مراجعات

قراءة في كتاب «حدود الليبرالية: التراث، والنزعة الفردية، وأزمة الحرية» – محمد عبده أبو العلا

بحسب نسخة الكتاب المتوفِّرة بين أيدينا، صدر هذا الكتاب لمارك تي ميتشل (الذي يشغل حاليًا منصب عميد الشؤون الأكاديمية بكلية باتريك هنري Patrick Henry College) عن منشورات جامعة نوتردام في العام 2019. صدر الكتاب باللغة الانجليزية تحت عنوان:The Limits of Liberalism: Tradition, Individualism, and the Crisis of Freedom، والذي ترجمناه بالعربية كما يلي: حدود الليبرالية: التراث، والنزعة الفردية، وأزمة الحرية ([1]). يقع الكتاب في 327 صفحة (شاملة صفحات الهوامش، بدءا من ص 274؛ والمراجع، بدءًا من ص 313؛ والكشَّاف، بدءا من ص 322). يتكون الكتاب من خمسة فصول، فضلًا عن المقدمة والخاتمة.

يمثِّل هذا الكتاب أهمية كبيرة بالنسبة للمهتمين بتاريخ الأفكار بوجه عام، والثقافة السياسية المعاصرة بوجه خاص. ويعود ذلك إلى الهدف المحوري الذي يدور حوله هذا الكتاب، ذلك الهدف الذي يتمثل- كما ذَكَرَ المؤلف نفسه في مقدمة الكتاب- في دراسة وتقييم ما يلي: (١) الهجوم الحديث على التراث، (٢) تورُّط الذات الليبرالية(*) في هذا الهجوم، (٣) النزعة الكونية السياسية political cosmopolitanism وسياسات الهُويَّة(**) باعتبارهما مَرَضَين اجتماعيين من بين أمراض اجتماعية مختلفة ساعد على انتاجها الهجوم الحديث على التراث من ناحية، وتورُّط الذات الليبرالية في هذا الهجوم من ناحية أخرى.

يطرح هذا الكتاب منظورًا جديدًا لتفسير الواقع العالمي المعاصر، منظورًا جديدًا يختلف من عدة أوجه عن المنظور التقليدي الذي ثَبَتَتْ- بحسب المؤلف- عدم صلاحيته بعد صعود دونالد ترامب إلى سُدَّة الحكم في أميركا. فالانقسام، أو الصراع، الذي يشهده الواقع الاجتماعي والسياسي اليوم لم يَعُدْ بين اليسار واليمين أو حتى بين الليبراليين والمحافظين، بل بين أولئك الذين يدافعون عن النزعة الكونية الليبرالية (إلى جانب سياسات الهُويَّة التي أفرزتها هذه النزعة) وبين أولئك الذين ينتصرون للتراث وما ينطوي عليه من حدود وأُطر اجتماعية، وأخلاقية، ومعرفية. ويدلِّل ميتشل على تصوره لطبيعة الصراع أو الانقسام الحالي من هذا المنظور بما ينتشر في جميع أنحاء العالم اليوم من توتُّرات بين حركات الحكم الذاتي المحلي من ناحية، والدولة القومية من ناحية أخرى، وكذلك بين الدول القومية من ناحية، والكيانات السياسية العابرة للحدود الوطنية من ناحية أخرى.

وعن النقاشات الأخلاقية والسياسية التي تكشف عن عمق الانقسام من هذه الزاوية أو من هذا المنظور، أيْ بين دعاة النزعة الكونية من ناحية، ودعاة الحفاظ على التراث (أو بعبارة أخري، دعاة الحفاظ على الخصوصيات المحلية والتمايزات الوطنية) من ناحية أخرى، فالأمثلة عليها عديدة كما يذهب ميتشل، من بينها على سبيل المثال([2]):

1- التصويت الذي جرى في بريطانيا- في صيف عام ٢٠١٦- لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي هو مثال عملي على الصراع بين أولئك الذين يؤكدون على أهمية الحفاظ على التمايزات المحلية أو الوطنية وأولئك الذين يحلمون بدولة كونية عالمية.

2- التوتر القائم بين المتفائلين بالتكنولوجيا، أولئك الذين يعتقدون أنَّ التقدم التكنولوجي غير المحدود سوف يُنقذنا من أية أزمات قد نواجهها، وأولئك المتشككين في أنَّ مثل هذا التقدم سوف يؤدي إلى النتائج السعيدة التي يتخيلها المتفائلون.

3- الانقسام حول مسائل الزواج، والعلاقات الجنسية، والهُويَّة النوعية gender identity، حيث يؤكد أحد الأطراف على فكرة الحدود المتجذِّرة في التراث، أو الطبيعة، أو الميتافيزيقا، في حين يتنكَّر الطرف الآخر لأية حدود بخلاف التفضيلات الفردية. بعبارة أخرى، يؤكد أحد الطرفين على وجود طبيعة بشرية تتضمن في ذاتها غايات تتلاءم مع التطور والازدهار الإنساني، وبالتالي وجود حدود معيَّنة للسلوك الإنساني السليم، ويتنكَّر الجانب الآخر لمثل هذه الطبيعة الإنسانية ويؤكد، في المقابل، على التصوُّر الإسمي للشخصية الإنسانية، ذلك التصور الذي يُنظر من خلاله إلى جميع الحدود باعتبارها عقبات تعسُّفية أمام الاختيار الفردي.

يرى ميتشل أنَّ هذه الأمثلة وغيرها، مثل فوز ترامب(*) ’’المفاجئ‘‘ في السباق الرئاسي عام 2016، تُعَدّ جزءًا من حركة تمثِّل تحدِّيًا واضحًا للأجندة الكونية الليبرالية، تلك الأجندة التي تناصر سياسة التعاون الدولي في وجه النزعة الوطنية وتروِّج لمجتمع عالمي مجردَّ بدلا من الانتماءات المحلية الملموسة.

يرى ميتشل أنَّ السمة الأساسية التي تميِّز العقل الحديث هي السعي الدؤوب نحو اقتلاع الإنسان من جذوره التاريخية وبيئته المحلية باسم تحرير الإنسان وتحقيق استقلاله التام؛ ومن هنا كان الارتباط الوثيق بين الحداثة والهجوم العنيف على التراث والحطّ من قيمته. على حدّ تعبير ميتشل، ’’إنَّ حرية الاختيار هي عُمْلة العالم الحديث، والقصة التي يتداولها الناس فيما بينهم هي قصة تتسم بالتقدُّم الثابت نحو الاستقلالية، نحو التحرُّر من قيود التراث والعُرْف، بل وحتى من الطبيعة والإله‘‘([3]).

وتمثِّل النزعة الكونية تعبيرًا عن هذا النزوع الفردي المتطرف إلى إلغاء كافة الحدود وما تنطوي عليه من قيود؛ ذلك النزوع الذي يمثِّل جوهر الذات الليبرالية. ’’إنَّ النزعة الكونية […] نتيجة طبيعية لليبرالية. إنها حُلم يُنعش الخيال الليبرالي ويقدِّم سردًا موحَّدًا للتقدم السياسي والاجتماعي نحو عالم يخلو من عناء الاختلافات بين مواقع محلية، وتراثيات، وأفكار بعينها. إنها الحُلم الذي يقود العولمة؛ إنها تلك القوة ’’الحتمية‘‘ التي ستوحِّدنا جميعًا يومًا ما ليس ببعيد‘‘([4]).

لا يعارض ميتشل الإرادة الحرة للإنسان في حدّ ذاتها، بل يرى، على العكس من ذلك، أنَّ الحرية جزء من طبيعة الإنسان، وبالتالي فإن الإنسان يمارس الحرية على نحو تلقائي. لكن ممارسة الإنسان للحرية على هذا النحو ليست مرهونة عند ميتشل بوجود الذات الليبرالية. بعبارة أخرى، إنَّ ما يرفضه ميتشل ليس الحرية في حدّ ذاتها؛ بل، فقط، التصور الليبرالي للحرية الذي يخلو من أي شيء أساسي بخلاف القدرة على الاختيار، ذلك التصور الذي يتنكَّر للطبيعة البشرية المعيارية، والغايات الملائمة للازدهار، والأوامر الإلهية بُغْيَة توسيع نطاق الاختيار الفردي إلى أقصى مدى. ’’ليس الاختيار في حدّ ذاته هو المشكلة. المشكلة هي محو أو تجاهل أيّ حدود لقدرة الذات على الاختيار. فالفرد المنعزل، الذي لا يقيده أيّ شيء سوى إرادته الفردية، يمثِّل الأساس الذي ترتكز عليه الليبرالية. وبالتالي، يجب أنْ تكون جميع الارتباطات المشروعة نتاجا للاختيار الفردي. فالعقد، وليس الطبيعة أو الالتزام، يمثِّل جوهر العلاقات الإنسانية، والتراث هو في أحسن الأحوال شيء ثانوي يخضع للاختيار الفردي- وفي أسوأ الأحوال عائق للحرية- وليس جزءًا أساسيًا من الخبرة الإنسانية‘‘([5]).

من الجدير بالذكر، أنه بالرغم من اعتراف ميتشل بوجود ليبراليات متنوِّعة، إلا أنه يرى أنَّ جميع الليبراليات تتقاسم مفهومًا مشتركًا للطبيعة الإنسانية تنظر من خلاله إلى الفرد باعتباره ذاتًا مستقلة تمامًا، أيْ متحرِّرة من أية التزامات أو قيود إلا ما تختاره هي فقط. والذات المستقلة تمامًا بهذا المعنى هي نفسها ما يُطلِق عليه ميتشل “الذات الليبرالية”، تلك الذات التي تعادي التراث وكل ما يحمل شيئا من رائحة الماضي باعتباره عائقًا يعترض سبيل الحرية، ومن ثم يجب محوه أو القضاء عليه تمامًا. وليست هذه الذات عند ميتشل سوى الإنسان الطبيعي الموجود في حالة الطبيعة (سواء التاريخية أو الافتراضية) عند منظري العقد الاجتماعي من أمثال توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو (ومؤخرًا جون رولز). فالفرد في حالة الطبيعة ما قبل السياسية (بل وحتى ما قبل الاجتماعية) مستقل تمامًا عن غيره من البشر؛ ولهذا السبب، تمثل هذه الحالة سياقًا ينعم فيه الجميع بالحرية والمساواة على نحو تام.

بالرغم من هذا القاسم المشترك بين الليبراليات على اختلاف أنواعها، يرى ميتشل أنه يمكن التمييز بين مرحلتين أو موجتين من الليبرالية. صحيح أنَّ كلتا الموجتين يمثلان- من خلال تأكيدهما على الذات الليبرالية بالمعنى السابق- موقفًا رافضًا لسلطة التراث، إلا أنَّ الرفض الكامل والصريح للتراث في الموجة الثانية قد سبقته موجة أولى كان رفضها للتراث أقل صراحة وأقل راديكالية.

بحسب ميتشل، بدأتْ الموجه الأولى من الليبرالية (الموجة “المعتدلة”) على هيئة أفراد مستقلين في حالة الطبيعة يدخلون ضمن توافق عام فيما بينهم، وبالتالي يُضفون الشرعية على ممارسة السلطة السياسية. يحدث ذلك بعيدًا عن أية تأملات ميتافيزيقية أو معتقدات دينية، حيث تمثِّل هذه التأملات وتلك المعتقدات مصدرًا للشكوك والفُرْقَة، ومن ثم لا توفِّر الأساس الكافي لقيام نظام سياسي بشري.

بالرغم من أنَّ ليبرالية الموجة الأولى قد اعتمدت على مجموعة من المفاهيم الراديكالية بالفعل- من قبيل “الفرد المستقل ذاتيا”، و”حالة الطبيعة”، و”التوافق”- إلا أنها قد تغذَّت من أرض غنيَّة بعناصر غير ليبرالية، أيْ موروثة من الماضي، تلك العناصر التي شكِّلت بدورها حدودا تَحُول دون النزوع الجامح إلى التحرُّر. وتمثِّل الليبرالية في هذه المرحلة السياق الذي تمّ فيه التأسيس الأميركي The American Founding(*).

مع استمرار تطور الليبرالية، تمّ استبدال الموجة الأولى من الليبرالية بالموجة الثانية التي ترفض صراحة وبصورة قاطعة الحدود التي يفرضها المعتقد الديني، أو الطبيعة، أو الماضي. وعلى هذا، يتبيَّن خطأ المحافظين المعاصرين الذين يزعمون أنَّ العودة إلى المعنى الأصلي للدستور الأميركي هي السبيل إلى حلّ مشاكلنا العديدة. فالسياق الأخلاقي والسياسي الذي تشكَّل فيه الدستور قد تغيَّر بشكل كبير([6]).

في هذا السياق، يشير ميتشل إلى تمييز رسل كيرك Russell Kirk بين الدساتير المكتوبة وغير المكتوبة. ’’فالدستور غير المكتوب هو العادات، والمعتقدات، والممارسات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تشكِّل شعبًا ما. وجميع الدساتير المكتوبة تنشأ من هذا الدستور غير المكتوب وتعتمد عليه لتحقيق نجاحها المستدام. وعندما يتغير دستور الشعب غير المكتوب، يجب أنْ يتغير الدستور المكتوب لكي يتوافق مع الدستور غير المكتوب وإلا سوف ينشأ توتُّر أساسي بين الاثنين‘‘([7]).

إذن تمثِّل الموجة الثانية من الليبرالية (التي كانت عناصرها حاضرة في مستهل الأمر في النزعة الذرية atomism عند هوبز) إدراكًا أكثر راديكالية وشمولية لمبدأ الاستقلال الذاتي. في الواقع، إنها نسخة أكثر صدقًا من الليبرالية، لأن الموجة الأولى من الليبرالية اعتمدت في الممارسة العملية على العادات والتقاليد التي أنكرتها نظريًا. والليبرالية بمعناها الخالص تعني اختيار الفرد المستقل ذاتيًا على نحو حرّ حرية مطلقة([8]).

بحسب ميتشل، إنَّ ليبرالية الموجة الأولى معتدلة ومفيدة على أكثر من نحو، لكنها كانت في الأساس مُزَعْزَعة. فليس ما تمتَّعتْ به من استقرار سوى نتيجة لاعتمادها (بالرغم من مزاعمها الصريحة برفض التراث) على الموارد المتجذِّرة في التراث. إنها كانت غير متماسكة على المستوى النظري، لكنها أفضتْ إلى الحرية السياسية على المستوى العملي. أما ليبرالية الموجة الثانية، فإنها، على العكس، تبدو أكثر تماسكًا على المستوى النظري، لكنها تُفضي إلى الاستبداد على المستوى العملي، ومن ثم تعمل على تقويض الحرية التي تزعم مناصرتها. وهكذا، فإن الليبرالية تستهلك نفسها عندما يصل نضجها إلى ما وراء نسختها المراهقة المتضاربة (التي تتمثل في الموجة الأولى). فعندما تنضج الليبرالية تمامًا، تلد ولدًا مشوَّهًا، غريبًا عنها، لا يعدو كونه شهوة لا تشبع. وهنا يستشهد ميتشل بقول تي إس إليوت: ’’يمكن لليبرالية أنْ تمهِّد الطريق لما هو نفي لها‘‘.

إذن، بحسب ميتشل، المشروع الليبرالي يعاني فشلًا واضحًا يكشف عن جوهره غير الليبرالي؛ الأمر الذي يدعو إلى ضرورة البحث عن بديل لهذا المشروع، بديل يتجنَّب الأخطاء القاتلة التي وقعتْ فيها الذات الليبرالية على المستويين النظري والعملي. والآن، ما هو هذا البديل الذي يقترحه ميتشل؟

يقترح ميتشل بديلًا يسمِّيه “النزعة المحلية الإنسانية” humane localism. يمثِّل هذا البديل، على حدّ وصف ميتشل، ’’طريقًا ثالثًا يتجنَّب إغراءات النزعة الكونية الليبرالية، وفي الوقت ذاته، يتجنَّب الانزلاق إلى القَبَليَّة العدوانيَّة أو سياسات الهُويَّة. هذا البديل الثالث […] يقدِّر التنوع والاختلافات بين الثقافات وما ينشأ عنها من تراثيات، وبالتالي يقاوم النزوع التجانسي homogenizing impulse القوي جدًا في الديمقراطيات الليبرالية الحديثة. يدرك هذا البديل أنَّ لغة القرية العالمية تمثل تجريدًا abstraction لن يُرضي أبدًا تطلعات البشر. تتسم النزعة المحلية الإنسانية بالحُب للتراثيات، والأماكن الخاصة، والناس الذين يعيشون فيها. ولكن في الوقت ذاته، لا يلعب الخوف من الآخر أو كراهيته أيّ دور في تحريك النزعة المحلية الإنسانية، إذ أنها تستطيع- بفعل الخيال- أنْ ترى وتدرك ما وراء الاختلافات الحتمية من قواسم إنسانية مشتركة. إنها تدرك أننا جميعًا أرواح حية ذات احتياجات وتطلعات تربطنا ببعضنا البعض، حتى وإنْ كانت تفاصيل أماكننا وتراثياتنا الخاصة تذكِّرنا بتمايزاتنا‘‘([9]).

يرتكز هذا البديل الثالث على تفسير غير ليبرالي للحرية، تفسير لا يعتمد على أسطورة الذات الليبرالية المتحرِّرة تمامًا من أية التزامات، تفسير يعترف بالدور المعرفي للتراث كعنصر لا غنى عنه في عملية المعرفة. ونظرًا للأهمية المركزية التي تحتلها فكرة التراث في هذا التفسير، يُطلِق ميتشل على هذا التفسير “تفسير الحرية المؤسَّس على التراث” tradition-constituted account of liberty، وعلى الحرية التي يدعمها هذا التفسير “الحرية المؤسَّسة على التراث” tradition-constituted liberty.

ويلخص ميتشل الخصائص الأساسية للحرية المؤسَّسة على التراث فيما يلي([10]):

  • تعترف الحرية المؤسَّسة على التراث بأنَّ حرية الفرد أمر ضروري، لكنها تتسع أيضًا لتصورات للحرية غير موجَّهة بشكل مباشر للفرد (على سبيل المثال، حرية الاتحادات، أو الجمعيات، في التصرف وفقًا لما يراه أعضاؤها).
  • تعترف هذه الحرية بالدور الذي تلعبه الحدود (= القيود). إنها لا تقع فريسة للفكرة القائلة بأن أيّ تقليص أو تقييد للحرية هو بالضرورة جريمة يتعيَّن منعها.
  • ترتكز هذه الحرية على فكرة عميقة وصلبة عن الإرث (أيْ التراث)، وهذه الخاصية الثالثة هي التي توفِّر السياق الذي يجعل للخاصيتين السابقتين معنى.

يطرح ميتشل، إذن، تفسيرًا غير ليبرالي للحرية، تفسيرًا ينطلق من التراث، تفسيرًا يرفض الحرية بالمعنى المتطرف، أيْ الحرية التي تسعى إلى إلغاء كل الحدود. ويُقرّ ميتشل بأن جوهر هذا التفسير ليس جديدًا، فمنذ زمن بعيد ذهب أفلاطون إلى أنَّ الحرية غير المحدودة، أو المطلقة، سوف تؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في الاستبداد؛ وفي القرن التاسع عشر، قال ألكسيس دي توكفيل نفس الشيء تقريبًا. وهنا ينبِّه ميتشل إلى أنَّه لا يدافع عن شكل من أشكال المجتمع الأرستقراطي التقليدي، حيث تتحدَّد الأدوار الاجتماعية بحسب الولادة، وحيث يتمّ تقييد الحراك الاجتماعي والجغرافي بشكل صارم. كما ينفي ميتشل عن نفسه الرغبة في العودة إلى ماضٍ أسطوري أو الادعاء بأن التراث هو دائمًا دليل معصوم من الخطأ، لافتًا إلى أنَّ ما يدعو إليه ويشدِّد عليه هو أنَّ التراث ليس شيئا ثانويًا يخضع للاختيار الفردي وكأنه حِلْيَة جذَّابة، أو حتى مفيدة، بحيث يمكن تنحيته جانبًا متى شئنا ودون عواقب. ومن هذا المنطلق، يؤكد ميتشل أنَّ أيّ تفسير مناسب للعقلانية والحرية يجب أنْ يتضمَّن التراث كعنصر أساسي.

استفاد ميتشل في أطروحته الثرية التي يعرضها في هذا الكتاب من أفكار وأعمال عدد من أهم وأبرز المفكرين القدماء والمحدثين. في نقده للذات الليبرالية، استفاد ميتشل بوجه خاص من أفكار مايكل أوكيشوط، وألسدير ماكنتاير، ومايكل بولاني، لا سيَّما مساعيهم المختلفة لدحض الرفض البيكوني/الديكارتي للتراث. وفيما يتعلق برسم الخطوط العريضة للبديل الذي اقترحه لليبرالية، فقد استفاد ميتشل بوجه خاص من أفكار إدموند بيرك والقديس أوغسطين، فضلًا شِعْر تي إس إليوت.

بوجه عام، يمثِّل كتاب “حدود الليبرالية” عَرْضًا شيِّقًا، وفي الوقت ذاته عميقًا، للتطور التاريخي الذي شهدته إشكالية التراث والحداثة في المجال الغربي منذ نشأتها وصولًا إلى وقتنا الحالي. وهذا العَرْض ليس مجرد عَرْض وصفي حيادي، بل هو، أيضًا، عَرْض نقدي يطرح ميتشل من خلاله موقفًا خاصًا به يميِّزه عن كل مَنْ سبقوه، موقفًا يتسم بالجِدَّة، والطرافة، والرصانة في آن واحد، وذلك عَبْرَ الاشتباك مع فِكْر عدد من أهم المفكرين القدماء والمحدثين. إنَّ ميتشل يشقّ لنفسه طريقًا خاصًا به في فهم ومعالجة إشكالية التراث والحداثة، مقدِّمًا حلًّا يرتكز على الحوار والتكامل، لا الصراع والتنافس، حلَّا يعيد الاعتبار لأهمية التراث وقيمة الماضي، وفي الوقت ذاته يعزِّز قيم التطور والازدهار الإنساني، حلًّا متجذِّرا، على حدّ تعبير ميتشل نفسه، ’’في الاحترام [أي ْاحترام الاختلاف] وليس في التجانس (أو التماثل)، في حُب تراثيات الآخرين وليس في كراهيتها، في إدراك أنَّ الحرية لا تكون ممكنة إلا في ظل وجود الحدود وأنَّ ازدهار الإنسان لا يتحقق على أفضل وجه ممكن إلا برفقة الأصدقاء والجيران الذين يتقاسمون مكانًا مشتركًا في العَالَم‘‘([11]).

 

 

 

 


[1]– Mitchell, Mark T., The Limits of Liberalism: Tradition, Individualism, and the Crisis of Freedom, Notre Dame, Indiana: University of Notre Dame Press, 2019.

* يصف ميتشل الذات الليبرالية liberal self بأنها الذات التي تتنكَّر للأهمية المعرفية للتراث، وبالتالي تميل إلى التحرُّر من كل ما ينطوي عليه التراث من حدود ومعايير، وهي في نظره شخصية افتراضية أكثر منها واقعية.

** سياسات الهوية identity politics هي تلك السياسات التي تهدف إلى حماية الفئات المهمَّشة والمستبعدة بالحفاظ على هويَّاتهم وتعزيزها.

[2]– See and for more examples Mitchell, Mark T., The Limits of Liberalism: Tradition, Individualism, and the Crisis of Freedom, Notre Dame, Indiana: University of Notre Dame Press, 2019, pp. 16-17.

* يرى ميتشل أنَّ ترامب شخصية مضطربة، أو على حدّ تعبيرة، ’’غريبة الأطوار‘‘، حيث لم يدافع عن التراث، كما لم يدافع- بالتأكيد- عن الحدود أو القيود على السلوك الإنساني على نحو متسق.

[3]– Ibid, p. 2.

[4]– Ibid, p. 10.

[5]– Ibid, p. 210.

* يرتبط التأسيس الأميركي، أيْ تأسيس الولايات المتحدة، بإصدار إعلان الاستقلال الأميركي في يوليو 1776.

[6]– Ibid, p. 231.

[7]– Ibid, p. 231.

[8]– Ibid, p. 7.

[9]– Ibid, p. 268.

[10]– Ibid, p. 220.

[11]– Ibid. p. 268.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق