مقالات

فلسفة الثقافة من خلال بعض المفاهيم الجينالوجية – عبد الرحمن محمد طعمة

مقدمة:

تشكّلت المفاهيم الثقافية المختلفة من خلال بحث الإنسان المستمر عن حقيقة وجوده بهذا العالم، بدءًا من فكّ العلاقة المعنوية الملتبِسة بين الدالّ والمدلول، وبين الرموز وما تُشير إليه، وانتهاءً بأزمة الأنطولوجيا في الفلسفة. فرحلة الإنسان في هذا العالم كانت- دومًا- رحلة البحث عن كشف الأسرار: أسرار الكون وأسرار ذاته، ولكنه وهو يكشف ويُفسر ما أُلغِز عليه من أسرار الكون، كان- من دون أن يَعِيَ- يضع لمن بعده أسرارًا جديدة من رسوم ونقوش ورموز … إلخ، وفيما مارسه من طقوس ومعتقدات، وفيما تركه من آثار تعجّ بها الكتب من محاولات فكَ طلاسمها في ديمومة الكون وسيرورة المعرفة.

هذه المقالة تسلط الضوء على بعض المفاهيم الثقافية، من خلال التقصي في حفريات المعرفة أو جينالوجيا الخطاب، واستنادًا إلى فلسفة التصورات التي أسهمت في ترسيخ هذه المفاهيم.

أولا- اغتراب الإنسان في عالم الموجودات:

1- يشير مصطلح الاغتراب Alienation في الدراسات الثقافية والاجتماعية الحديثة إلى غربة الإنسان وإبعاده عن الجوانب الرئيسية في خضم الوجود. تأتي الكلمة من الأصل الألماني entfremdung، بمعنى انتقال الملكية، أو انتقال اللقب، أو التدهور العقلي، أو الجنون … إلخ. لكن المعنى الاصطلاحي الحديث مستقر على ارتباط إحساس الإنسان بالغربة الاجتماعية، أو الإحساس بالعجز عن التأثير في المحيط الاجتماعي بهدف التغيير؛ أي إن المصطلح يتناول الطرفين: غربة داخلية للنفس بفقدان القدرة على التأثُّر بالمحيط، أو غربة خارجية مركزها فقدان القدرة على التأثير في المحيط.

انتشر المصطلح في مجالات ثقافية وفكرية متنوعة؛ في الفلسفة العامة وعلم الاجتماع والفلسفة السياسية والفلسفة الوجودية وعلم النفس والنقد الأدبي … إلخ. لكن يُلاحَظُ أن علم الاجتماع يُسرِف في استعمال مفهوم الاغتراب ليصف به، ويفسر كذلك، مختلفَ صُنوف السلوكيات الاجتماعية، من مثل ظواهر: الأهواء الذاتية، والتعصب الطائفي، والمرض العقلي، والوعي الاجتماعي وعدمه، والمواجهات الاجتماعية، والميول السياسية المتضاربة، والتطرف، والاختلال النفسي، وفقدان القدرة على التواصل الاجتماعي … إلخ.

2- وقد أدخل الفيلسوف الألماني “هيجل” مفهوم الاغتراب- في القرن التاسع عشر- إلى ميدان الفلسفة، عندما رأى أن الوعي ينقسم، أو يُقسِّم نفسه إلى، الذات والموضوع، وأنّ الاغتراب هو العملية التي يموضع بها العقل نفسَه من خلال سيرورات التفكير، ليكون الاغتراب- بهذا المعنى من وجهة نظره- خطوة إيجابية في مسيرة (وعي الإنسان بذاته).

ثم أدخل “ماركس” مفهوم الاغتراب إلى حقل النظرية الاجتماعية من خلال طرحه لمفهوم جديد، فحواه أن الإنسان يستطيع تغيير البيئة الطبيعية من خلال العمل الجماعي، بما يؤدي- بالتبعية وبالتدريج- إلى إنشاء المجتمع. وعلى الرغم من أن البشر- من خلال هذا الطرح- هم صُنّاع العالَم الاجتماعي، ثم الطبيعي- بشكل جزئي- الذي يعيشون فيه، فإن العالَم يصبح شيئًا فشيئًا غريبًا عنهم؛ بحيث لا يكون لهم أي سلطة على امتلاكه، وإنما تملكُه وتملك الإنسانَ كذلك أشياء أخرى صنعها الإنسان نفسه، ثم استقلّت عنه وسيطرت عليه وعلى العالم من حوله، من مثل- كما يرى “ماركس”- الكهنوت priesthood، والنقود، والأفكار الجامدة المرتبطة بمصالح معينة، والآليات والتنظيمات التي يُنشئها الإنسان نفسه، والمؤسسات التي تخضع لآليات شبه مستقلة، ولا تخضع لإرادة الأفراد. وكل هذه الأمور تؤدي إلى تطور شبكات مفاهيمية واسعة لا حدود لها، ومن الصعب أن يتم إيجاد الرابط فيما بينها، ليجد الإنسان نفسَه في موقف يستحيل فيه أن يتعرّف بنفسه جوانبَ وجودِه أو حدودَ هذا الوجودِ، ويستحيل- كذلك- أن يسيطر على الأشياء التي تتولى التحكم والسيطرة على حياته؛ فيعاني الاغتراب غير القابل للانهزام، إلا من خلال المزيد من المعرفة المتحررة من الأغراض، وهي المعرفة التي تهدف إلى الحصول على الإدراك الشامل للطبيعة والمجتمع والعالم بوصفه كُلًّا لا يتجزأ ولا ينقسم.

بذلك، يمكن للإنسان أن ينغمس في سيرورات الحياة وصيروراتها، فيُبدع، ويُحب، ويتذوق الفنون، ويُنتج من خلال هذا الإدراك الشامل، بل إنه يقوم بتوسيع هذا الإدراك وتعميقه ليضيف إليه المزيد من الأبعاد والمضامين المعرفية.

3- طرح “ماركس” كل هذه الأفكار من خلال كتابه الشهير: (المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844م)، Ökonomisch-philosophische Manuskripte aus dem Jahre 1844 الذي كتبه قبل تطوّر فكرِه إلى مرحلة الشيوعية في وقت لاحق. وهي المخطوطات التي تُعرف أيضًا باسم (مخطوطات باريس) Pariser Manuskripte.

ثم طوّر المفكرون الاجتماعيون في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين مفهوم الاغتراب، مستندين إلى أفكار “غيورغ سيميل” و”ماكس فايبر” وغيرهما، ليُدخلوه إلى صلب العمليات الفكرية الاجتماعية، وليكتسب- المفهوم في الساحات الأكاديمية خصوصا- بُعدًا نفسيًّا كذلك؛ حيث سعى علماء النفس الاجتماعيون إلى تحديد درجات الاغتراب، من أجل تحديد مدى ما يعانيه الإنسان من إحساس بالعجز، أو بالشذوذ، أو بانعدام المعنى، أو بالعزلة. ثم قاموا بالربط بين مختلف هذه الأحاسيس ومجموعة من العِلل النفسية، لكن هذه المحاولات من الربط قد تلاشت لأسباب سياسية حاكمة للدوائر الأكاديمية في الغرب آنذاك.

واستخدم الكاتب الألماني المسرحي “بريخت” مصطلح الاغتراب في أواخر الستينيات من القرن العشرين لكي يشير إلى معنى إقامة (مسافة) بعيدة تفصل بين المتفرج والفعل المسرحي، وهذا يعارض المسرح التقليدي، الذي كان يريد أن يُدمج المتفرج في الفعل المسرحي المؤدَّى أمامَه، وهو ما يُسمى في النقد الأدبي بــــ (إسقاط الجدار الرابع) في المسرح البريختي، لكي يلتحم وعيُ الجمهور بالوعي المسرحي المؤدَّى أمامهم؛ فالعرض المسرحي يريد من المتفرجين أن يوقِظوا وعيَهم، ليُدركوا أن ما يشاهدونه من أداء هو (تمثيل)، الغرض منه هو طرح قضية معينة ينبغي على المتفرج أن يصل إلى رأي بشأنها وأن يُكوّن أفكارًا لمناقشتها، وذلك من دون أن يندمج في أحداث العرض نفسِها التي يقوم الممثلون بأدائها أمامه.

4- أخيرًا، يرتبط مفهوم الاغتراب بمفهوم آخر هو نزع الإنسانية dehumanization الذي يُعرف في الألمانية بـــ entmenschung؛ بمعنى إنكار- وإلغاء- حرية النشاط الإنساني في التفكير والحب والعمل والإبداع، وهو ما يرتبط- في بعض الحالات- باختيار الإنسان لذلك بنفسه، حيث يفرض على نفسه هذه الحالة فرضًا، لظروف مّا تخرج عن إرادته، أو لشعوره بالاكتئاب وفقدان الأمل … إلخ، بسبب خضوعه لكيانات ولحالات أضخم من ذاته، لكنها من إنتاج المجتمع والواقع المحيط؛ فنزعُ الإنسانيةِ هو جزءٌ أصيلٌ من ظاهرة الاغتراب العام للإنسان في العالم في إطار نظام اجتماعي بعينه، فيضطر الإنسان إلى حالة من العمل المجرد لأجل كسب العيش، بدلًا من العمل لأجل تحقيق الذات في الوجود. إن خطورة الأمر تكمن في أن السلوك الإنساني يتحول- تدريجيًا- إلى سلوك ميكانيكي لأفعال منعكسة شرطية؛ فتهبط مظاهر الوجود الإنساني في العالم إلى مستوى آلي محض لا وجدان فيه ولا شعور.

ثانيا- الشمولية وعلاقتها بالبناء الفكري الاجتماعي:

1- نشأ مصطلح الشمولية Totality من خلال فلسفة “هيجل” Georg Wilhelm Friedrich Hegel (1770-1831م)- أوائل القرن التاسع عشر- في حديثه حول المسيرة السياسية والفكرية للتاريخ، التي تسعى إلى الشمول، بمعنى التوحيد، وليس مجرد التطابق الجامع للواقع الاجتماعي السياسي في كيانٍ واحد “شامل”.

تطور المفهوم لاحقًا من خلال تيارات الفكر الماركسي من ناحية، والفكر القومي الاجتماعي من ناحية أخرى، مثلما هو الحال عند الماركسي “جورج لوكاتش”، و”واطسون” و”ديلثي” وغيرهما في الفكر القومي الاجتماعي. ثم اختفى المفهوم فترة من الزمن، بسبب اتهام “لوكاتش” بالمثالية وتجاهل الواقع الاجتماعي، وبسبب التفسير القومي المتعصب لمفهوم الشمولية من قبل الأنظمة الفاشية والنازية، ثم عاد المفهوم للظهور مرة أخرى عند المفكر الأمريكي “فريدريك جيمسون”، من خلال مناقشته لحقيقة التعددية Pluralism– المناقضة للشمولية- التي تدعيها الليبرالية المعاصرة، وما يرتبط بها من تيارات فكرية وظواهر اجتماعية وسياسية وثقافية.

أكد “لوكاتش” من خلال تحليله للتفاعل الجدلي (الديالكتيك) بين الواقع التاريخي والروح عند “هيجل” أن هذا التفاعل الجدلي المتواصل والدائم يسعى إلى التطابق ثم إلى التوحد الكامل بينهما في صورة (العقل)، كما ذكر “هيجل”، لكن “لوكاتش” جعل هذا التوحد يتخذ صورة (الوحدة الاجتماعية). وعندما درس “لوكاتش” تطور الأدب الروائي الأوروبي طبّق مفهومه هذا على إنتاج عدد من كُتاب الرواية الواقعيين في أوروبا (مثل “بلزاك” في فرنسا، و”توماس مان” في ألمانيا)، وبيّن كيف تتمثل تلك الحركة “الغائية” للتاريخ والفكر، أو الواقع والروح، في (الوحدة الاجتماعية)، محاولًا استكشاف الآليات الداخلية لذلك (الشمول الاجتماعي)، الذي يتغلب- في النهاية- على حالة (الاغتراب)، أو فقدان الإحساس بالهُوية والانتماء، مع الشعور بأن الواقع الذي صنعه الناس قد أصبح حاكمًا لهم، ومسيطرًا عليهم وعلى وجدانهم وعواطفهم، وتلك هي الآلية التي يفرضها المجتمع الرأسمالي الصناعي على مواطنيه.

2- هذا الطرح الذي أوضحه “لوكاتش” رفضه الماركسيون الحداثيون في أوروبا ووصفوه بالمثالية المفرِطة، ونعتوه كذلك بأنه اتجاه يتبنى نزعة “تاريخانية” غير جدلية؛ فالصراع الطبقي عندهم لم يكن يدرك مغزى (الوحدة الاجتماعية) التي تخلقها عوامل الانتماء الوطني، أو الثقافة القومية، أو الدين، ومختلف البنى الاجتماعية الأخرى، ونتيجة لذلك، لم يكن هذا الصراع ساعيًا إلى غائية هذه الوحدة الاجتماعية بالأساس.

اتهمه الشاعر والمسرحي الألماني الشهير “بيرتلوت بريخت” (Bertolt Brecht (1898- 1956 – أيضا- بأنه “شكلي” يضع القالب الشكلي الخارجي للرواية في مرتبة أعلى من الميزات السياسية التي تكفلها حركة “الحداثة”. وأكدّت التيارات الفكرية ما بعد البنيوية وما بعد الحداثية- كذلك- أن التباين الذي أنتجته المجتمعات الحديثة، بتنوع مظاهرها الاجتماعية، وتنوع أنماط الخطاب الحداثي فيها، قد أدى- بالضرورة- إلى الابتعاد عن الشمولية والتوحد المثالي الذي دعا إليه “لوكاتش” ومن اتبع منهجه ومفاهيمه. يؤكد ذلك “دريدا” و”فرانسوا ليوتار” وغيرهما، بحجة التعددية الليبرالية، التي يرون أنها تمثل باعثَ التنوير والنضج الاجتماعي والقومي.

3- وعلى الرغم من أن “جيمسون” هو واحد من مفكري التيار الاجتماعي ما بعد الحداثي المشهورين، كما أنه من نقّاد المجتمع ما بعد الصناعي في الغرب، فقد أعلن تمسكه بالشمول الاجتماعي؛ حيث أوضح أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الشمول، والأنظمة الشمولية القمعية؛ ففي كتابه (ما بعد الحداثة: المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة) (1991) يوضح أن الشمول هو حالة يتميز بها الكل الاجتماعي أو الكيان الاجتماعي، الذي يتميز- برأيه- بقدر من التجانس، الذي قد يبدو مُحاطًا بغطاء كثيف من التباين الظاهري.

لكن “جيمسون” يحذر من التجانس الذي تسعى إليه الرأسمالية المتأخرة (الحالية) لأجل فرضه على العالم، من خلال فرض أسلوبها في الإنتاج وتقسيم العمل … إلخ، بحيث يتم تحويل (الشمول الداخلي) لهذه المجتمعات إلى (شمولية) مهيمنة على العالم كله، لأن هذا يؤدي إلى تفكيك شمول المجتمعات المتنوعة الثقافة والأفكار والمعارف والأخلاقيات، ومختلف الصور المعنوية التي تبلور صورة أي مجتمع بعالمنا، فضلًا عن مسألة السلع المادية لكل مجتمع، بحيث تنصهر هذه المجتمعات بمختلف مكوناتها الثقافية والمعرفية في شمولية عالمية مهيمنة، تتبنّى خطاب السيطرة تحت مسمى التنوير والتقدم والثورة الصناعية والتكنولوجية … إلخ.

وهنا يقوم خطاب الهيمنة بدور محوري في توجيه الأفكار، وصناعة الحجج، والتأثير على وجدان الشعوب وآمالهم. يوضح “جيمسون” أن هذه التوجهات هي أساس (المركزية الغربية) المرتبطة ببدايات تطور المجتمعات الغربية الحديثة ذات النمو الرأسمالي؛ فالرأسمالية المتأخرة، من خلال اندحار الشمولية الفاشية والشيوعية والنازية … إلخ، تسعى- بقوة- إلى تحويل الشمول في مجتمعاتها الجديدة إلى شمولية عالمية، هدفها هو تفكيك شمول المجتمعات الأخرى ووحداتها، لأجل تحقيق الهيمنة والسيطرة الكلية، ثقافيًا وحضاريًا ومعرفيًا وعلميًا … إلخ.

 

 

 


– المراجع والإحالات لمزيد اطلاع:

* دنيس كوش: مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، 2007.

* رايموند ويليامز: الكلمات المفاتيح، معجم ثقافي ومجتمعي، ترجمة نعيمان عثمان، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2007.

* سامي خشبة: مصطلحات الفكر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006.

* فريدريك جيمسون: ما بعد الحداثة، المنطق الثفافي للرأسمالية المتأخرة، ترجمة أحمد حسان، مجلة الجراد، مارس، 1994.

* Gavin B. Walker: Society and culture in sociological and anthropological tradition, The History of Human Sciences, 14 (3), Pp 30-55, SAGE Publications, August 2001.

* Hubert Knoblauch: Kultur, die soziale Konstruktion, das Fremde und das Andere (Chapter), in: Zur Unüberwindbarkeit kultureller Differenz. Grundlagentheoretische Reflexionen, Transcript Publications, 2007.

* Karl Marx: Ökonomisch-philosophische Manuskripte aus dem Jahre 1844, Hofenberg, Germany, 2017.

* Sapir, Edward: Selected Writings of Edward Sapir in Language, Culture and Personality. Edited by David G. Mandelbaum, Berkeley, CA, University of California Press, 1949.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق