مراجعات

«غوّاصُو الأحقاف» نجمة تلمع في أدب الصحراء – عبدالله ناصر

“لأيام بأول الخريف يرن اسم البحرين كدانةٍ في مجالس أحياء العقيق الثلاثة”. هكذا تستفتح أمل الفاران عملها الرابع “غواصو الأحقاف”، الصادر في سبتمبر 2016 عن دار جداول للتوزيع والنشر. العقيق هو مكان العمل، وهو أحد الأسماء القديمة لوادي الدواسر في السعودية، أما أحياء العقيق الثلاثة فهي أحياء آل هذال وآل فواز وآل بنيان الذين تفرعوا في الأصل من الجد الأكبر والمؤسس مانع. يعود الغواصون إلى الأحقاف / الصحراء ما إن ينتهي موسم الغوص، فيسارعون إلى ركوب نخيلهم بدلًا من البحر إما من أجل التلقيح وإما من أجل الصرام. يبدأ كل شيء في الصحراء وينتهي فيها، فهي لبّ العمل. وتختلف الصحراء هنا كثيرًا عن صحراء منيف والكوني، فلا  تفتأ الفاران تعرضها في كل فصل من زاويةٍ مغايرة، مرةً من الأعلى؛ من الجبل وأكتافه الحجرية المنسدلة، ومرةً من الأسفل حيث بطن الوادي الناعم. تارةً من نباتات الحرمل والعشر والعرار، وتارةً من أشجار السلم والسمر والثمام (ودائمًا النخيل)، من القصر فالبيوت ورواشنها وانتهاءً بحلة العبيد.

في موسم الغوص، تغدو الصحراء خاوية كما هو حال البيوت، أو قلوب النسوة اللائي أُكرِهن على فراق أبٍ أو أخ أو حتى أحد الأبناء. الجوع يحيط بالجميع طوال الوقت، ولا يكاد يفرق بين السادة والعبيد والبهائم، على عكس موسم الرطب حيث تغمر الطاقة والنشاط كل من هناك، فتجدهم  فوق النخيل أو تحته يكنزون حصادهم السنوي. عماد الحياة هنا التمر واللبن. هناك مواسم للحرب، إذ يهجم حيٌ على الآخر بينما يترقب الحيَ الثالث في حذر وريبة دون أن يسعى للصلح، ولكن السيل إن هجم على الأحياء الثلاثة توحدت فعاد قاطنوها أبناء عمومة وجيرة لبعض الوقت، ثم ينفضون عنهم تلك القرابة فيقتتلون مرةً أخرى حتى يكاد يفني بعضهم البعض.

كان الجد الأكبر مانع بن هادي قد جاء هنا وأسس وحده هذه الواحة. بناها فكان القصر، وغرس نخيلها فكانت المزارع، وعندما طمع به الآخرون وقف يذود بنفسه عنها. تباعد من بعده أبناؤه  فواز وهذال وبنيان فكانت الأحياء الثلاثة بدلًا من الحيّ الواحد، وضاعفت الأجيال اللاحقة من هذا البعد إما بزيادة النسل أو الضغينة. كانوا يحتشدون قبل الغوص أمام مريفة شجرة السمرالعريضة، فيتعاهدون في ظلها ألا تنشب حرب حتى عودتهم من البحرين. لن يحفظ الجميع هذا العهد، فهناك من سينقضه. وعندما ينطلق رمح أو رصاصة، هنا أو هناك، فلن يتوقف أبدًا سفك الدماء، فالثأر امرأةٌ ولود لا تكفّ عن إنجاب القتلى.

وفي صراعات الأحياء الثلاثة سنجد العبيد يخوضون هم أيضاً صراعات أسيادهم ما عدا ابن قويت العبد الحبشي الذي أبى أن يشارك في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل حتى عيره بقية العبيد بالجبن والضعف! ولما كانت الحالة كذلك سيذيع بين العبيد أن ابن قويت وإن تكبر عليهم فهو عبد مثلهم وإن لم يخض تجربة البيع والشراء. يكفي أن يرفض العمل حتى يجوع ويهلك.

غير أن العقيق لا تفوح منه روائح الدم فقط، ففي جنبات غُرفهِ البخور والصندل وفي ثياب حريمه الطيب والعنبر وتحت مقانعهن المسك. وفيه تنمو قصص الحب مثل النخيل وتصرم أيضًا مثله. حريم العقيق نبيَات، يحلمن بأزواجهن في الغيب، ويحلمن بالموتى أيضًا. يرقصن على الدوام، ولا دخل للسنّ أو حتى الظروف هنا بالرقص. يرقصن في البيوت وفي الخارج، يرقصن لرجالهن ولأبنائهن ولأنفسهن قبل كل شيء. يرقصن ليسهر من لدغه الداب ويرقصن حتى عندما تعود إحداهن مطلقة فيقطعن الطريق حالاً على ألسنة السوء والنميمة. الرجال أيضًا يرقصون، ينتظمون في صفوف أو فرادى، في الحرب والسلم، ليرهبوا الأعداء في الأولى وليتحببوا للفتيات في الثانية. لم تغفل الفاران الطبول التي ترتجل ساحة الرقص، ولم تنسَ أن تصف حتى الطريقة التي ينهض فيها أحد الطبول فيأخذ في مشاغبة الطبول الأخرى بقرعٍ يخالف وتيرتها فكأنه يحفز بقية الطبول إلى نشاطٍ أكبر ويحفز الراقصين كذلك.

قصص الحب كثيرة: عموش ونفلا، جابر وبتلا، شافي ونفلا، خفرة وجابر. هناك أكثر من حكاية حب، بعضها من الطرفين، وبعضها الآخر من طرفٍ واحد. يُحمِل العشاق مشاطات الحي رسائلهم التي تكون في الغالب قصائد حبٍ عذرية، فيتلونها على مسامع الفتيات اللائي يطرقن رؤوسهن ويتظاهرن بالصمم أو بالخجل. ربما كانت الحكاية الأكثر اضطرامًا ولوعة هي حكاية بتلا وعموش، حب عظيم ومتبادل لكنه ينتهي بالطلاق، فكأن لا فرق بينه وبين زواج بتلا التي حجر عليها ابن عمها وتزوجها رغمًا عنها فحلّت أختها الصغيرة خفرة عوضًا منها. الغريب أن الزيجات التي دامت ونجحت ولو شكليًا هي تلك الزيجات الواقعية إن صح التعبير. خفرة وجابر وبدرجة أقل فرجة وفيحان. في النهاية هذه ليست رواية حب، وهي ليست رواية حرب أيضًا، ربما تسع الاثنين غير أنها بلا شك أرحب من ذلك.

هناك حوالي ثلاثون شخصية في العمل، وهذه من تقنيات الفاران المفضلة وتنم طبعا عن موهبةٍ أصيلة، سبق وجربتها في ” كائنات من طرب”، وقد برعت فيها بل وتفوقت هذه المرة حينما تلافت هذا التشويش والإرباك الذي يسببه هذا العدد الكبير من الشخصيات في عمل متوسط الحجم، عندما استعانت بكنية الأب والأم،  فتبرعت لتكف عن القارئ شر الضياع والخلط، كما في شخصية أبو شافي لكن اسمه الحقيقي يبقى مجهولًا والأمر نفسه ينطبق على أم شافي.

يشبه بناء الشخصيات عند أمل بناء البيوت، بعضها صغير وبسيط مثل روشن وبعضها كبير وشامخ مثل قصر وثيل، لكنها تعدل في النهاية بين الشخصيات ودائمًا ما تمهلهم فسحةً من الوقت وتمنهحم فرصةً أخرى، ولعل المثال الأنسب هو شافي الذي كان في سريرته يتمنى لو حاز صفات العبد جمعان (باستثناء اللون) حتى يخطو على أثر والده الفارس وهذا ما سيحدث تدريجياً في النهاية. كان والده أيضاً قد سلك قبله هذا الطريق الشاق. مانع المؤسس هو أيضًا  بدأ من الصفر، وعلى النقيض منهما نجِد فيحان الذي لا يفوَت أي فرصة حتى لا ينافسه أحده على صيت الخسّة والدناءة.

لعل “مصعق” إحدى الشخصيات التي لا يمكن نسيانها في هذا العمل وهو كبير جنّ العقيق، يحثو الرمل على القوافل ويقذف بالأطفال إلى البئر فيغرقهم أو يلقيهم عن ظهر النخلة فيدق أعناقهم، وأبسط ما يمكن أن يفعله هو أن يوغر الصدور ويوقظ الأحقاد. مصعق كائن خرافي لا يزال يؤمن بقواه الخارقة الكثير من الناس حتى الآن بل ويتجنبون الحديث عنه في السرّ والعلن. هناك ” أم العفن” الجنية التي تسمم اللحم فيتقيح ويتعفن ولا يشفى أبداً و “سمير الرياح” أيضاً كلها مخلوقات جن مخيفة وإن كانت أقل هيبةً من مصعق. لعبيد العقيق أيضاَ كائناتهم الخرافية مثل “أم الصبيان”، وهي إن شاءت نزعت من السادة كل الحقوق المسلوبة وتكفلت بمظالم العبيد كلما جار أسيادهم. الجنّ هم ضرورة في العقيق وفي كل صحراء. هناك أيضًا “قشاش” السيل الذي لا يقف شيء في طريقه، يهدم البيوت والأسوار ويخرب النخيل وأحواضها فتنقعر ويجرف البهائم فتنفق وحين يمضي بعيداً لا ينسى أن يترك خلفه الذباب الأخضر والنمل الأبيض.

السرد في العمل أفقي، متقطع تتناوب عليه قصص الأحياء الثلاثة ويتكفل السارد العليم بنقل أصواتهم. السرد أولاً والحوار في المرتبة الثانية، واللغة تتراوح ما بين الشعري (دون أن تتوغل فيه) وما بين السردي وهو الغالب. اللغة فاتنة، مضيافة عند اللزوم ومقتصدة عندما تُغني الإيماءة عن القول والإشارة عن التنبيه. قد تبدو وعرة في بعض الأحيان خصوصاً في البداية، ربما يحتاج القاريء بعض الصفحات ليتأقلم، وهل يمكن الكتابة عن الصحراء بلغةٍ ناعمة؟ لكنها تلين في مواضع العشق وفي أحاديث الأم وابنتها، وترجع إلى صلابتها بل وتزداد خشونة حتى تكاد تغدو مثل الحجارة عندما ترتفع رايات الحرب. معجم الفاران شاسع وتعابيره مبتكرة ودقيقة واستعاراته دائمًا في المكان الصحيح: “مجلس وثيل حجرة مستطيلة نوافذها المثلثة أشبه بمناخر صغار نائمين” ص ١٨. “للرمل طباع البشر، أقربه من مساكنهم يستمسك بوضعه، قلبه يابس ووجهه مراغة تذروها الرياح كي لا تنسى طبع الحركة، يبتعد عن منازلهم فيتخدد وجهه بالحصى” ص ٤١. كما تعج الرواية أيضًا بالأمثال والحكم وبيوت الشعر كما هو الحال في بيوت العقيق.

شقت أمل الفاران طريقها الإبداعي مطلع الألفية بمجموعة قصصية “وحدي في البيت” ثم رواية “روحها الموشومة به” الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي ٢٠٠٤ وألحقتها برواية “كائنات من طرب” تقول إن كتابة هذه الرواية استغرقت منها ست سنوات تغير فيها تقريبًا كل شيء بدءًا بالعنوان وانتهاءً بالكلمة الأخيرة وما بينهما. أما الصعوبات التي واجهتها فكانت الكتابة عن الرقص وعن الإبل تحديدًا تلك الكائنات التي خُلقت للصحراء أو العكس، وقد تطلبت الكتابة عنها الكثير من الجهود المضنية في القراءة والبحث والسؤال. وترجو في عملها القادم أن تكتب حقبة ما قبل غواصي الأحقاف أو ما بعدها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق