Newphilosopherمقالات

مشكلة الوعي الصعبة والتوأم الزومبي – تيم دين

ترجمة: بشاير عبد الرحمن

أودّ أنْ أُعرّفكَ على توأمك الزومبي: بعيدًا عن الهُراء الذي تُقدّمه هوليوود عن الزومبي، فإن توأمك الزومبي يُشبهكَ تمامًا ويُحاكي تصرفاتك، بل هو نسخة طبق الأصلِ منك حتى أدّق التفاصيل، وللوهلةِ الأولى يَصعُب تَمييزه عَنك.

في اللحظةِ الراهنةِ، يجلسُ توأمك الزومبي ويَقرأ هذا المَقال تحديدًا. يحدثُ هذا كله في عالمِ الزومبي الآخر، عالمٌ موازٍ مُحتمَلٌ وجوده في هذا الكون، وهو أيضًا نُسخةٌ طبق الأصل مِنْ عالمِنا هذا. فبينما تُحدِّق في هذه الكلماتِ الآن، يُحدِّق الزومبي فيها أيضًا في هذه اللحظةِ بالتحديد.

مع ذلك، فإنّ هُناك اختِلافٌ جَوهريٌّ وحيدٌ بينكَ وبينَ هذا الزومبي: بينما تتمعّن في هذه الصفحة وتشعر شعورًا واعيًا ألوانًا وضوءًا، يَفتقرُ الزومبي إلى مِثل هذه الأحاسيسِ الواعية. وحين تَنظرُ إلى وردةٍ حمراء، فأنتَ تختبرُ تجربةً ظَاهريّةً واعية باللونِ الأحمر، لكنّ الزومبي لا يُدرك ذلكَ بطريقةٍ مُماثِلة. ولو تعرّضتَ لوخزَةِ دبوسٍ فإنّكَ ستتراجع متألمًا، ومع أن الزومبي سيتراجع من إثر الوخز أيضًا، لكنّه لن يشعُر بأيّ ألمٍ. مِنْ المُحتمل أنْ يكونَ مُماثِلًا لكَ بدنيًا ووظيفيًا وسلوكيًا، لكنّه يَفتقرُ إلى التجربةِ الثريّةِ للوعيّ الداخليّ. عالمه هائِلُ الفَراغ، وساطِع الضوء كما يقولون.

بينما تسرح لبُرهَةٍ في التفكيرِ في إمكَانيّةِ وجودِ عالمٍ كهذا يتواجَدُ فيه مَثيلكَ الزومبي، يهجِسُ هو أيضًا بالأمرِ ذاتِه. وإنْ آمنتَ أنّ مثل هذه العوالم مُحتملَة الوجود، فإنّه أيضًا -مثلك- يعتقدُ بإمكانيّةِ وجودها.

هذا يُراهن على وجُودِ قُدرةٍ عقليّةٍ للزومبي، فإنْ كانَ وجُود هؤلاء الزومبي مُحتمَل -حتى وإنْ كانَ في عالمٍ آخرٍ  نُسمّيه عالمَ الزومبي- فإنّ لهذا تَداعِياتٍ دراماتيكيّةٍ على إدراكِنا لِفكرَةِ الوعيّ. إنّ احتماليةَ وجودِ كائنٍ كالزومبي حتى لو في عَالمٍ بعيدٍ، يُثبِت أنّ الوعيّ مفهومٌ واسِعٌ ينطوي على أمورٍ أشمل مِن العملياتِ الفيزيائيّةِ؛ مثل طنين وإشارات الخلايا العصبيّة.

قد تُفَسِّر هذهِ الإشارات العَصبيّة جُملَةً مِنْ تَصرُّفَاتِنا، ومِنْ المُحتَمَلِ أنّ لهذا النشاطِ العَصَبيّ ارتِباطٌ وَثِيقٌ بتجارِبنا الظاهريّة. ولكنْ لو افْتَرَضنا أنّ للزومبي ذاتَ الخلايا العصبيّة التي تَبعَثُ هذه الإشاراتِ ورُغمَ ذلكَ فإنه يفتقرُ إلى تجاربٍ واعيّةٍ مُماثلةٍ؛ فإنّ ذلكَ يشيرُ إلى أنّ النشاطَ العصَبيّ وحده ليسَ كافيًّا في تفسير أسباب تجاربنا الواعية.

باختصار: فإنّنا مهما تحدّثنا عنْ الطولِ الموجيّ للضوء، والإشاراتِ العصبيّة، وحالات الدماغ المتغيّرة؛ فلنْ نتمكّن بدقّةٍ مِنْ تَفسيرِ السببِ خلف ظُهورِ اللونِ الأحمرِ باللونِ الأحمرِ بَدلاً من اللونِ الأخضَرِ أو ​​الأزرقِ أو حتى الفرَاغ؛ هناكَ فجَوةٌ تفَسيريّةٌ بينَ ما نَصِفُه على المستوى الفيزيائيّ وعمليات الوعي المُصاحبة لهذه الأحداثِ الفيزيائِيّة.

كيف يمكن إذن لشيءٍ ماديٍّ كالدماغِ أنْ يُنتجَ تَجربةً واعية؟ ولِمَ نعي هذه التجربة بالتحديد وليسَ غيرها؟ فكما أشارَ ديفيد تشالمرز بإدلائهِ الشهير، فإنّ هذهِ الأسئِلَة تُمَثِّلُ «مُشكلةَ الوعي الصَعبة».

من جِهةٍ أخرى، فإنّ «المشاكل السهلة» للوعيّ تتمحورُ حولَ مجموعةٍ أبسَط مِنْ الأسئلة؛ مثل: كيفَ يتفاعلُ الدِماغ مع المُحَفِّزاتِ البيئيةِ ويُعالِجُها؟ كيفَ يَدمجُ المعلومات؟ كيفَ يُنتِجُ السَلوك؟ ما الحالاتِ الدماغية المُصاحِبة لتجاربٍ معيّنة؟ يرى تشالمرز أنّنَا بِحاجةٍ إلى بضعةِ قرونٍ مِن العملِ الشاقّ لنتمَكّن من الإجابةِ على هذهِ الأسئِلَة. أما بالنسبةِ إلى «المُشكلة الصعبة» فمِنْ المُحتملِ أن تبقى مُستعصية الحلِّ إلى الأبد.

إنّ هذا لا يعني أنّ الناسَ لَمْ يُحاولوا حلّها فيما مضى. ففي العُقودِ القَليلةِ المَاضِية، قَدّم عَدَدٌ مِنْ علماءِ الأعصابِ وعِلم الإدرَاك صُورًا مُفَصَلّة عنْ كيفيةِ إنتاجِ الدماغِ للتجربةِ الواعية، وجادلوا أنّ المُشكلَةَ الصَعبة ستُحَلّ بِمُجرّد اكتمالِ هذه الصور.

نستطيع اليوم تَصويرُ الدماغِ تصويرًا تفصيليًا وبدِقّةٍ مُتناهيةٍ، مِن الناحيتينِ المَكانيّةِ والزَمانيّة، وشَحذُ المناطقِ المُحَددةِ التي يَتِمُ تَنشيطها عندما نحسّ ونخبر أشياءً مثلَ الاحمرارِ أو الألم. بإمكانِنَا أنْ نَرى كيفَ يَدمجُ الدماغ تَياراتٍ مُتَعدِدةٍ مِنْ المعلوماتِ – مِنْ العالمِ الخارجيّ ومِنْ الجسمِ ومِنْ داخلِ المُخِّ نفسه – لتوليف صورةٍ مُعقدةٍ مُتَعَدِدة الطبقاتِ تُنتِج انطِباعًا بوعيٍ موحّد.

بإمكانِنَا تحديدُ اللحظةِ التي يَتخِذُ فيها شَخصٌ قرارًا بالتصرّفِ، والتَنبؤ باللحظةِ التاليةِ عندما يُصبِحُ مُدرِكًا لهذا القرار. يُمكِنُنا أنْ نخدعَ وعْينَا ونَجعَلهُ يَتصوّر أشياء غيرَ حَيّةٍ أو نتلاعبُ به مِنْ خِلالِ الجِراحةِ أو التحفيِّز الكِيميائي.

فإنّ هذهِ العَمليات والتَفسيرات المُتَعَلِّقةِ بالوعيّ ماديّة في أسَاسِها. إذْ لا حاجةَ إلى أمورٍ غير ماديّة، أو إضافةِ أشياءٍ أثيريّة لتفسيرِ هذا العالم. بالرُغمِ مِنْ هذا، فإنّ ذلكَ ليسَ كافيًا لحلِّ المُشكلةِ الصعبة. وقد أدلى عَددٌ مِنْ عُلماء الأعصابِ بوجُود فَجوةٍ بينَ نشاطِ الدماغِ والتجربةِ المُصاحِبة لهذا النشاط، وأنّ معرفة حالات دماغِ شخصٍ ما ليست كافيةً لاكتسابِ صورةٍ واضحة عن عالمِه الظاهري. لقد تَوصلّ توأمكَ الزومبي إلى النتائجِ ذاتِها مِنْ خِلال قراءةِ دِراساتٍ مُماثِلة أجراها عُلماء الزومبي في عالمِهم.

إذن، يَبقى السؤالُ المُقلِق: هل كُلّ هذهِ التَفسيرات تَتعلّق فقط بمدى ارتباطِ التجاربِ بالعملياتِ الظاهرية المُصاحِبة لها؟ إنْ كانَ الأمرُ كذلك، فما التَفسير لكونِ الدِماغِ ينتُجِ هذه التجربةَ الواعية تحديدًا وليسَ غيرها؟ هذا يَجعلُ المُشكلةَ الصعبة دونَ حَل.

في النهاية، بالنظِرِ إلى الطريقةِ التي تُعرّف بها «المشكلة الصعبة» فإنّ حلّها مِنْ خِلال العِلم قد يبدو مُستعصيًا، وعِوضًا عن ذلكَ فمِن الأجَدى تركُها للفَلسفة. أحدُ أساليبِ الهجوم لدحضِ هذهِ المُشكلة هو إنكارُ وجُودِها مِن الأساس؛ أي إنكار احتماليةِ وجود الزومبي أيضًا. مما لا شكَ فيهِ أنّ هذا الاعتراضُ المُستَعلي سيُخلِّفُ حتمًا صَدمةً لتوأمِنا الزومبي (أليس كذلك؟).

فَكِّر في هذا الأمر: إنّ احتماليةَ وجُودِ الزومبي تعني أنّ فيلسوفًا ِمنهم الآن يَكتُبُ كِتابًا عن الوعي والدِفاع عن وجُود «المشكلة الصَعبة». ما المُحرّكُ والدافِعُ خلفَ كتابة رِسالةٍ مُتهكمةٍ كهذه؟ لا يُمكن أنْ يكون الوعي؛ وهو ما يَفتقرُ إليه الفيلسوفُ الزومبي. يُمكِن تفسير النَشاط البدنيّ ووضعُ القلمِ على الورقةِ كاستجابةٍ مِنْ الدِماغِ للمُحَفِّزاتِ البيئية، ولكنْ مع ذلك، طالما يُمكِنُنا تفسيرُ سُلوكِنا دونَ الرُجوعِ إلى الوعيّ؛ فما الدور الذي يقومُ بِه الوعيّ في توجيه السُلوك؟ إنْ كانَ وجودُ الزومبي مُحتَملًا فإنّ الإجابةَ: لا شيء.

في هذهِ الحالة، فلماذا نَملِكُ وعيًّا مِن الأساس؟ فإن كان الوعي مجرّد رَفيقٍ مُلازم لنَشاطِنا العصبيّ -أي إنْ كانَ مَحضَ ظاهرةٍ زَائدة أو ظاهرةٍ مُصاحِبة (epiphenomenal) كما يقول الفلاسفة- فما التَفسير في ظُهورِ الأشياء الحمراء باللونِ الأحمر؟ ولِمَ قَد يَكتُبُ الزومبي عَنْ أمورٍ مُمَاثِلة؟

هناكَ نَهْجٌ آخرٌ يَتمثَّل في إنكارِ وُجودِ أيّ نوعٍ مِنْ التَجاربِ النوعيّةِ الغَامِضة – ما يسميه الفلاسفة «الكيفيّات المحسوسة» أو الكواليا qualia- التي تحتاجُ إلى تَفسير. فكما يقولُ دانييل دينيت: «إنّ الكيفيات المحسوسة ليسَت سِوى مَجموعةٍ من الآراءِ أصبحَت ممكنةً بفضلِ اللغة والثقافة».

ويشيرُ إلى الوهمِ السائدِ الذي يُرَجِّح بأنّ لوعينا مَركزًا رئيسيًّا، تمامًا كما لو أنّ ثَمَّة مُراقِبٌ صَغير يُقيمُ داخِل رُؤوسِنا، يُشاهِدُ إسقاطًا لِكُلِّ الأشياءِ التي نَختَبِرُها وندركها – «المسرح الديكارتي»، كما يسمّيه – على الرغمِ مِنْ عدمِ وجودِ كائِنٍ صَغيرٍ كهذا؛ إلا أنّنَا مُعرّضونَ بشكلٍ مُلِّحٍ لهذهِ الأوهام، بقدرِ ما نَحنُ مُعرّضونَ للوهمِ بأنّ الاحمِرار يَنطوي على شيءٍ أعمق من مُجرّدِ تفاعُلٍ لطولٍ مَوجِيّ مُعيّن مع نِظامِنا البَصريّ. رُغمَ ذلك، نَدَدَّ البعضُ بأنّ ذلكَ ليسَ إلا مُحاولةً للإفلاتِ ببساطة مِنْ «المُشكلةِ الصعبة» بدلًا مِنْ مُعالجَتِها معالجةً مُباشِرة.

فإنْ كانَ وُجودُ الزومبي أمرًا مَعقُولًا، والوعيّ ليس إلا شيئًا ضِمنَ الأشياء الماديّة في هذا الكون، فما هو بالضبِط؟ يُقَدّمُ لنا تشالمرز نوعًا جديدًا مِنْ ثنائية الفِكر والجَسد (neo-dualism)، عَدَّ فيهِ الكيفيات المحسوسة أشياءً غير ماديّة، بلْ تَندرِجُ تحتَ مَذهبِ الروحانيّةِ الشاملة (panpsychism)، القائل بأنّ الوعيّ مِن الخَصائِصِ الأوليّة للأشياءِ قاطِبة في هَذا الكونِ،بما في ذلك الجُسيمات دونَ الذريّة. لكنّ البَعض لا يُرضِيهم الاستنادُ على أشياءٍ غامِضةٍ وغير ماديّة؛ فذلِكَ مِثل سَدِّ هذه الفَجوةِ التَفسيريّة بأُحاديّ القرنِ الخُرافي (اليونيكورن).

لا يُنكرُ الكثيرونَ عمومًا بأنّ الوعي لُغزُ غامِض. إلا أنّ السؤالَ ما زالَ حاضرًا: هل يُعدّ الوعي مُشكِلةً [فلسفية تستحق النقاش]؟ فإنْ كُنتَ تجيب بالإيجابِ مُوافقًا، فإنّ توأمكَ الزومبي حتمًا سيتفق معك أيضًا.

 

 


 

New Philosopher.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق