مقالات

الثنائية في فلسفة العقل – صلاح إسماعيل

لتحميل المقالة بصيغة PDF: الثنائية في فلسفة العقل – منصة معنى

 

الثنائية نظرية ميتافيزيقية ونظرية في فلسفة العقل. وتهدف هذه المقالة إلى تقديم تناول منطقي لثنائية الجوهر يعتمد على صياغة الأفكار المؤيدة والرافضة لها في صورة حجج منطقية. وكان الفلاسفة قد هجروا هذه الثنائية حينًا من الدهر، ولكن بعضهم عاد في السنوات الأخيرة لينظر فيما تعرضت له من سوء فهم.

1 معنى الثنائية وأنواعها

2 الثنائية الديكارتية

21 شرح النظرية

2 2 الحجج المؤيدة للنظرية

3 2 حجج ضد ثنائية الجوهر

*****

-1- معنى الثنائية وأنواعها

تقرر الثنائية بصفة عامة وجود نوعين أساسيين من الأشياء أو المبادئ في مجال ما. وأنت تجد في الميتافيزيقا أنه إذا لجأ الفيلسوف إلى مبدأين أساسيين من أجل تفسير الوجود وحقائق الأشياء، كان من أنصار الثنائية، مثل الاستعانة بثنائية الخير والشر. أما إذا لجأ الفيلسوف إلى مبدأ واحد أو شيء واحد، كان من أنصار الواحدية مثل المادة عند الماديين والفكرة عند المثاليين. وإذا لجأ الفيلسوف إلى مبادئ أو أشياء كثيرة، كان من أنصار التعددية. ومعنى هذا أن الثنائية تقال في مقابل الواحدية والتعددية.

والثنائية في فلسفة العقل هي النظرية القائلة بوجود نوعين مختلفين من شيء اختلافًا جذريًا هما العقل والجسم (أو العقلي والفيزيائي أو العقل والمخ). وتقال في مقابل الواحدية في صورتها المثالية التي تقرر أنه لا يوجد سوى العقل ومحتوياته من الأفكار، وفي صورتها الفيزيائية التي تقرر أنه لا يوجد سوى الجسم (أو المادة أو المخ).

وتتخذ الثنائية عدة صور، تأتي في مقدمتها صورتان هما:

.1ثنائية الجوهر substance dualism عند ديكارت وأتباعه، وخلاصتها أن الإنسان مكون من جوهرين متميزين: جسم مادي وعقل لا مادي.

.2ثنائية الخاصية property dualism عند فرانك جاكسون وديفد شالمرز، وهما من الفلاسفة المعاصرين. وتقول ثنائية الخاصية إن الكائنات البشرية كائنات فيزيائية، أي أنها جوهر واحد، ولكنها تملك فئتين متميزتين من الخواص: خواص فيزيائية (أو جسمية) وخواص عقلية.

وثنائية الجوهر لها تاريخ طويل وخليق بالاحترام. تجد صورة منها عند أفلاطون وأتباعه، وعند الأفلاطونيين الجدد في العصور الوسطى. وظلت رائجة منذ القرن السابع عشر إلى القرن العشرين. وافق عليها فلاسفة مثل ديكارت وليبنتز ومالبرانش. وفي القرن العشرين فضلها بعض العلماء مثل تشارلز شيرينجتون، وجون إكلز، ووايلدر بنفيلد. ويدافع عنها في وقتنا الحالي ألفن بلانتينجا، وريتشارد سوينبرن، ووليم لايكن في كتاباته الأخيرة.

-2- الثنائية الديكارتية

1-2 شرح النظرية

تأمل في لحظة شيئًا رهيبًا. تأمل ما سيحدث لك لو أن جسمك، بما في ذلك مخك، قد أصابه الدمار تمامًا. تخيل أنك قد سقطت في حوض ممتلئ بمادة حمضية أو في حفرة من بركان، وتناثرت أجزاء جسمك في جميع الاتجاهات تناثرًا شديدًا وكاملًا. والسؤال: هل تستطيع النجاة من هذه الحادثة الرهيبة؟ هناك رأي يقول نعم. وفي هذا الرأي أنت هو عقلك، وعقلك متميز تمامًا عن جسمك الفيزيائي. وإذن من السهل أن تكون للإنسان حياة بعد الموت. والفكرة القائلة إنك غير فيزيائي ومتميز تمامًا عن جسمك الفيزيائي موجودة في تقاليد دينية كثيرة.(1) وفي هذه التقاليد نجد كلمات مثل “روح” أو “نفس”، ولكن الذي يعنينا هنا هو المعالجة الفلسفية، ومن ثم سنركز أكثر على كلمة العقل في مقابل الجسم.

الثنائية الديكارتية هي ثنائية حول كائنات. العقول والأجسام أنواع متميزة من الكائنات. وبعبارة أخرى، هناك نوعان متميزان من الجواهر في العالم: جواهر عقلية وجواهر فيزيائية. وأقام ديكارت هذه النتيجة الميتافيزيقية على أساس بحث إبستمولوجي. يقول ديكارت في التأمل السادس “في وجود الأشياء المادية والتمييز الحقيقي للعقل عن الجسم”: “إذا ذهبت من كوني أعرف بيقين أني موجود وأني مع ذلك لا ألاحظ أن شيئًا آخر يخص بالضرورة طبيعتي أو ماهيتي سوى أني شيء مفكر، استطعت القول إن ماهيتي إنما انحصرت في أني شيء مفكر، أو جوهر كل ماهيته أو طبيعته ليست إلا التفكير. ومع أن من الممكن (بل من المحقق …) أن يكون لي جسم، إلا أنه لما كان لدي من جهة فكرة واضحة ومتميزة عن نفسي من حيث أني لست إلا شيئًا مفكرًا لا شيئًا ممتدًا، ومن جهة أخرى لدي فكرة متميزة عن الجسم، من حيث أنه ليس إلا شيئًا ممتدًا وغير مفكر، فقد ثبت أن هذه الإنية، أعني نفسي التي تتقوم بها ذاتي وماهيتي متميزة عن جسمي تميزًا تامًا وحقيقيًا، وأنها تستطيع أن تكون أو أن توجد بدونه”.(2) وتجد في التأمل الرابع أن “العقل مجرد شيء مفكر وليس شيئًا ممتدًا طولًا وعرضًا وعمقًا، ولا يشترك في شيء مع الأشياء الفيزيائية”.(3)

ومن خلال التأمل في مثل هذه النصوص، تستطيع أن ترسم صورة مصغرة للثنائية الديكارتية، تتجلى ملامحها الأساسية في التمييز بين جوهرين منفصلين هما العقل والجسم. والجوهر كمصطلح فلسفي يعني ما قام بنفسه، فهو متقوم بذاته. وهو المقولة الأولى من مقولات أرسطو العشرة، وبه تتقوم الأعراض والكيفيات. وعندما يقول ديكارت إن العقل جوهر، فإن الجوهر هنا يعني الشيء أو الكيان. ولكن لا ينبغي أن نفهم معنى الجوهر أو الشيء على أنه الوجود المادي القابل للملاحظة. وإنما الجوهر العقلي يوجد بذاته وفي ذاته عندما يفنى الجسم، ولا يعتمد في وجوده إلا على الله. وأرى من الضروري هنا أن أشير إلى أمرين مرتبطين. أولهما، أن ديكارت يسمي هذا الجوهر باسم “النفس” أحيانًا و”العقل” أحيانًا أخرى، والنفس والعقل اسمان مختلفان لشيء واحد. وثانيهما، أن القول إن العقل جوهر يوجد بذاته وفي ذاته يعني أنه خالد. إذا لم يكن العقل جوهرًا، وإذا لم يكن له وجوده المستقل، فإن العقل (أو النفس) سوف يتوقف عن الوجود بعد فناء الجسم، ولن يوجد خلود. وإثبات خلود النفس (أو العقل) هو أحد الأهداف الأساسية في كتاب التأملات.

“النفس الإنسانية ليست كالجسم مؤلفة من أعراض، ولكنها جوهر محض. فمهما تتغير جميع أعراضها … فلن تصير شيئًا آخر. في حين أن الجسم الإنساني يصير شيئًا آخر متى تغير شكل بعض أجزائه. ويلزم عن ذلك أن فناء الجسم أمر ممكن ميسور. أما عقل الإنسان أو نفسه (وأنا لا أفرق بينهما) فباقية بطبيعتها”.(4)

وكل جوهر من العقل والجسم له ماهية وله خواص. العقل جوهر ماهيته التفكير، أي أن الصفة المميزة للعقل أنه يفكر. ويشمل التفكير عند ديكارت كل عمليات الفهم، والإرادة، والخيال، والحس، أي كل ما نعتبره حالة عقلية. فالاعتقاد مثال للتفكير، والرغبة مثال للتفكير، والشك مثال للتفكير، وقل شيئًا كهذا عن حالات عقلية أخرى مثل الإحساس، والتخيل، والانفعال، ونحو ذلك. هذا عن ماهية العقل. أما خواص العقل فهي أنه معروف مباشرة، وخاص، وحر، وغير قابل للانقسام أي لا يمكن تقسيمه إلى أجزاء أصغر فأصغر، وغير قابل للدمار (خالد).

والجسم جوهر ماهيته الامتداد، أي أن الصفة المميزة للجسم هي أنه ممتد. والامتداد يعني امتلاك أبعاد مكانية. فالجسم شيء مادي مكاني يشغل موضعًا في المكان. أما خواص الجسم فهي أنه معروف بصورة غير مباشرة (وذلك باستنتاج وجود الأجسام وملامحها من محتويات العقل. فأنا لا أدرك مباشرة الكتاب الذي أمامي، وإنما أدرك فقط خبرتي الواعية بالكتاب، أي فكرتي عن الكتاب). ومن خواص الجسم أيضًا أنه عام، ومقيد، وقابل للانقسام بصورة لامتناهية بمعنى أنه يمكن تقسيمه مبدئيًا بصورة لامتناهية إلى أجزاء أصغر فأصغر، ومن ثم يكون الجسم قابلًا للدمار.

 2-2الحجج المؤيدة لثنائية الجوهر

أخص ما تمتاز به الفلسفة أنها بحث عقلي في المفاهيم والأفكار. وإحدى سمات هذا البحث هي صياغة الأفكار على هيئة حجج سواء أجاءت هذه الحجج لتأييد رأي معين أم لتفنيده. وهذه السمة للبحث الفلسفي تجدها بارزة في فلسفة العقل أيضًا. وإذا نظرت إلى الصورة الموجزة التي رسمناها لثنائية الجوهر، تجد أنها تنطوي على محاولات حجاجية لتدعيم أفكارها. وسوف نبحث ثلاثة أنواع من الحجج التي تدعم ثنائية الجوهر وهي: حجج قانون ليبنتز، وحجج الفجوة التفسيرية، وحجج الجهة.

1- حجج قانون ليبنتز

رأي ديكارت أن العقول والأجسام جواهر من صنفين متميزين. وتقوم هذه الثنائية على فكرة منطقية هي لاهوية الشيئين المتميزين. والقانون الذي يحكم أفكار الهوية واللاهوية هو ما يسميه الفلاسفة قانون ليبنتز عن هوية اللامتمايزات. ومعناه إذا كان هناك شيئان متشابهان تمامًا من جميع الجوانب، فإنهما يكونان متحدين في هوية واحدة. ويتخذ هذا القانون أحيانًا صيغة لا تمييز المتطابقات التي تقرر أنه إذا كان أ متطابقا مع ب، فلا بد من أن يشتركا في كل خواصهما. وإذا وجدت خاصية يملكها شيء ويفتقر إليها الشيء الآخر، فاعلم أن أ و ب متميزان.

خذ فكرة قانون ليبنتز وطبقها على ثنايية الجوهر، تجد أنها ملائمة تمامًا. إذا كانت هناك خاصية يملكها عقلك ويفتقر إليها جسمك، أو إذا كانت هناك خاصية يملكها جسمك ويفتقر إليها عقلك، فإن قانون ليبنتز يخبرك بأن عقلك وجسمك متميزان. وتسير حجج قانون ليبنتز على هذا المنوال.

الحجة الأولى

العقول أشياء مفكرة، والأشياء الفيزيائية أشياء غير مفكرة.

يضع ديكارت تعارضًا بين الجواهر العقلية والجواهر الفيزيائية فيما يتعلق بالتفكير. ويتمسك بأن التفكير عملية أو فاعلية عقلية. والجواهر العقلية هي وحدها القادرة على اجتياز هذه العملية وأداء هذه الفاعلية. أما الأشياء الفيزيائية مهما تكن بارعة ومعقدة فإنها بالضرورة أشياء غير مفكرة. وتأتي هذه الحجة على النحو التالي:

المقدمة الأولى: العقول أشياء مفكرة.

المقدمة الثانية: الأشياء الفيزيائية أشياء غير مفكرة.

النتيجة:  إذن، العقول ليست أشياء فيزيائية.

ستجد في هذه الحجة مقدمة موضع نظر، وكذلك الحال في الحجج الأخرى المعتمدة على قانون ليبنتز. المقدمة الأولى يسيرة ولا غبار عليها. والمقدمة الثانية هي المقدمة الحاسمة المثيرة للخلاف. يرى ديكارت أن التفكير عام بمعنى أن هناك مناسبات كثيرة يمكن أن نفكر فيها. ومواقف الحياة لا حصر لها، ونستجيب لكل موقف بما يلائمه. ويسلم بأنه يمكن أن توجد آلية للاستجابة لمناسبة واحدة. ومع ذلك يزعم أنه لا يمكن أن توجد آلية للرد على عدد كبير من المناسبات. ومن ثم فإن الآلة التي تستطيع الرد سوف تتطلب عددًا ضخمًا من الآليات، آلية لكل مناسبة. ولكن هذا مستحيل في رأيه، لأن عدد الآليات المستخدمة سيكون ضخمًا جدًا.(5)

إذن ديكارت يرى أن الجواهر العقلية هي وحدها التي تفكر، أما الأشياء الفيزيائية فلا يمكن أن تفكر مهما كانت بارعة ومعقدة. والسؤال الآن هو: هل صحيح أن الأشياء الفيزيائية لا تفكر؟ يختلف كثير من أنصار علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي مع هذا الرأي، ويطرحون سؤالًا أصبح يمثل عنوانًا لفصل في معظم كتب فلسفة العقل وهو: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ إذا أخذنا التفكير الرياضي، مثلًا، كان الجواب نعم. فالآلة الحاسبة البسيطة تستطيع القيام بعمليات رياضية تظهر القدرة على الاستعمال الصحيح لقواعد الرياضيات. وتستطيع التعرف على آراء علماء الذكاء الاصطناعي في كتابي فلسفة العقل.

الحجة الثانية

العقول ليست مكانية، والأجسام الفيزيائية مكانية.

يرى ديكارت أن الأجسام الفيزيائية مكانية والعقول ليست مكانية. وهذا يعني أن الأجسام الفيزيائية لها أجزاء مكانية ولها موقع مكاني، أما العقول فلا تتجزأ ولا تنقسم ولا نحدد لها مكانًا. وهناك بعض الأجزاء الفيزيائية يتعذر قطعها إما لصلابتها وإما لصغر حجمها مثل الماسة الصلبة. ولكنها مع ذلك تقبل القسمة على نحو يمكن تخيله، ويمكن قطعها بوسائل تقنية بحيث نتصور أن يكون نصفها الأول في جهة ونصفها الثاني في جهة أخرى. أما العقل فليست له هذه الأجزاء المكانية. هل اعتقادك بأن هرم خوفو يوجد في الجيزة في النصف الأيمن من عقلك أم في النصف الأيسر؟ هل رغبتك في تناول فطيرة في النصف الأعلى من عقلك أم في النصف الأسفل؟ يرفض أنصار الثنائية الديكارتية مثل هذه الأسئلة بوصفها لا معنى لها.

“هناك اختلاف كبير بين النفس والجسم من حيث أن الجسم بطبيعته منقسم دائمًا، في حين أن النفس لا منقسمة. ذلك أني حين أنظر إلى النفس، أي حين أنظر إلى ذاتي من حيث أني شيء مفكر، لا أستطيع أن أميز في أجزاء ولكني أعرف وأتصور تصورًا واضحًا جدًا أني شيء واحد تام لا يتجزأ. ولكن الأمر على العكس في الأشياء الجسمانية أو الممتدة لأني لا أستطيع أن أتخيل أن واحد منها مهما يبلغ من الصغر إلا استطعت تجزئته بفكري، أو تيسر لعقلي أن يقسمه أجزاء كثيرة. ومن ثم أعرف أنه منقسم. وفي هذا ما يكفي لإرشادي أن عقل الإنسان أو نفسه مغايرة كل المغايرة لجسمه.(6)

وها هي صورة الحجة:

المقدمة الأولى: العقول ليست مكانية.

المقدمة الثانية: الأجسام الفيزيائية مكانية.

النتيجة: إذن، العقول ليست أجساما فيزيائية.

والمقدمة موضع النظر هي المقدمة الأولى. صحيح أن الاعتقاد بأن هرم خوفو يوجد في الجيزة يتعلق بشيء له موقع مكاني، إنه اعتقاد حول الموقع المكاني لهرم خوفو. ولكن أين يوجد الاعتقاد نفسه؟ إن صاحب ثنائية الجوهر ينكر أن تكون العقول أو الحالات العقلية لها مواضع مكانية.

ربما نتصور أن بعض الإحساسات لها مواضع مكانية. خذ الإحساس بالألم مثلًا. إذا أصبت يدك بأذى، ألا تشعر بالألم في يدك؟ يجادل أصحاب ثنائية الجوهر بأن المكان الذي تشعر فيه بالألم (اليد مثلًا) لا يحسم مسألة أين يوجد الإحساس بالألم نفسه. وهنالك ظاهرة كانت معروفه لديكارت ومعاصريه تثبت أنه يمكن الإحساس بألام في يد ليس لها وجود، وهي ظاهرة الألم الوهمي. وتحدث هذه الظاهرة للأشخاص الذين بتر عضو أو طرف من أطرافهم ومع ذلك يعانون من آلام في هذا الطرف المبتور. تخيل شخصًا يسبح على شاطئ مهجور والتهم القرش يده. إذا كان يعاني من هذه الظاهرة، فإنه يحس بألم حاد في يده التي فقدها منذ فترة. إنه يشعر بألم في يد ليس لها وجود، لقد هضمها القرش. وهذا يؤكد أن الآلام والإحساسات الأخرى التي نحس بأنها تحدث في أماكن جسمية معينة لا توجد في هذه الأماكن، لأن العقول ليست مكانية. والفلاسفة الذين ينظرون إلى العقل بوصفه مخًا، والذين يقبلون النزعة الفيزيائية بصفة عامة، سوف يرفضون هذا الرأي الديكارتي، ويقولون إنه حتى إذا لم يكن واضحًا أين يوجد إحساسك بالألم في الواقع، فإن له موقعًا مكانيًا. وإذا لم يكن واضحًا أين يوجد اعتقادك، فإن له موقعًا مكانيًا، ربما يوجد في قشرة المخ.

الحجة الثالثة

العقول لها قصدية لا تملكها الأشياء الفيزيائية مثل الأمخاخ.

هناك اختلاف بين العقول والأشياء الفيزيائية يتعلق بالطريقة التي نفكر بها “حول” الأشياء عندما نفكر فيها. وهذه الخاصية التي تمتاز بها العقول تسمى القصدية.

والقصدية هي قدرة العقل على أن يوجه ذاته نحو الأشياء ويمثلها.(7) وهي خاصية للعقل يتجه عن طريقها إلى الأشياء في العالم أو يتعلق بها. والحالات العقلية تكون قصدية بمعنى أنها تمثل شيئًا ما أو تتعلق به. فأنت عندما تعتقد، فإنك تعتقد في شيء ما؛ وعندما ترغب، فإنك ترغب في شيء ما، وهلم جرا.

وتتخذ الحجة الصورة التالية:

المقدمة الأولى: العقول لها قصدية.

المقدمة الثانية: الأجسام الفيزيائية ليس لها قصدية.

النتيجة: إذن، العقول ليست أجساما فيزيائية.

وعندما نفكر في شيء موجود مثل هرم خوفو، لا تثير القصدية قلقا في فهمها، ولكن الشيء المقلق والغريب هو قدرتنا على التفكير حول أشياء لا توجد، وربما لا يتصادف أن توجد، مثل التفكير في “أمنا الغولة”، أو التفكير في أشياء لا سبيل إلى وجودها مثل التفكير في مربع له ثلاثة أضلاع. وهذا الجانب الغريب من القصدية يمثل عقبة أمام أنصار النزعة الفيزيائية. فمن الصعب أن ندرك كيف يمكن لشيء فيزيائي مثل المخ أن يملك قصدية تتجه نحو أشياء غير موجودة. لأنه إذا امتلكها، كان مرتبطًا بأشياء غير واقعية، وهذا يتعارض مع النزعة الفيزيائية.

الحجة الرابعة

الجواهر العقلية لها خصائص ظاهرية أو كيفية لا توجد في الأشياء الفيزيائية.

تحمل الجواهر العقلية وحدها الخواص الظاهرية. ويمكن أن نحصل على إحساس قوي بالخصائص الظاهرية عندما نهتم بكيفيات الخبرات الحسية الواعية، مثل معاناة الألم، ورؤية زهرة البنفسج، وشم رائحة النعناع الطازج. هذه الكيفيات أو الخبرات الواعية تقع في خبرة الإنسان ووعيه وهي مسألة ذاتية تمثل عقبة أمام الفهم العلمي للوعي. ونحن نحس بالألم بطريقة تختلف عن الطريقة التي نحس بها بالضيق أو الطريقة التي نحس بها بالرضا. وما دامت كيفيات خبراتنا الواعية مختلفة تمام الاختلاف عن كيفيات الأشياء الفيزيائية، فإن الجواهر العقلية مختلفة عن الجواهر الفيزيائية.

ومن اليسير صياغة هذه الحجة على النحو التالي:

المقدمة الأولى: العقول لها خبرات كيفية واعية.

المقدمة الثانية: الأجسام الفيزيائية ليس لها خبرات كيفية واعية.

النتيجة: إذن، العقول ليست أشياء فيزيائية.

وهنا قد يجادل صاحب نظرية هوية العقل والمخ قائلًا إن الحالات العقلية هي حالات للمخ. ولكن الرد عند صاحب الثنائية أن كيفيات الخبرة الواعية تعتمد علينا في وجودها، ووجودها يتجاوز جهازنا العصبي. إن عالم الأعصاب الذي يلاحظ مخك وأنت تعاني من الألم لن يلاحظ شيئًا مماثلًا لكيفيات خبرتك، أي لن يلاحظ شيئًا مماثلًا لألمك من الناحية الكيفية. وكل ما يلاحظه هو كيفيات عصبية رمادية أو اسفنجية. وهكذا تبدو كيفيات خبرتك الواعية مختلفة تمامًا عن كيفيات الأشياء المادية لأنها معتمدة على العقل، ولأن المدخل إليها خاص بكل فرد وليس متاحًا إلا لصاحب الخبرة، أما كيفيات الأشياء المادية فهي عامة. وهذه النقطة الأخيرة تأخذنا إلى الحجة الأخيرة على ثنائية الجوهر ضمن الحجج المعروفة باسم حجج قانون ليبنتز.

الحجة الخامسة

هناك اختلاف في طرق معرفة العقول والأشياء الفيزيائية.

تقوم هذه الحجة على وجود اختلاف إبستمولوجي بين العقول والأجسام. نحن نعرف أجسامنا عن طريق الحواس من خلال النظر إليها أو لمسها، ونحو ذلك. ونعرفها من ملاحظات الآخرين أيضًا، وهذا يعني أنها قابلة للملاحظة علانية. أما معرفة عقولنا فالأمر جد مختلف.

تعتمد معرفة الأشياء الفيزيائية على الحواس، والحواس يمكن أن تخدعنا. ومن ثم ربما يكون المرء مخطئًا في الاعتقاد بشيء ما. والتسليم بإمكانية الخطأ في معرفة هذه الأشياء الفيزيائية يعني أننا لا نعرفها بيقين مطلق. ويلاحظ الآخرون أجسامنا ويشاهدون كيف نسلك ونتكلم ونفعل. ولكن قدرتنا على الخداع، مثلًا، تدفع الآخرين وتدفعنا إلى التفكير في أن معرفة عقولنا تتجاوز ما يلاحظه الآخرون في سلوكنا.

وعلى حين يمكن أن تكون مخطئًا حول وجود الأشياء الفيزيائية، لا يمكن أن تكون مخطئًا حول وجود عقلك. فأنت تعرف بيقين أن عقلك يوجد. وإذا حاولت الشك في أنه يوجد، فإن الشك هو ذاته عمل من أعمال العقل. ويرى ديكارت أن معرفة العقل (أو النفس) أكثر يقينًا وأكثر تميزًا من أية معرفة أخرى.

وفي الدفاع عن أن معرفة العقل أكثر يقينًا وتميزًا من معرفة الشيء الفيزيائي أو الجسم، يشير ديكارت إلى ظاهرة الطرف الوهمي التي أشرنا إليها، وفيها يواصل الشخص صاحب الذراع المبتورة الشعور بإحساسات في هذا الذراع المفقود، ويحس أحيانًا بألم شديد فيه. ويمثل هذا في رأي ديكارت دليلًا على أن المرء يمكن أن يكون مخطئًا بشأن جسمه بطرق لا يمكن أن يكون مخطئًا فيها بشأن عقله.

وتستطيع صياغة الحجة بالطريقة التالية:

المقدمة الأولى: أعرف بيقين أن عقلي يوجد.

المقدمة الثانية: لا أعرف بيقين أن أي شيء فيزيائي يوجد.

النتيجة: إذن، عقلي متميز عن أي شيء فيزيائي.

ولكن ربما يوجد اعتراض على هذا الاختلاف، أو اللاتماثل، في معرفة العقل والجسم. يقول الاعتراض: ما النتيجة التي تلزم عن حقيقة أننا نعرف الأشياء بطريقتين مختلفتين؟ هل يخبرنا هذا تلقائيًا بأي شيء عن طبيعة هذه الأشياء؟ أم يخبرنا بشيء عن صور التنوع والقصور في طرق معرفتنا؟ إن طريقتنا لمعرفة الشجرة مختلفة عن طريقتنا لمعرفة الجاذبية، وتختلف هاتان الطريقتان عن طريقتنا لمعرفة الإلكترونات. نحن نعرف الأشجار عن طريق رؤيتها وغرسها وحرقها، ولا نعرف الجاذبية أو الإلكترونات بهذه الطرق. وإنما نعرفها في المقام الأول عن طريق تأثيراتها أو عن طريق نظرياتنا حولها، والتي تعتمد على تأثيراتها. ولكن ما الذي يلزم عن هذا؟ الشيء المحقق أنه لا يستلزم أن يكون بعض هذه الأشياء فيزيائيًا وبعضها ليس فيزيائيًا. ويرد صاحب ثنائية الجوهر على هذا الاعتراض بأن اللاتماثلات في الطرق التي نعرف بها الجاذبية والإلكترونات والأشجار لا تقارن بالاختلافات في الطريقة التي نعرف بها أجسامنا وعقولنا، لأن اللاتماثل في طرق معرفتنا بأجسامنا وعقولنا يمثل حالة خاصة تأتي على خلاف كل اللاتماثلات الأخرى في معرفتنا.(8)

معرفة العقل في الثنائية الديكارتية تأتي عن طريق الاستبطان ويعني أن ينظر المرء في دخيلة نفسه لمعرفة حالاته العقلية. وهذه المعرفة مباشرة وخاصة ويقينية ولا تقبل التصحيح. وهي مباشرة لأننا نملك مدخلًا خاصًا إلى حالاتنا الواعية، وهي خاصة بمعنى أنه لا يدرك الحالات العقلية إلا صاحبها فقط، وكل ما يمكن أن يدركه الآخرون هو الاستدلال عليها من نتائجها المادية التي تتجلى في سلوك. وهي معرفة يقينية لا تقبل التصحيح. وهذه السمات التي نسبها ديكارت ومن سايره من الفلاسفة إلى الحالات العقلية من حيث أنها خاصة ومباشرة ويقينية ولا تقبل التصحيح، كانت موضع نقد من الفلاسفة والباحثين في العقل. وحسبي الإشارة إلى الفكرة الأخيرة التي مفادها أن العقل واضح وشفاف ذاتيًا. فقد اعترض فرويد على هذا التصور للعقل ورأى أن هناك جوانب خفية في العقل تمثل منطقة اللاوعي. وحديثًا أكد الباحثون في العلم المعرفي أن معظم الحالات والعمليات العقلية ليست في متناول الوعي.

اعتقد فرويد وأنصاره في مدرسة التحليل النفسي أن العقل مقسم إلى أجزاء، ويملك مدخلًا واعيًا مقصورًا على منطقة معينة، على حين توجد منطقة أخرى غير متاحة للاستبطان وهي منطقة شبه الوعي أو اللاوعي. وسوف تصبح غير معروفة للجزء الواعي الاستبطاني من العقل، لأنه يخفيها في اللاوعي وتتجاوز استطاعة الاستبطان. وهذه الذكريات والرغبات تؤثر في الشخص بطرق ربما تكون مرضية. فربما يصبح الشخص مصابًا باضطراب عقلي، ومدفوعًا بحالات عقلية مكبوتة لا يعرف عنها شيئًا ولا يتحكم فيها. والهدف من التحليل النفسي هو تمكين المريض، من خلال الحوار حول حياته، من استخراج علل هذا الكبت في الماضي البعيد، وتقديم الحالات العقلية المكبوتة إلى الوعي، حيث يمكن معالجتها بعد تأخر طويل. ربما يوجد تنفيس وربما توجد معالجة. صحيح أن هناك خلافًا كبيرًا حول التحليل النفسي، ويذهب بعض نقاده إلى أنه ليس علمًا دقيقًا، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن فرويد وأنصاره قدموا اعتراضًا قويًا على الفكرة الديكارتية القائلة إن العقل مرآة تعكس ذاتها.(9)

2- حجج الفجوة التفسيرية

تعتمد حجج الفجوة التفسيرية على تقديم أحد جوانب العقل التي لا يمكن تفسيرها في حدود الأشياء الفيزيائية، ثم تستنتج أن هذا الجانب من العقل السبب فيه هو أن العقل جوهر غير فيزيائي وعقلي بالكلية.

يستطيع صاحب ثنائية الجوهر أن يستعين بالوعي عند تقديم الفجوة التفسيرية، ويمكن أن يستعين بالاستعمال الذكي أو الاستعمال الإبداعي للغة. وإليك نص ديكارت فيما يتعلق باللغة:

“إذا وجدت آلات لها أعضاء وصورة قرد أو صورة أي حيوان آخر غير ناطق، فإنه لن تكون لنا أية وسيلة لنعرف أنها ليست من نفس طبيعة هذه الحيوانات في كل شيء، في حين أنه لو أن منها ما له شبه بأجسامنا وكان يقلد من أعمالنا ما يمكن تقليده خلقيًا، لكان لنا دائمًا طريقتان جد وثيقتين لمعرفة أنها ليست من أجل هذا أناسًا على الحقيقة. أولى هاتين الوسيلتين هي أن هذه الآلات لن تقدر مطلقًا على أن تستعمل الكلمات أو أية إشارات أخرى تؤلفها كما نفعل نحن لنصرح للآخرين بأفكارنا. ويمكن أن نتصور خير تصور أن آلة تصنع على هيئة مخصوصة بحيث تنطق بكلمات بل وأن تنطق ببعضها بمناسبة أعمال بدنية تسبب تغييرًا في أعضائها، كأن تلمس في بعض المواضع فتسأل عما يراد أن يقال لها، وتلمس في موضع آخر فتصيح بأن ذلك يوجعها. ولكن لا يمكن أن نتصور أنها تنوع تأليف الألفاظ لتجيب أجوبة مطابقة لكل ما يقال في حضرتها كما يستطيع أن يفعل أغبى الناس. وأما الثانية فهي أنه مع أنها تعمل أشياء كثيرة مثلما يعمل أي واحد منا بل قد تعمل خيرًا مما يعمل، فإنها لابد من أن تفشل في أعمال أخرى منها ما يتبين أنها لا تعمل عن علم، ولكن بواسطة وضع أعضائها، وعلى حين أن العقل آلة عامة يمكن استخدامها في كل أنواع الطوارئ، فإن هذه الأعضاء في حاجة إلى وضع خاص لكل عمل على حده … وبنفس هاتين الوسيلتين يستطيع المرء أن يعرف الفرق بين الإنسان والحيوان، لأنه مما يستحق الذكر أنه ليس من الناس الأغبياء والبلداء … من لا يقدرون على تأليف كلمات مختلفة، وأن يركبوا منها كلاما به يجعلون أفكارهم مفهومة. وعلى العكس فليس من حيوان آخر مهما كان كاملًا ومهما نشأ نشأة سعيدة يستطيع أن يفعل ذلك … (ومن ثم) فإن معرفة الكلام لا تحتاج إلا إلى شيء من العقل جد قليل.”( 10)

ويمكن أن نحدد أبرز الأفكار الديكارتية فيما يتعلق باللغة فيما يلي:

.1أحد الأهداف الأساسية التي تستعمل عقلك من أجلها هو إنتاج اللغة وفهمها.

.2هذه القدرة اللغوية الإبداعية لا يمكن تفسيرها في حدود نظام فيزيائي آلي.

.3 لا يمكن لأية آلة مهما كانت متطورة أن تستجيب لكل أنواع المواقف مثلما يستجيب الإنسان.

.4إذا أحدثت الآلة أصواتًا تشبه الكلام البشري في ظاهر الأمر، فلا تستطيع أن تفهم شيئًا مما تقول.

.5لا تعمل الآلة عن علم ووعي، وإنما تعمل وفقًا لما برمجت به.

.6 الحيوانات غير البشرية هي مجرد آلات، ومن ثم لا تستطيع أن تستعمل اللغة.

.7هناك فجوة تفسيرية بين الأشياء الفيزيائية والاستعمال الإبداعي للغة.

.8يلزم عن الفجوة التفسيرية فجوة جوهرية بين الجواهر العقلية والجواهر الفيزيائية.

نقد حجج الفجوة التفسيرية

تعتمد حجج الفجوة التفسيرية على إثبات أن هناك شيئًا يحدث في جانب العقول ولا يمكن أن يحدث في جانب الأشياء الفيزيائية. ومعنى هذا أنها تضع نوعًا من التنبؤ بأن شيئًا ما لن يحدث في عصر مقبل. وتختلف التنبؤات بقدر اختلاف موضوع هذه الحجج. فإذا كان الموضوع هو الوعي، ترى حجة الفجوة التفسيرية تتنبأ بأنه لن يكون في مقدور أي نظام آلي أو شيء فيزيائي امتلاك خبرة واعية، أو قل إن تفسير الوعي لا يمكن تقديمه أبدًا في حدود فيزيائية خالصة. وإذا كان الموضوع هو اللغة، ترى حجة الفجوة التفسيرية تتنبأ بأن إنتاج اللغة وفهمها لن يكون في مقدور أي نظام آلي أو شيء فيزيائي بصورة خالصة، أو أي حيوان.

وما دامت حجج الفجوة التفسيرية تضع تنبؤات، فإنها يمكن أن تكون عرضة للشك. وأساس الشك في هذه الحجج هو مبدأ عام مؤداه أننا لا نستطيع أن نكون على يقين بصورة مطلقة مما سيحمله لنا المستقبل. ربما يحمل لنا المستقبل تقدمًا معرفيًا لا سبيل إلى توقعه في الوقت الحالي في موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، ويؤدي هذا التقدم إلى أدلة حاسمة على أنظمة آلية تفهم اللغة وتدرك العالم المحيط بها. والأساس الآخر للشك في التنبؤات التي تقع في قلب حجج الفجوة التفسيرية هو النظر إلى الحالات الماضية من الجهل العلمي الذي تبعته حالات تقدم معرفية.(11) ولو قد نشر ديكارت الآن، لعرف أن تفكير الآلات التي كانت في عصره لم تكن شيئا مذكورًا بالقياس إلى الأشياء المدهشة التي تؤديها أجهزة الكمبيوتر والروبوتات في عصرنا.

3- حجج الجهة

هناك نوع آخر من الحجة على ثنائية الجوهر يسميها الفلاسفة حجة الجهة. وتسمى كذلك لأنها تعتمد على فكرة الإمكانية وأفكار الإمكانية والضرورة يدرسها منطق الجهة. وتعتمد هذه الحجة على إمكانية وجود العقل من دون وجود الجسم. وإذا كانت هناك إمكانية لوجود العقل من دون وجود الجسم، فإن العقل لابد من أن يكون شيئًا متميزًا من الجسم.

ويمكن صياغة الحجة على النحو التالي:

المقدمة الأولى: إذا كان يمكن أن نوجد من دون أجسام، فلا يمكن أن نكون أجسامًا.

المقدمة الثانية: يمكن أن نوجد من دون أجسام.

النتيجة: إذن، لا يمكن أن نكون أجسامًا (العقول والأجسام كائنات متميزة).

إذا صدقت المقدمتان، تكون النتيجة صادقة. ويقول أنصار ثنائية الجوهر هناك سبب جيد للتفكير في صدق المقدمتين معًا.

والشيء الحاسم في هذه الحجة هو المقدمة المتعلقة بإمكانية تصور وجود العقل من دون وجود الجسم. وإثبات هذه الإمكانية تتحقق عن طريق ما يستطيع المرء أن يملك عنه فكرة واضحة ومتميزة على حد تعبير ديكارت. والفكرة الواضحة هي التي تكون حاضرة بقوة أمام وعي المرء، والفكرة المتميزة هي التي تملك عناصرها بشكل مستقل بحيث لا تختلط مع غيرها. وفي ذلك يقول ديكارت: “إن الأشياء التي نتصورها تصورًا قوي الوضوح والتميز هي جميعًا حقيقية”.(12)

وتستطيع أن تضع الحجة بعبارة أخرى إذا استعنت بالتعبير الديكارتي “الفكرة الواضحة والمتميزة”:

المقدمة الأولى: إذا كان يمكن أن نكون فكرة واضحة ومتميزة عن وجود العقل من دون الجسم، فلا يمكن أن يكون العقل والجسم شيئًا واحدًا وإنما شيئان متميزان.

المقدمة الثانية: يمكن أن نكون فكرة واضحة ومتميزة عن وجود العقل من دون الجسم.

النتيجة: إذن، العقل متميز عن الجسم.

نقد حجة الجهة

هل قابلية التصور تستلزم إمكانية حقيقية؟

الفكرة الأساسية في حجة الجهة هي الانتقال من قابلية التصور إلى إمكانية حقيقية، وهي الفكرة الخلافية التي يعترض عليها نقد هذه الحجة. لماذا يلزم عن مجرد حقيقة أنني أستطيع تصور شيء أن يكون ممكنًا حقًا؟ ربما أكون مخطئًا في تصوراتي.

ومادامت إمكانية الخطأ حاضرة بقوة، فإن الانتقال من قابلية التصور إلى الإمكانية يفتقر إلى التسويغ والقبول. ولكن أنصار حجة الجهة يدافعون عن هذا الانتقال عن طريق اللجوء إلى فكرة المتصور المثالي. والمتصور المثالي لا يدعي الكمال الإلهي، ولكنه شخص جدير بالثقة في تصوراته وأحكامه. إذا تصور حدوث شيء، فلابد أن تكون هناك إمكانيه لحدوثه. ولكن هذا النوع من الدفاع يشجع على طرح السؤال الإضافي: كيف نقرر ما إذا ما كان شخص يتصور الأشياء بطريقة مثالية. ألا يمكن حتى للمتصور المثالي أن يرتكب أخطاء حول ما يكون ممكنًا بالفعل؟.(13) ومهما يكن من شيء فإن فكرة المتصور المثالي والعلم أو المعرفة المثالية هي أفكار يوتوبية لا سبيل إلى تحقيقها.

2 3 حجج ضد ثنائية الجوهر

عرضت عليك بعض الحجج المؤيدة لثنائية الجوهر، وناقشت هذه الحجج في كثير جدًا من الإيجاز. وهناك صعوبات تواجه هذه الثنائية ذاتها كان بعضها واضحا لمعاصري ديكارت وواضحًا لديكارت نفسه أيضًا. ويمكن أن نحدد هذه الصعوبات أو الانتقادات ضد ثنائية الجوهر في ثلاثة هي:

1 التفاعل بين العقل والجسم: حجة الأميرة إليزابيث

2 الاكتمال التفسيري للفسيولوجيا

3 الضعف التفسيري

1- التفاعل بين العقل والجسم: حجة الأميرة إليزابيث

تضع ثنائية الجوهر زعمين أساسيين حول العقل:

1- العقل والجسم نوعان مختلفان جذريًا من الجواهر.

2- العقل والجسم يتفاعلان عليًا.

أدركنا أن العقل جوهر ماهيته التفكير ويفتقر إلى الامتداد، والجسم جوهر ماهيته الامتداد ويفتقر إلى التفكير. والسؤال الآن هو: إذا كان هذا هو حال العقل والجسم، فكيف يمكن أن يؤثر أحدهما في الآخر تأثيرًا عليًا؟ هنا يظهر التوتر بين الزعمين الأساسيين حول العقل. وكان أول من وضع هذا الاعتراض الأميرة إليزابيث من بوهيميا التي كانت تلميذه لديكارت، وكانت تراسله وحفظ لنا التاريخ هذه المراسلات.(14) وصاغها بعض الفلاسفة المعاصرين لديكارت مثل بيير جاسندي. وكانت هذه المشكلة أيضًا من بين الانتقادات التي وجهها أرسطو للقائلين بالثنائية في أكاديمية أفلاطون.

ومشكلة التفاعل هذه، التي يشار إليها في كثير من الأحيان باسم حجة الأميرة إليزابيث، يمكن صياغتها على النحو التالي:

المقدمة الأولى: إذا كانت ثنائية الجوهر صادقة، فلا يمكن أن يتفاعل العقل والجسم تفاعلًا عليًا.

المقدمة الثانية: العقل والجسم يتفاعلان تفاعلًا عليًا.

النتيجة: إذن، ثنائية الجوهر كاذبة.

تخيل أن محمدًا قام برحلة لمعرفة الحياة البرية في غابات أفريقيا. وبينما كان يصور مجموعة نادرة من الحيوانات رأى أسدًا على مسافة قريبة، فعاد مسرعًا إلى سيارته. كيف يفسر صاحب ثنائية الجوهر هذه السلسة من الأحداث؟ أولًا، تصطدم الموجات الضوئية من الأسد بشبكية عين محمد، وتثيرها بطريقة معينة. وبعد ذلك يستخلص مخ محمد المعلومات الحسية من نموذج التنشيط على شبكية عينه، وينقل هذه المعلومات إلى عقله غير الفيزيائي. ويفسر عقله المعلومات التي وصلته من المخ ويدرك أن هناك أسدًا حاضرًا. وبعد ذلك يقرر أن أفضل شيء يمكن أن يفعله هو أن ينطلق بسرعة عائدًا إلى السيارة. والرسالة (أهرب) أرسلت من عقل محمد عائدة إلى مخه. ويرسل مخه الإشارات الملائمة إلى عضلات رجليه وينطلق بسرعه عائدًا إلى السيارة.(15)

ورغم تميز العقل من الجسم، فإنهما يتفاعلان وفقًا لثنائية الجوهر. المعلومات الحسية حول حالة العالم يرسلها المخ إلى العقل، والقرارات حول كيفية الاستجابة يرسلها العقل إلى المخ. ومخك أشبه شيء بمسبار أرسلته وكالة ناسا لاستكشاف كوكب بعيد. ويرسل المسبار صورًا إلى مركز التحكم، حيث يقرر العلماء ما يجب أن يفعله المسبار فيما بعد. وترسل التعليمات بعد ذلك إلى المسبار الذي يستجيب وفقًا لها. المسبار نفسه ليس ذكيًّا تمامًا. وبصورة مماثلة يوصل الجسم المعلومات المتعلقة بالعالم إلى العقل. ويقرر العقل خلال الفعل ويوصل القرار إلى الجسم. والجسم نفسه لا يتخذ قرارات. والعلاقات بين العقل والجسم علاقات علية. فالمعلومات الحسية التي يرسلها المخ إلى العقل تسبب أو تجعل العقل يدون حضور الأسد. وقرار العقل بالفرار يسبب أو يجعل المخ ينشط العضلات الملائمة. وبعبارة أخرى، هناك علاقات علية ثنائية الاتجاه بين العقل والمخ.(16)

تأمل حالة فاطمة التي أرادت قطع شيء في المطبخ فجرحت يدها، وبدأت تشعر بالألم. يرى صاحب ثنائية الجوهر أن هذا الضرر الذي أصاب يد فاطمة يسبب رسالة ترسل إلى مخها، والذي يرسل بدوره رسالة إلى عقلها غير الفيزيائي. والعقل يقدم لفاطمة حالة الإحساس المؤلم. وخبرات الألم هي حالات للعقل غير الفيزيائي، أما المخ فلا يملك خبرات واعية. ولكن المشكلة الكبرى التي تواجه ثنائية الجوهر يطرحها السؤال: كيف يؤثر العقل غير الفيزيائي (غير المكاني) في المخ الفيزيائي (المكاني)؟

لم يكن ديكارت فيلسوفًا وعالم رياضيات فحسب، وإنما كان صاحب اهتمام بعلم التشريح وعلم وظائف الأعضاء أيضًا. وتوصل إلى أن مكان اتصال العقل والجسم يقع في منطقة محددة من المخ تسمى الغدة الصنوبرية، وهي أشبه شيء بحبة البازلاء. أما السبب الذي دفع ديكارت إلى الاعتقاد في أن هذه الغدة هي مكان التواصل بين القوى العقلية والقوى المادية فهو وضعها الفريد في تركيب المخ. إن الأجزاء المختلفة من المخ هي أشبه شيء ببقية أعضاء الجسم، فكما تملك يدين ورجلين وعينين، كذلك المخ يحتوي على نصفين كرويين. وعلى خلاف كل أجزاء المخ التي تأتي مثنى، لاحظ ديكارت أن العدة الصنوبرية هي العضو الوحيد غير المزدوج في المخ. ولذلك افترض أنها نقطة الاتصال بين العمليات العقلية والجسمية.

ويرى سيرل أن الرغبة في استكشاف نقطة اتصال النفس والجسم لا تزال حية تراود الباحثين. ويقول: “لقد ناظرت ذات مرة عالم الأحياء العصبية الحاصل على جائزة نوبل السير جون إكلز على التلفزيون البريطاني، وجادل بأن النفس تتصل بالمخ في المنطقة الحركية الإضافية. وها هي حجته: إذا سألت شخصًا أن يؤدي عملًا حركيًا بسيطًا كأن يلمس بإبهام يده اليمنى كل أصابعه اليمينية، تظهر القشرة الحركية (في المخ) مستوى أعلى من النشاط. وإذا سألت الآن الشخص أن يفكر فقط في هذا العمل من دون أن ينجزه بالفعل، فإن القشره الحركية تتوقف ولكن تظل المنطقة الحركية الإضافية نشيطة. والفكرة التي كانت لدى إكلز هي أنه عندما تكون النفس وحدها نشيطة فإنها تنبه المنطقة الحركية الإضافية.(17)

على أن ديكارت عاد في نهاية “التأملات” و“مقال عن المنهج” وأشار إلى فكرة اتحاد النفس والجسم. وهي فكرة أوقعت كثيرًا من الشراح في حيرة ودفعت بعضهم الى الزعم بأن التمسك بها يعني التخلي عن الثنائية. يقول ديكارت: “وتعلمني الطبيعة أيضًا، بواسطة أحاسيس الألم والجوع والعطش إلخ، أني لست مقيمًا في بدني كالنوتيّ في سفينته، بل فوق هذا متحد به اتحادًا وممتزج به امتزاجًا يجعل نفسي وبدني شيئًا واحدًا”.(18)

2- الاكتمال التفسيري للفسيولوجيا

إذا تركت التفسير الثنائي لهروب محمد من أمام الأسد، وعمدت إلى التفسير الفسيولوجي لهذا الهروب، انتهيت إلى وجود اختلاف أساسي بينهما. يقول عالم الفسيولوجيا إن الجري يحدث عندما تنقبض بقوة عضلات معينة خاصة عضلات الفخذ. وتنقبض عضلات الفخذ لأن أعصابًا معينة قد أثارتها. وهذه الأعصاب تظهر في العمود الفقري، وبدورها أثارتها أعصاب فقرية خاصة. والأعصاب الفقرية بدورها أثارتها القشرة الحركية، وهي جزء من المخ مخصص لبداية الحركة والتحكم فيها. وعند هذه النقطة يتخذ التقرير الفسيولوجي طريقه نحو التعقيد. ويكفي أن نلاحظ أن القشرة الحركية تثيرها أجزاء من المخ مسؤولة عن اتخاذ القرار، والتي تتلقى بدورها مدخلًا من القشرة البصرية، وهي جزء من المخ مسؤول عن الرؤية. تذكر أن محمدًا فرّ هاربًا لأنه رأى الأسد. ويحدث النشاط في القشرة البصرية لأن الأسد أثار شبكية عين محمد.(19)

ولم أعرض عليك شيئًا من تفصيل التفسير الفسيولوجي لحركة بسيطة، وإنما عرضت خلاصته في كثير من الإيجاز. والآن قارن هذا التفسير بتفسير ثنائية الجوهر، تجد أن التفسير الثنائي يقول إن مخ محمد يستخلص المعلومات الحسية وينقلها إلى عقله، ويتخذ العقل قرار الهروب ويرسل القرار إلى مخه. أما تفسير عالم الفسيولوجيا للحركة فهو نظرية فيزيائية لا تحتوي على أية إشارة إلى عقل غير فيزيائي. وإذا استطعنا أن نفسر الفعل الإنساني من دون اللجوء إلى جوهر غير فيزيائي هو العقل، فإن ثنائية الجوهر تقع في حرج بين بديلين كلاهما مر: إما أن تكون خاطئة وإما أن تكون غير ضرورية.

3- الضعف التفسيري

يمكن أن تسلك طريقين لبيان الضعف التفسيري في ثنائية الجوهر. فأما الطريق الأول، فهو أن تنظر في معالجة ثنائية الجوهر للملامح العامة التي تميز الحالات العقلية التي أسلفنا ذكرها. وستجد أن ثنائية الجوهر لا تقول سوى القليل عن هذه الملامح. وأما الطريق الثاني، فهو أن مشكلة الضعف التفسيري تتخذ صيغة الاستدلال من أسوأ تفسير. ولكي نفهم هذا الاستدلال أرى أننا في حاجة أولًا إلى فهم الاستدلال على أفضل تفسير. و”الاستدلال على أفضل تفسير” – وهو عنوان مقالة جلبرت هامان الذي تنسب إليه هذه الفكرة (20) – هو عملية اختيار الفرض أو النظرية التي تفسر المعطيات المتاحة.

وهناك عوامل للمفاضلة بين التفسيرات مثل العمق، والشمول، والبساطة. ويستخدم الاستدلال على أفضل تفسير في التفكير العادي في الحياة اليومية، ويستخدم بوصفه حجة استقرائية في العلوم. ويبدأ الاستدلال بمجموعة من الوقائع أو الظواهر بالإضافة إلى النظريات التي تدعي تفسيرها. ثم نقوم بتقييم النظريات حتى نصل إلى أفضل تفسير تقدمه نظرية.

خذ مثلًا يوضح ذلك. أتى على الإنسان حين من الدهر لم يعرف على وجه الدقة كيف يكون القمر. وقدم العلماء نظريات متنافسة لتفسير تكوين القمر. تقول إحدى النظريات إن القمر كويكب سائب من خارج نظامنا الشمسي الذي تسيطر عليه الجاذبية الأرضية. وتقول نظرية ثانية إن الأرض والقمر تكونا جنبًا إلى جنب من حشد أصلي من الغبار الكوني الذي تكون منه بقية النظام الشمسي. وزعمت نظرية ثالثة أن القمر تكون نتيجة لاصطدام كوني هائل؛ فقد تحطم كوكب صغير على الأرض منذ القدم، وقذف الحطام نحو الفضاء الذي اندمج في نهاية الأمر لتكوين القمر. النظرية الأولى مرفوضة لأنه من غير المحتمل أن ينتهي القمر في مداره الفلكي إذا كانت قد سيطرت عليه جاذبية الأرض. والنظرية الثانية مرفوضة لأنها غير قادرة على تفسير غياب اللب الحديدي من القمر. وإذا كان تكوين الأرض والقمر من ذرات الغبار الكوني نفسها، كانت مكونات القمر مثل مكونات الأرض. ولكن القمر يحتوي على كمية ضئيلة من الحديد وتركيبه الصخري مختلف عن الأرض. وبعد فحص الدليل المتاح، استنتج العلماء أن أفضل تفسير لتكوين القمر هو التفسير الثالث: تشكل القمر نتجة اصطدام هائل بين كوكب صغير والأرض.(21)

ويوضح هذا المثال الاستدلال على أفضل تفسير والاستدلال من أسوأ تفسير معا. لأنه بقدر ما يقترب العلماء من الاستدلال على أفضل تفسير، تراهم يبتعدون عن الاستدلال من أسوأ تفسير. وعندما يقول نقاد ثنائية الجوهر إنها ضعيفة تفسيريًا، فهذا يعني أنها تقدم أسوأ تفسير تقدمه نظرية بين النظريات المتنافسة في العقل والجسم.

تأمل الآن بعض الحقائق حول العلاقات بين الظواهر العقلية والفيزيائية التي يبدو أنها تقدم صعوبة للقائلين بثنائية الجوهر. يسلم معظمنا بأن الظواهر العقلية ليست مرتبطة بمجرد أي نوع من الجسم. فهي مرتبطة بالثدييات كبيرة المخ مثل البشر، ولكنها لا ترتبط بالموائد والأقلام والصخور. لماذا ترتبط الحالات العقلية ببعض الأنظمة الفيزيائية ولا ترتبط ببعضها الآخر؟ يفسر أنصار النظريات المختلفة في العقل والجسم هذه الحقيقة بطرق مختلفة. يرى أصحاب الهوية النفسية الفيزيائية أن السبب هو أن الحالات العقلية هي حالات للمخ. ونظرًا لأن الثدييات كبيرة المخ لها أمخاخ، ولكن الموائد والأقلام والصخور ليس لها أمخاخ، فمن السهل إدراك السبب في أن البشر يملكون حالات عقلية ولكن الموائد والأقلام والصخور سوف تفتقر إليها. وبصورة مماثلة، وفقًا لأصحاب نظرية الصفة المزدوجة مثل أصحاب المذهب الانبثاقي، وأنصار مذهب الظاهرة الثانوية، الحالات العقلية تحدثها وتولدها حالات المخ. ونظرًا لأن الموائد مثلًا ليس لها أمخاخ، فلا تستطيع أن تولد حالات عقلية. ومن جهة أخرى، تستطيع الثدييات كبيرة الحجم أن تولد هذه الحالات العقلية. وفي المقابل، هل يستطيع أنصار ثنائية الجوهر تفسير الارتباط بين الحالات العقلية والثدييات كبيرة المخ؟ الجواب: لا. إذا كانت ثنائية الجوهر صحيحة، فلا ترتبط الحالات العقلية بالظواهر الفيزيائية. فالحالات العقلية لا تكون في حاجة إلى أن تكون مرتبطة بأية أنظمة فيزيائية على الإطلاق. ونتيجة ذلك، إذا كانت الظواهر العقلية مرتبطة بأنواع محددة من الأنظمة الفيزيائية مثل الثدييات كبيرة المخ، فلا يستطيع القائلون بثنائية الجوهر تقديم طريقة مبدئية لتفسير هذه الارتباطات، ولابد من أن يقبلوا وجودها بوصفها حقيقة خام.(22)

وما دامت ثنائية الجوهر تقبل هذه الارتباطات العقلية – الفيزيائية بوصفها حقيقة خام، ولا تقدم لها تفسيرًا على الإطلاق، فهذا يعني أنها أقل النظريات المتنافسة منزلة من الناحية التفسيرية عند بعض الفلاسفة، الأمر الذي دفعهم إلى التخلي عنها والبحث عن بدائل أخرى.

وبطبيعة الحال لا يزال هناك من الفلاسفة الأحياء من يدافع عن ثنائية الجوهر بطرائق جديدة أحيانًا(23)، وبصور مختلفة عن الصورة الديكارتية أحيانًا أخرى.(24)

 

 


هوامش

  • Pete Mandik, This Is Philosophy of Mind: An Introduction, Wiley Blackwell, 2014, p.15.

(2) ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمه وقدم له وعلق عليه:  د. عثمان أمين،مكتبة الأنجلو المصرية، 1980، ص 249- 250 .

المرجع السابق، ص 177. (3)

المرجع السابق، ص 58. (4)

(5) Ian Ravenscroft, Philosophy of Mind: A Beginner’s Guide, p. 12.

(6) ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ص 263.

(7) في تعريف القصدية، وتاريخ هذا المفهوم، وتطوره، انظر كتابنا فلسفة العقل: دراسة   في فلسفة جون سيرل، القاهرة ، دار قباء الحديثة، 2007، الفصل الرابع.

(8) Suzanne Cunningham, What Is a Mind? An Integrative Introduction to the        Philosophy of Mind, Indianapolis/ Cambridge; Hackett Publishing Company, Inc., 2000, p.8.

(9) Neil Tennant, Introducing Philosophy: God, Mind, World, and  Logic, New Yourk and London: Routledge, 2015, pp. 296-297. And see  also Adolf Grunbaum, The Foundations of Psychoanalysis: A Philosophical Critigue, Berkeley, and los angeles: University of California Press, 1984; Simon Boag, Linda A. W. Brakel, and Vesa Talvitie (eds.) Psychoanalysis and Philosophy of Mind: Unconscious Mentality in the Twenty-first Century, Karnac Books Ltd, London, 2015.

(10)رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، الطبعة الثالثة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985، ص 259- 260.

(11) Pete Mandik, This Is Philosophy of Mind: An Introduction, pp.20 – 21.

(12) رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ص 219.

(13) Pete Mandik, This Is Philosophy of Mind: An Introduction, p. 24.

(14) Jonathan Bennett (ed.), “Correspondence between Rene Descartes and  Princess Elisabeth of Bohemia,” full text available at

http: // www.earlymoderntexts. Com/pdf/descelies.pdf.

(15)  Ian Ravenscroft, Philosophy of Mind: A Beginner’s  Guide, p.10.

(16)  Ibid., p.10.

(17)  John  R. Searle, Mind: A Brief Introduction, New York, Oxford: Oxford University Press, 2004, p.23.

(18)  ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ص 254.

(19)  Ian Ravenscroft, Philosophy of Mind: A Beginner’s  Guide, pp.16- 17.

(20) Gilbert Harman, “the Inference to the Explanation,” Philosophical Review 74 (1), 1965 : 88-95.

(21) William Jaworski, Philosophy of Mind: A Comprehensive   Introduction,  Wiley- Blackwell, 2011, pp. 62-63.

(22)  Ibid., pp.63-64.

(23) Charles Taliaferro, “Substance Dualism: A Defense,” in The Blackwell Companion to Substance Dualism, edited by Jonathan J. Loose, Angus J. L. Menuge, and J. P. Moreland, Hoboken, Oxford: Blacwell, 2018, pp.43-60.

(24)  E. J. Lowe, ” Non-Cartesian Substance Dualism,” in The Blackwell Companion to Substance Dualism, edited by Jonathan J. Loose, Angus J. L. Menuge, and J. P. Moreland, pp.168-182.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق