مراجعات

الموصل: قبل أن تكتسب الأشياء كلماتها – مصطفى عبد الظاهر

(يتضمن هذا المقال حرقًا لأحداث فيلم الموصل)

 

هناك أعمال فنية وأدبية كثيرة تكتسب تألقها وجماهيريتها وحب المتلقين لها من كونها منفتحة على تأويلات متعددة، كل قارئ قد يجد في العمل صورة من نفسه، كأنه ينظر في المرآة، مهما كانت ثقافته أو خلفيته، أو توقعاته. كما قال أمبرتو إيكو في دراسته عن روايته الأشهر اسم الوردة، فقد سُئل ذات يوم عن سر الاسم، ما معنى “اسم الوردة” – خصوصًا أن القارئ لا يجد أي وردة قد تقوم بدور محوري في الرواية. لقد فكّر إيكو أن يسمّي روايته باسم المكان الرئيسي الذي تدور فيه أحداث الرواية، أو باسم الشخصية الرئيسية في مسار الأحداث، لكنه اختار عنوانًا “اسم الوردة”، ليذكر في إحدى المقابلات التي أجريت معه بعد ذلك أن كلمة rosa  في التقاليد اللاتينية قد حُملت الكثير من الدلالات لدرجة أنها فقدت أي دلالة.  لكن هذه الحيرة، التي ليست محيرة بالقدر الكافي لأن تُعجز عن الحل، قد وجدت في ضالتها في عبارة إيكو “كل ما لا يمكن تنظيره، ينبغي أن يُسرَد” على المؤلف أن يقول ويكتب، حال الصمت، أو حال “الموت” كما في نظرية موت الكاتب، ليتمكن كل قارئ من جمع شتات النقاط في رأسه، وعبر هذه الماكينة التاريخية التي تُسمى “عقلًا” سيجد بنفسه مفتاح اللغز. أو، لأصحح، لن ننطلق الآن من لغز ينبغي حلّه، بل من واقع سردي مبعثر مليء بالمعنى والدلالات، لكن مهمة إنشاء معنى نهائي ستبقى مهمة/ حق القارئ وحده.

لكن الوجود شيء غُفل ومحض، وهو موجود بشكل سابق على أي سرد. إن الوجود في حالته السابقة على السرد شيء أشبه بحالة الحرب، وسيعني بذلك أن عمليات الوصف وإطلاق السماء والتسميات، ليس فقط مقدمة أنطولوجية لإعلان المنتصر، بل القدرة على اتخاذ المواقع والتحيزات تجاه الأطراف المتصارعة. إنه المعنى الانطولوجي للعبارة الشهيرة، التي عادة ما تُفهم بمعنى سياسي “التاريخ يكتبه المنتصرون”، لكن اللغة، بيت الوجود والحرب، هي القادرة على أن تخلق صراعًا على التأويلات ابتداءً. لن نتمكن إذن، تجاه الوجود، من التنظير أو السرد، حسب وصية إيكو، ما الذي يُمكن أن يفعل تجاه هذه الحرب التي تشنها “حالة الوجود”؟!

لن تتهمني بالمبالغة إن قلت إن هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تُطرح قبل أن تشاهد فيلم “الموصل” – سواءً قصد الفيلم ووعى بها أم لا -. فيلم الموصل هو فيلم من انتاج شبكة “نتفلكس” ومن كتابة وإخراج ماتيو مايكل كارنهان (وهذا الفيلم تطور ملحوظ في مسيرته السينمائية ولقدرته على تجاوز كليشيهات ثقافية حول العالم الإسلامي كان استخدمها في أعمال سابقة له) وقد عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان تورنتو الدولي السينمائي عام 2019، لكن النسخة المتاحة على منصة نتفلكس أطول من نسخة المهرجان بحوالي 15 دقيقة. وهو أحد أنضج الأعمال التي تدور أحداثها في الشرق الأوسط، إذا ما أخذنا في الاعتبار فيلمًا آخر عُرض في عام 2017 في ظروف انتاج مشابهة وتوزيع أقل حظًا هو فيلم “حادثة هيلتون النيل” للمخرج طارق صالح. الغالبية العظمى من ممثلي الفيلم عراقيين، ولغته الأساسية هي العربية باللهجة العراقية. تدور أحداث الفيلم، المُستقاة من أحداث حقيقية، ومبنية على تحقيق مطول نُشر في جريدة “نيويوركر” بعنوان “المعركة اليائسة لتدمير داعش، في 30 يناير 2017 بقلم “لوك موجيلسون”. يحكي الفيلم قصة فرقة “نينوى” للتدخل السريع – تُسمى “سوات” باسم الفرقة الشرطية الأمريكية ولا يميزها سوى الانشقاق عن القيادة الرسمية وقبعات عليها أربعة أحرف انجليزية– مكونة من عشرة رجال وبضع عربات مُدرعة، مع القليل من السلاح الخفيف والكثير من علب السجائر التي حلت في الفيلم محل العملة العراقية – تنشق هذه الفرقة عن قيادتها الرسيمة لتُحمّل نفسها مهمة انتحارية – بقياد “الرائد جاسم” الذي يبدو أكبر من عمره بعشرين سنة على الأقل نحيل الجسم غير مفتول العضلات قوي البأس مما يليق ببطل في ظروف يستحيل أن تتضمن البطولة – ومعه بضعة رجال، يحملون نفس حُرقته على بلادهم، ويجمعهم أنهم جميعًا قد فقدوا أحباء لهم على يد تنظيم داعش، وينضم إليهم أخيرًا “كاوه” الشرطي الشاب الذي ارتدى زيه منذ شهرين فقط، ويحلم بإنفاذ القانون كأي شرطي شريف.

تتولى الفرقة مهمة مستحيلة، تتضح في نهاية الفيلم: إنقاذُ “حياة”، اسمًا ومعنى، طفلة أحد أعضاء الفرقة، التي تحيا مع زوجته التي اتخذها أحد عناصر داعش “سبية” في منزل في أقصى المدينة. الخط الأوّلي الذي يسير فيه الفيلم هو المهمة التي أخذتها الفرقة على عاتقها، لكن الأكثر أساسية هي مسيرة الإدراك العسيرة التي يمر بها كاوه، الضابط الشاب الذي يظن أن مهمته محاربة تنظيم داعش، فتنقذ فرقة نينوى حياته، ويجد نفسه في صراع مع ماضيه ومحاضر، حتى أن مستقبله أيضًا ليس آخر الأعداء. يُدرك كاوه خيانة زميله، الذي اضطر للعمل كمرشد لتنظيم داعش بعد تهديده بمصير أسرته التي تحيا في أمريكا. اضطر للخيانة، فاضطر كاوه لإعدامه ميدانيًا. لا يقدم الفيلم أبطالًا، فحتى الفرقة نفسها ليست بمنأى عن ارتكاب الجرائم. تاريخ كاوه هو تاريخ العراق الحديث، سيعلم كاوه أن عليه أن يدفع رشوة للشرطة الاتحادية العراقية، وأن الحياة العادية أصبحت لحظة مختطفة لمتابعة مشهد من مسلسل كويتي ومشهد لصبي مصاب لا يرجو من الدنيا سوى أن يفي بوعده لوالديه بحرصه على دفنهما. سيعلم أن حربه ضد داعش لم تكن سوى وهم، ليس لأن داعش لا تستحق الحرب، لكن لأنه مُحاط بالأعداء في كل جهة، سيضطر لالتقاط صور بكاميرا هاتفه مع الجثث لأنه يعلم أن أحدًا لن يصدقه من أهله حين يعود، فالكل يحيا نفس وهمه. سيتعلم أن التعاون مع القوات الأمريكية ليس حلًا، فالأمريكان سيقصفون مقر تنظيم داعش لكنهم سيقصفون معه نصف المدينة الشمالي كاملًا، ولن يضعوا يدًا في إعادة الإعمار.

سيعلم أنه لا يحارب فقط الأعداء، بل قلة الإمكانات، فسُيبادل السجائر بالسلاح مع قوات الحشد الشعبي التي يقودها ضابط إيراني متخفٍ.  سيهرب كاوه من تاريخه الذي يمثل واقعًا وهميًا، وسيتعلم أن الحل الوحيد ليس القضاء على داعش، وليس إنفاذ القانون وليس إصلاح الحاضر أو الماضي، فلا وقت لدفن الأصدقاء أو حتى النحيب على جثثهم، وليس الحل أيضًا البطولة… يدرك كاوه ما قد ألهى الفرقة التي انضم إليها حديثًا: ليس هناك حل سوى الهروب للأمام. لقد انشغلت فرقة نينوى للتدخل السريع بمهمة، تبدو في ظاهرها مهمة ثأرية شخصية – في وضع مثل هذا ما الفارق بين الشخصي والعام؟! – هي تحرير ابنة أحدا أعضائها وزوجته، وما يؤكد عليها القائد جاسم، أن علينا أن ننقذ الأطفال، هم سيعيدون إعادة الإعمار (وسنشاهد الرائد جاسم في ظل كل هذه الفوضى يُلملم بعض المهملات من الأرض ليضعها في سلة قمامة). الهروب للأمام، إنقاذ الأطفال، من أجل المستقبل … سيتعلم كاوه أن كل ما يحيط به، حتى ما يمثله هو بنفسه، يجب أن ينتهي، ولا حل إلا مستقبل يجيء وقد مُحي كل هذا، لكنه، ولتكتمل المأساة، سيتعلم أن حتى المستقبل لن يأتي خاليًا من أثر الماضي، بل سيأتي في صورة زوجة زميله التي حملت من مُغتصبها الداعشي؛ عصيًا على الفهم والحل.

في بعض الأفلام العربية، خصوصًا التي سُميت خلال ثمانينيات القرن الفائت بالواقعية، كان هناك ميل إلى مثل هذا النوع من السرد، لكنه كان مبنيًا على فكرة لا تكتفي بأسبقية الواقع على الفعل الإنساني، بل بغلبة الواقع وهيمنته على الفعل الإنساني، فالقاتل المُضطر، والعاهرة المغلوبة على أمرها، والفاسد الهارب من ضيم فقره، وعبارات مثل “كلنا فاسدون” و”كلنا مجرمين كلنا ضحايا” و “على من نطلق الرصاص” كانت بقدر ما تعبر عن التشتت والتيه في محاولة فهم الواقع، تُعبر عن “بطولة ما” لشخصية محورية لا تُلام في محاولة إصلاح الكون ولا على فسادها وتصوراتها التي تحاول أن تتطهر منه ولا على العالم الرومانسي الذي تحلم بتحقيقه. لكن ليس ثمة أبطال في هذا الفيلم، ولا هذا العالم، وقد لا ينطبق على وضع العراق سوى ما قاله شاعره الأعظم محمد مهدي الجواهري في مطلع إحدى قصائده:” في ذمة الله ما ألقى وما أجد.. أهذه صخرة أم هذه كبد) ليس ثمة بطولة في هذا الفيلم سوى انحيازه لحياة الإنسان العراقي وآماله. لكن، لا عجب أن يُظن أن هذا الفيلم يحكي قصة بطولة، فسرعان ما فهمت الأجنحة الإعلامية لتنظيم داعش هذه الرسالة، وبادرت بنشر مقطع مصور طويل، من بضع وأربعين دقيقة، على شبكة الانترنت بعد عرض فيلم الموصل بساعات قليلة، يدافع فيه عن بطولاتها الخاصة، وتنفي أنها تعرضت لهزيمة على يد بضعة رجال. يعرض المقطع المطول مشاهد من عمليات عسكرية قام بها التنظيم في مدينة الموصل، ولا يخلو من التزين بالماراشات العسكرية البكائية، والآيات القرآنية، والعبارات الرنانة عن الثبات والصبر وحرب المرتدين والبطولة والفداء، وكل هذه العناصر المرية والمسموعة التي لا تخلو منها مثل هذه المواد الدعائية، لكنه للمفارقة يشير بتركيز وتشديد كبيرين إلى مشهد، يُعده المقطع دلالة على المهمة “المقدسة” التي يقودها التنظيم أو تقوده، وهي مجموعة من لقطات الفيديو التي تُظهرهم يدخنون السجائر – هكذا، وثانية – ويحلقون لحاهم! وتصحب هذه المشاهد تعليقات صوتية تتحدث عن “الملذات الفاجرة” والمتع الفاسقة، وكراهية الدنيا، وصبر “المجاهدين” على حب الدنيا لأجل العطاء المؤجل في الآخرة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق