Newphilosopher

الحَيَاةُ إلى فَنَاء

أوليفر بيركمان - ترجمة: منار الصلتية

قبل بضع سنوات، فتحتُ تطبيق الآلة الحاسبة على هاتفي المحمول واكتشفتُ أن عمر الإنسان القياسي يبلغ حوالي أربعة آلاف أسبوع فقط. ومنذ معرفتي بهذا الأمر، صراحةً، لم أكن أبدًا كما كنتُ سابقًا. أيُعقل أربعة آلاف أسبوع فقط! عندما طلبتُ -في وقت لاحق- من إحدى صديقاتي أن تخمّن كم عدد الأسابيع التي تتوقع أن يعيشها الشخص العادي، دون إجراء أي حسابات ذهنية، ذكرتْ عددًا من ستة أرقام. ولكنّي شعرتُ بأنني مضطر لإبلاغها، أنّ عددًا متواضعًا من ستة أرقام كهذا: 270000 أسبوع هو المدة التقريبية لكافة الحضارات البشرية منذ السومريين القدامى في بلاد الرافدين. إنّ الحياةَ قصيرةٌ، وما يجعلها أقصر هي سبل الحياة الشاقّة التي تعجّل الوقت كلما تقدم بك العمر. لذلك، إن سنحت لك الفرصة أن تعيش بضع مئات من الأسابيع الإضافية، ستوافق على الأرجح. ولكن ماذا لو مُنحتَ ملايين الأسابيع الإضافية؟ ماذا لو عشتَ حياةً أبدية؟

يصف الفيلسوف مارتن هاجلوند في كتابه الجديد »هذه الحياة« (This Life) المشهدَ الدرامي لموطنه الأصلي شمال السويد، حيث يقضي كل صيف مع أسرته الممتدة. ويذكر في كتابه: »جزءٌ مما يجعل الحياة شقيَّة للغاية، هي احتمالية أنني قد لا أعيشها مجددًا«. إنّ الواقع الذي يجعل تجربة العيش لا يمكن ضمان تكرارها؛ الصيف تلو الصيف ممتدًا إلى المستقبل إلى ما لا نهاية، هو السبب في وصف الحياة أنها ثمينة للغاية. والمثل ينطبق على الوقت الذي يقضيه مع كل فرد من أفراد عائلته؛ لا يمكن ضمان بقاء اللحظة معهم؛ لأن لا بدّ لها أن تنتهي يومًا ما. يعدُّ كتاب هاجلوند مناقشةً مُطوّلة ضد التوق للحياة الأبدية من الناحية الدينية، فهو يصر على القول إن كنا سنبلغ الخلود، سنكتشف -بخيبة أمل- أنه لم يعد هناك شيء نعيش من أجله. بالتالي، فإنّ أصحاب الرؤى في منطقة سيليكون فالي الذين يحلمون بـ »حل معضلة الموت« يخاطرون بإبدال مشكلة الموت بما هو أسوأ منها؛ أي يحاولون القضاء على الفناء على حساب القضاء على المعنى. لتوضيح الأمر بدقة أكثر، هناك مفهوم في لغة الاقتصاديين يُسمّى «تكلفة الفرصة البديلة»: نظرًا لأن وقتك محدود، فإن كل قرار تتخذه لفعل أي شيء بساعة أو سنة معينة، يعني بالأساس قرارًا ألا تفعل عددًا لامحدودًا من الأشياء الأخرى. افترض أنك قررت العمل محاميًا وتزوجت شريكة حياتك وأنجبتما الأطفال واستقررت في المدينة، ففي هذه الحالة لن يمكنك أن تقضي ذات الوقت من حياتك القصيرة في السعي إلى وظيفة أخرى بدوام كامل وتتزوج بأخرى وتعيش حياة خالية من الأطفال وتعود من حيث أتيت لتسكن بكوخٍ في الجبال. ومع ذلك، فإن مثل هذه الالتزامات لها مغزى لأنها تنطوي -تحديدًا- على هذا النوع من التضحية. أما لو كانت الحياة لانهائية، يمكنك عندها الارتباط بزواج مُمتد لعقود دون فوات يوم واحد من وقتك. ولكن عندها بأي معنى سيكون التزامًا؟ إذ لا شيء -حينها- مهددٌ بالضياع. وعلى أحسن تقدير، كما جادل الفيلسوف برنارد ويليامز، أنك ستُلبّي رغباتك المهمة في أول جزء من حياتك، بعدها ستقضي الدهر بملل وكلل. وعلى أسوأ تقدير، سيكون أول جزء من الحياة بلا فائدة أيضًا، إذ ستكون واثقًا أنك تملك الوقت لفعل كل شيء، ولكنك في الحقيقة لن تخلص لأي شيء على الإطلاق. ولأولئك الذين يشككون بالدين ورؤى سكّان سيليكون فالي الذين يعتقدون أن الحياة الأبدية آتية في أي وقت، سيتوجب عليكم التفكير بالمسألة الجوهرية في كيف ستواجهون فنائكم وما إذا كنتم ستواجهونه أصلًا، بدلًا من أن تتغافلوا عنه. ووفقًا لتقليد فلسفي ظهر خصوصًا في أعمال مارتن هايدغر، إن عيش الحياة بإنكار وقتها المحدود بمثابة وصفة لعيش حياة خالية من المعنى والأصالة. ولهذا السبب -أساسًا- ستكون الحياة الأبدية نفسها غير مرغوب بها البتّة؛ أي عندما تتخذ قرارات وكأنك تملك الوقت بأكمله في العالم، ستفشل في التمسّك بما يمكن فقده. لأنك تنجذب بالفطرة نحو التسالي التافهة عوضًا عن أداء المهام الشاقّة حتى لو كانت هادفة، ولا تخوض أي تجربة بإخلاص. ثمّة خوف من أن هذا الحديث عن المعنى والموت والأصالة قد يبدو غائبًا تمامًا في الحياة اليومية، ولكن الدافع الخفي لإنكار فنائنا الحتمي يدور في العديد من السبل الدنيوية التي يترتب عليها عواقب وخيمة. على سبيل المثال، الانشغال: عندما نشعر بأن المهام قد اليومية قد غمرتنا من كل جانب، فإنّ أغلبنا يستجيب بالبحث عن طرق لإنجاز المزيد من العمل (وهذا الوعد الذي تقدمه أيضًا معظم النصائح المتعلقة بالإنتاجية، وكافة تطبيقات الهواتف الذكية المصممة لتحسين يوم عملك وتمرينك البدني وحتى نومك؛ فمضمون هذا الوعد هو: التزامك بالقدر المطلوب من الانضباط الذاتي والكفاءة الإنتاجية سيجعلك تنجح في إدخال جميع هذه الأمور في يومك). وطبعًا، مشكلة الانشغال لا تظهر إلا لأن وقتنا محدود. ولكن من خلال الاستجابة على هذا النحو، فإننا نستثمر آمالنا في فكرة أننا قد نكون قادرين على التخلص من حاجتنا إلى الخيارات الصعبة؛ لتجنب تكاليف الفرصة البديلة التي يجعلها فنائنا حتمية. وهذا مريح على المدى القصير؛ فمن الممتع تجنّب الخيارات الصعبة، بيد أنّه كارثة على المدى البعيد. كلما كان بإمكانك إقناع نفسك أنك تملك الوقت الكافي لكل شيء، قلّ إحساسك بما إذا كنتَ تقضي وقتك الآن بالطريقة الممكنة الأمثل أو لا. وكلما استجدَّ هدفٌ محتمل في قائمة مهامك، ستكون متحيزًا بشدة لأدائه دون سواه، لأنك ستفترض أنك لن تضحي بأي شيء مهم من أجل التفرغ لأداء ذلك الهدف. وفي هذه الحالة، بما أنك نادرًا ما تتوقف لتسأل نفسك ما إذا كانت المهمة الجديدة تستحق بالفعل أدائها قبل غيرها، ستتراكم المهام المُنتظرة وستؤدي مهامًا أقل أهميّة في أيامك بشكل تلقائي. ولن أتظاهر بأنني نجحت، بتوافق كبير، في عيش حياتي اليومية بإدراكٍ واعٍ لفنائي. ولكن حسب خبرتي وتحكّمي بهذا الإدراك، فإن الواقع المثير للدهشة أن الفناء لا يدعو للقلق، ولكنّه، في المقابل، يدعو للتحرر؛ أن تدرك أنك لن تؤدي جميع المهام أداءً مكتملًا من جميع النواحي، ولن تتحقق تطلعاتك بأكملها وأنّك ستَخذِل حتمًا بعض الأشخاص في حياتك على الأقل، ومع كل هذه الحقائق ستشعر براحة عميقة. مما يعني أنّه بإمكانك التوقف عن السعي نحو تحقيق ما لا يمكن تحقيقه، بدلًا من ذلك، بإمكانك أن تركز على انتقاء المهام الأهم لأدائها، وأن تدرك أهم الطموحات في حياتك وأن تستثمر في العلاقات الأقرب إليك. هناك ملاحظة حكيمة لم أتمكن من تحديد مصدرها إطلاقًا، مضمونها: «كلٌّ منّا لديه حياتان، أما الحياة الثانية تبدأ في اللحظة التي نعي فيها أننا نملك حياة واحدة فقط» (تُنسَب المقولة على الإنترنت، بشكل متساوٍ تقريبًا، إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس أو الممثل البريطاني توم هيدلستون). والخلاصة أن الموت ليس المعضلة، إنّما المعضلة الحقيقية في الاعتراض عليه. ومقاومة الموت تحوّل الحياة حتمًا إلى سباقٍ مع الزمن، وكفاح مروّع لتجربة كل شيء، على الرغم أنّه لا يمكن أبدًا تجربة كل الأمور في الحياة منذ البداية. ويكمن الحل في تخفيف مقاومتك للموت بقدر المُستطاع؛ إذ إن الحياة أقصر من أن نقلق بشأن قِصَرها.

 


 

New Philosopher: #25 Death

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق