مقالات

الديمقراطية من الوطنية إلى المواطنة – عز الدين بوركة

الوطنية القومية، المواطنة:

يأتي تعريف “المواطنة” في “معجم اللغة العربية المعاصر”[1] على أنها: 1- من مصدر “و ط ن”. 2- نزعة ترمي إلى اعتبار الإنسانيّة أسرة واحدة وطنها العالم وأعضاؤها أفراد البشر جميعًا: وتَفرِض المواطنة على الشعوب كلها احترام حقوق الإنسان. 3- عدم التمييز بين أبناء الوطن الواحد وسكانه الذين ينتمون إليه على أساس الدِّين أو اللُّغة أو العنصر أو الجنس. 4- كون المرء مواطنًا من مواطني دولة، وله فيها حقوق وامتيازات تكفلها له الدَّولة، وبالمقابل عليه الالتزام بالواجبات التي تفرضها عليه؛ أُعطي حقَّ المُواطَنة. ولا يذكر بالمقابل، “لسان العرب” إلا اشتقاقات قليلة من لفظ “و ط ن”، ومن بينها: “أَوْطَنَ فلانٌ أَرض كذا وكذا أَي اتخذها محلًّا ومُسْكَنًا يقيم فيها”؛ إلا أنه لم تأت المعاجم العربية القديمة على أي ذكر لكـلمة “المواطنة” citoyenneté التي تعد مشتقة من لفظ city (بالإنجليزية)، cité (بالفرنسية)، Citivas (باللاتينية) أي المدينة/الدولة، وكما تعني السياسة والدستور، ولم تأت -أيضًا- هذه المعاجم على ذكر كلمة “الوطنية”، هذا المصطلح الذي نضعه مقابل المصطلح الفرنسي patriotisme المشتق من Patrie والذي يعني “الوطن”، وتعد كـلمتا الوطنية والمواطنة من الكلمات العربية المستحدثة وخاصة في النصف الثاني من القرن الـ20.

أما لفظة “الوطنية” فتدل من اشتقاقها الفرنسي على “الشعور بالانتماء إلى بلد يقوي الوحدة بين أبنائه على أساس قيم مشتركة”. وأيضا “حالة نفسية/ روحية تدفع الواحد إلى الشعور بالحب والاعتزاز وإلى الدفاع عن مصالح بلده”…. ولا يجب الخلط بين “الوطنية” patriotisme ومظهرها المتطرف بل العدواني المسمى “الشوفينية” chauvinisme (العصبية العرقية)[2]، وقد سبق ونجح الفاشيون -بدورهم- في فرض مفهوم الوطنية كنوع من الشعور الطبيعي فوق الأيديولوجيات، كمعتقد مقدس لا نقاش معه، وكذريعة لقمع الحريات كلها، وإن ما يسميه الفاشيون بالوطنية هو “حب” الوطن، الذي يُقدَّم ككيان خارق للطبيعة يحل محل مفهوم الألوهية. ويمكن القول إن هذه الأيديولوجية الوطنية قد سقطت بعد الحرب العالمية الثانية، نظرًا للأضرار التي سببتها طريقة التفكير المريعة هذه للأتباع وللبشرية. لقد استُبدل بها الأممية l’internationalisme، العالمية أو الأوروبية على الأقل، بعد الصراع بين الشيوعية والرأسمالية، مع العلم أن الشيوعيين ما زالوا يوافقون على هذا النوع من الفكر “القومي” pensée nationaliste ولكن بطريقة مخففة. إلا أنه قد يبدو لنا واضحًا أن التوجه المتطرف للوطنية يتجلى حاليًا في التوجهات اليمينية المتطرفة التي تعرفها مجموعة من الدول، إذ استطاعت أحزاب يمينية أن تصل إلى سدة الحكم كما يحدث في البرازيل أو إيطاليا أو النمسا… فالأصوات الشعبوية اليمينية تمكنت أن تجد لها منافذ بين الشعوب التي ترى في أن النظام العالمي الحالي لم يقدم لها أي حلول، وأنها مهددة من قبل اللاجئين والوافدين إلى بلدانهم.

بينما نختار هنا، ترجمة nationalisme بـ”القومية”، وهو الأقرب من الأمة كما يختارها بعضهم مقابلًا للجذر nation، وتتجاوز معاني “الأمة” أو “الأممية” -عربيًّا- المراد بالناسيوناليزم، من حيث ارتباط هذه الأخيرة بالفرد والقوم أو الجماعة التي ينتمي إليها، بينما لا يقتصر اصطلاح الأمة على الإنسان فحسب؛ إذ ينطبق حتى على الجماعات من الحيوانات، ويتعلق بمعانٍ أخرى لها صلة بالدين والملة وخصال الفرد… وقد جاء في القرآن: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم”، وفي موضع آخر: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً”، والآية “إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ”، وقد تعني رجلًا يجمع الخصال الحميدة كلها فيه كما جاء في الآية: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً”… هذا وفي الحين الذي يخبرنا بعضهم فيه، بأن الوطنية هي حب الوطن وأن القومية هي كراهية الأوطان الأخرى؛ إلا أنه في الواقع يكاد يكون الفرق بين المفهومين هو في الدرجة فقط، فالقومي هو وطني لكن أشد تطرفًا لحبه لوطنه وإيمانه بالانتماء إليه، فيغدو فاشيًا ومنه عدوًا للحريات كلها.

ولا بد من التمييز بين لفظ “وَطَنيّ” الذي يقابل في اللغتين الرائجتين عندنا (الفرنسية والإنجليزية) لفظ patriote، المأخوذ من patrie بمعنى الوطن. ومنه patriotisme بمعنى الوطنية (حب الوطن والاستعداد للدفاع عنه الخ)، ولفظ compatriote ومعناه الشخص الذي يعيش في بلد واحد مع الآخرين، وهذا هو معنى “مواطن” كما يستعمل اليوم في عصر العولمة. ويُعبر عن “المواطنة” بهذا المعنى بــ compatriotisme، ومعناها وضعية المنتسبين إلى بلد واحد[3]. فإذن المواطن هو ذلك الشخص الذي يتقاسم مع غيره أرض الوطن، باختلاف انتمائه؛ بل قد لا يكون يشاركهم جنسية ذلك الوطن، من حيث إن “الجنسية” nationalité المشتقة من nation. وهذا المصطلح الأخير يدل على جماعة تشترك فيما بينها إلى جانب الانتماء إلى الوطن، الشعور بالانتماء إلى المجموعة نفسها.

ولا يتوقف تعريف “المواطنة” عند ذلك المستوى المذكور، فهذه الكلمة المرتبطة بمفهوم المواطن كمقابل لـ Citoyen بالفرنسية وCitizen بالإنجليزية؛ إذ تأتي كمقابل لـ Citoyenneté بالفرنسية أو Citizenship بالإنجليزية، قد صنفها اليونانيون القدامى على أنها حق من حقوق إنسان المدينة City؛ فيحصل بالتالي على امتيازات معينة؛ لكن المواطنة في زمننا المعاصر لا تعني مجرد الانتماء إلى الوطن أو المدينة، أو مجرد الاشتراك في السكنى في هذا الوطن. فعن أي مواطنة إذن نتحدث اليوم، في ظل هذا التراكم كله للمفاهيم والتغيرات السياسية والفكرية والاجتماعية الحاصلة؟

عن أي مواطنة نتحدث؟

سبق وقلنا إن لفظ المواطنة هو لفظ مستحدث في المعاجم العربية، ويكاد يكون معدومًا في المراجع القديمة، ويقع تعقيد تناول هذا المفهوم عربيًّا في كون المترجمين الذين اعتمدوه، متضاربين من حيث الأصل الأجنبي. وكما يعود الأمر لتقارب أصول الاشتقاق الأجنبية فيما بينها، والأكيد أن المعنى الذي يشير إليه patriote (القومي) ليس هو عينه الذي يشير إليه citoyen (المواطن) أو حتى compatriote الذي يشير إلى “الشخص الذي تخلى عن بلده ليقوموا بمخاطرة الرحلة إلى البعيد”[4]. وتضعنا اللغة (الفرنسية أو الإنجليزية) أمام صعوبة التفرقة بين المصطلحين من حيث إنهما يكادان أن يكونا -أحيانًا- مترادفين، ومضادين لمصطلح واحد ألا وهو “الغريب” l’étranger.

وإن كان مفهوم المواطن والمواطنة قد تحقق في أوروبا عقب الثورة الفرنسية؛ إلا أن مفهوم المواطنة Citoyenneté -بالتحديد- يظل فكرة اجتماعيّة وقانونيّة وسياسيّة أسهمت في تطور المجتمع الإنساني بشكل كبير إلى جانب الرقي بالدّولة إلى المساواة والعدل؛ عن طريق تعزيزها لدور كلٍّ من الدّيمقراطية والشّفافيّة في بناء الدولة وتطورها، وذلك بإشراك المواطنين في الحكم وضمان حقوقهم وواجباتهم[5]. وعمومًا يمكن أن نميّز بين ثلاثة مستويات للمواطنة:

أولًا- وقبل كل شيء، من الجانب الهُوياتي identitaire، فأن تكون مواطنًا يعني أنك داخل في تجربة “تشابه مؤسسي” مع الآخرين، إنه تشابه في الوقت نفسه مع تماسك الهُوية الوطنية nationale المتميزة عن باقي هُويات الدول الأخرى. ويستند هذا التشابه على مستويات قد ترتبط بالثقافة المشتركة أو الدين أو التقاليد أو التاريخ؛ ما يؤدي إلى نوع من “الوعي بالهُوية” والتي تبرز من تعدد الاختلافات الفردية والاجتماعية والإثنية والعرقية والجغرافية… التي تميّز مواطني les citoyens البلد الواحد؛ فيغدو المواطن كامل العضوية في البلد الذي ينتمي إليه؛ وهذا ما يمنحه حقوقًا مدنية وسياسية، كالحق في الانتخابات وتولي مناصب عليا.

ثانيًا- كونك مواطنًا يعني أنك جزء من عملية اتخاذ القرار الجماعي، وهذا الشرط الأولي للديمقراطية، ويتمثل في شكله البسيط في أحقية الاستفتاء… وهذا هو الجانب البراغماتي (الواقعي والنفعي) للمواطنة.

وأخيرًا- لكي تكون مواطنًا فالأمر يستدعي أن تكون مدركًا للحقوق والواجبات، ليس بالنسبة لذاتك بل أيضًا بالنسبة للآخرين، من حيث إنهم مواطنون يشاركونك الحق نفسه في المواطنة؛ لذلك يجب أن نكون يقظين ليس فقط للدفاع عن حقوق المرء؛ بل أيضًا عن حقوق الآخرين؛ وليس فقط من أجل الوفاء بالواجبات الخاصة، ولكن أيضًا بمهام الآخرين. ويمكن أن نسمي “اليقظة الحرجة” هذا الجانب الثالث والأخير من المواطنة، والذي يتجسد في الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطن أينما اُنْتهِكَت.

المواطنة والديمقراطية: من البدء إلى المعاصرة

لم يكن الأمر على هذا الحال دائمًا، وبكل هذه البساطة، فلم تقتصر المواطنة وحقوقها عند الإغريق إلا على مواطني المدينة city، والتي بلغت ذروتها الفلسفية مع المدينة الفاضلة لأفلاطون والتي ظلت مفهومًا مثاليًّا، ومن ثم هناك مدينة أرسطو الديمقراطية demokratia، وقد ترجمها العرب بـ”المدينة الجماعية” أو “السياسة الجماعية” وأحيانًا بـ”مدينة الحرية”[6]، وقد تأثر بها فلاسفة عرب وتحدثوا عنها، كما هو الحال مع ابن رشد الذي يقول عنها “… ولذلك فمما لا ريب فيه تُحفظ [أي المدينة الجماعية/ الديمقراطية] على الناس حقوقهم الأولى وهي: الأماكن التي يختارها أهل المدينة أولَ مقدمهم إلى هذه المدينة، وكذا مطعمهم مما هو موجود بها أيضًا، يلي ذلك حقوقهم الثواني التي هي البيع والشراء، تليها حقوقهم ثوالث هي هيئاتهم وما شبه ذلك”.

أمَّا الرومان فقد رأوا أنَّ حقوق المواطن هي للرومان وحدهم، في حين كانوا يرون أن الأجنبي عنهم ليس له أن يتمتع بالحقوق إلا في بلده الأصلي؛ إلا أنهم ما لبثوا أن استدمجوا غير الرومانيين في بلادهم، لكن ليسوا كمواطنين كاملي المواطنة. وسيعرف هذا المفهوم تقهقرًا في القرون الوسطى؛ إذ سنتحدث عن رعاية فاقدي الأهلية أمام الحاكم الذي يتكفل برعايتهم، من منطلق أنه عاهلهم. وسننتظر عهد الأنوار حيث ستُبلوَر أولى المواثيق التي تهتم بالمواطن في ظل الدعوة إلى المدنية والعلمانية. كما سيبرز الأمر بشكل جلي بعد معاهدة وستفاليا 1648م، الّتي أتت كتطبيق عملي لفكر “العقد الاجتماعي” الذي نظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين من خلال العقد المؤسس للجماعة السّياسيّة؛ إذ يرى “جون جاك روسو” أن أساس المجتمع هو اتفاق وتعاقد بين إرادات أفراد يخلق إرادة عامة، تتمثل في “عقد اجتماعي”[7]. فالعقد الاجتماعي هو المفهوم المركزي الذي اعتمده روسو لتحليل انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع، أو بالأحرى حالة “ما قبل المواطنة” إلى حالة “المواطنة”. وعربيًّا فقد نظر العلامة “عبد الرحمن بن خلدون” إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه؛ إذ لا بد له من الاجتماع مع الآخرين والتعاون معهم ليحقق حاجته الأساسية من وجوده. إن هذا الاجتماع هو -في نظره- ضروري للنوع البشري ويكون بالفطرة والطبيعة. فيقول ابن خلدون إن “الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء [أي أفلاطون وأرسطو] عن هذا المفهوم بقولهم “الإنسان مدني بالطبع”، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم، وهو معنى العمران”[8]. فالإنسان ميال -بشكل مكتسب (روسو) أو فطري (ابن خلدون)- إلى العيش في مجتمع مدني؛ وبالتالي فهو يحيا باعتباره مواطنًا كامل الحقوق والواجبات في ذلك المجتمع. هنا تكمل مواطنة الفرد. وهكذا فبينما كان المواطن في المدينة الإغريقية إنسانًا مشخصًا، يتحدد بكونه ليس عبدًا ولا أجنبيًّا عن المدينة، صار المواطن citoyen في الفكر الأوروبي الحديث كائنًا مجردًا، شخصًا اعتباريًّا: بمعنى أنه مجموعة من الحقوق، وهي التي عبّر عنها الإعلان الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية في 26 أغسطس 1978 بـ”حقوق الإنسان والمواطن”[9].

وإن كان من الصعب العثور على لفظ المواطنة في المعاجم القديمة العربية، ففي المقابل فشلت “المواطنة” في مرحلة معينة في الدول العربية؛ لأن القيادات القومية العربية فشلت في إنشاء روابط جديدة، وعملت على تدمير الروابط القديمة؛ إذ أعْلوا الانتماء الطائفي والمذهبي أمام باقي الانتماءات المشكلة لما سميناه بـ”الوعي بالهوية”، من حيث إنها متعددة الروافد. فالقول بـ”أنا مواطن” يعني أن هذا الشخصي الذي يعلن ذلك، يعلن في الآن ذاته تخليه عن أي انتماء للقبيلة والطائفية، ولا يدين بالولاء إلى أي منهما؛ وبالتالي يتخلى عن أي انتماء قومي، ومنه تحلُّ المواطنة Citoyenneté مقام الوطنية patriotisme، لا العكس.

وفي جانب آخر، يحق القول إنه لم تتبلور المواطنة في علاقتها الرصينة بالديمقراطية (لا بمعناها اليوناني الضيق) إلا في العهد المعاصر؛ إذ عُزِّز الدفاع عن الأقليات وحقوق غير المنتمين للوطن بالمولد، والذين يفدون إليه من “أجانب” بمختلف انتماءاته الفكرية والأيديولوجية. فالمواطنة Citoyenneté هي المساواة بين المواطنين بصرف النّظر عن الصّبغات الدّينيّة أو المذهبيّة أو القبليّة أو العرقيّة أو الجنسيّة. وغدت قضية المواطنة محورًا رئيسًا في النظرية والممارسة الديمقراطية الحديثة، فإن تحديد أبعادها وكيفية ممارستها ينبع من الطريقة التي يمنح بها هذا النظام أو ذاك حقوق المواطنة للجميع، ومدى وعي المواطنين وحرصهم على أداء هذه الحقوق والواجبات[10].

يظهر البعد “الديمقراطي” للمواطنة إذن، في بوادر مختلفة لمشاركة المواطنين النشطة على المستوى السياسي والمدني. وتستند هذه الأفعال من الالتزام بالقيم وبالقناعات العميقة: الحرية، الميثاق، القيم، الإدانة، الديمقراطية، الرأي، إلخ… ويستدعي الالتزام بهذه الأمور كلها القول إن المواطن فعلًا يشارك في المجتمع، من حيث إنه انتقل انتماء المواطن للمدينة أو الوطن إلى المجتمع؛ وبالتالي تجد الديمقراطية لنفسها أرضًا خصبة.

ختامًا: أي تحديات؟

على الرغم من هذا العرض كله، وبشكل لا يخلو من الجدالية؛ فإن فكرة المواطنة تخلق الكثير من المواضيع المختلفة والمتناقضة في بعض الأحيان، فهي بالنسبة لبعضهم، تحدد نوعًا من الأخلاق المدنية؛ وبالنسبة لبعضهم الآخر، فهي مجموعة من الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الفرد بغض النظر عن مزاياه الشخصية. أما بالنسبة لآخرين، فهي الإسمنت للهوية الجماعية، وهي المَعْلَم الأساسي لمشاركة الكل في الديمقراطية، وهي أيضًا، كما يرى بعضهم انتصار الحداثة السياسية على “النظام القديم”. وبالنسبة للآخرين، وأخيرًا، فإن المواطنة، على العكس، هي ثقل لا غنى عنه لتجاوزات الفردية المعاصرة؛ حيث بات الفرد غارقًا في حالة من السيولة على حد تعبير زيغمونت باومان، سيولة تقود الحياة العامة والأسرية إلى التفكك والذوبان.

ويثير موضوع الديمقراطية شكوكًا متنامية حول قدرة المواطنة على تعزيز الصالح العام؛ لأنه إذا كانت الكلمات ينبغي أن يؤخذ بها حرفيًّا، فإن جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (الشمال) من حيث المبدأ تكون أكثر تعلقًا بالأفكار الديمقراطية أكثر من المملكة المتحدة[11].

أخيرًا، على الرغم من أو بسبب الارتباط المنتظم بين هذين المصطلحين؛ فإن للديمقراطية والمواطنة علاقات معقدة جدًّا؛ إذ تعد ممارسة المواطنة بعدًا مهمًّا للحياة الديمقراطية؛ إلا أنه واعتمادًا على كيفية تعريفها، يمكن أن يكون أيضًا عقبة: حيث تحدد المواطنة شروط إدراج الفرد في المجتمع السياسي، ويمكن أيضًا أن يكون عاملًا من عوامل الاستبعاد… ما يجعل أمر الحسم النهائي في العلاقة الحاسمة والفاعلة التي تقدمها المواطنة للديمقراطية أمرًا ليس بالسهولة كما يبدو للوهلة الأولى. وخاصة ونحن نحيا في ظل عالم تسيطر عليه العولمة المتغذية على مفاهيم الحداثة السائلة، والتي يتولد عنها حالة من السيلان الذي يمس الديمقراطية عينها.

 

 


[1]  للمزيد انظر: د. محمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، الطبعة الأولى 2008.

[2]  محمد عابد الجابري، سلسلة مواقف إضاءات وشهادات، عدد 72، دار النشر المغربية، مايو 2008، ص 8.

[3]  محمد عابد الجابر، مرجع مذكور، ص 18-19.

[4] Jules Verne, Aventures de trois Russes et de trois Anglais, collection J. Hetzel, 1872.

[5]  انظر: https://politicalencyclopedia.org/dictionary/، مادة مفهوم المواطنة – The Concept of Citizenship.

[6]  محمد عابد الجابري، المرجع مذكور، ص 31-32.

[7]  راجع: جون جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1972.

[8]  عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، بيروت الطبعة الثانية 2000، ص 46.

[9]  محمد عابد الجابري، المرجع مذكور، ص 47.

[10]  مادة مفهوم المواطنة، مصدر مذكور.

[11]  راجع: John Pitseys, Démocratie et citoyenneté, Dans Dossiers du CRISP 2017/1 (N° 88).

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق