مقالات

هل تفكّر مثل ليوناردو دافنشي؟ – شاكر عبد الحميد

في عام 2019 احتفلت إيطاليا بمرور الذكرى الخمسمائة على وفاة ليوناردو دافنشي وقد أطلقت على ذلك العام “عام دافنشي”، وأقيمت بهذه المناسبة احتفالات كبيرة ومعارض فنية وعروض مسرحية وسينمائية وندوات فكرية في مدن إيطالية مثل روما وميلانو وفلورنسا وغيرها، وكذلك في بعض المدن الأوروبية مثل باريس.

بورتريه لرجل ملتح – دافنشي (يقال إن دافنشي قد رسمها كصورة شخصية لنفسه) وتاريخها مختلف عليه لكنها ربما تعود الى عام 1512

 

لقد كان دافنشي دائمًا مُلهِمًا للفنانين والمؤرخين والنقاد والباحثين في الدراسات الإنسانية، كما لم يتوقف اهتمام الباحثين المهتمين بدراسة عملية الإبداع لديه أو دراسة حياته، ولعل من أشهر تلك الدراسات تلك التي قام بها سيجموند فرويد عنه عام 1910، لكن تيارًا جديدًا من الدراسات حول المُبدِعين عامة قد تنامى أيضًا خلال السنوات الأخيرة. هكذا وجدنا دراسات كثيرة متتابعة بعناوين مثل: كيف تفكر مثل ليوناردو دافنشي، كيف تفكر مثل أينشتين، كيف تفكر مثل فرويد، كيف تفكر مثل شيكسبير، كيف تفكر مثل وينستون تشرشل، كيف تفكر مثل بيل جيتس، كيف تفكر مثل ستيف جوبز، كيف تفكر مثل مليونير، كيف تفكر مثل عالم رياضيات، كيف تفكر مثل محلل بيانات .. إلخ، ووصولًا إلى عناوين مثل: كيف تفكر مثل سمكة، وهي دراسة موجهة إلى هواة صيد السمك كي يُعرِّفهم كيف يضعون أنفسهم مكان الأسماك الموجودة في مكان معين من أجل سهولة صيدها.

وهكذا، فإننا سننطلق في مقالنا هذا من أحد الكتب المهمة التي حاولت أن تفهم: كيف يفكر ليوناردو دافنشي، ونقصد بذلك كتاب مايكل جيلب، المؤلف الأمريكي المتخصص في الإدارة والقيادة لدى الأفراد والمؤسسات، والمعنون بهذا الاسم والذي صدر في طبعته الأولى عام 1998.

غلاف كتاب مايكل جيلب- كيف تفكر مثل ليوناردو دافنشي

 

وترجع أهمية هذا الكتاب الذي طبعت منه طبعات كثيرة في أكثر من لغة إلى أنه أصبح أحد المصادر الأساسية في فهم ودراسة طريقة تفكير وعمل ليوناردو دافنشي، كما أنه أصبح نموذجًا يُحْتذَى به في كتابات كثيرة صدرت بعد ذلك وأخذت شكل هذا العنوان: كيف تفكر مثل.. كما سبق وأن ذكرنا، كما أن هذا الكتاب قد أصبح مصدرًا أيضًا لإعداد بعض أدوات البحث العلمي المستخدمة في دراسات الطلاب في مرحلتي الماجيستير والدكتوراه، وقد قمت شخصيًا بالمشاركة في مناقشة إحدى رسائل مرحلة الدكتوراه حول ليوناردو دافنشي وطرائق تفكيره في رحاب جامعة الخليج العربي بمملكة البحرين خلال شهر فبراير الماضي.

قام مايكل جيلب بجمع أفكاره من قراءات متعددة حول ليوناردو دافنشي وحول عصره وحول أعماله، كما أنه قد التقط فكرة من هنا وفكرة من هناك من بعض دراسات الإبداع الحديثة خاصة لدى تورانس وستيرنبرج ورينزولي وجيلفورد ثم صاغها في إطار تنظيمي واحد جذاب.

ومن هذا الكتاب ومن بعض ما طرح فيه من أفكار ودون الاقتصار عليها، سوف ننطلق إلى محاولة فهم كيف كان ليوناردو دافنشي يعمل وكيف كان يفكر، مع وعينا أيضًا بأن دافنشي لم يكن “يفكر” فقط، بل كانت لديه دافعية عالية للإبداع، كما كان يشعر ويحس ويفرح ويتألم ويتذوق الجمال في كافة جوانب الحياة.

عصر ليوناردو دافنشي

ظهر ليوناردو دافنشي (1452-1519) خلال عصر النهضة، وهو العصر الذي جاء بعد ما سُمِّي بالعصور المُظلِمة والتي تمتد ما بين القرن الرابع وحتى القرن الرابع عشر الميلادي، وقد جسَّد عصر النهضة حركة ثقافية وعلمية استمرت ما بين القرن الرابع عشر الميلادي وحتى القرن السابع عشر حين بدأ عصر التنوير.

ففي عصر النهضة حدثت تطورات كثيرة في التجارة، كما انتعشت المدن، وظهرت الدول الحديثة وتطورت الحركة العلمية، وتم التأكيد على عبقرية الإنسان وقدراته الفريدة، وحدث الإحياء للفكر اليوناني القديم والإضافة إليه خاصة مع هجرة العلماء والمفكرين من القسطنطينية وغيرها بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية على يد العثمانيين عام 1453.

في ذلك العصر أيضًا حدث الاختراع للمطبعة على يد جوتنبرج في ألمانيا عام 1447 وتزايدت حركة الدفاع عن حرية التفكير وكرامة الإنسان وازداد الاهتمام بالتربية والتعليم وسلامة الجسد والحياة المدنية، والبحث العلمي، وظهرت نظرية كوبرنيكس (1473-1543) حول مركزية الشمس ونظرية جاليليو (1564-1642) حول دوران الأرض حول الشمس، كما ظهرت حركة الإصلاح الديني البروتستانتية وتزايد اهتمام أسرة مديتشي في فلورنسا وغيرها برعاية الفن والفنانين، وتطورت فكرة المنظور الخَطِّي على يد برونيلسكي وألبرتي، وظهرت دراسات كثيرة حول الظل والنور والتشريح والجسد وحاسة الإبصار، كما ظهرت أسماء مهمة في الفن مثل دافنشي ورافاييل ودوناتيللو وميكل أنجلو وتيتسيانو وغيرهم.

كذلك تطور فن العمارة وتقدمت علوم الطب والنبات والتشريح. وقد كان العلم والفن متداخلين إلى حد كبير في ذلك العصر، وفي ظل ذلك كله ظهر ليوناردو دافنشي، وفي ظلاله أيضًا قام بدراسات مهمة حول الجسد البشري وحول انسياب الماء وديناميكا الهواء والبراشوت (أو مظلة القفز من الطائرة) والروبوت والصواريخ، والطيران والمدافع والعجلات الحربية وبعض الآلات الموسيقية وآلات قطع الأعشاب والنباتات، والساعات المائية وكراسي المُعاقِين. هكذا يعتبره البعض الأب الحقيقي للعلم الحديث مثلما هو الأب الحقيقي للفن الحديث. إنه واحد من أعظم العباقرة في تاريخ البشرية وهو المُجسِّد الأكبر أيضًا لفكرة الموسوعية وتنوع الاهتمامًات التي يعتبرها علماء الإبداع الآن من أبرز سمات المُبدِعين الكبار. فقد تفوَّق دافنشي في العلم والأدب وفنون الرسم والتصوير والعمارة والتخطيط العسكري والطيران والفلسفة والرياضيات؛ كما تمثل حياته حتى الآن درسًا مُلهِمًا لكثير من الفنانين والكتاب والمهتمين بدراسات الإبداع. وقد كان دافنشي يؤكد دائمًا على أن الإنسان ينبغي عليه أن يتعلم وأن يعمل ويبدع حتى نهاية حياته، وأيضًا أهمية التعلم على أيدي الأساتذة الكبار. هكذا تعلم دروسًا كثيرة على يد أستاذه فيروشيو الذي يُقال عنه إنه عندما رأى أول لوحة رسمها تلميذه دافنشي، توقف عن العمل تمامًا نتيجة ما أصابه من ذهول بسبب عبقرية ذلك التلميذ.

المبادئ السبعة للعبقرية لدى دافنشي

أمَّا عن طرائق التفكير السبعة التي استخلصها مايكل جيلب في كتابه: كيف تفكر مثل ليوناردو دافنشي، والذي ترجم إلى العربية تحت عنوان “كيف تفكر على طريقة ليوناردو دافنشي: سبع مراحل للعبقرية الدائمة”(1).

فهي على النحو التالي:

المبدأ الأول: حب الاستطلاع أو الفضول Curiosity وهو المبدأ الذي يصف ذلك الاتجاه المُسْتكشِف المُسْتطلِع الفضولي نحو الحياة وكذلك الرغبة المستمرة في التعلم. فالدهشة، والتساؤل، والفضول، هي المحركات الأساسية للعقل الفلسفي، ذلك العقل الذي يستجيب للتنافر ولثغرات المعرفة، كما لاحظ وليم جيمس، “بالطريقة نفسها التي يستجيب بها العقل الموسيقي للنشاز من الأصوات التي يسمعها”. فقد كان هذا الدافع المُحرِك الأول للتقدم العلمي، كما يشير جورج سارتون هو “خليقة الفضول في الإنسان، وإنه لفضول عميق الغرس حتى أنه لا يقف عند مجرد الاستمتاع بالأشياء العادية، أو يكون موصوفًا بالأناة والتبصر”(2)

كذلك قال الشاعر الفرنسي الرائد لوتريامون في كتابه “أناشيد مالدرور” عن الفضول المعرفي بأنه يشبه: “حوت عنبر يصعد رويدًا رويدًا من أعماق البحر، ويُبرِز رأسه فوق المياه ليرى السفينة المنعزلة هذه” ثم أضاف “إن الفضول وُلِد مع الكون”(3)

هكذا كان ليوناردو دافنشي يريد أن يعرف كل شيء؛ ليس عن الفن فقط، بل وعن الطبيعة والعالم، وقد اتسمت معرفته بالاتساع والعمق، واستمرت معه هذه الحالة طيلة حياته، وقد كان يسجل ملاحظاته عن الإنسان والحيوان والنبات والطيور والصخور والمياه والألوان وغيرها في “دفتر” خاص يأخذه معه أينما ذهب، كما كان يسجل الأفكار والنكت والحكايات الخرافية والكيمياء وتكنيكات العلم والفن والجيولوجيا والموسيقى، ومناقشاته مع تلاميذه ومصروفاته اليومية وبدقة شديدة حتى أن فرويد قد قال عنه، ونتيجة لهذه الدقة في تسجيل التفاصيل، إنه كان يعاني من الوسواس القهري المرضي.

هكذا ظل دافنشي في حالة بحث دائم عن الحقيقة وعن الجمال مع تأكيد على دور الحواس الخمسة، وعن العلاقات فيما بينها، وعلى نحو يماثل ما يسميه النقاد الآن بتراسل الحواس أو التركيبية، حيث يتم إدراك الألوان في اللوحات على أنها أشبه بالنغمات ويتم إدراك النغمات الموسيقية على أنها نغمات لونية وهو أمر قد اهتم به الشاعر الفرنسي الشهير شارل بودلير بعد دافنشي بأكثر من ثلاثة قرون وعلى نحو كبير في كتاباته النقدية والشعرية أيضًا.

المبدأ الثاني: البرهنة العملية أو الإثبات:

ويشير هذا المبدأ إلى أهمية الالتزام باختبار المعرفة عن طريق الخبرة والمثابرة والإرادة وأن لا تأخذ شيئًا على أنه أمر مُسَلَّم به، وكذلك على ضرورة أن تقوم باختبار كل فكرة أيًا كانت. وأن تتعلم من الأخطاء وغير ذلك من عناصر المنهج العلمي. والأمر هنا قريب من فكرة “التثبُّت” أكثر من قربه من فكرة “الإثبات” ذاتها؛ فالمهم هنا هو تلك العملية التي تتوجه من خلال ذلك الإحساس بوجود مشكلة ما أو من خلال شك ما، ثم محاولة التثبُّت منه، نفيًا أو تأكيدًا. هكذا كان دافنشي يتسلق أعالي جبال لومباردي ليرى الصخور القديمة المتحجرة ويلتقطها بيده ويدرسها جيولوجيًا، كما قام بتشريح أكثر من ثلاثين جُثة بشرية وعددًا لا حصر له من الجُثث الحيوانية وكانت التساؤلات المُقْلِقة له بحثًا عن الحقيقة لا تكاد تنتهي أبدًا.(4)

المبدأ الثالث: صقل الحواس:

ويقصد به أهمية توجه الفنان والمُبدِع عمومًا نحو إثراء خبراته المتعلقة بالحواس الخمسة وصقلها وجعلها أكثر رهافة وحدة، عن طريق تلك الخبرات المتواصلة مع الطبيعة والحياة وكذلك سماع الموسيقى، وهنا نتذكر نصيحته لأحد تلاميذه والتي وردت في كتابه “نظرية التصوير” (الذي ترجمه الفنان عادل السيوي إلى العربية) حيث قال: “اُنْظُر إلى الحوائط المُلطَّخة بالأصباغ أو الأحجار ذات الألوان العديدة المُمْتزِجة، إذا كنتَ تريد ابتكار منظر معين يمكنك أن ترى ما يشبهه، وأيضًا أن ترى العديد من المناظر الطبيعية المُزْدَانة بالجبال والصخور والأشجار والسهول والوديان الكبيرة والهِضاب في أشكال عديدة، حيث يمكنك أن ترى فيها معارك كثيرة وأشكالاً حية لكائنات وتعبيرات على الوجوه، وأشياء مألوفة وعددًا لا حصر له من الأشياء التي يمكنك أن تختزلها في شكل جيد متكامل.. عندما أذكِّرك بأنه لن يكون صعبًا بالنسبة لك أن تتوقف أحيانًا وتنظر إلى الحوائط المُلطَّخة أو رماد النار أو السُّحب أو الطين أو ما يشبه ذلك، فإنني أعني أنه يمكنك أن تجد في كل ذلك أفكارًا هائلة.. ومن خلال هذه الأشياء الغامضة غير المحدودة يتم تنبيه عقل المُصوِّر للقيام بابتكارات جديدة”(5)

المبدأ الرابع: الغموض الواضح والوضوح الغامض أو الظل والنور: Sfumato

وهذه الكلمة مشتقة من كلمة إيطالية تعني: دُخَان Fume (أو دُخَاني Smoky) وقد ترجمت إلى الإنجليزية بمعنى: ناعم وغامض وضبابي ورمادي، لكنَّها كلمة تشير في جوهرها إلى تلك الأمور الغامضة غير المُحدَّدة المجهولة في الحياة، لكن تلك الأمور تكون أيضًا هي نفسها التي تدفعنا إلى الاهتمام بها، وكأنها تنادينا من أجل تعرفها والاستكشاف لها. إنها حالة ترتبط بالإبداع وبالسعي وراء المجهول وتحويل جوانبه السلبية إلى جوانب إيجابية. وهي ليست مجرد الفضول؛ بل فضول مصحوب بالوعي بالغموض والإدراك له والاستمتاع بالوجود معه، وفي داخله، وكذلك العمل من خلاله. هنا نوع من التحول أو الانتقال التدريجي الناعم بين الخبرات، وكذلك بين الألوان، ما بين الأبيض والأحمر والأخضر وغيرها وكذلك ما بين نغماتها وتدرجاتها اللونية، وهي تحولات مُرْهَفة يقوم بها الفنان ويعبر من خلالها فوق الخطوط أو الحدود الموجودة بين الأشكال، بل إنها أيضًا انتقالات تحدث بهدف إزالة تلك الحدود أو جعلها مُمَوَّهة غير مُدْرَكة. إنها انتقالات وتحولات من منطقة الضوء إلى منطقة العُتْمَة وبالعكس، وذلك من النور إلى الظل وبالعكس، وذلك من أجل إعطاء إحساس مراوغ، وعلى نحو يشبه الخداع البصري الذي يهدف مثلاً، لتصوير الوجه البشري وخلق إحساس غامض ما يتعلق به وبنقل هذا الشعور المُراوِغ الغامض الخفي المُلغِز المُستتِر أيضًا إلى المتلقي، وقد يستخدم الفنان هنا تدرجات اللون الخفية هذه في رسم اليدين الخاصة بإحدى الشخصيات من أجل نقل إحساس ما بالثقة أو التوتر أو الاضطراب الذي يجتاح أعماقها كما فعل دافنشي مع الموناليزا.

لقد توصل دافنشي إلى هذا المبدأ من خلال دراساته على الضوء والبصريات وكذلك من خلال قيامه بتجارب على المنظور والغُرف المظلمة، وقد استخدم هذا التكنيك في عدد من أعماله مثل “عذراء الصخور” والموناليزا وغيرهما، واستخدم معه أسلوب الظل والنور أو الجلاء والعتمة أو “الكياروسكورو” Chiaroscuro والذي يقوم على أساس التدريج ما بين النور والعتمة، وذلك من خلال الاختيار المُتدرِّج الأمثل للضوء والظلال لتلوين الشخصيات وتكوينها وتجسيد حالاتها بدقة عالية.

إن مبدأ ال”سفوماتو” يرتبط بعمليات مزج الألوان، وقد قال عنه مؤرخ الفنون المعروف إرنست جومبريتش: “إنه أشهر اختراعات دافنشي، وفيه تكون الخطوط المُحدِّدة للأشكال مطموسة غير واضحة، وتكون الألوان ناعمة هادئة، على نحو يجعل هذه الخطوط والألوان تمتزج مع بعضها بعضًا على نحو مُؤثِّر، كما أنها تترك الفرصة لخيالنا أيضًا كي يعمل”. وقد برع في تطبيق هذا المبدأ، أو بالأحرى هذه الطريقة فنانون كثيرون ممن يُطْلَق عليهم اسم تلامذة دافنشي أو أتباعه ومنهم جورجيون وكوريجيو رافاييل وغيرهما.

رافائيل – لوحة عذراء المراعي 1505 (وتوضح المساحة الموجودة خلف المرأة الموجودة في اللوحة استخدام الفنان لتكنيك السوفوماتو)

إن هذا المبدأ قريب، على نحو ما، من ذلك الإحساس الذي درسه علماء النفس في السنوات الأخيرة خلال دراستهم للإبداع والذي يُسمَّى “تحمل الغموض”؛ فالمُبدِع قد يرحب بنوع ما من الغموض الذي يعايشه، كي يُحوِّله إلى حالة شبه واضحة من التكوينات والتجسيدات والأعمال الإبداعية شبه الواضحة.

إن الغموض قد يدفع البعض إلى الغضب والملل والابتعاد عنه وقد يدفع البعض (وهم المُبدِعون) إلى الترحيب به وإسقاط الخيال عليه والخروج من خلاله بأعمال شديدة التفرد والتميز. وهكذا فإن ذلك المبدأ الخاص بالتدرج عبر النغمات اللونية كما كشف عنه دافنشي قد يكون مبدأ صالحًا للانتقال به إلى مجالات أخرى وبتنويعات مختلفة، إن هذا المبدأ يبدو، بالنسبة، لنا قريبًا أيضًا من فكرة “الانفتاح على الخبرة” التي اهتم بها عالم النفس الأمريكي كارل روجرز واعتبرها جوهر الإبداع، وتعني هذه الفكرة: “نقص التصلب، والقدرة على النفاذ وتجاوز حدود المفاهيم والإدراكات والفروض، إنها تعني تحمل الغموض حيثما وُجِد، والقدرة كذلك على الاستقبال للمعلومات الكثيرة والمتصارعة دون اللجوء إلى إغلاق الموقف أو النفور منه أو اللواذ بالحيل الدفاعية المعروفة كالإسقاط والإنكار وغيرهما”. هكذا كان دافنشي يقول: “إن المُصوِّر الذي تقل لديه الشكوك لن ينجز شيئًا“. هكذا يكون الشك لدى الفنان أشبه بتساؤلات الفيلسوف وأشبه كذلك بإحساسات العلماء بوجود ثغرات في المعرفة يحاولون تجاوزها، شيئًا فشيئًا، وعلى نحو تراكمي.

المبدأ الخامس: التوازن بين الفن والعلم

ويشير هذا المبدأ إلى ضرورة أن يحقق الفنان نوعًا من التوازن المُرْهَف والضروري بين موهبته الفنية ومعرفته العلمية، وأن يحقق توازنًا كذلك بين المنطق والخيال، بين الاتجاه الديونيزي المرتبط بالعواطف والاندفاع وبين الاتجاه الأبولوني المرتبط بالعقل والتأمل والمنطق، بين النصف الأيمن من المخ الذي يقوم بدور كبير في العمليات المعرفية المرتبطة بالخيال والتفكير بالصورة والانفعال والحركة في المكان، وبين النصف الأيسر من المخ الذي يقوم بالدور الأكبر في الأنشطة الخاصة باللغة والمنطق وغيرهما. والتأكيد هنا واضح على تكاملية نشاط المخ وتكاملية عمل العالم والفنان أيضًا. هكذا وجد أينشتين “في الموسيقى، وفيما وراء النغمات، ذلك العالم الجليل الذي تنساب فيه النغمات حرة ومؤثرة وعميقة، أمَّا في الفيزياء، وفيما وراء الملاحظات والنظريات؛ فقد كانت هناك موسيقى الكون، حيث قوانين الطبيعة كما قال “تنتظر من يمد يده ويقطفها، كما كان موتسارت يفعل بالنسبة للألحان”(6)

ربما كانت فكرة المنظور، كما تبلورت لدى دافنشي وغيره من فناني عصر النهضة، هي التي جسَّدت أكثر من غيرها ذلك التفاعل الكبير الذي حدث، في ذلك العصر، بين العلم والفن، فقد كان عصر النهضة، كما ذكرنا، عصر سعي ولُهاث وراء العقل والعقلانية والنظام، وكانت الموضوعية معادلة فيه للحقيقة المُقدسة. فمع ابتكار المنظور، بدا الفن وكأنه قد أصبح علمًا، هذا على الرغم من أن المنظور، أيًا ما كانت موضوعيته، ينبغي تفسيره ذاتيًا، لأنه يتعلق بالإنسان المشاهد المتلقي المشهد المُتجسِّد من خلال ذلك المنظور. ومن ثم فإن ما أنجزه المنظور –كما قال بانوفسكي- إنما تجسَّد في ترجمته للمكان الفيزيقي النفسي إلى مكان رياضي، بعبارة أخرى: إنه جعل من الذاتي موضوعيًا.(7)

يرتبط المنظور الخَطِّي بفكرة التلاشي البعيدة عند خط الأفق. وهكذا كان يتم تقريب الخطوط المتوازية من بعضها بعضًا، وكان يتم اختصار المسافات الفاصلة بينها، فتقل شيئًا فشيئًا حتى نصل إلى نقطة التلاشي الخاصة بهذه المسافات. وهكذا فإنه عندما توضع الأشياء أو الأشخاص أو المباني..إلخ، عند زوايا مختلفة وفي أحجام متناقصة، تبدو وكأنها تتقلص، مع تراجعها في اتجاه نقطة التلاشي، وهكذا أيضًا يتم تكوين الإيهام أو الخداع الإدراكي الخاص بالمكان، كما يحدث عندما تبدو السفن القريبة من الميناء كبيرة الحجم، ثم يتقلص حجمها مع ابتعادها التدريجي عن ذلك الميناء واقترابها من ذلك الأفق البعيد.

وقد كان المعماري الإيطالي فيليبو برونيليسكي (1377-1446) هو الذي اخترع فكرة المنظور عام 1413 ثم قام الفنان ليون باتستا ألبيرتي (1404-1472) بتفسيرها على نحو أشمل في مبحثه المُسمَّى “فن التصوير” Della Pettura عام 1436 والذي أهداه إلى برونيليسكي وقدَّم من خلاله أيضًا الاتجاهات العلمية والجمالية الخاصة بلوحات عصر النهضة في ذلك الوقت.

شكل يوضح طبيعة المنظور الخطي

أما ليوناردو دافنشي، فقام بدوره بتطوير فكرة المنظور الجوي أو الهوائي والذي يرتبط بالتنظيم اللوني خاصة، وحيث تُستخدَم الألوان الهادئة أو الباردة أو المتراجعة أو المُنْكَمِشة، كالأزرقات والأخضرات والرماديات في خلفيات اللوحات لزيادة الأثر أو الإحساس الخاص بالبعد أو المسافة. كما اكتشف كذلك بأنه يمكن تعزيز “الإحساس بالمكان وسطوته” إذا تم رسم الموضوعات الكبيرة الموجودة في أمامية اللوحات على نحو بارز التفاصيل بينما تُرْسَم الموضوعات الصغيرة في خلفية الصورة على نحو باهت التفاصيل فتكون غير مُحدَّدة وغامضة نسبيًا.

بالطبع فقد تطورت فكرة المنظور كثيرًا بعد ذلك من خلال أفكار مثل “المنظور المعكوس” الذي يجعل الأشياء الموجودة في خلفية اللوحات هي الأكبر حجمًا والأكثر بروزًا والعكس بالنسبة للأشياء الموجودة في أماميتها ولأهداف رمزية دينية أو وطنية، كما تخلى فنانون معاصرون بعد ذلك، ومنهم سيزان وبيكاسو، عن فكرة المنظور الخَطِّي تمامًا مُفضِّلين عليها الدمج بين وجهات نظر متعددة على سطح اللوحة الواحدة.(8)

خلال القرن السادس عشر أيضًا تطور فن رسم الصور الشخصية أو البورتريه وكان تيتسيانو من أشهر رسامي البورتريه في إيطاليا، وهو كذلك أول من رسم بورتريهات للأطفال، وهناك أيضًا فنانون مشهورون كثيرون في هذا المجال منهم، تمثيلاً لا حصرًا تينتوريتو، وفيرونيز، والجيريكو وغيرهم.

وخلال عصر النهضة كذلك أراد نبلاء فلورنسا ونابولي أيضًا امتلاك تمثيلات أكثر واقعية لأنفسهم، فظهر ذلك التحدي الخاص بإنتاج لوحات مُقنِعة تُماثِل حجم الشخص أو ثلاثة أرباع ذلك الحجم من عمليات تجريب وابتكارات كثيرة قام بها فنانون كبار أمثال ساندرو بوتشيللي وبييرو دايلا فرانشيسكا جيرلاندوا ولورنزو دي كريدي وليوناردو دافنشي وغيرهم من الذين أسهموا كثيرًا في جعل البورتريه أحد مكونات التراث الديني والكلاسيكي في أوروبا. وكان ليوناردو دافنشي وبيزاندللو أول فنانينِ يقومانِ بوضع رموز أليجورية (أمثولات) في لوحات البورتريه الخاصة بهما، وأشهر أعمال البورتريه المعروفة في تاريخ الفن عمومًا، والتي ظهرت في هذا السياق الكبير: هي لوحة الموناليزا، وهي تحتاج منا إلى وقفة أخرى هنا، بل إلى وقفات.(9)

الموناليزا – (تاريخها مختلف عليه البعض ينسبها 1505 والبعض 1517

الوجه الأكثر غموضًا بين البشر:

تمثل لوحة الموناليزا بورتريه لامرأة مجهولة، ربما كانت، كما يقال، زوجة فرانسيسكو ديل جياكوندو. وفي هذه اللوحة تنظر المرأة الجالسة ناحية اليمين بينما جانب من فمها في حالة التواء، إننا نستطيع أن نرى هذه المرأة مُسْتغرِقة في التفكير، وفي الوقت نفسه يروغ تفكيرها هذا منَّا فنصبح غير قادرين على متابعته، ومن ثم فإننا نستغرق نفكر فيها بدلاً من أن نفكر أو نقوم بالتركيز على ما تفكر فيه هي شخصيًا.

لقد أضاف دوشامب “شاربًا” إلى وجه الموناليزا في محاولة فاشلة منه لإزاحتها بكل ما تحمله من دلالات عن مركز الصدارة بين اللوحات العالمية، كما خصَّص فرويد القسم الأكبر من كتاباته عن ليوناردو دافنشي عن هذه اللوحة، وافترض أيضًا أن دافنشي عندما وقع في أسر هذه الابتسامة. لأول مرة، فإنها أيقظت بداخله شيئًا ما كان كامنًا في عقله منذ وقت بعيد يتعلق بطفولته وعلاقته الحميمة مع زوجة أبيه، وهي تلك التفسيرات التي عرضنا لها في كتابنا عن “التفضيل الجمالي” (2001).

لكن فرويد لم ينتبه كذلك، كما قال بعض نقاده، إلى كيفية جلوس الموناليزا وكيفية وضعها ليديها في مقابل خلفية من الصخور وغير ذلك من الإضافات والتفصيلات الفنية والتقنية التي كانت جديدة بالنسبة لفن البورتريه في ذلك العصر، والتي هي أيضًا أكثر أهمية من تفسيرات فرويد ذات الإحالات الجنسية.

هكذا توالت التفسيرات التي طرحها الناس على هذه الصورة، فوصفوا صاحبتها بأنها ملاك، كما نعتوها بأنها شيطانة، ساحرة، عرَّافة، أو مصَّاصة دماء، ماكرة، مُراوِغة، مُخادِعة أو خائنة، وهكذا أيضًا قال البعض إن ابتسامتها كانت سماوية ومُقدَّسة وأضفت البهجة والسرور على حياتها الفعلية.

وفي كتابه “ثورات إيطاليا” (1848 – 1852) امتدح الشاعر والسياسي إدجار كوينيه الموناليزا “وذلك لأن ابتسامتها شبه المُتهكِّمة من الروح الإنسانية تبدو متباهية وفي حالة من السكينة، كما لو كانت تنظر من موضع عالٍ، على عالم ما قد تحرَّر من الرعب الإنساني”.

أمَّا جون ميشيليه فقد شعر بأنه يوجد داخل هذه اللوحة بما يشبه الشر القادر على تنويم الآخرين أو سلبهم إرادتهم فقال: “إنني ذهبت كي أشاهدها على الرغم مني، مثل طائر يذهب رغمًا عنه نحو حية رقطاء”. وفي كتابه “الفن الإيطالي” (1854) قال الفريد دي موسييه “هذه الابتسامة مُفْعَمَة بالجاذبية، لكنَّها جاذبية خادعة وخاصة بروح سقيمة تخفي مرضها وراء هذا المظهر الجذاب”. في حين وجد وليم باتر في هذه المرأة تجسيدًا للخلود “فهي أطول عمرًا من تلك الصخور التي تجلس بينها، ومثل مصَّاصي الدماء، قد ماتت مرات عدة، وتعلمت أسرار القبر، وغاصت في أعماق بحار عدة، واحتفظت بثمار تلك البحار بين يديها، كي تقوم بمقايضتها بأنسجة عنكبوتية واهية مع تجار شرقيين”.

كذلك قال الشاعر بول فاليري إن وجه الموناليزا يخلو من الغموض، ورأى برنارد برنسون فيها غطرسة تبعث على الكراهية وتمنى لو تم إحراق اللوحة، وقال بول إيكمان أحد علماء دراسات الوجه البارزين في سان فرانسيسكو إنه يعتقد أنها كانت تغازل شخصًا ما، ربما كان هو ليوناردو نفسه، وقال أحد الجراحين بعد ذلك أنها كانت تعاني شللاً في فمها، وقال ثالث إن ليوناردو قد رسم من خلالها نفسه في صورة أنثوية وحاول أن يكتشف عن طريق بعض برامج الكمبيوتر، مدى التشابه بينهما.

وإحدى الحيل المعروفة والمستخدمة في هذه اللوحة هي التي تسمى الـ”سفوماتو” Sfumato، وهي تقنية تعتمد على المزج الخاص للألوان من خلال تحولات الألوان غير المُدْرَكة، وقد تحدثنا عنها خلال هذا المقال، وفيها قام هذا الفنان بجعل أطراف اللوحة وكذلك اتجاه نظرة المرأة بداخلها تبدوان ذات طبيعة غامضة مما يُحدِث شعورًا أو إحساسًا ما مُفْعَمًا بالاهتزازات الخفية، أو الرِّعدة الخفية، بأنها تتحرك وبخاصة فيما يتعلق بفمها، ولعل هذا ما يفسر تعدد الإسقاطات والتفسيرات لوجهها، إنه وجه واحد لكنَّه أشبه بحشد حي لكثيرين(10).

المبدأ السادس: اللياقة البدنية

وهو يفسر ذلك السعي الدائم من أجل تنمية رشاقة الجسم ومهاراته ولياقته واتزانه. فقد كان دافنشي رياضيًا مُتميزًا، إضافة إلى قدراته المتفوقة في الفن والعلم. وهنا تأكيد في هذا المبدأ أيضًا على مضمون تلك العبارة الشهيرة في اللاتينية Mens sana in corpore sano أي: “العقل السليم في الجسم السليم” والتي يُقال إن صاحبها هو الشاعر اللاتيني جوفينال الذي عاش خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين، كما أنها تُنسب أيضًا إلى الفيلسوف اليوناني طاليس (624-547 ق.م) وأيضًا إلى آخرين. وقد بلغت اللياقة البدنية والمهارة اليدوية لدى دافنشي إلى حد أنه كان يكتب باليد اليمنى ويرسم باليسرى أو أنه كان يقوم بكتابة كلمات كثيرة: على نحو معكوس (من اليمين إلى اليسار) ثم تُوضع الكتابة أمام مرآة من اليسار إلى اليمين كحالتها في الإيطالية والانجليزية، وكما هو معروف فإن دافنشي كان أعسر، يرسم ويكتب بيده اليسرى، لكنَّه درب أيضًا يده الأخرى على الكتابة والرسم، ويقال إنه لجأ إلى طريقة الكتابة المعكوسة خوفًا من سرقة أفكاره لو كتبها بالطريقة العادية المألوفة.

مقطع يوضح كيف استخدم دافنشي الكتابة المعكوسة – من دفتر يومياته

وقد تجسَّد مبدأ “العقل السليم في الجسم السليم” لدى دافنشي أيضًا في اهتمامه بتشريح الجسد الإنساني، وفي كتاباته عن التدريب لكل عضو من أعضاء الجسم وإشاراته أيضًا إلى تلك التدريبات على التنفس والتأمل والتركيز والاسترخاء.

المبدأ السابع: الترابطية

ويقصد به التعرف والتفهم والتذوق للعلاقات الموجودة بين الأشياء والظواهر والبشر، وكذلك القدرة على الربط بين الصور والأفكار والأنساق في العلم والفن التشكيلي والطبيعة والحياة والموسيقى. وأيضًا الانتقال بسهولة من مجال إلى مجال واكتشاف العلاقات الخفية أو الجلية بينهما. هكذا كان دافنشي يقول “إن كل شيء مرتبط بكل شيء، وكل شيء يتكون من كل شيء، وكل شيء يعود إلى كل شيء” وإن الخط قد يتحول إلى لوحة، والخلية قد تتحول إلى إنسان، وكل شيء يكون موجودًا في شبكة من العلاقات المعرفية والإنسانية، وإن علينا أن نسعى من أجل اكتشاف هذه العلاقات.

وقد كان لهذا المبدأ أصداؤه أيضًا في بعض نظريات الإبداع الحديثة، فقام العالم الأمريكي سارتوف ميدنيك بتعريف الإبداع بأنه “ربط بين اثنين أو أكثر من العناصر التي لم تكن مرتبطة من قبل هكذا، من أجل تحقيق هدف معين” كما أن فكرة “البينية” الموجودة الآن في الخطاب العلمي والنقدي والتي تؤكد وجود علاقات بينية مشتركة بين الحقول المعرفية المختلفة هي أشبه بترديد حديث لذلك المبدأ الدافنشي القديم.

المبدأ الثامن: دافعية الكفاءة والتجديد

لدي يقين ما بأن مايكل جيلب قد اهتم، وخلال تكوينه لنموذجه هذا بالتركيز على الجوانب العقلية المعرفية وكذلك الحسية والبدنية من تفكير هذا الفنان الكبير، لكنَّه تناسى الجوانب الانفعالية والدافعية وكذلك ما يُسمَّى أحيانًا ب”ذكاء الإدراك”، هكذا نجد هذا الفنان، في تصور جيلب، يتسم وفي ضوء هذه المبادئ السبعة: بالفضول المعرفي، والقدرة على الإدراك الحسي العميق، والرغبة في إقامة علاقات مُرْهَفة وتدريجية ما بين ما هو غامض وما هو واضح، وكذلك الجمع بين الفن والعلم وبين البدن والعقل، واكتشاف وأيضا إقامة علاقات بين الأشياء والظواهر والبشر. ولكن أين دور الدوافع والانفعالات في هذا النموذج الكبير؟ لقد سقط ذلك الجانب من بين اهتمامًات مايكل جيلب. ولذلك فإننا نعتقد بوجود مبدأ ثامن يربط بين هذه المبادئ السبعة، ونعتقد أيضًا أن هذا المبدأ يتعلق بدافعية الإتقان والإنجاز التي كانت مُسيطِرة على نحو غلاب على حياة دافنشي وعلى وعيه وعلى أعماله أيضًا وقد كان هذا المبدأ يقوم، لديه، في رأينا أيضًا، على أساس حاجتين غلابتين أخريين هما: الحاجة إلى الكفاءة والحاجة إلى الجِدَّة، ويقصد بـ “الحاجة إلى الكفاءة” أن دافعية دافنشي كانت تُسْتَثار وتتوجه نحو أشياء معينة تتيح له الفرصة لممارسة واستخدام قدراته وإمكانياته في أعمال يرى أنها ذات قيمة بالنسبة له وبالنسبة للآخرين أيضًا. لقد كان لديه دافع خاص لأن يتفوق ويمتاز، وهذا الدافع هو الذي وجَّهه نحو المُثابرة والتطوير والإتقان في عمله ونحو التحقيق لمواهبه وقدراته الفريدة.

أما “الحاجة إلى الجِدَّة” فهي ما جعلته يرى في غير المألوف والنادر والفريد غايته ومُبتغاه؛ إنها حاجة تكون مصحوبة بالدهشة، وتتناقض مع السأم، ذلك الذي قال الشاعر الإنجليزي لورد بايرون عنه إنه أحيانًا ما يكون مُسبِّبًا لأشد درجات العذاب الإنساني، وذلك لأن المُبدِع الحقيقي لا يرضى إلا بما هو جديد وفريد، أما ما يرضي الآخرين فليس في قاموس أعماله.

هكذا كان دافنشي واقعًا في صراع بين الحاجة إلى الجِدَّة والحاجة إلى الكفاءة، وهنا نتذكر بعض ما أشار إليه عالم النفس سلفاتور مادي، عندما قال إنه في حالة ما إذا كانت الحاجة إلى الكفاءة هي السائدة والحاجة إلى الجِدَّة هي الأضعف، فإن المُبدِع قد يتوجه نحو الاهتمام بالنواحي الحرفية أو التقنية، إنه يتحول إلى “صانع كبير”، أمَّا إذا كانت الحاجة إلى الجِدَّة هي الأقوى، فإنه يقل اهتمامه بالتفرد والتميز والابتكار، ويتحول إلى فنان متميز لكنَّه يفتقد إلى الإتقان والتركيز، لكن هناك نوعًا ثالثًا من المُبدِعين تسود لديه الحاجتان الخاصتان بالجِدَّة والكفاءة على نحو كبير، وهنا يكون الناتج مُعبِّرًا عن امتزاج خصب بين الحرفية والابتكار وفي مُركَّب خاص فريد، وربما كان في رسمه لبعض اللوحات أكثر من مرة ما يُجسِّد هذه الفكرة على نحو كبير، وتجلى ذلك في لوحته المشهورة “عذراء الصخور” والتي رسمها في صورتين.

عذراء الصخور 1 – دافنشي (وتوجد منها صورتان، الأولى منهما في متحف اللوفر وتعود إلى عام 1483 ، اما الثانية في المتحف الوطني في لندن وتاريخها 1508) ويقال ان النسخة الاولى قد رفضها من كلف دافنشي
عذراء الصخور 2

ربما لم يكن دافنشي قادرًا، نتيجة لظروف حياته التي مرت بكثير من العواصف والأنواء، أن يصل إلى ذلك المُركَّب الفريد، وربما كانت تلك الظروف، بالإضافة إلى بعض سمات شخصيته هو ما جعل عدد اللوحات التي تركها غير مكتملة يفوق عدد اللوحات التي أنجزها أو أكملها، وربما كان يكمن وراء ذلك التراوح بين الرغبة في الكفاءة والإكمال ثم العجز والنكوص، ذلك المبدأ الثامن الذي لم ينتبه إليه مايكل جيلب في تصوره الذي قمنا بالعرض له هنا وبشيء من التفصيل.

هناك فروق، بطبيعة الحال، بين ذلك العصر الذي عاش فيه دافنشي وبين العصر الذي نعيش فيه وهناك فروق كذلك في سمات الشخصية والظروف الحياتية والاجتماعية والنفسية؛ لكن هذه مبادئ عامة، يمكن تطويعها والاستفادة منها على أنحاء شتى.

بالطبع ليس مطلوبًا من أي فنان أو عالم أو مُبدِع أو أي انسان أن يفكر مثل دافنشي، لكن عليه أن يكتشف ذاته وقدراته، وأن يفكر بأية طريقة تروق له وتناسبه وتجعله قادرًا أيضًا على أن يكتشف طريقه الخاص على درب الإبداع.

 

 


المراجع

اعتمدنا كثيرًا في مقالنا هذا على الطبعة الإنجليزية من هذا الكتاب لوجود بعض التحفظات لنا حول مدى دقة ترجمة بعض المصطلحات العلمية الواردة في الطبعة العربية.

1-Gelb, M. (1998) How to Think Like Leonardo da Vinci: Seven Steps to Genius Every Day. N.Y: Dell.

2- سارتون، جورج (1961) العلم والإنسية الجديدة (ترجمة: إسماعيل مظهر) القاهرة: دار النهضة المصرية، ص194.

3- مرجع: لوتريامون (1982)، أناشيد مالدرور – ترجمة سمير الحاج شاهين – بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، المقدمة.

4- غلب، مايكل (1989) كيف تفكر على طريقة ليوناردو دافنشي: سبع مراحل للعبقرية الدائمة، (ترجمة: علي الحداد) الكويت: دار الخيال ص73.

5- ليوناردو دافنشي (2010) نظرية التصوير (ترجمة وتقديم: عادل السيوي) القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

6-Miller, A. (2001), Einstein, Picasso, Space Time and the Beauty that cause havoc. N.Y: Basic Books, 185-188.

7 -Panovsky, E. (1996) Perspective as a Symbolic form. Princeton: Zone Books.

8- شاكر عبدالحميد (2007) الفنون البصرية وعبقرية الإدراك، القاهرة: دار العين للنشر والتوزيع، ص341.

9- Wikipedia/en/Wikipedia/wiki/partirant/painting

10- McNeil, D. (2000), The Face: A Natural History. N.Y: Back Bay Books, 170.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق