مقالات

الحقيقة والأكاذيب من وجهة نظر الفلسفة – ترجمة: عبدالرحيم نورالدين

غالبًا ما قدم التقليد الفلسفي الفيلسوف باعتباره الإنسان الصديق لما هو حقيقي. ويُعد الكذب بالنسبة لأفلاطون جريمة في حق الفلسفة، فالفيلسوف هو صديق المعرفة، ومن المفروض أن يكون أيضًا صديقًا للحقيقة. وتكمن مهمته في كشف الأحجبة وإسقاط الأقنعة. وبالتالي فإنه من البديهي مدح الصراحة، والتصريح بقبح الكذب، لكن من دون التقليل من أهمية مخاطر الصدق المبالغ فيه، أو عرض الحقيقة دون تحفظ.

موضوع الكذب شديد التعقيد، كتب عنه العديد من المفكرين؛ ومن حيث هو أداة اجتماعية أو آفة، “خير” أو “شر”، يبقى، مهما يكن الأمر، ضمن كُنه الكائن البشري. إننا نكذب كل يوم، بأكثر الكيفيات طبيعية، ومن غير نية إلحاق الضرر بالآخرين.

أشكال الكذب

الكذب هو التعبير المتعمد عن واقعة مضادة للحقيقة، أو هو إخفاء الحقيقة (كذب بالإغفال). ولا ينبغي الخلط بينه وبين الحقيقة المضادة التي تشير ببساطة إلى تأكيد غير مضبوط، دون أن يكون صاحبه يعرف ذلك أو يجهله. يهدف الكذب كشكل من التلاعب إلى جعل الآخر يعتقد أو يفعل ما لم يكن سيعتقده أو سيفعله، لو تعرف إلى الحقيقة. وبصفة عامة، فإن الكذب يتعارض مع الصدق (أن تقول ما هو حقيقي)، ومع سلامة الطوية، ومع الكلام بصراحة.

وإذا ما توخينا الدقة، فإن الكذب يكمن في إخفاء المرء لفكرته بنيّة الخداع. هذه النية هي ما يميز الكذب عن استعمالات خاطئة أخرى للكلام، يتقبلها الناس باعتبارها هادفة إلى التسلية، أو باعتبارها موظفة بحسب الاقتضاء البلاغي. بهذه الصفة، يعد التقليد الأخلاقي الفلسفي والديني معا الكذب رذيلة أو ذنبًا، بالرغم من كون بعض أشكال الكذب تحظى بالشرعية من قبل بعض الفلاسفة، مثل بنيامين كونستان في سجاله الشهير مع إمانويل كانط بخصوص “الحق في الكذب”.

من جانب الأخلاق والدين

يميز التقليد الأخلاقي والديني بين ثلاثة أنواع من الكذبات:

– الكذبة المرحة، التي تقال للهزل أو للاستهزاء في حدود معينة.

ومع ذلك، فهي أيضا تُميَّز عن الهزل الظرفي البسيط الذي يكون الطرفان متواطئين ومتفقين بدون أي لبس، حول خيالية المعلومة المذكورة: ههنا لا يتدخل لا الدين ولا الأخلاق.

– الكذبة لإرضاء الغير، التي تقال لمساعدة وتقديم خدمة للغير أو للذات.

تعتبر هذه الكذبة حينذاك، أقل أو أكثر خطورة، بحسب الشأن المتعلق وبالنظر إلى الملابسات المصاحبة لها. «إذا كانت الكذبة لإرضاء الغير لا تتضمن أي عنصر ضار، فإن الحكيم لا يعيبها عند الغير، لكنه شخصيًا يتفاداها».

– الكذبة الخبيثة أو المؤذية، والتي لا يكون مفعولها إحداث الضرر فقط بل تكون مستهدفة الإضرار بالغير.

هذه الكذبة التي تسمى أحيانًا في الكتابات بالكذبة الضارة، تعد طبعًا من قبل الدين والأخلاق باعتبارها أكثر الأكاذيب خطورة. وفي هذا تتفق الثقافتان الغربية والصينية.

من جانب الفلسفة

يعد الكذب، الذي لا ينفصل عن مسألة الحقيقة والتمييز بين الحقيقي والخاطئ، أحد مواضيع الاهتمام الفلسفي الأولى. ومن البديهي أن الكذب ليس فقط ما هو خاطئ. بالفعل، يمكن أن يصدر عني قول خاطئ دون أن أكون كاذبًا. لكن لإتيان الكذب، ينبغي إذن أن أكون خاطئا بكيفية إرادية، وأن أكون بالتالي على معرفة بالحقيقة قبل كل شيء. لهذا السبب، يفتن الكذب الكاذب نفسه، ذلك أنه بتموقعه في الحد الفاصل بين الحقيقي والخاطئ، يعطي الكاذب وهم السيطرة على اللغة. صحيح أن الكذب يتطلب قدرات معينة، لا فقط مهارة الخادع، بل وبصفة خاصة، القدرات الضرورية لقول وتبليغ ما هو حقيقي.

وهكذا، «فنفس الشخص ليس قادرًا على أن يكذب وأن يقول ما هو حقيقي» كما قال سقراط (هيبياس الصغير، 367 س). يقودنا ذلك إلى نتيجة مفارقة: إن من يكذب عن علم، كمثل من يصدق القول، هو أفضل من ذلك القابع بكيفية بليدة في الخطأ، إذا ما اعتبرنا أن معرفة الحقيقة هي الخير. ويمكن الاستنتاج أن ما يجعل من الكذب فعلًا سيئًا، ليس فحسب كونه خاطئًا، بل كونه متعمدًا.

يرفض كانط، في مقالته المخصصة لمسألة الكذب، الحق المزعوم في الكذب. بالفعل، فالحقيقة، بحسب ما أكده، ليست خيرًا نمتلكه، وقد يكون موضوع حق يعترف به لشخص، وينكر لشخص آخر. وهكذا، لا يحتاج الكذب، لكي يتم التعرف إليه كشيء مدان، إلى تعريفه كشيء ضار بالغير: إنه ضار في ذاته. ومن خلال ذلك أيضًا، يهدم كانط وهمي الكذب اللا إرادي والكذب بحسن النية. الكذبة هي كذبة. إذا لم أقل الحقيقة، وحتى إذا قلت شيئًا لست متيقنًا منه، وهو الأمر الذي يدمجه كانط في إطار الكذب، فإنني أكون بصدد خيانة التزام معين. ويعتبر كانط كذلك أن كل تسامح مع الكذب يعني استحالة الوعد. الكذب شبيه بخيانة الوعد؛ وعد الحقيقة، الواجب عليّ. وطالما أن الصدق «هو بمثابة واجب قطعيّ على الإنسان تجاه أي شخص آخر». إن هذا الواجب هو ما يجعل من الكذب فعلًا. وكمثل الوعد، فإن الكذب فعل التزام.

من جانب الحقيقة

يفكر أفلاطون في الحقيقة باعتبارها مستقلة عن الفكر والخطاب. في نظره، هناك واقع حقيقي يتعارض مع الواقع المتدهور والمظاهر المكونة له، أكثر مما يتعارض مع الواقع الزائف. إن العالم الحسي الذي نحن مرتبطون به بسبب جسمانيتنا، هو عالم لا يمتلك سوى درجة ضعيفة من الواقعية، بمعنى أنه مأهول بنسخ المثل المعقولة. والحالة هذه، بيد أن هذه الأخيرة هي ما يشكل الحقيقة، وليست هذه الحقيقة خاصية للفكر، بل هي وجود آخر، وعالم آخر، عالم المثل. إن الحقيقة عند أفلاطون، لا تتطابق بكيفية بسيطة مع الواقع، بل إنها هي المقامة كواقع مطلق، لا يتغير، وخالد. إن الفكرة الإغريقية عن اللوغوس، بوصفه يشير في الآن ذاته إلى الخطاب الحقيقي، وإلى الوجود أو الواقع المنكشف في الخطاب، توجد في أصل ذلك التماثل بين الحقيقة والواقع لدى أفلاطون.

من جهته، قدم نيتشه نظرية عن الحقيقة أصيلة تمامًا. إنه يطرح السؤال التالي: لماذا نرغب في الحقيقة عوض الرغبة في الخطأ؟ وبتعبير آخر، لماذا الحقيقة هي موضوع تفضيلنا، بل وتقديسنا؟ يتيح هذا السؤال لنيتشه التأكيد على كون الحقيقة قيمة قبل كل شيء. وبهذا المعنى، فهي رهينة الضرورات الحيوية بشكل مباشر. إذا كان الواقع المحسوس غالبًا ما اعتُبر في الفلسفة كمجال للوهم والمظاهر والخطأ، فلأن هذا الواقع كان مراوغًا ومتحركًا ومتغيرًا، ولأنه يسلب الإنسان سيطرته على ذاته وعلى محيطه. وعلى عكس ذلك، تسمح مقولات الوجود، والهوية، والجوهر، والدائم، للإنسان بالتعرف، وسطَ متنوعِ (الكاووس Le chaos) الإحساسات، إلى نقط ارتكازٍ يستطيع توجيه فعله حولها. تكمن المعرفة إذن في إرجاع الجديد والمختلف إلى ما تم معرفته سابقًا. إلا أن ذلك يكشف عن كون السعي إلى الحقيقة هو في الواقع فعل تزييف للواقعي يكمن في محو الاختلافات بين الأشياء، ونفي تحولاتها الدائمة. وبالتالي، فإن ما نسميه حقيقة، ليس إذا سوى الخطأ النافع لتطور الحياة. ومن النفع الذي كان يوفره حكم ما للإنسان، خلص الناس مباشرة، بحسب ما يقول نيتشه، إلى حقيقته. لكن الحقيقة “الواقعية” هي تلك التي دائمًا ما أراد الناس تجاهلها، حقيقة الصيرورة، وتدفق الأشياء الخالد الذي ذكره هيراقليطس، أي حقيقة العالم المحسوس.

الحقيقة في وجودنا

تمثل الحقيقة بكيفية رفيعة، في وجودنا حاليًا، ما نرغب في معرفته. إنها تمتلك معنى صوريًا (تماسك الخطاب) ومعنى ماديًا (المطابقة مع ما هو واقعي). لكن الاثنين مرتبطان، وخاصة حينما يلزم الأمر أن يكون المرء صادقًا ونزيهًا، وباختصار أن لا يكذب. أقول الحقيقة عندما يأتي خطابي متماسكًا بسبب كونه مطابقًا للواقع ! ذلك على الأقل ما ينتظره الغير مني، حينما أتوجه إليه بالكلام. من الواضح أن التعبير “قول الحقيقة” يحمل ضمنا معنى مخاطبة الغير. وإذن فالمسألة تأخذ مباشرة وجهة إتيقية أو أخلاقية: حينما يتعلق الأمر بالكلام والتواصل، فإن احترام الحقيقة لا ينفصل عن احترام الغير. وهكذا يوجد الواجب في قلب المسألة.

ماذا ستكون أولوية واجبي؟ الحقيقة المطلقة غير المشروطة، خير ومصلحة الغير، أم هما معا؟ هل قول الحقيقة هو دائمًا “خير” بالنسبة إلي وبالنسبة إلى الغير؟

لكن ليست كل الحقائق صالحة دائمًا للقول! ينبغي إذًا اختيار الطريقة الجيدة واللحظة المناسبة. “المبادئ” ليست وحدها ما يأخذ به المرء، بل هناك أيضًا مناسبة النهزة، وهي مبدأ أخلاقي تام ومتكامل. لذلك فاختيار اللحظة المناسبة وعرض حقيقة ما بالتدرج، هو تصرف أخلاقي ومحترم للغير. إن حسّ الواجب هو قبل كل شيء احترام الغير، وليس احترام الحقيقة في ذاتها! هناك حقائق صادمة، وجارحة، بل وقاتلة. ومن هنا فالحكم (الاختيار الملائم للنهزة) هو الذي يتصف بالأخلاقية، وليس الحقيقة.

إن النزاهة ليست مرادفة للتعنت، بل هي بالأحرى مزيج من الصدق (تجاه الذات) والكرم (تجاه الغير) والدقة (تجاه الوقائع). وحينذاك، ألا يكون العيش الآخذ بالحقيقة شكلًا من النزاهة والتصرف بشرف تجاه الآخرين وتجاه الذات؟ للتأمل.

 

 

 


المصدر: Philosophie pratique، عدد 25، فبراير، مارس، أبريل 2016.

تحرير ج.ب.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق