مقالات

التعبيرُ عن الذّاتِ والجماعة بين شِعر الجاهليّة والإسلام – ياسين اعطية

عرف الشعر العربي منذ بداياته الأولى، تقلبات عدة، ساهمت فيها مجموعة من العوامل المختلفة، التاريخية والسياسية والثقافية وغيرها، كما طبعت العصور المتوالية والمتمايزة، كل قصيدة وكل شعر بطابع الشروط الخاصة بها، وبتقلبات التاريخ بينها. يمكن طبعا رصد ذلك من خلال تتبع حركية الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى عصر النهضة وما بعدها، ليتبين لنا مدى قدرة هذه العوامل والشروط في تغيير عمق القصيدة وشكلها ومضمونها، وتباين خصائصها الفنية وأساليبها المتنوعة، عبر عصور الازدهار تارة والانحطاط تارة أخرى، وحسب المدارس الشعرية التي تفنى وتنبثق من جديد، ووفق وما يراه الشاعر والمجتمع، وما تحتمه الشروط والعوامل. ويبدو أن أبرز ظاهرة يمكن لقارئ الشعر أن يتتبعها بتمعن في الشعر العربي، هي، ثنائية الذات والجماعة فيه، فالشعر العربي منذ بوادره الأولى إلى حدود العصر الأموي، كان محل كفتين اثنتين، فمرة تعلو كفة الذات الشاعرة، ومرة تدنو تاركة المجال لكفة جماعة الانتماء.

جال الشاعر العربي ودوابّه في صحرائه وحيدًا، يسير؛ كما علق على ذلك أبو الحيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة؛ في بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج إلى فكره ونظره وعقله، ووسم كل شيء بسمته ونسبه إلى جنسه، لا كتاب يدله إلا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها..، فاحتاج إلى تلك الطبيعة الوعرة الموحشة، إلى التأمل في الكون والطبيعة وعبادة عناصرها عبادة وثنية، حتى أنه تأمل في ذاته وانغمس في ثنايا مشاعره وأحاسيسه. فجاء شعره معبرًّا عن ما يجول في فكره وما تمليه عليه خواطره، وما ينتابه من أمل وألم، وما تدفعه به ذاته من نرجسية وأنَفة عالية، فكان تارة يفتخر بها وتارة يتغزل ويشكو ما بها، يهجو الآخر ويمدحه وقد يرثيه… . هكذا كان الشاعر الجاهلي يعبر عن وجوده النفسي، وعواطفه الخاصة.

لعل أبرز مثال عن تلك الذاتية ما اصطلح عليهم بالشعراء الصعاليك، الذين تميزوا بمبادئ خاصة، تدعوهم إلى التحرّر من التزامات القبيلة ونظامها، لينفرد الشاعر الصعلوك بنفسه، وبأفكاره الثورية، ناهجًا نمطًا شعريًا حماسيًا ذو أبعاد ذاتية محضة، يعلي شأن النفس والفكر معًا، ويبخس الخمول والاتكال على الجماعة. عبر عن هذا كله شاعرنا الصعلوك عروة بن الورد، الذي وسم شعره بالذاتية في مواجهة تحديات الحياة، والوقوف ضد التمييز القبلي والفوارق الطبقية بين أفراد القبيلة، لذلك تجد شعره ينزاح إلى الذاتية في البحث عن المجد والعلا، متبعًا فلسفة خاصة تعطف على الفقير وتقصي تسلط أغنياء القبيلة. فشعره مجال لغرضين أساسيين، فخر وهجاء، فخر لنفسه وذاته وقوتها في جزر الأعداء، وهجاء واستهزاء بالصعلوك الخامل ولكل من لا يتفق معه في النفس والروح والفكر. بالإضافة إلى ذلك نجد مجموعة من الشعراء الذيم مثلوا الذاتية في شعرهم، من بينهم، عنترة. فكل من عروة وعنترة، عرضا ذاتهما في القصيدة نتيجة لعوامل معينة، فإما بسبب القمع الذي تمارسه القبيلة، والذي يقوي بؤرة التمركز على الذات في النظم الشعري كما هو الحال بالنسبة لعروة، وإما بسبب الآثار النفسية الناجمة عن الجماعة والأسرة، كما هو الأمر بالنسبة لعنترة الذي عانى من رفض الأب وتسلط زوجته، مما جعله كما يرى يوسف اليوسف في كتابه مقالات في الشعر الجاهلي، يحس بمحاولة استيلاب ذاته ونفسه وبالتالي يحاول إبرازها أكثر..، والأمر الذي يفسر أيضًا ذلك الجانب المفرط والمتطرف في النرجسية الغالبة على أشعاره.

إذا كان الشاعر الجاهلي في بداياته، أو في خضم مسيرته، قد عبر عن ذاته الشاعرة، فهذا لا يعني أنه لم يكن معبرًا عن الجماعة، فالشاعر الجاهلي أسمى ما كان في القبيلة، لسان حالها، سراء وضراء، يعبر عنها وعن تاريخها، ويتغنى بأمجادها، فهو سجل حياة القبيلة ومجمع مآثرها، مرافعًا عنها ضد الأعداء، ومفتخرًا  في حماسة واحتفالية بانتصاراتها ومبادئها، وتقاليدها وأعرافها..، ويبدو أن الشاعر عمرو بن كلثوم في معلقته، يبرز هذا الاتجاه نحو جماعة الشاعر، حيث الوعي الجمعي الذي يحتفل بالانتصارات في المعارك، الشاعر المحتفل بنصر قبيلته، يفتخر بها، ويهجو الخصم، ببرز بطش قوتها، ويبخس قدرة العدو، يذكر مآثرها، وتاريخها، ومبادئها، وما تتصف به من نبل وشجاعة وقوة وشرف..

ومن اطلع على كتاب الأدب والغرابة لصاحبه عبد الفتاح كيليطو، سيلاحظ جليًا في مقال له بعنوان تاريخ الشاعر، مدى تحول صورة الشاعر من فترة إلى فترة حسب _رأي الناقد_ ومدى تعلقه بجماعته، وتعلق جماعته به في العصور الأدبية الشعرية الأولى، فهو رئيس القبيلة وكاهنها، منصهر معها وفيها، كما أن القبائل تقدم الهدايا والتهاني للقبيلة التي نبغ فيها الشاعر، والقبيلة التي ينبغ فيها الشاعر تقيم الحفلات احتفاء به، كما يعتقد أن لكل شاعر شيطانه الذي يوحي له بالشعر. والشيطان  هو المجتمع من وجهة نظر عبد الفتاح كيليطو، حتى أنه يرى بالإضافة إلى ذلك أن أي تدخل ذاتي وعاطفي في شعره، ينصهر داخل القبيلة، وهذا هو الذي يجعلنا لا نتفق معه، بحجة سابقة أكدنا فيها ميل الشاعر إلى الذات أيضا دون الجماعة.

يبدو أن نمطية القصيدة العربية في العصرين الأموي وصدر الإسلام، قد تغيرت بعض الشيء وخصوصا على مستوى المضامين والأغراض، فلم يعد المجال للشاعر العربي آنذاك لتوظيف الكثير من الأغراض الأخرى، كالغزل مثلا، لانشغاله بالدين والسياسة، اللذان هيمنا على الشعر بمواضيعهما. فجنح الشعر إلى تيارين، تيار ديني ذاتي يعبر في الشاعر عن ذاته ومواقفها تجاه الدين والإسلام، وخصوصًا الشعراء الذين تحولوا من المرحلة الوثنية إلى التوحيد. كالشاعر الأعشى الذي عبر في إحدى قصائده عن رحلته إلى الإيمان بالدين الإسلامي، متأسفًا على ما أضاعه في الحياة السابقة في اللهو واتباع المعاصي، ليعلن عن توبته ومشاعره وآراءه تجاه الدين والإيمان، جاعلًا القصيدة تعبيرًا ذاتيًا عن تجربته الحياتية بين الكفر والتصديق الإيماني. بينما نجد الشاعر حسان بن ثابت يميل إلى الجماعة بعد أن انصرف عن اللهو والغزل ودخل الإسلام، لتكون قصائده لسانا للدفاع عن جماعة الإسلام، والمنافحة عن الرسول وردًّا على هجمات قريش، ليكون شعره في مرحلته الجديدة معبرًّا عن الأمة الإسلامية وأخلاقها، ومكارمها، وقوتها في الغزوات، حتى إن الرسول محمدًا نفسه، أثنى عليه وقربه منه، ومنحه الغنائم، رغم أنه لم ينصره بالسيف ولم يشهد معه معركة، فقد كان شعره كافيًا، موظفًّا أغراضًا مثل المدح والفخر، لينصر جماعة الرسول والأمة الإسلامية.

كذلك الأمر بالنسبة للعصر الأموي، فانصراف الشاعر إلى التعبير عن مواقفه السياسية تجاه النظام والحكم، يجعله يذكر أسباب اختياره الذاتي وموقفه الشخصي في قصائده، حتى وهو على فراش الموت، كما حدث مع مالك بن الريب في قصيدته الرثائية، حيث جعله الموت يعيد شريط حياته متأملًا في اختياراته السياسية والفكرية، التي جعلته يدخل غازيًا إلى جيش بن عفان، بائعًا الضلالة بالهدى، منتقلًا من مرحلة التلصص والصعلكة إلى مرحلة التوبة والصلاح. كل هذا في قالب ذاتي وظّف فيه الشاعر عنصر الرثاء والتذكر، متأملًا في ذاته تأملًا عميقًا. من جهة أخرى، فإن بروز الجانب السياسي في هذا العصر، جعل مجموعة من الشعراء ينتظمون في أحزاب سياسية وفرق دينية، فأصبحوا أنصارًا لذلك. يمجدون انتماءاتهم الدينية والسياسية. يرفضون من يختلف معهم من الأحزاب الأخرى المغايرة. ولعل شاعرنا الكميت الذي انصرف في بداية إحدى هاشمياته عن الطرب والشوق والطلَل..، ينطلق في ذكر فضائل بني هاشم وآل النبي مدافعا عن أحقيتهم في الحكم، ومؤيدًا خلافتهم ومشروعهم السياسي..، منددًا بالحكم الأموي والمذاهب الأخرى من أمويين وخوارج، والعكس صحيح بمن خالفه في المذهب من الشعراء الآخرين المعبرين أيضًا عن جماعتهم السياسية وفريقهم الديني.

هكذا يمكننا أن نقول بأن الشعر العربي بين مرحلتي الجاهلية والإسلام، إلى حدود العصر الأموي، تلاعبت ألسنه وتفاوت ناظموه، بين التعبير عن الذات والفكر والروح والنفس، وبين التعبير عن الجماعة ومآثرها وأمجادها، حتى أن البعض  قد ينصهر بين عنصري الذات والجماعة في شعره إلى حد التمازج، لكن رغم ذلك قد يطفو ويهيمن عنصر على الآخر.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق