أستطيع أن أعرف ما أفكر فيه عن طريق استخدام ملكة غير تجريبية هي الاستبطان introspection، وتعني النظر في داخل النفس، وعن طريقها أحصل على معرفة دقيقة بأفكاري الخاصة. وأحسب أنك تدرك هنا أننا نساير الغزالي وديكارت، مثلًا، في فهم المعرفة الذاتية. فالرأي عندهما أن معرفتنا بحالاتنا العقلية الخاصة متميزة عن أنواع أخرى من المعرفة، لأنها مباشرة، ولا يتوسطها شيء سواء أكان حسيا أم استدلاليًا. ولذلك تعرف بأنها “مدخل متميز” access privileged. ولما كانت بهذا الوضع، فهي يقينية، ومضمونة، ومعصومة من الخطأ. صحيح أنه في بعض الحالات مثل خداع النفس، يكون الآخرون، مثل الأطباء النفسيين، في وضع أفضل منا للحكم على ما نعتقد به. ومع ذلك فهذا لا يقلل أبدًا من أن مدخلنا المعرفي إلى حالاتنا الخاصة أرفع مكانا وأكثر يقينًا من المدخل المعرفي لدى الآخرين. ولا عجب بعد هذا أن يوصف مدخلنا الخاص بأنه “سلطة المتكلم” first-person authority.

وأنت ترى إذن أن عملية المعرفة الذاتية ترتبط بالشروط التالية:

  • أنا أفكر في فكرة.
  • الفكرة لها مضمون مفهومي أو معين.
  • المضمون هو “الماء رطب”، مثلًا.

والمشكلة التي تثيرها المعرفة الذاتية هي أن النزعة الخارجية غير متوافقة مع هذه المعرفة. والنزعة الخارجية تقرر أن المضامين أو المعاني تتحدد جزئيًا عن طريق البيئة أو الظروف الخارجية سواء  أكانت فيزيائية أم اجتماعية، وإذا صحّ هذا، فلن نستطيع أن نعرف مضامين عقولنا عن طريق التأمل.

ويرد أنصار النزعة الخارجية بأن أصحاب النزعة الداخلية يبالغون في تقدير هذا المدخل، عن طريق الإشارة إلى أننا نستطيع توضيح أفكارنا (أعنى نكشف عن شروط صدقها) من خلال مجرد التفكير. (وفي الدفاع عن فكرة عدم التوافق المشار إليها، انظر(Gertler, Brie 2015: 119

وهناك اعتراض أساسي آخر أثاره بول بوجوسيان (فيلسوف أمريكي) Paul Boghossian (   -1957) بهدف الهجوم على النزعة الخارجية من خلفية “المفاهيم الفارغة”. يرى بوجوسيان في مقالته “ماذا يمكن أن يعرف الخارجيون أوليًا؟” (Boghossian, P. 1997: 161-75) – أنه في حالة الألفاظ الفارغة، يفشل الخارجيون في الإشارة إلى ألفاظ النوع الطبيعي مثل “اللاهوب” أو”الشبح”. واعتراض بوجوسيان على النزعة الخارجية هو أنها لا تتوافق مع المعرفة الذاتية المتميزة للأسباب التالية:

(أ)  لا يستطيع أصحاب النزعة الخارجية تحديد أية خاصية بوصفها إشارة لمفهوم طبيعي فارغ مثل “الأثير” أو “الشبح”.

(ب) من دون أية إشارة لا يمكنهم قبول أي مضمون.

(ج) في بعض الأحيان، ترانا نبحث، على أساس الاستبطان introspection، ما إذا كانت فكرة النوع الطبيعي لها أي مضمون أم لا. وفي هذه الحالة، تساعدنا المعرفة الذاتية والتفكير الأولي a priori في استدلال المعرفة المتعلقة بمفاهيم ألفاظ النوع الطبيعي مثل “الماء”، و”الذهب”، ونحو ذلك.

(د)  يساعدنا البحث التجريبي أيضًا في تحديد ما إذا كانت فكرة نوع طبيعي معينة لها أي مضمون أم لا. (Chakraborty, S. 2016: 54)

من المناسب أن نناقش مرة أخرى ألفاظ النوع الطبيعي الفارغة. يذكر بوجوسيان نوعين من السيناريوهات التي تخفق فيها ألفاظ النوع الطبيعي، مثل كوارك، في تحديد ما تشير إليه. مشار الكلمة ليس متاحًا هنا. وسيكون زعمًا متهورًا أن وجود المفهوم لا يعتمد إلا على مشاره، لأننا نستطيع أن نتخيل مفهوم “الأرض الجافة” مثلما نستطيع تخيل الأرض التوأم. ومع ذلك يعتقد أنصار النزعة الخارجية أن “الماء” يعبر عن مفهوم ذري في ظروف معينة حيث يملك ما صدقًا غير فارغ، وربما يكون هذا الماصدق يد2أ أو XYZ أو أي شيء آخر. ويمكن القول إن هذه الحجة ميتافيزيقية أكثر منها إبستمولوجية أو دلالية. ويرد بعض أنصار النزعة الخارجية بأن المفاهيم تسوغها شروط مختلفة مستقلة عن السياق. والآن ما عسى أن تكون شروط استيفاء “ماء” على “الأرض الجافة”؟ إن ماصدق “الماء” على “الأرض الجافة” لا يمكن أن يكون موجودًا. (Chakraborty, S. 2016: 55-56)

وإن شئت أن تضع ذلك بعبارة بوجوسيان، فقل:

ما دام لا يوجد نوع طبيعي في نهاية السلسلة السببية ذات الصلة يؤدى إلى استعمالات “ماء” على الأرض الجافة، فلا توجد حقيقة في مسألة ما مشار كلمة “ماء”، ومن ثم لا توجد حقيقة في مسألة ما القضية التي تعبر عنها الجمل التي تتضمن هذه الكلمة. (Boghossian, P. 2008: 189)

  • سيرل: تحديد المضمون القصدي من منظور النزعة الداخلية

يدافع جون سيرل عن النزعة الداخلية القائلة إن المعاني توجد في الرأس، ويظهر هذا الدفاع في عدة كتب أبرزها “القصدية: مقال في فلسفة العقل”، و”العقل: مقدمة موجزة”. أوضح سيرل في كتابه “أفعال الكلام”، متابعًا في ذلك أستاذه أوستن، أن المتكلم عند ممارسة اللغة يقوم بإنجاز فعل كلامي أو لغوي. ولما كانت قصدية اللغة مشتقة من قصدية العقل، يأتي دفاع سيرل عن النزعة الداخلية الدلالية في سياق تحليله لمفهوم القصدية.

كيف تتشكل المضامين القصدية؟ ما الحقيقة المتعلقة بالحالة القصدية التي تجعلها رغبة في كوب من الشاي وليست رغبة في شيء آخر؟ الجواب عند النزعة الخارجية أن المضمون القصدي يتشكل في جانبه الأكبر عن طريق العلاقات السببية (الخارجية) التي يملكها الفاعل مع العالم الخارجي، ولا يتشكل عن طريق الملامح الداخلية للعقل/ المخ.

وجواب سيرل هو:

وجهة النظر التي أفترضها في هذا الكتاب ]العقل: مقدمة موجزة[ هي صورة من النزعة الداخلية. وترى النزعة الداخلية أن مضاميننا القصدية هي تمامًا مسألة ما هو موجود داخل رؤوسنا. وبطبيعة الحال تشير إلى أشياء وحالات واقعية في العالم. وهذا هو ما تتعلق به القصدية: تربطنا بالعالم عن طريق جوانبه المنوعة. والمضمون الذي يمكن حالة قصدية من الإشارة إلى شيء بدلًا من آخر يوجد كلية بين أذني الفاعل القائم بالإشارة. (Searle, John R. 2004: 125)

لاحظ أن النزعة الخارجية لا تزعم فقط أن حالاتنا العقلية تسببها غالبًا حوادث خارجية، فهذا أمر تتفق عليه النزعتان الداخلية والخارجية، ولكن تزعم بالأحرى أن المضامين نفسها ليست داخلية حقًا، وإنما هي على الأقل مزيج مما هو داخلي وخارجي. وبرغم أن سيرل يبدي إعجابه بفطنة بتنام وبيرج الفلسفية، فإنه يرى أن حجة بيرج خاطئة شأنها في ذلك شأن حجة بتنام.

والفكرة الأساسية في النزعة الداخلية هي أن العقل- ويُراد بالعقل هنا ما يوجد داخل الرأس- يضع شروطًا يجب أن يستوفيها الشيء لكي يشير إليه تعبير. وفي المثال الكلاسيكي، يضع تعبير “نجم الصباح” شرطًا بحيث إذا استوفى هذا الشرط، يمكن استعمال التعبير للإشارة إلى الشيء. ولا شيء في تقرير بتنام يتحدى هذا التصور في رأى سيرل. يرى الناس على الأرض مادة يسمونها “ماء” ويضعون شرطًا سوف يستوفيه أي شيء آخر مماثل للمادة التي تسمى ماء، وقل مثل ذلك بالنسبة إلى الناس على الأرض التوأم. ويكون الشرط داخليًا تمامًا لمضامين العقل. السؤال عما إذا كانت المادة  تستوفي هذا الشرط أم لا يكون على مستوى العالم وليس على مستوى العقل. والنزعة الداخلية هي نظرية حول كيفية وضع العقل للشروط. والأشياء يُشار إليها إذا استوفت هذه الشروط. السؤال ما الشروط التي توضع يكون على مستوى العقل، والسؤال عمّا إذا كان الشيء يستوفي هذه الشروط يكون على مستوى العالم. ولا يرى سيرل شيئا في الانتقادات الخارجية يتحدى هذا الاستبصار الأساسي. ( (Ibid.:128

ولكي يظهر سيرل خطأ الاعتراضات على النزعة الداخلية نراه يوضح طبيعة المضمون العقلي وكيف يربط الفاعلين بالعالم. تفرض الحالة القصدية شروطًا للاستيفاء. إذا اعتقدت أن سقراط يشرب الماء، فإن اعتقادي سيكون صادقًا، ومن ثم يتم استيفاؤه، إذا وفقط إذا شرب سقراط الماء. والأسئلة التي تطرح نفسها الآن هي : ما الملامح التي تشكّل عناصر فكرة أن سقراط يشرب الماء؟ وكيف تربط هذه العناصر المكونة الفاعل بالفكرة الكلية وبالعالم الخارجي؟ دعنا نركز انتباهنا على سقراط وماء (ودع عنك “يشرب” لأن الحمل يثير مشكلات تتجاوز خلاف النزعة الداخلية والخارجية). يضع كل عنصر من هذين العنصرين إسهامًا لشرط الصدق الكلي للفكرة. افترض أن “سقراط” تشير إلى سقراط، و”ماء” تشير إلى ماء. كيف يتعين على الفاعل أن يربط هاتين الكلمتين لكي يستطيع استعمالهما لتحديد شروط استيفاء الفكرة الكاملة؟ الجواب التقليدي هو أن كل كلمة تضع الشرط الذي تضعه بسبب “معناها” ويكون الفاعل قادرًا على استعمال الكلمات بالطريقة التي يستعملها بها لأنه يعرف معنى كل كلمة. ومعرفة المعنى تمكنه من استعمال الكلمات بطريقة من قبيل تقديم الشرط المناظر في شروط صدق الجملة الكاملة.

ويضع سيرل الخلاف بين أنصار النزعتين بشيء من الدقة: يتفق الجانبان معا على أن الكلمات تضع إسهامًا في شروط صدق الجملة الكاملة، ويتفق الجانبان معًا على أن هناك شرطًا ما يجب أن يستوفيه المتكلم نفسه لكي يستطيع استعمال هذه الكلمات لوضع شروط الصدق موضوع البحث. ويتعلق الخلاف برمته بطبيعة الشرط الذي يستوفيه المتكلم. والسؤال هو: هل الشرط المرتبط بالكلمة شيء يتمثل في عقل /مخ المتكلم، أم أنه شيء مستقل جزئيا عن عقل/مخ المتكلم؟ الجواب عند صاحب النزعة الداخلية أن الشرط يجب أن يكون متمثلًا في رأس المتكلم، ويرى صاحب النزعة الخارجية أن مضامين الرأس غير كافية للإشارة الناجحة. وهذا هو ما قصده بتنام عندما قال :”المعاني لا توجد في الرأس فقط “. والحجة التي قدمها أنصار النزعة الخارجية هي في كل حالة الحجة نفسها: يستطيع المتكلمان امتلاك مضامين متطابقة في النوع في رأسيهما ومع ذلك يعنيان شيئًا مختلفًا. ولكن الجواب الذي يقدمه أنصار النزعة الداخلية على هذا الزعم هو أنه في كل الحالات التي يكون فيها الأمر هكذا، يكون لأن هناك عنصرًا إشاريًا ما في رأس المتكلم موضوع البحث. وفي حالة الأرض التوأم، يضع الناس على الأرض والأرض التوأم معا شروطًا للاستيفاء بالنسبة إلى أنفسهم: ما نسميه “ماء” هو أي شيء متطابق في النوع في بنية مع المادة التي نراها “نحن”. ولكن ما دامت “نحن” في الحالتين مختلفة، وما دام الناس على الأرض التوأم يرون شيئًا مختلفًا عما يراه الناس على الأرض، فإنهم يملكون شروطًا مختلفة للاستيفاء حتى وإن كانت مضامين الرأس متطابقة في النوع. ولا يوجد شيء في هذا المثال يثبت أن المعاني لا توجد في الرأس. وقل شيئا كهذا عن مثال بيرج. ولكن السؤال الأصلي لا يزال مطروحًا: إذا رفض أنصار النزعة الداخلية القول إن المضمون القصدي يتحدد عن طريق سلاسل سببية خارجية كما يزعم أصحاب النزعة الخارجية، فما الذي يحدد المضمون القصدي إذن؟ الجواب عند سيرل: إذا تكلمنا بطريقة سببية، لا أظن أن هناك أي جواب عام سوى القول إن مضاميننا القصدية تحددها مجموعة مؤتلفة من خبراتنا الحياتية وقدراتنا الأحيائية الفطرية. (131-130 (Ibid.:

وتستطيع أن تلخص تفكير سيرل بالطريقة التالية:

  • المنطوقات اللغوية قصدية بطبيعتها.
  • القصدية اللغوية مشتقة من قصدية العقل.
  • المعاني توجد بالفعل في رأس المتكلم، والذي هو جزء من التركيب العقلي لمستعمل اللغة.
  • المضمون القصدي يوجد في الرأس، ولا تعتمد المعاني على تحديدات خارجية أو سببية.

 

  • تشومسكي: ما دامت اللغة داخلية، فالمعنى داخلي أيضًا

3-1 التحول من اللغة الخارجية إلى اللغة الداخلية

طور تشومسكي Noam Chomsky (    – 1928) نقده للنزعة الخارجية في اللغة عامة وفي الدلالة خاصة، أو النظرية السببية في الإشارة عند كريبكي وبتنام، في عدة كتب ومقالات منوعة على مدار العقدين الأخيرين من القرن العشرين. وأبرز هذه الكتابات هي “معرفة اللغة: طبيعتها، وأصلها، واستعمالها”1986  و”اللغة ومشكلات المعرفة” 1988، “و”مناقشة تعليقات بتنام”1992b  و”اللغة والفكر”1993 ، و”آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل”2000  (وهناك ترجمة عربية لمعظم هذه الأعمال). وفي الوقت الذي يعترض فيه على النزعة الخارجية يقدم دفاعًا عن وجهة نظره الداخلية في اللغة والدلالة والتي مؤداها أن المقدرة اللغوية يمكن تفسيرها فقط على أساس بنى عقلية نظرية تكون متحررة من المثير stimulus-free، أعني غير مقيدة بأية علاقة سببية بالأشياء والأحداث التي تؤدى دورًا مثيرًا في عملية اكتساب اللغة. وهو يرفض آراء البنيوية اللغوية، والسلوكية اللغوية، وعلم دلالة اللغة الطبيعية. وكل هذه الاتجاهات تعالج اللغة بطريقة أو بأخرى بوصفها نماذج من الفعل والسلوك الانسانى القابل للملاحظة العلنية، ومن ثم تعتبر اللغة ظاهرة خارجية أو نظامًا مستقلًا عن خصائص العقل/المخ للمتكلمين الأفراد.

ينظر البنيويون من أتباع سوسير إلى اللغة بوصفها “نظامًا من الأصوات ونظامًا مرافقًا من المفاهيم”. وها هو بلومفيلد يعد اللغة “مجموع المنطوقات التي يمكن وضعها في مجتمع كلامي”. ويعرف ديفيد لويس اللغة بوصفها “تزاوج الجمل والمعاني”. ولما كانت هذه التصورات للغة يمكن تعريفها بشكل مستقل عن الحالات الداخلية لعقل/مخ المتكلم الفرد، فإن تشومسكي يعتبرها أمثلة لمفهوم اللغة الخارجية.

واحتفظ معظم علماء الاجتماع في عقولهم بتناول اللغة الخارجية عند الحديث عن اللغة، فهي نمط من السلوك تشترك فيه الجماعات أو مجموعات من الأفراد. وتحديد اللغة الخارجية هو ما يقبله كثير من فلاسفة اللغة، فاهتمامهم باستعمال اللغة، أو بأنواع الألعاب التي يمارسها الناس باللغات، أدى بهم إلى التركيز على مسائل الاتصال والاعتقاد ودور الاتصال قي إطالة بقاء اللغة.((McGilvray, J. 1999: 107

ويحاول تشومسكي البرهنة على تحول مهم في الدراسة العلمية للغة من اللغة – E  (E –language) (وباختصار، اللغة الخارجية) إلى اللغة- I (I- language) (وباختصار، اللغة الداخلية). وهو “تحول من السلوك الفعلي أو الممكن ونواتج السلوك إلى نظام من المعرفة يشكل أساس استعمال اللغة وفهمها”، و”من دراسة اللغة التي تعد موضوعًا خارجيًا إلى دراسة نظام من المعرفة المتحقق والمتمثل داخليًا في العقل/ المخ” (Chomsky 1986: 24). وأخص ما يمتاز به هذا التحول في رأى تشومسكي هو أنه يتيح لعلم اللغة أن يندمج في العلوم الطبيعية.

المفهوم الفني للغة الخارجية مفهوم مشكوك فيه من جانبين على الأقل. في الجانب الأول … اللغات بهذا المعنى ليست موضوعات واقعية في العالم، وإنما اصطناعية، وتعسفية بعض الشيء، وربما لا تكون تركيبات شائقة جدًا. وعلى العكس، فإن الوضع المستقر لمعرفة ]اللغة [المتحققة والوضع الابتدائى ]للعقل/المخ[ … هي عناصر واقعية لأمخاخ/عقول محددة، وجوانب من العالم الفيزيائي، حيث نفهم الحالات العقلية والتمثيلات لتكون مرمزة فيزيائيًا بطريقة ما … والعبارات المتعلقة باللغة الداخلية … تكون عبارات صادقة أو كاذبة حول شيء واقعي ومحدد، وحول حالات واقعية للعقل/المخ ومكوناتها… ونظريات اللغات الداخلية … تتكافأ مع النظريات العلمية في المجالات الأخرى. أما نظريات اللغات الخارجية، إذا كانت معقولة على الإطلاق، فهي ذات وضع مختلف إلى حدٍّ ما وغامض إلى حد ّكبير لأنها لا تناظر شيئًا في العالم الواقعي. وعلم اللغة المفهوم بوصفه دراسة للغة الداخلية … يصبح جزءًا من علم النفس، ومن علم الأحياء في خاتمة المطاف. (Chomsky 1986: 26-27)

وتقع فكرة اللغة الداخلية في قلب علم اللغة عند تشومسكي. وهو مصطلح حل محل أحد استعمالات مصطلح “النحو” في عمله المبكر. وكان مصطلح النحو يستخدم استخدامًا غامضًا للدلالة على ما نملكه في رؤوسنا وعلى نظرية عالم اللغة عما نملكه في عقلنا/مخنا معًا. واستعمال تشومسكي الحالي للنحو لا يزال يشير إلى نظرية عالم اللغة ولكن هدف هذه النظرية يشار إليه الآن بوصفه اللغة الداخلية. ((Smith, N. 1999:138

قدم تشومسكي التمييز بين اللغة الداخلية واللغة الخارجية في كتاب “معرفة اللغة” وواصل تنقيحه في كتاب “آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل”. ويتعلق التمييز بالوضع الميتافيزيقي للغة، وما عسى أن تكون، ويروم هذا التمييز أيضًا الفصل بين تناولين نظريين للغة؛ يركز أحدهما على السلوك اللغوي ويطمح إلى تفسيره بطريقة سببية، ويركز الآخر على بناء نظريات عن عمليات محددة في الرأس تجعل السلوك اللغوي ممكنًا.  ويعتمد التمييز على إظهار التقابل بين اللغتين. أخص ما يوضح اللغة الداخلية أنها داخلية internal، وفردية individual، وفردية اللهجة idiolectal، ومفهومية intensional. ولاحظ دلالة حرف I على الحرف الأول من الكلمات الانجليزية السابقة.  (Chomsky 2000: 70-73; Chomsky 2016: 4-5)وذلك في مقابل اللغة الخارجية التي توصف بأنها خارجية external، ولا فردية antiindividualist، واجتماعية اللهجة sociolectal، وماصدقية extensional.

واللغة الداخلية تكون داخلية في كونها خاصية سيكولوجية للمتكلمين. وكلمة داخلية تعني أن المجال الذي يدرسه عالم اللغة يكون داخليًا لعقول/ أمخاخ متكلمين وسامعين معينين بدلًا من تناول العلاقة بين العقل والعالم الخارجي. واللغة الداخلية فردية، وتنتج صفة الفردية بصورة طبيعية عن وجهة النظر الداخلية ما دمنا نتصور علم اللغة بوصفه دراسة للغة الداخلية، وترتبط اللغة الداخلية بالتمثيلات العقلية والعلاقات فيما بينها، بدلًا من الارتباط بهذه التمثيلات وعلاقتها بالعالم الخارجي، فلا بد من أن تكون اللغة داخلية لعقل/مخ أشخاص محددين على أساس أن الحوادث العقلية وحالات المخ هي ذاتها فردية أحرى من أن تكون جماعية. (Smith, Neil 1999: 138) ونظرا لأن الموضوع الأساسي لدراسة اللغة الداخلية فردي، فإنها تكون ذات لهجة فردية. فشروط الهوية بالنسبة إلى اللغات الداخلية لا تشير إلى شيء تاريخي اجتماعي مشترك. واللغة الداخلية مفهومية بمعنى أنه في بحث المعرفة اللغوية يودّ عالم اللغة اكتشاف كيف يعمل البشر، وصفة المفهومية في الفلسفة عامة تدل على التركيز على معنى التعبيرات بوصفه مقابلًا للإشارة أو الماصدق.

أما اللغة الخارجية فهي خارجية لأن موضوع دراسة هذه اللغة هو مجموعة من الأفعال أو المنطوقات أو الصيغ اللغوية مقرونة بالمعاني، أو دراسة اللغة بوصفها نسقًا من الصيغ أو الأحداث اللغوية ربما تتحدد عن طريق المواضعة. وهي لا فردية لأنها تعتبر أن البيئة الاجتماعية والفيزيائية ملائمة لتحديد المعنى. وهي اجتماعية اللهجة لأن موضوعها الأساسي للدراسة اجتماعي بدلًا من أن يكون فرديًا. وهي ماصدقية بمعنى أنها تعنى بالسمات السلوكية أو الاستعدادات للسلوك اللغوي، وتهتم بمجموع المنطوقات التي يمكن وضعها في جماعة لغوية.

ولم يكن غريبًا إذن أن تنعكس هذه الرؤية الداخلية في دراسة اللغة على تصور تشومسكي لعلم الدلالة. فقد حاول إثبات أنه ما دامت اللغة الداخلية هي الموضوع الدراسي الوحيد الملائم علميًا لعلم اللغة، فإن علم الدلالة بوصفه دراسة العلاقات بين اللغة والعالم الخارجي ليس له مكان في علم اللغة.

مجال التحول إلى التفسير العقلي أو المفهومي، وإلى اللغة الداخلية بدلًا من الخارجية … يتضمن أيضًا جانبًا أكبر مما يسمى بصورة مضللة علم دلالة اللغة الطبيعية semantics of natural language – وأقول بصورة مضللة لأنني أظن أن جانبًا كبيرًا من هذا العمل ليس علم دلالة على الإطلاق، إذا كنا نعنى “بعلم الدلالة” دراسة العلاقات بين اللغة والعالم- وعلى وجه الخصوص، دراسة الصدق والإشارة. والصواب أن هذا العمل يعالج مستويات معينة مسلّم بها من التمثيل العقلي، بما في ذلك تمثيلات لصيغة تركيبية ومعجمية وتمثيلات أخرى تسمى “النماذج” أو “الصور” أو “تمثيلات الخطاب” أو “المواقف” أو نحو ذلك … ويستطيع المرء أن يتحدث عن الإشارة بشيء من المعقولية إذا سلّم بمجال من الموضوعات العقلية المرتبطة بكائنات صورية في اللغة عن طريق علاقة مع كثير من خصائص الإشارة، ولكن كل هذا يكون داخليًا لنظرية في التمثيلات العقلية، إنه ]أي علم الدلالة[ صورة من علم التركيب. ويبدو أنه لا يوجد معنى واضح في إسكان العالم خارج العقل بكائنات مناظرة ولا توجد أية نتيجة تجريبية أو زيادة في قوة تفسيرية في فعل ذلك. (Chomsky 1986: 44-45)

والرأي عند تشومسكي أنه ما دامت اللغة داخلية للعقل/المخ، والمعنى ببساطة مكون من مكونات اللغة، فلا بد من أن يكون المعنى داخليا أيضًا.

وفي تجربة فكر الأرض التوأم طلب بتنام من القارئ أن يتبع حدوسه بخصوص النتيجة القائلة إن التغييرات في العالم غير المصحوبة بأي تغيير في الحالة الداخلية لعقل/مخ المتكلم يمكن أن تغير معنى التعبير. ورد تشومسكي على هذه الحجة في غير موضع من كتابه “آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل”.

يرى تشومسكي أنه إذا غيّر أحمد على الأرض وأحمد التوأم على الأرض التوأم مكانهما، فلن يحدث تغيير حول سلوكهما، وحول سلوك الآخرين نحوهما. ومن ثم لا يوجد سبب لافتراض أنه عندما ينطق أحمد على الأرض وأحمد التوأم على الأرض التوأم كلمة “ماء” فإنهما يعنيان أي شيء مختلف على الإطلاق.

وحين يطلب (أحمد) التوأم، في زيارته للأرض كوبًا من الماء، مشيرًا إلى ما في الكوب على أنه “ماء”، فإننا نستنتج … أن كلمة ماء في العربية التوأم صحيحة لـ يد2أ. وهكذا تعود المعانى إلى الرأس. (Chomsky 2000 : 150)

ويقول أيضًا:

تأمل تجربة الأرض التوأم التي وضعها هيلاري بتنام، والتي قدمت دافعًا كبيرًا للافتراضات الخارجية. في إحدى صورها، يطلب منا أن نفحص حدوسنا حول ماصدق أو إشارة كلمة ماء على الأرض التوأم حيث يستعملها متكلمون مماثلون لنا للإشارة إلى XYZ، الذي ليس يد2أ. ولكننا لا يمكن أن نملك حدوسًا حول السؤال، لأن ألفاظ ماصدق extension، وإشارة reference، وصادق لـ  true of، ويدل denote، وما يتصل بها من ألفاظ أخرى، هي مصطلحات تقنية ]أي عند الفلاسفة[، تعني بالضبط ما يقول لنا مخترعوها إنها تعنيه: وفحص حدوسنا حولها سيكون غير معقول مثل فحص حدوسنا حول العضلات الشادة أو اللايقين بالمعنى التقني ]أي في العلم[. (Chomsky 2000 : 148)

وهكذا يرى تشومسكي إن جانبًا كبيرًا من الدعم المزعوم للنزعة الخارجية يأتي في الواقع من “الحدوس” حول إشارة الكلمات في هذا الظرف أو ذاك. ولكن ما دامت فكرة الإشارة أو الماصدق التي يطلب منا أن نتبع حدوسنا حولها هي أفكار اصطلاحية عند الفلاسفة، فلا فائدة من السؤال عن حدوسنا حولها مثلما لا توجد فائدة من سؤال الفيزيائي عن حدوسه عن مفهوم الطاقة أو درجة الحرارة في الفيزياء.   

وإذا نظرنا إلى كيفية تطبيق كلمات مثل “ماء” في الظروف العادية، نجد أن المتكلمين ربما يطلقون كلمة “ماء” على سوائل تحتوي على نسبة أصغر من يد2أ من سوائل أخرى لا يسمونها “الماء” (مثل الشاي): يبدو أن استخدامنا لـ “الماء” ليس محكوما بفروض حول البنية المجهرية. والرأي عند تشومسكي أن التقدم في الدراسة العلمية لملكة اللغة ربما يتيح لنا أن نفهم في أي الجوانب تتشكل صورة الفرد للعالم في حدود أشياء مختارة ومحددة بخصائص المعجم، أو تنطوي على كائنات وعلاقات يمكن وصفها عن طريق موارد ملكة اللغة. يبدو أن بعض الخصائص الدلالية تتكامل مع جوانب أخرى من اللغة. ومع ذلك، فإن ما يسمى “بكلمات النوع الطبيعي” قد تفعل أكثر قليلًا من الإشارة إلى “المواقف في أنساق الاعتقاد”: قد تكون دراستها مهمة بالنسبة إلى “علم الأعراق”، وليس لعلم اللغة بالتأكيد. على المنوال نفسه، أكدّ آخرون أن الخصائص الدلالية الحقيقية للتعبيرات اللغوية ينبغي اعتبارها جزءًا من علم التركيب أو بناء الجملة، وأنها تقيد شروط الصدق لكن لا تحددها (Pietroski 2005, 2010)). ومن ثم، قد تكون العلاقة بين المعنى وشروط الصدق (والإشارة) أضعف بكثير مما افترضه كثير من الفلاسفة.

3-2 تفوق النزعة الداخلية على النزعة الخارجية (أو السببية) في فهم الابداعية اللغوية

يظهر تفوق التناول العقلي الداخلي على التناول الخارجي في تقدير الابداعية اللغوية حقّ قدرها. ويتسم الجانب الابداعي في استعمال اللغة بجملة سمات هي اللانهائية، والجدة، والتحرر من المثير، والاتساق والملائمة للمواقف (Chomsky 1982 : 423–34 ، وانظر صلاح إسماعيل 2018: 86) وإذا كانت أية نظرية تتبنى التناول الخارجي تعجز عن فهم إنتاج مجال لانهائي من الجمل الجديدة من مخزون متناه من العناصر المعجمية-التركيبية، فإن النظرية العقلية تستطيع السيطرة على هذه الجوانب الداخلية والفردية والقصدية في اللغة.

ولا يقف هذا الأمر عند حد النظرية اللغوية فحسب، وإنما يرتبط بجوانب إنسانية أخرى مثل موقف تشومسكي من مسائل الحرية والعدالة في مجال الأخلاق والسياسة. إذ يرى أن احترام القيم الانسانية العليا مثل الحرية والعدالة تؤيده فلسفة عقلية تؤكد على فطرية سمات بشرية تميز الانسان من بقية الكائنات بدلًا من المعالجة المرنة والعامة لهذه السمات كما هو الحال مع السلوكية والتجريبية.

فالفلسفة العقلية تعترف بقدرتنا على حكم أخلاقي وسياسي مستقل عن الظروف السياسية والاجتماعية، أما النزعة السلوكية الخارجية فقصارى ما تبلغه هو التلقين الجماهيري والاجماع المصطنع الذي ما فتئ تشومسكي ينقده نقدًا عنيفًا مرًا في كتاباته السياسية، وخاصة نقده للسياسة الأمريكية المحلية والخارجية. ((Chomsky  : 1967, 1973, 1989, 1991, 1994, 1996)

3-3 تدخل الإشارة في علم الاستعمال، ويدخل علم الدلالة في علم التركيب

على خلاف التقليد اللغوي والفلسفي، يتمسك تشومسكي برأيين؛ فأما أولهما فهو أنه من الأفضل معالجة مسائل الإشارة بوصفها تنتمى إلى البعد الاستعمالي pragmatic في اللغة. وأما ثانيهما فهو أنه من الأفضل أيضًا تقديم مسائل المعنى داخل مجال نظرية التركيب. ونسبة الإشارة إلى علم الاستعمال pragmatics تعتمد على مجموعة من المتغيرات المرتبطة بالمتكلم والسياق بدلًا من العمل على تحديد شروط صدق العبارات في علم دلالة شروط الصدق عند بتنام مثلًا. ويدخل علم الدلالة في علم التركيب حيث يكون قادرًا على استيفاء الشروط على تقرير صوري لبنية لغوية. وأنا لا أسيغ رأى تشومسكي هنا، لأن مسائل علم الدلالة مستقلة عن علم التركيب رغم ما بينهما من صلات، والإشارة لا تدخل فى علم الاستعمال لأنه يهتم في المقام الأول بكيفية استعمال المتكلمين للغة، على حين ترتبط الإشارة بالصدق والعالم الخارجي.

وينفصل هذان الرأيان عند تشومسكي عن التقرير الفلسفي المقبول – سواء المبدأ الوصفي عند فريجه القائل إن المعنى يحدد الإشارة، أم العكس الواقعي السببي عند كريبكي لهذا المبدأ- وذلك برفض فكرة أن الإشارة يجب أن تشغل دورًا ممتازًا في نهاية الأمر. ويرى تشومسكي، على العكس، أن هذين التصورين المتعارضين فيما يبدو هما في حقيقة الأمر صورتان مقلوبتان للخطأ الأساسي نفسه، أعني الاعتقاد بأن المعاني يجب أن تتعلق بأي شيء خارجي على العمليات أو التركيبات التي تشكل اللغة الداخلية. ومن ثم فإن إصرار فريجه على أن المعاني موضوعية – يجب أن لا تكون مختلطة في “عقل” هذا المتكلم المفرد أو ذاك – هو دليل كاف على سوء تحديده لمصدر مقدرتنا اللغوية، أعنى أنه وضعها خارج هذه العمليات والبنى نفسها (بدلًا من أن تكون داخلها). وازداد هذا الخطأ بنظرية كريبكي/بتنام في الإشارة التي تتقدم في الاتجاه الواقعي وتنكر أن معنى تعبيراتنا المنوعة – سواء أكانت وحدات معجمية أم صيغ تركيبية – يمكن التفكير فيها بوصفها توجد “في الرأس” بطريقة أو بأخرى. وما يغيب عن الأنظار – في تقرير تشومسكي –  هو ما يحدث الاختلاف الأساسي بين اللغة الخارجية بوصفها مجرد تجميع لسمات سلوكية أو استعدادات واللغة الداخلية بوصفها موضوعًا لمحاولة حقيقية لتحديد هذه الملامح المنوعة المتميزة التي تشكل مجال البحث اللغوي المفهوم علميًا بصورة ملائمة. ((Norris, C. 2004: 113-114

سلك أنصار النزعة الداخلية الدلالية طريقتين للدفاع عن مذهبهم. اعتمدت الطريقة الأولى على بيان بعض الأفكار التي تعترض سبيل القول إن المعاني تتحدد عن طريق جوانب في العالم الخارجي. وكانت الفكرة الأولى هي وجود ألفاظ نوع طبيعي فارغة وليست خالية من المعنى، والفكرة الثانية هي أن النزعة الخارجية غير متوافقة مع المعرفة الذاتية التي لا سبيل إلى إنكارها. زِد على ذلك بعض الملاحظات النقدية حول تجارب الفكر التي قدمها أنصار النزعة الخارجية.

واعتمدت الطريقة الثانية على إثبات أن المضامين القصدية أو معاني الجمل توجد في الرأس كما هو الحال عند سيرل، واعتمدت أيضًا على النظر إلى اللغة بوصفها داخلية وفردية وتمثل خاصية سيكولوجية للمتكلمين كما هو الحال مع تشومسكي. وإذا صح القول إن اللغة فردية، وكان المعنى مكونًا أساسيًا من مكونات اللغة، كان المعنى داخليًا أيضًا. وهكذا انتهي أنصار النزعة الداخلية الدلالية إلى رفض دعوى بتنام “المعاني لا توجد في الرأس فقط”، والتأكيد على أنها توجد في الرأس ولا بد من أن تكون فيه إذا شئنا أن نقدم فهما أفضل لمقدرتنا اللغوية، التي هي عند أصحاب النزعة الداخلية خصيصة إنسانية فريدة. وما تزال الخصومة بين الفريقين قائمة، وما يزال الفلاسفة يبدئون فيها ويعيدون.

 

 

 


المراجع

 

  • Besson, C. 2012. “Externalism and Empty Natural Kind Terms.” Erkenntnis, 70: 403–425.
  • Bezuidenhout, Anne L. 2008. “Language as Internal.” In The Oxford Handbook of Philosophy of Language, ed. by Ernest Lepore and Barry C. Smith. Oxford: Oxford University Press.
  • Boghossian, P. 1989. “Content and Self-Knowledge.” Philosophical Topics, 17: 5–26.
  • Boghossian, P. 1992a. “Externalism and Inference.” In E. Villanueva (ed.) 1992, 11–28.
  • Boghossian, P. 1992b. “Reply to Schiffer.” In E. Villanueva (ed.) 1992, 39–42.
  • Boghossian, P. 1994. “The Transparency of Mental Content.” Philosophical Perspectives, 8: 33–50.
  • Boghossian, P. 1997. “What the Externalist Can Know A Priori.” Proceedings of the Aristotelian Society, 97: 161–175.
  • Boghossian, P. 1998. “Reply to Commentators.” In E. Villanueva (ed.) 1998, . 253–260.
  • Boghossian, P. 2010. “The Transparency of Mental Contet Revisited.” Philosophical Studies, 155(3): 457–465.
  • Chomsky, N. 1967. American Power and the New Mandarins. New York: Pantheon.
  • Chomsky, N. 1973. Towards a New Cold War. New York: Pantheon.
  • Chomsky, N. 1982. “A note on the creative aspect of language use.” Philosophical Review 91: 423–34.
  • Chomsky, N. 1986. Knowledge of Language: Its Nature, Origin, and Use. New York: Praeger.
  • Chomsky, N. 1988. Language and Problems of Knowledge: The Managua Lectures. Cambridge, MA: MIT Press.
  • Chomsky, N. 1991. Deterring Democracy. London: Verso.
  • Chomsky, N. 1992a. “Explaining Language Use.” Philosophical Topics, 20, 205–31.
  • Chomsky, N. 1992b. “Discusion of Putnam’s comments.” In B. Beakley and P. Ludlow (eds), The Philosophy of Mind: Clasical Problems/Contemporary Issues. Cambridge, MA: MIT Press, 411–22.
  • Chomsky, N. 1993. Language and Thought. London: Moyer Bell.
  • Chomsky, N. 1994. World Orders Old and New. New York: Columbia
  • Chomsky, N. 1995. “Language and Nature.” Mind, 104, 1–61.
  • Chomsky, N. 1996. Powers and Prospects. Boston: South End Press.
  • Chomsky, N. 2000. New Horizons in the Study of Language and Mind. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Chomsky, N. 2003. “Reply to Ludlow.” In Louise M. Antony and N. Hornstein (eds.), Chomsky and His Critics, Oxford: Blackwell, 140-161.
  • Chomsky, N. 2016. What Kind of Creatures Are We? New York: Columbia University Press.
  • Egan, Frances. 2003. “Naturalistic Inquiry: Where does Mental Representation Fit in?.” In Chomsky and His Critics, ed. By Louise M. Antony and Norbert Hornstein. Oxford: Blackwell, 89-104.
  • Gertler, Brie (ed.), 2003. Privileged Access: Philosophical Accounts of Self-Knowledge, Aldershot: Ashgate Publishing.
  • Gertler, 2011. Self-Knowledge, London: Routledge.
  • Gertler, 2015. “Internalism, externalism, and accessibilism.” In Sanford C. Goldberg, ed., Externalism, Self-Knowledge, and Skepticism: New Essays, 119-141.
  • Goldberg, Sanford C. ed., 2015. Externalism, Self-Knowledge, and Skepticism: New Essays, Cambridge: Cambridge University Press.
  • McGilvray, James. 1999. Chomsky: Language, Mind, and Politics, Cambridge: Polity Press.
  • Norris, Christopher. 2004. Language, Logic and Epistemology: A Modal-Realist Approach, New York: Palgrave Macmillan.
  • Nuccetelli, Susana. ed., 2003. New Essays on Semantic Externalism and Self-Knowledge, Cambridge, London: The MIT Press.
  • Parent, T. 2017. “Externalism and Self-Knowledge.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy , Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/self-knowledge-externalism/>.
  • Silverberg, Arnold. 1998. “Semantic Externalism : A Response to Chomsky.” ProtoSociology 11: 216-244.
  • Smith, Neil. 1999. Chomsky: Ideas and Ideals, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Villanueva, E. (ed.), 1992. Rationality in Epistemology(Philosophical Issues: Volume 2), Atascadero, CA: Ridgeview.
  • Warfield, T. 1992. “Privileged Self-Knowledge and Externalism are Compatible.” Analysis, 52(4): 232–237.
  • صلاح إسماعيل. 2018. فلسفة اللغة، الطبعة الثانية، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
  • ماريو بونجي. 2019. المادة والعقل: بحث فلسفي، ترجمة وتقديم: صلاح إسماعيل، الطبعة الأولى، القاهرة : المركز القومي للترجمة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق