مقالات

أخلاقيات البيولوجيا النسوية – ليزا سعيد أبوزيد

قدّمت الفلسفة النسوية نقدًا وتحليلًا لمجال الأخلاق التقليدي انطلاقًا من تساؤل مهم: هل الأنظمة الأخلاقية المهيمنة في مجال الأخلاق تؤكد تابعية المرأة؟

عبر التاريخ الفكري والاجتماعي كان النموذج الأخلاقي السائد هو أن الرجل هو صاحب الرؤى الأخلاقية والموجود الأخلاقي الكامل. وبالطبع انعكست هذه الرؤى على الواقع العملي لحيوات النساء انعكاسًا سيئًا، بل بالغ السوء، وليس هذا فقط بل لقد تغلغلت الامتيازات على أساس الجنس وعلى أساس الطبقة والنوع والعرق وبين أفراد الجنس الواحد.

من أجل ذلك قدمت النسويات مقاربات جديدة للمجال الأخلاقي وإعادة الإصلاح فيه، ولكن ليس رفضه كلية، فهي لا ترفض المبادئ والمفاهيم والفضائل الأخلاقية برمتها، إنما هي تحللها وتصلح منها ما يتعارض مع مبدأ المساواة بين الجنسين وبين أفراد الإنسانية عمومًا.

ومن ناحية أخرى فلقد أصبح الفكر الأخلاقي المعاصر ينحو نحوًا تطبيقيًا حتى تبلور مفهوم “الأخلاقيات التطبيقية”، وهي مجموعة من القواعد الأخلاقية العملية الهادفة إلى تنظيم الممارسة داخل ميادين العلم والتكنولوجيا وما يرتبط بها من نشاطات اجتماعية واقتصادية ومهنية [1] وتحاول تقديم حلولًا للمشكلات الأخلاقية التي تنجم عنها. وكان أبرز مجالاتها أخلاقيات الطب والبيولوجيا، وهي من المجالات المهمة والأكثر حيوية في الواقع الراهن؛ حيث تبحث في أخلاقيات الممارسات الطبية على المريض والاستخدام البشري في البحث والتدخل التكنولوجي في الطب. فلقد أدى، مع التقدم المتسارع في مجال البيولوجيا والطب والمسائل الخلافية التي نجمت عن هذا التطور، والتداخلات بين البيولوجيا والتكنولوجيا الحيوية والطب والفلسفة والسياسة والقانون واللاهوت، أدى كل ذلك إلى إثاره الخلافات الفكرية التي تحاول أن تضع ضابطًا أخلاقيًا يحكم مثل هذه الممارسات.

على أن المشكلات الأخلاقية التي نجمت عن التقدم التكنولوجي وعلاقته بالحياة الإنسانية كثيرة ومتشابكة، مثل تكنولوجيا الإنجاب وما تفرع عنها من مشكلات أخرى، ومشكلة القتل الرحيم وتداخلهما مع القيم الثقافية والدينية في المجتمع، ومشكلة زراعة الأعضاء وما قد تؤدي إليه من تفشي ظاهرة الإتجار بالأعضاء البشرية، ومشكلة موت الدماغ وما تثيره من إشكالية التوافق على معيار محدد لوقوع لموت، ناهيك عن الكثير من المشكلات البيولوجية التي أثارها التقدم العلمي في ميدان البيولوجيا، مثل مشكلة الجينوم البشري ومشكلة الاستنساخ… إلخ. كل هذا بحثته أخلاقيات البيولوجيا، ولكنها تغافلت عن دور الجندر في تحقيق مبدأ العدالة في الرعاية الصحية، وكذلك دور الامتيازات الأخرى التي تعيق تحقيق هذه العدالة المنشودة بين الأفراد، واهتمت فقط بمبدأ “الاستقلال الذاتي” و”الحرية الشخصية” بشكليهما الفلسفي التقليدي؛ مما نجم عنه غياب العدالة المزعومة في مجال الرعاية الطبية.

ولكن، وكي تكتمل الصورة، ينبغي ملاحظة أن أي توجه فلسفي أصيل إنما يعمل بالأساس على تتبع الخيوط الخفية، وصولًا إلى ما يحرك عبرها أيًا من التوجهات والأيديولوجيات المطروحة أو الممارسات العملية، من فروض وقضايا خفية توجه تلك التوجهات والأيديولوجيات والأطروحات النظرية والمسالك العملية، بينما هي بذاتها _أي هذه الفروض والقضايا الخفية_ مما يصعب الإمساك به أو طرحه على طاولة النقاش. وهذه المحركات الخفية كامنة وراء كل أطروحة فكرية أو ممارسة عملية، وكل مسعى إلى هذا الإمساك أو هذه الإحاطة بتلك الفروض إنما يمثل مسعًى فلسفيًا.

ولكن ينبغي أيضًا ملاحظة أنه حتى هذه المساعي الفلسفية بما هي أطروحات نظرية، إنما هي أيضًا قد تكون أسيرة لمثل هذه الفروض الخفية التي تتلاعب بها عبر خيوط دقيقة بينما هي كامنة في العمق. وعلى ذلك فإن التوجه الفلسفي النسوي إنما هو أيضًا يعمل بالأساس على إماطة اللثام عن مثل هذه العوامل والقضايا الأشف والأخفى والأكثر امتناعًا _من ثم_ على الطرح الواضح للنقاش والتي تكمن وراء الأطروحات الفلسفية السائدة، وهذا ما تؤكده المنهجية النسوية دومًا وعلى حد تعبير الفيلسوفة النسوية لورين كود “المنهجية النسوية تتعلم أن ترى ما هو غير موجود وتسمع ما لا يقال ” [2]. ولما كان هذا التوجه الذي نحن بصدده موسوم بالنسوية، فمن الطبيعي أن تكون قضيته المحورية التي يحاول إماطة اللثام عنها هي النوع الاجتماعي “الجندر”: هل للجندر دور تمييزي لا شعوري في القضايا المطروحة؟ وحين الانتقال إلى ميدان أخلاقيات الطب والبيولوجيا، يكون السؤال المحوري: هل للجندر دور في تأسيس الفكر الأخلاقي المعاصر من حيث لم يكن يحتسب الفلاسفة والمنظرون المعاصرون؟

ولسوف نحاول في هذا المقال أن نبين المقاربات النسوية الأكثر معاصرة لأخلاقيات البيولوجيا، والاختلاف بينها وبين أخلاقيات البيولوجيا السائدة، وكذلك الهدف الذي سعت إليه هذه المقاربات النسوية والمنهجية الجديدة التي قدمتها لتناول قضايا الأخلاقيات البيولوجية، وخاصة ما يتعلق منها بتكنولوجيا الإنجاب وتداعياتها. كذلك سوف نستعرض الجديد الذي عرضته الأخلاقيات البيولوجية النسوية وأبرز ممثليها من النسويات وأكثر القضايا ضجيجًا.

مفهوم أخلاقيات البيولوجيا النسوية Feminist bioethics

بدأت الأخلاقيات البيولوجية كتخصص أكاديمي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وجاء ذلك مواكبة للتقدم التكنولوجي والتقدم الطبي والبيولوجي الهائلين، حيث أصبح هناك تداخل ما بين الطبي والتكنولوجي، وجاء دور الجنس البشري في منطقة هذا التداخل بينهما إما كمريض أو عينة بحث. ومع تزايد وتيرة التقدم التكنولوجي تم طرح العديد من القضايا التي تتعلق بتطبيقاتها طبيًا على الجنس البشري، وأصبحت تثار موضوعات جديدة ومعقدة لم تطرح من قبل، وربما كانت من الموضوعات المفهومة والمستقر الرأي حولها فيما مضى، مثل مفاهيم الأمومة والعائلة مثلًا. وباستخدام التقنيات الطبية أثيرت تساؤلات أخلاقية حول طبيعة الحياة؟ وطبيعة اتخاذ القرارات المصيرية؟ ومدى مشروعية وحدود التدخل الطبي في اتخاذ مثل هذه القرارات، والتي على أساسها سوف تتحدد معنى حياة إنسان أو قدرته على تشكيل مصيره. وقد ظهرت أخلاقيات البيولوجيا لمساعدة الأطباء على اتخاذ القرارات المصيرية، وتقديم المساعدة القانونية لمؤسسات الدولة وإعادة طرح مفاهيم الحياة والأمومة والعائلة بل وماهية الانسان.

ولكن وفي خضم المناقشات الدائرة والقضايا الأخلاقية الخلافية وتعدد الآراء وتشعبها وتداخل قوى أخرى مثل الدين ومعتقدات الإنسان الروحية، تم تجاهل تأثير الجندر في كل هذه الممارسات والفروق بين الجنسين التي تؤسس للمعرفة القائمة، والتي تستند عليها أخلاقيات البيولوجيا. ولكن النسويات تقدمن بتحليلات للأخلاقيات البيولوجية ونقد وتفنيد لأثبات التحيز الجنسي الذكوري الذي يشكلها بشكل خفى ومستتر؛ فقد شكلت أخلاقيات البيولوجيا جزءًا كبيرًا للغاية في حيوات النساء؛ وذلك ببساطة لأن المرأة تشكل نسبة كبيرة من موضوعاتها مقارنه بالرجل، والقضايا المثارة متعلقة بشكل كبير بالنساء وقدراتهن الإنجابية وتكنولوجيا الإنجاب مثل التلقيح الصناعي واستئجار الأرحام وظهور مفاهيم جديدة مثل مفهوم الأم البديلة، بل ومفهوم الأم أصلًا: هل هي من تمتلك الحق البيولوجي (صاحبة البويضة) أم الأم الحاضنة (صاحبة الرحم) أم الأم التي تقوم بالتنشئة والتربية، أي الدور الاجتماعي؟ فالأمر معقد ومتداخل ومربك بشكل كبير؛ وهو لذلك مبحث نسوي بامتياز، وحضور المرأة فيه حضورًا طاغيًا، وفهم علاقات الجندر التي تتدخل في تشكيله مهم للغاية.

وعلى سبيل المثال، لو كان جنس الجنين من السهل تحديده فلمن ستكون الغلبة: للذكور أم للإناث؟ هذا يتوقف على ثقافة المجتمع التي تتشكل على تحيزات الجندر والمنفعة والأولوية والجنس الآخر. وبالتالي لا يمكننا أن نتصور مثلا في قرى ريفية في صعيد مصر، حيث يمثل الذكر القوة والأمان الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، سوف يختارون إنجاب فتيات، ولكن الغلبة ستكون بشكل نفعي خالص، وهذه مشكلة خطيرة للغاية. وفي المقابل، تتداخل أيضًا مع الدين كطرف من أطراف علاقات القوى في المجتمع وينشأ الخلاف وتثار القضايا وتتشعب بشكل لا نهائي. فإن كان للذكر مثل حظ الأنثيين فلماذا نأتي بالأنثى من الأساس، وإن كان أسماء المواليد تقيد بأسماء آبائهم فمن يضمن بقاء اسم العائلة في الوجود الذكر أم الأنثى؟ وإن كانت مؤسسة الزواج تقوم على تكبد الأسرة التكلفة الباهظة في تزويج الفتيات بلا فائدة عائدة للأسرة، وإنما خسارة أحد أعضائها، في حين تستحوذ أسرة الزوج على كل شيء في النهاية، فلماذا ينجبن الفتيات؟

والخلاصة أن الجندر يشكل أساسًا معرفيًا تستند عليها أخلاقيات البيولوجيا في قضاياها، وإن كان بشكل ضمني غير مضمر وربما غير مقصود. وهذا ما سوف تعمل النسوية على تسليط الضوء عليه وتوضيحه كي تعيد هيكلة الأخلاقيات البيولوجية بشكل يراعي الفروق بين الجنسين… لا مجرد الاعتراف بها، بل ويعتبرها عنصرًا مهمًا في التحليل والبحث وتكوين المعرفة. والأمر الآخر هو وضع الامتيازات الأخرى في الاعتبار، مثل الطبقة والعرق والإثنية، وهنا لا يكون التفضيل بين جنس وآخر بل وبين أفراد الجنس الواحد.

تقر “أليسون جاجار” بالتحدي المتمثل في وصف المقاربات النسوية للأخلاقيات، ومع ذلك فهي تحدد شروط مبدئية لملاءمة أي مقاربة للأخلاقيات تدعي بأنها نسوية، ومن هذه الشروط:

1- تقديم نشاط موجه يهدف إلى خلخلة تابعية المرأة في المجالي الخاص والعام.

2- يتم وضع خبرات كل النساء في الاعتبار، ولكن بشكل منظم ودقيق.

ومما سبق يتم استخدام مصطلح ‘أخلاقيات البيولوجيا النسوية’ لوصف المقاربات الأخلاقيات البيولوجية التي تأخذ الجندر كفئة تحليلية مركزية، والتي تهتم بتحديد علاقات القمع والهيمنة وتسعى إلى محاولة تغييرها [3].

الجندر والأخلاقيات البيولوجية

تنطلق أخلاقيات البيولوجيا النسوية من أن الأخلاقيات البيولوجيا السائدة تقوم على تحيزات القوة والتسلسل الهرمي للنوع، وتتدخل هذه التحيزات في تكوين مفاهيمها، وهذا التحيز يؤسس ويشكل لأخلاقيات البيولوجيا في كل مؤسسات الرعاية الصحية، والتي في الغالب تكون ظالمة للمرأة.

هناك جوانب جنسانية للعديد من التدخلات الطبية، كما أن التحيز الجنسي متجذر في الأبحاث الطبية كذلك، بل إن الهيراركية لا تتوقف على العلاقات بين النساء والرجال فقط، بل تمتد إلى علاقة النساء بينهن البعض، فيوجد تمييز وعدم مساواة بين النساء على أساس العرق والطبقة والتي تتداخل بطرق مختلفة مع التسلسلات الهرمية الجندرية بوضوح.

تشير ويندي روجرز[4]  Wendy A. Rogers (1957-؟) إلى أن “التسلسل الهرمي القائم على الجندر واسع الانتشار في مؤسسات الرعاية الصحية، ومازال الرجال يهيمنون على التخصصات الطبية رفيعة المستوى وذات الدخل المرتفع، في حين أن القوى العاملة التمريضية لا تزال مؤنثة إلى حد كبير، مما يخلق هيراركية المعرفة والمهنية”[5] . وتمتاز الفئة المهيمنة بصلاحيات أكثر لتدعيم الوضع الحالي وبقاء استمراره في حين تفتقر الفئة المحرومة إلى آليات التغيير.

في الجانب البحثي، قد تُستبعد النساء في بعض المناطق من الأبحاث العلمية، وذلك بسبب طبيعتهن الفسيولوجية الخاصة بالإنجاب والحيض، والتي يرى العلماء أنها ربما تؤثر على النتيجة البحثية ولا تضمن بذلك درجة من الدقة والموضوعية والنزاهة، كما يتم استبعاد النساء لأنهن ربما يتعرضن للحمل، وهذا ربما يُعرض صحة الجنين للخطر، وتأتي نتائج الأبحاث الطبية تنطبق في نتائجها على النساء مثل الرجال على الرغم من غياب النساء كعينات بحث، ولا يراعى هنا الاختلافات الفسيولوجية أو التشريحية التي من شأنها أن تعطي نتائج مختلفة للممارسات الطبية على النساء بشكل مختلف عن الرجال، ويأتي ذلك طلبا للنزاهة والمصداقية العلمية التي تتجاهل فئة كعينات بحثية ولا تجد غضاضة من تطبيق نتائجها عليها!

كما نلاحظ في الآونة الأخيرة تزايد الأبحاث حول فترة الحيض وما ينتج عنها من تغيرات هرمونية للمرأة، وهذه التغيرات تصنف طبيًّا بمتلازمة ما قبل الحيض ويصطلح عليها ب “PMS” حيث تشير الأبحاث بأن غالبية النساء يتعرضن لمتلازمة ما قبل الحيض والتي تؤثر بشكل كبير في مدى عقلانيتهن بل وقدرتهن على التفكير الصحيح.  كما تتفاوت الأعراض بحدتها خلال الشهر سواء قبل أو بعد أو أثناء الحيض، مما يجعل المرأة في النهاية غير مؤهلة عقليًا إلا في أيام معدودة شهريًّا. كذلك قام الإعلام أيضًا بتداول نتائج هذه الأبحاث بشكل ترويجي يفتقر إلى الدقة والأمانة العلميتين، وصورها على أنها وحش مرعب يهدد حياة المرأة العقلية والنفسية؛ مما ساهم في ترسيخ الصور النمطية والسلبية عن المرأة[6].وفي النهاية تأتي المحصلة على عدم قدرتها العقلية السليمة لإنتاج معرفة،  وكعينة بحث تأتي نتائجها مشوبة وغير موثوقة، فيتم تطبيق العلاجات التي تم اختبارها على الرجل بغض النظر عن مدى ملاءمتها للمرأة والاختلافات الفسيولوجية والتشريحية بين الجنسين.

ومما سبق يتضح تأثير الجندر في أخلاق الطب والبيولوجيا، ولكن ظلّ خفيًّا ومستترًا. تحلل سوزان وولف Susan Wolf (1952-؟) أسباب تأخر أخلاقيات البيولوجيا في الاعتراف بالتأثيرات الجندرية التي تتضمن المجال ككل لعدة أسباب، فتقول: “إن أخلاقيات البيولوجيا كانت غافلة نسبيًا عن تأثيرات الجندر، وبطيئة في تبني التطورات ذات الصلة بالأخلاقيات ونظرية المعرفة النسوية”، وترجع ذلك إلى الأسباب التالية:

1- منذ بداية نشأة أخلاقيات البيولوجيا وهي تركز جُل اهتمامها على فكرة الحقوق للمرضى وللمشاركين في الأبحاث، وذلك أدى إلى تمحور الاهتمام حول سلطة اتخاذ القرار، والذي يعتمد على الاستقلال الذاتي والفردية. وبالاعتماد على موارد الفردانية الليبرالية، تم تصور الفرد الذي يتخذ القرار على أنه مستقل ومنعزل عن عوامل أخرى مهمة، واعتبار هذه العوامل مجردة من العلاقات ذات الأهمية الأخلاقية، وتجاهل وجود خصائص مجموعة محددة، مثل العرق أو الجنس. ببساطة السياق الذي تنتمي إليه الذات متخذة القرار، وبالطبع هذا السياق يتدخل فيه الجندر.

2- يهيمن على أخلاقيات البيولوجيا مبادئ تُفهم على أنها قواعد أخلاقية عالمية للأفراد، ومن أجل تحقيق الحياد والنزاهة، يتم استبعاد الجندر وغيره من السمات السياقية المحتملة من الأفراد العاملين والخاضعين لهذه المبادئ المجردة.

3- ظهرت أخلاقيات البيولوجيا استجابةً لمخاوف الأطباء والسياسيين وعلماء الجماليات، ومن ثم فإن وجهة نظر ومصالح تلك المجموعات التي يسيطر عليها الذكور تملي الموضوع قيد البحث وتوجه الاهتمام حيث أرادوا.

وبالتالي فإن المرأة، وخاصة المرأة كمريضة، لم تسهم في وضع أساسات وضوابط أخلاقيات البيولوجيا. ولذلك تدخلت النسوية بالنقد والتحليل لأخلاقيات البيولوجيا لكشف التحيزات الذكورية المتضمنة بشكل خفي في المجال، وتوضيح خطورة تأثير الجندر على نتائجها، وخلخلة فكرة النزاهة التي تُقصي الجندر والسياقات التمييزية الأخرى.

الانتقادات النسوية لأخلاق البيولوجيا

تعددت المناهج في أخلاقيات البيولوجيا النسوية، وتعدد الطروحات المقدمة، ولكن كانت هناك بعض النقاط الأساسية مثل التي تم الاتفاق بشأنها، مثل الهوية الشخصية والاستقلال الذاتي. فتذهب التحليلات النسوية إلى أن الحكم الأخلاقي في ميدان الطب والبيولوجيا ينطلق من الاستقلال الذاتي للفرد وقدرته على اتخاذ القرار دون النظر إلى السياق العام للفرد، والذي يؤثر بشكل كبير في اختياره، ومن ثم لا يكون فعل الاختيار لديه حرًّا كما هو متوقع، ويتداخل السياق مع الذات متخذة القرار، مثل ندرة الفرص المتاحة أو الفقر والعجز أو علاقات الفرد مع محيطه. تتداخل كل هذه العناصر في التأثير على الذات متخذة القرار حتى إنه لا يمكننا أن نقر بأنه اختيار حر دون الإلمام بمصوغات السياق السابق.

ولذلك تم وضع ضوابط للتحكم في الأمر، فمثلًا على من تريد أن تكون أم بديلة يجب أن يكون ذلك بدون مقابل مادي حتى لا يكون تبريرًا لاستغلال الفقر والصعوبات المالية التي تتعرض لها بعض النساء، فيخترن هذا الدور لا عن رغبة في المساعدة بل حلًّا لمشكلاتهن، ويكون الأمر استغلالًا للظروف المحيطة بالذات صاحبة القرار، مما ينفي بدوره فكرة الاستقلال الذاتي وأنه فعل حر، وإنما هو في الواقع استغلالًا لحاجتها المادية واستغلالًا لظروف اقتصادية سيئة؛ مما ينفي شرطهم بمبدأ الاستقلال الشخصي.

وكذلك العلاقات التي تجمع النساء بآخرين من المرضى الذي قد يحتاجون إلى الرعاية، ربما تكون هذه العلاقات من اختيارهن أو فرضت عليهن فرضًا، ولكن لا يتم اعتبار رأيهن ويتم الاعتماد فقط على رغبة المريض الذي قد لا يستطيع الاعتناء بنفسه ويحتاج إلى من يقدم له العناية، فلماذا لا يتم اعتبارهن جزءًا مهمًا في اتخاذ القرار، فالأمر هنا لا يتوقف على إرادة المريض أو استقلاله الذاتي بينما يتداخل مع أشخاص آخرين هم في الغالب من النساء؛ لأنهن الموسومات بالرعاية في المجتمعات المختلفة، فيفرض عليهن الأمر وتُستهجن مجتمعيًا إن هي رفضت ذلك، بل وتصبح منبوذة من المجتمع الذي ينظر إلى فعلها على أنه فعل أناني.

“تلفت المنهجيات النسوية الانتباه إلى هذه المخاوف من خلال التركيز على الهوية الشخصية والعلاقات والفرص، ومن خلال استجواب السياق الذي يكون للأفراد فيه أكثر أو أقل من القوة لتخيل أو تحقيق أهدافهم المختارة”[7]. ومن ثم ركز النقد النسوي على تفنيد حجج الاستقلال الذاتي والهوية وتأثيرهم في مبدأ المساواة كمسوغات للحكم الأخلاقي دون مراعاة السياق الذي يشملهم والعلاقات المتداخلة معهم: “اعتمد النسويون على هذه الانتقادات من خلال تطوير اعتبارات تنافسية للمفاهيم الأساسية والمقاربات المنهجية الجديدة، ومواجهة تحيز الذكور من خلال مد نطاق الاهتمام بالأخلاقيات البيولوجية ليشمل قضايا اجتماعية وعالمية أوسع”[8].

آليات المواجهة التي تسلحت بها الأخلاقيات البيولوجية النسوية

وجّه البحث النسوي اهتمامه إلى مجال الأخلاقيات البيولوجية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد تم إدراج أخلاقيات البيولوجيا النسوية إلى حيز الاهتمام البحثي الأكاديمي مستفيدة من موارد الفلسفة النسوية والنظرية الاجتماعية والمجالات الأخرى ذات الصلة [9].

جادلت النسوية في المجمل بأن مجال أخلاقيات البيولوجيا، وفي وتيرة تطوره المتصاعدة، تغافل عن تأثيرات الجندر في الرعاية الصحية والبحث العلمي، وكذلك لم يعطِ اعتبارًا لأهمية تأثيرات القوى الأخرى وتأثيرها، مثل العرق والطبقة والإثنية وتأثيراتهم على مبدأ المساواة في الرعاية الصحية، وهذا لا يتضمن فئة الجنس فقط من حيث هو ذكر أو أنثى، وإنما يتخطاه إلى التمييز بين أفراد الجنس الواحد وتمايز أحد أفراده عن الآخرين.

وقد تم اعتماد الأخلاقيات النسوية كمجال أكاديمي معترف به في بداية العام 1990م، وكان ذلك بتأثير من عدة عوامل: منها حركة “صحة المرأة” في نهايات القرن العشرين؛[10] مما عمل على رفع الوعي العام بالمشكلات الصحية للمرأة. وأثيرت العديد من الموضوعات الصحية مثل آليات تحديد النسل والإجهاض وعملية الحمل والولادة والحياة الجنسية للمرأة وتداعياتها. وكانت النتيجة المباشرة لهذه الحملات هي إثارة الموضوعات التي تشجع على البحث في الأمراض المتعلقة بالنساء مثل سرطان الثدي، وإتاحته العلاجات المناسبة لها بأسعار بسيطة تستطيع جميع النساء توفيرها، وكذلك اكتشاف علاجات مناسبة تقلل من استخدام الجراحات الغير ضرورية وتقلل من التدخل الجراحي نظرًا لما يسببه من آثار نفسية سيئة على النساء.

“وفي النهاية، طوّرت بعض المناظِرات النسويات منهجيات بديلة لإصلاح أوجه القصور المعرفي للنموذج البيولوجي المهيمن على التفكير” [11] .

وللبدء في العمل وتوسيع نطاق الجهود النسوية في أخلاقيات البيولوجيا، تم تأسيس “الشبكة الدولية للمقاربات النسوية لأخلاقيات البيولوجيا” International Network on Feminist Approaches to Bioethics (FAB)(1993، لكي تكون البيئة الحاضنة للبحث النسوي في مجال أخلاقيات البيولوجيا. وقد عملت هذه الجهود على الاتجاهين: الأكاديمي من جهة، والقاعدة الشعبية العامة من جهة أخرى. وكان لها ثلاثة أهداف رئيسة:

1- مدّ نطاق نظرية الأخلاقيات الحيوية لدمج الاهتمامات النسوية.

2- تطوير نظرية الأخلاقيات البيولوجية لتشمل التحليلات الخاصة بتأثيرات الجندر وتأثيرات العرق والطبقة والإثنية والفئات الاجتماعية الأخرى.

3- وضع استراتيجيات ومنهجيات جديدة، والتي تشمل التجارب والخبرات المهمشة اجتماعيًا [12].

وقد قامت الشبكة الدولية للمقاربات النسوية في العام 2007 بتدشين المجلة الدولية للمقاربات النسوية لأخلاقيات البيولوجيا International Journal of Feminist Approaches to Bioethics (IJFAB)، لتشجيع البحث ونشره على نطاق واسع، وكذلك عملت النسويات على تحليل ونقد تأثيرات الجندر وعوامل القوى الأخرى على أخلاقيات البيولوجيا، كما عملت على تقديم مساهمات ومنهجيات جديدة.

 بعض من موضوعات الأخلاقيات البيولوجية النسوية

1- الإنجاب

يُعدّ الإنجاب، وتحديدًا تكنولوجيا الإنجاب وتأثيراتها على الطب التناسلي، من الموضوعات الشائكة والمهمة في مجال الأخلاقيات البيولوجية، والمتعلقة بالإنجاب ووسائل منع الحمل والتعقيم والإجهاض والتلقيح الاصطناعي والتخصيب داخل المختبر والأمومة البديلة والفحص الجيني. والتي تعتبرها النسوية موضوعًا نسويًا نظرًا لاتصاله بالمرأة أكثر مما يتصل بالرجل؛ مما يدعم تبني المنظور النسوي أفضل من أي منظور آخر. ذلك أن نتائج الأبحاث سوف تشكل وتؤثر في حياة النساء، فهن المعنيات بالدرجة الأولى بالرفض أو القبول.

فلقد تصاعد عن مشكلات الإنجاب في العصر الراهن، وفي ظل التقدم العلمي المهول، مشكلة الإجهاض، والتي تتراوح ما بين “مؤيدين لحرمة الحياة للجنين” و”مؤيدين لحرية الاختيار للأم”، فهناك من يرفض الإجهاض على أنه الموت في مقابل الحياة، وهناك من يؤيد حرية اختيار المرأة على اعتبار أنها من تملك جسدها؛ ومن ثم هي حصرًا من لها حق الملكية في أجزائه الأخرى.

ومما توفره تكنولوجيا الإنجاب، وسائل لمعرفة جنس الجنين والتحكم في صفاته، بل وتغيير بعضها؛ مما أدى الى التدخل الجندري من المجتمعات في العملية الإنجابية، وتوجيهها كما يريد المجتمع، الأمر الذي يعكس آثارًا سلبية على بعض النساء بخصوص بعض الاختيارات، كما أثار مشكلات اجتماعية محتملة فيما يتعلق بالانتقاء واستبعاد الأطفال المعاقين وتحسين السلالة… كل هذه الموضوعات تتشابك مع الوضع الاجتماعي والذوات المختارة له، وأيضا تأثير سياسات اقتصادية معينة على الفئات المهمشة اجتماعيًا.

ومن الإشكاليات النسوية المثارة هنا مشكلة استغلال أجساد النساء في التبرع بالبويضات والتجارب التي تجرى على الخلايا الجذعية من الأنسجة التناسلية وغيرها، بل وتداخل الموضوع أيضًا مع الأوضاع الاقتصادية؛ لأن هذه العمليات تتم أحيانًا بمقابل مادي[13]. وأيضًا، تتدخل عوامل التمييز بشكل كبير مثل العرق والطبقة والمرحلة العمرية ومستوى التعليم وغيرها  [14]، كما وأن الأبحاث المنتجة من خلالها تعمل على تحقيق أرباح اقتصادية متصاعدة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أعمال باحثتين هامتين في هذا المجال: الأولى، “دونا ديكنسون” (1946  Donna Dickenson وهي فيلسوفة أمريكية متخصصة في الأخلاقيات الطبية، ومن كتبها “نحن الطب: تعديل التكنولوجيا الطبية للصالح العام” (2013) و “الملكية في الجسد وجهات نظر نسوية” (2007) والتي تعمل على موضوعات ملكية الجسد وملكية أعضاء الجسد. والثانية هي “كاثي والدبي” Catherine Waldby (1957 وهي أكاديمية وباحثة أسترالية تعمل على الدراسات الاجتماعية للطب الحيوي وعلوم الحياة، ولها دراسات عن الاقتصاد العالمي للأنسجة التناسلية في كتابها “اقتصاديات الأنسجة: الدم والأعضاء وسلالات الخلية في أواخر الرأسمالية” (2006) وكذلك “اقتصاد البويضة: المعنى المتغير للبويضات البشرية” (2019)، حيث يحاول الكتاب أن يستكشف الطرق التي يتم بها تعميم البويضات وتبادلها وإعطائها ومعاملاتها وتمويلها والتبرع بها.

2- الرعاية

ومن الموضوعات والمفهومات ذات الأهمية والجاذبية في الأخلاقيات البيولوجية النسوية مفهوم “الرعاية” وأشكالها ومقدميها. والسائد اجتماعيًّا وثقافيًّا بأن النساء، وعبر التاريخ، هن الموسومات بالمَنْح والرعاية والتعهد، ويتم إرجاع ذلك إلى طبائعهن الرعائية وعاطفتهن ومشاركتهن الاجتماعية والعائلية. ولقد طرح البحث النسوي في مجال أخلاقيات البيولوجيا تساؤلات تتعلق بالتداخل بين علم الطب والحالة الصحية والرعاية الاجتماعية والأسرية. وهنا تنوه النسويات إلى تساؤل مشروع حول إشكال الرعاية المقدمة، والتفريق بين الرعاية التي تقدمها الأسرة والمجتمع من ناحية، والرعاية مدفوعة الأجر التي نحصل عليها من خلال الممرضات والممرضين ومقدمي الرعاية المأجورين من ناحية أخرى، وتتقاطع كذلك مع التغيرات الاجتماعية التي تحيط بمقدم الرعاية. وعلى سبيل المثال تغير اختلاف الحياة الأسرية عبر المجتمعات، فربما يتدخل الاقتصاد في عدم القدرة المالية على طلب الرعاية مدفوعة الأجر، فتقوم الأسرة بتوفير الرعاية والتي في الغالب ينصب التركيز فيها على النساء كونهن مقدمات الرعاية الأساسيات، حتى لو مع أفراد هن لا يردنهم، ولكن المبدأ العام في المجتمع يحدد ذلك ويقرره: “الناقدات النسويات حثوا على الاعتبارات المعيارية والتجريبية للمسؤوليات الأسرية في مقابل المجتمعية، وذلك في مجالات الصحة والأشكال الأخرى للرعاية، وطرح أسئلة مهمة حول كيفية وجود هذه المسؤوليات وسنّها في مجموعة من المواقف؟ وفي عام 2011، دشنت مجموعة من الباحثين الرواد، من النسوية وغيرهم، اتحادًا دوليًا وهو “شبكة أخلاقيات الأسر “وخصوصا لتوفير إطار أخلاقي نظري أكثر قوة في هذا المجال” [15].

ما الجديد في الأخلاقيات البيولوجية النسوية؟

قدمت الأخلاقيات البيولوجية النسوية إشكالات جديدة وعملت على إنعاش الموضوعات الموجودة بالفعل، كما رفعت من سقف التوقعات بخصوصها.

1- المنهجية

لم تثق المنظرات النسويات في المبادئ الأخلاقية التقليدية، وأكدن على ضرورة اعتبار قيم من قبيل “الحب والرعاية والمسئولية” للإلمام بالتفاصيل الدقيقة للسياق وروابط العلاقات التي تشكل الحكم الأخلاقي. وفيما اعتمد الحكم الأخلاقي في أخلاقيات البيولوجيا على مبدأ استقلالية المريض وحريته في الاختيار، أوضحت النسويات ما يحيط بهذه الاستقلالية من عوامل جندرية واجتماعية تجعل الزعم بالحرية والمسؤولية في اتخاذ القرار الفردي المسؤول موضع شبهة؛ لذلك وضعت النسويات عنصرين للتحليل: العنصر الأول هو الجندر، وما يترتب عليه من تدخلات في تشكيل الأحكام الأخلاقية والتي تؤثر بدورها على العدالة في الرعاية الصحية بين الرجل والمرأة. والعنصر الثاني يتمثل فيما نوهت إليه النسويات من ضرورة تحليل العلاقات الأخرى للسلطة، مثل امتيازات الطبقة والعرق والإثنية وغيرها من القوى، كما أكدت كذلك على أن الإنسان ليس كائنًا فردًا حرًّا ومسؤولًا على نحو تام، وإنما هو موجود اجتماعي وسياسي إلى حد بعيد، ومن ثم فالجانب الاجتماعي والسياسي يتدخل بقوة.

2- الإشكاليات الجديدة

البحث في الأساس الأخلاقي في مفاهيم فلسفية أساسية مثل الأنطولوجيا والإبستمولوجيا. فمثلًا الإنسان يجب أن ينظر إليه في علاقته بالآخرين وليس عزل الذات المبحوثة عنهم وتجريدها منهم. الموضوعية والنزاهة تتدخل فيها عوامل عديدة وليست بالشكل المطروح العتيد: “تتناول المقاربات النظرية لأخلاقيات البيولوجيا النسوية بعض المقاربات المميزة للأنطولوجيا والإبستمولوجيا والتي تتحدى المواقف الفلسفية التقليدية على طريقة حشد المعرفة والذاتية والمصلحة الأخلاقية في الخطاب الأخلاقي” [16].

وقد أكدت النسويات على ضرورة التزام أخلاقيات البيولوجيا بالمعضلات الأخلاقية الجديدة التي تثار بسبب التقدم في الطب وعلوم الحياة، كما ينضاف إلى ذلك أيضًا، وعلى نفس القدر من الأهمية، متابعتها للتطورات الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى تحول في ممارسات الرعاية الصحية.

الخلاصة

نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإن الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهن أمر طبيعي وضروري. وبالبحث والتحري النسويين، وبالمنهجية النسوية المتبعة، كانت النتيجة كشف تجاهل أخلاقيات البيولوجيا لمبدأين هامين في البحث، وهما: الجندر، والامتيازات بين الأفراد.

كما عملن على تحليل الأساس الأخلاقي لأخلاقيات البيولوجيا، والتي ينبي الحكم الأخلاقي عليها، وبيّنّ تناقضه وهشاشته حيث قام على مبدأ الاستقلال الذاتي، والذي أثبتت النسويات تهافته وعدم إمكانية تحققه. وكذلك الموضوعية والنزاهة، والتي أثبتن غيابها واختلافها أشد الاختلاف عن النحو المنشود. وكذلك مفهوم الشخصي والفردي والخاص، وتجاهل العلاقات المتداخلة معهم؛ ومن ثم كان لزامًا عليهن إعادة البناء وتقديم طروحات بحثية جديدة والمساهمة في رفع الوعي العام وتشجيع البحث النسوي في أخلاقيات البيولوجيا على الصعيدين الأكاديمي والعام، ليشمل الجانب النظري المؤسس والمعرفي من جهة، وكذلك يتدخل في تغيير الوعي العام والتطبيقات العملية من الجهة الأخرى.

وكان هدفهن الرئيس هو تحقيق مبدأ العدالة بشكل عام، لا على أساس الجنس أو الطبقة أو غيرها من الامتيازات الأخرى، بل على أساس الإنسانية عامة، والحد من التدخلات الجراحية فيما يتعلق بالمريض والتي تكون في أوقات كثيرة غير ضرورية، وقد أرجعن ذلك إلى عدم وضع السياقات المختلفة الخاصة بالمريض في الاعتبار وعزله تماما عما يحيط به من علاقات متداخلة.

بذلك قدمت النسويات طفرة جديدة ومجددة في أخلاقيات البيولوجيا، وأعادت طرح القضايا الموجودة على الساحة الطبية من منظور جديد ومختلف، كما لا زالت تقدم الطروحات الجديدة والمبهرة باستمرار، وتنحت المصطلحات، وتعيد بناء المفاهيم، وكما هي المرأة دومًا: تبعث الحياة وتساهم في ديمومتها الحيوية.

 

 


 

[1] انظر: عمر بو فتاس، البيوإتيقا، أفريقيا الشرق الطبعة الأولي،1990.

[2] 3- Code. L. How Do We Know? Questions of Method in Feminist Practice In: Changing Methods, Feminists Transforming Practice, Burt.S. and Code.L. (ed),University of Toronto Press, 1995, (P13-P44), P23.

[3] See, Wendy A. Rogers, feminist bioethics, In: Ann Garry, Serene J. Khader ,Alison Stone  (Editor),  The Routledge Companion to Feminist Philosophy, Routledge; 1 edition (May 3, 2017), ISBN-13: 978-1138795921, (P579-P580).

[4] هي أستاذة متخصصة في مجال “أخلاقيات العيادة” في جامعة ماكواري في سيدني، أستراليا. وأخلاقيات العيادة هو فرع من فروع أخلاقيات البيولوجيا، والذي يبحث وينظم للممارسات الطبية داخل العيادة.  رُشّحت في مجلة Nature، كواحدة من عشرة أشخاص، للكشف عن الإخفاقات الأخلاقية في دراسات الصين حول زراعة الأعضاء. تهتم بالموضوعات الأخلاقية الخاصة بالذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الطبية، وفي 2019 حصلت ويندي على جائزة الأخلاقيات من المجلس الوطني للبحوث الصحية والطبية وحصلت على لقب رائدة البحوث الوطنية في مجال أخلاقيات البيولوجيا من الصحافة الأسترالية.

[5] Ibid,P 580.

[6] See, Joan C. Chrisler PhD &Karen B. Levy BA, Content Analysis of PMS Articles in the Popular Press,

Women & Health Journal, Volume 16, 1990 – Issue 2.

[7] Wendy A. Rogers, feminist bioethics, Ibid, P 584.

[8] Ibid, 585.

[9] Anne Donchin, Jackie Scully, Feminist Bioethics, The Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2015.

[10] Ibid.

[11] Ibid.

[12] Ibid.

[13] ومن الطريف هنا أن نذكر أن المقابل المادي للبويضة النسائية مرتفع كثيرًا عن الحيوانات المنوية للرجل

[14] See, Rene Almeling, Sex Cells: The Medical Market for Eggs and Sperm (University of California Press, 2011).

[15] Anne Donchin, Jackie Scully, Feminist Bioethics, the Stanford Encyclopedia of Philosophy, Ibid.

[16] Ibid.

 

المراجع

  • Rosemarie Putnam Tong, Feminist Approaches to Bioethics: Theoretical Reflections and Practical Applications, Routledge, ‏
  • Code, Lorraine, Experience, Knowledge and Responsibility: in Morwenna Griffiths and Margaret, 1988.
  • Donchin, Anne and Scully, Jackie Leach (2015) “Feminist Bioethics,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy.
  • Engelhardt, Hugo T, the Foundations of Bioethics, New York: Oxford University Press, 1986.
  • Holmes, Helen B. and Purdy, Laura M. (Eds.) Feminist Perspectives in Medical Ethics, Bloomington, IN: Indiana University Press, 1992.
  • Holmes, Helen B., Hoskins, Betty B., and Gross, Michael (Eds.) The Custom-Made Child? Women Centered Perspectives, Clifton, NJ: Humana Press, 1981.
  • Jaggar, Allison “Feminist Ethics: Some Issues for the Nineties,” Journal of Social Philosophy (91–107), 1989.
  • Kittay, Eva Feder Love’s Labor: Essays on Women, Equality, and Dependency, New York: Routledge, 1999.
  • عمر بو فتاس، البيوإتيقا، أفريقيا الشرق الطبعة الأولي،1990.
  • جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت،2001.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق