مقالات

فهم هيغل للتاريخ

جاك فوكس-ويليامز - ترجمة: كريم محمد

مبحث التاريخ من أكثر المباحث اللافتة للنظر في فكر هيغل، ولكنه تعرض أكثر من غيره لسوء الفهم؛ على وجه التحديد، ما يسميه «الدايالكتيك» في فهم تطوّر المجتمعات الإنسانية. تروم هذه المقالة تقديم عرض وجيز وواضح عن نظرية هيغل في التاريخ، كما أنها تبيّن أهميتها لنقاشات عالمنا المعاصر.

تبويب [1]هيغل للتاريخ

يحاججُ هيغل في مقدّمته كتابه محاضرات في فلسفة التاريخ (١٨٣٧) بأنّ هناك ثلاث سُبلٍ للتأريخ.

السبيلُ الأوّل هو التاريخُ الأصليّ[2]. يشيرُ التاريخُ الأصليّ إلى التصوّرات الأولى الأصليّة للأحداث والأفعال والمواقف، والتي جمعها أو تحقّق من صحّتها المؤرّخ نفسه. إنّها تشتملُ على خبرات المؤرّخ نفسه كجزءٍ من التاريخ الذي يسردُه. يقول هيغل إنّ المُراد من التاريخ الأصليّ هو أن نبتدعَ «تمثيلًا عقليًّا» للظاهرة. ويرمي المؤرّخون المعاصرون إلى تدوين الأحداث الجديدة والراهنة بدقّة وتأنٍّ، حيث يقومون بشرحها أو إيجازها ببساطة.

لكن، وكما يكتبُ دنكان فوربس في مقدّمته لكتاب هيغل المذكور، «فإنّ نوع التاريخ الأول والأكثر بدائيّة (بدائيّ من الناحية المنطقيّة)، أي التاريخ الأصليّ، هو لا يكادُ أن يكون تاريخًا على الإطلاق بقدر ما أنّه يُمثّل التحامًا فوريًّا بين وعي المؤرّخ [وما يؤرّخه]؛ وهذا النوع من التاريخ المُعاصر محدودٌ ولا بدّ». يحاجج فوربس بأنّه من المستحيلِ للمؤرّخ الأصليّ أن يقدّم من النظريّة الشيءَ الكثير في الأحداث التي شَهدها لتوّه، ولا حتّى يفكّر تفكيرًا شاملًا فيها. وكما يُلاحظ هيغل، يؤسّس التاريخُ الأصليّ «صورة للزّمن»، وليس تحليلًا أكاديميًّا للأحداث الماضية. يستشهدُ هيغل بثوكيديدس[3] وهيرودوت[4] كمثاليْن بارزيْن على المؤرخين الأصليين، لأنّ تصوراتهما تُؤسّس «تاريخًا روحُه شارك فيها المؤرّخ». وتعبّر تصوّراتهما -إثر ذلك- عن «حكمة أممهما وشخصيّتها، وعن وعيهما بموقفيْهما السياسيّ، والطبيعة الروحيّة الأخلاقيّة لهما، وعن المبادئ التي تُمسك بزمام غاياتهما وصراعاتهما». لذا، ومن خلال فحص هذا النوع من التاريخ، فإنّنا نستطيعُ أن نحصّل فهمًا أكبر بعادات ثقافةٍ ما، ومعتقداتها وممارساتها، وبالتالي نستطيع أن ننفذَ متغلغلين إلى ماهيّة حقبةٍ معيّنة. ومن ثمّ، تُعتبَر الخُطب المُسجَّلَّة في الروايات التاريخيّة قيّمة بصورة استثنائيّة في هذا الصّدد؛ لأنّها تُجسّد زمانًا ومكانًا مُعيَّنيْن، «وتشكّل أفعالًا مؤثّرة في ماهيّتها نفسها»، وتمدّنا بحسٍّ بالتاريخ كما تجلّى في الزمن. ولا يمكن اعتبارها انعكاساتٍ متجرّدة بشأن الصيرورة التاريخيّة، وإنّما بوصفها «مكوّنات متكاملة للتاريخ» دوّنها المؤرّخون الذين يجسّدون الوعيَ الثقافيَّ للمُتحدِّث. وكما يوضّح هيغل في كتابه آنف الذكر، فإنّ «الخطب هي أفعالُ فيما بين البشر؛ إنّها، بالفعل، أفعالٌ شديدة الخطورة والأهميّة… إنّ الخُطب على المستوى المحليّ أو الدوليّ، الصادرة عن الأمم نفسها أم عن حاكِميها، هي أفعال، ومن ثمّ هي موضوعٌ جوهريّ للتاريخ (لا سيّما التاريخ المبكّر)».

وبحسب هيغل، قد نميّز بين ثلاث مراحل من التاريخ الأصليّ. ففي العصور القديمة، كان رجالُ الدولة (أو كَتَبَتهم) هم من يدوّنون التاريخ. وخلال العصور الوسطى، اضطلع الرهبانُ بهذا الدور، حيث امتلكوا الوقت والتعليم لتدوين العالَم من حولهم. ويلاحظُ هيغل بأنّه، في زمانه، «تغيّر كلّ هذا… فثقافتُنا تحوّلُ على الفور كلّ شيءٍ إلى إخباريّات للتمثيل الفكريّ».

أمّا النوعُ الثاني من التاريخ الذي ناقشه هيغل، فهو التاريخ التأمّلي[5].  التاريخُ التأملي -خلافًا للتاريخ الأصليّ- ليس مُحدّدًا بإطارٍ زمنيّ مُعيّن. إنّه يتجاوزُ الثقافة الحالية. ويسعى لتقديمٍ موجزٍ للتواريخ أو الأحداث التاريخيّة التي حصلت بالفعل، وبمعنى آخر؛ يقوم التاريخُ التأملي بتسجيل ثقافةً بعينها، أو بلدًا، أو حقبةً.

يُقسّم هيغل التاريخ التأملي إلى تاريخٍ كونيّ وتاريخ براجماتيّ وتاريخٍ نقديّ وتاريخ متخصص. يرمي التاريخ الكونيّ، إنْ صحّ لنا القول، إلى تقديم تاريخ كاملٍ لأمّة ما، أو حتّى للعالَم برمّته. في حالة التواريخ العالميّة، فيجب تكثيف الأحداث الهامّة في عبارات موجزة، وتكون آراءُ المؤلّف الخاصّة جزءًا لا يتجزّأ من السرد نفسه. أمّا من ناحيةٍ أخرى، فالتاريخُ البراغماتيّ له نظريّة أو أيديولوجيا يقوم عليها؛ فالأحداث «تُربط بنمطٍ واحدٍ في معناها الكونيّ والداخليّ». إنّ التفسير البراجماتيّ مرتبطٌ ارتباطًا كبيرًا أيضًا بالتفكّرات الحاصلة في الصيرورة التاريخيّة، وليس مجرّد تقرير لما قد حصل بالفعل خلال حقبة معيّنة.

ويقوم التاريخُ التأملي النقديّ على البحث في دقّة السرد التاريخيّ، ويقدم تفسيرات وسرديّات بديلة. وهيغل نفسه ناقدٌ لهذا النوع من التأريخ، والذي يبدو أنّه «ينتزع» خطابًا جديدًا من التفسيرات الموجودة. حيث يعتقدُ هيغل بأنّ هذا ليس سوى سبيل فجّة وعقيمة لبلوغ «الواقع»، أي تحقيق الفهم في التاريخ؛ لأنّه يستبدلُ بالحقائق انطباعاتٍ ذاتيّة ويُطلق على هذه الانطباعات الذاتيّة اسمَ الواقع.

أمّا النوع الأخير من التاريخ التأملي الذي يأتي هيغل على ذكره فهو «التاريخ المتخصّص». يركّز التاريخ المتخصص على موضوعة تاريخيّة معيّنة، مثل تاريخ الفن، أو تاريخ القانون، أو تاريخ الدين.

G.W.F. Hegel by Jakob Schlesinger, 1831

التاريخُ والعقلُ

أمّا السبيلُ الثالثة التي من خلالها يمارس هيغل التاريخَ فهو التاريخ الفلسفيّ، فهي تُعطي الأولويّةَ للفكرِ على التعليق على الأحداث، وعلى توليف المفاهيم والأفكار الفلسفيّة مع المعلومة التاريخيّة. يقوم هيغل نفسه بهذا النّشاط عندما يحاججُ على نحوٍ معروف بأنّ صيرورة التاريخ البشريّ هي صيروة الاعتراف بالنّفس[6] التي يوجِّهُها «مبدأُ العقل».

بالنسبة إلى هيغل، الطبيعةُ هي تَجَسُّدُ العقل. فبالطريقة نفسها التي تسعى الطبيعةُ بها إلى زيادة التعقيد والتناغم، تمامًا تقوم روحُ العالم بالأمر نفسه من خلال الصيرورة التاريخيّة. كان الفيلسوف ما قبل السقراطي أناكساغوراس[7] (٥٠٠-٤٢٨) أوَّلَ من حاجج بأنّ الـ nous (ما معناه العقل، أو الفهم عامةً) يحكمُ العالم في نهاية المطاف؛ لا كذكاء، بل كماهية جوهريّة للكينونة. ويشدّد هيغل على أهميّة هذا الفارِق، مستخدمًا النظام الشمسيّ كمثال. يكتبُ هيغل:

«إنّ حركة النظام الشمسيّ تسيرُ وفق قوانين لا يمكن أن تتغيّر، وهذه القوانين هي عقلها. لكن لا الشمس ولا الكواكب التي تدور حولها لديها أي وعي بها. ومن ثم، فإنّ فكرة أنّ هناك عقلًا في الطبيعةِ، وأنّ الطبيعةَ محكومة بقوانين كونيّة لا يمكن أن تتغيّر لا تفاجئنا؛ فقد اعتدنا على هذه الفكرة، ولم نستفد منها إلا النزر اليسير…» (العقل في التاريخ).

علاوةً على ذلك، يحاججُ هيغل بأنّ بُرهان العقل يتكشّف من خلال الحقيقة الدينيّة، والذي يُثبت أنّ العالَم لا تحكمه الصّدفة وإنّما العنايةُ الإلهيّة. فأثناء اللحظات العميقة من التجلّي الروحيّ، ندركُ بأنّ نظامًا إلهيًّا يسودُ العالَم. والعنايةُ الإلهيّةُ هي حكمةٌ تتمتّع بسلطة لا نهائيّة، والتي تحقّق هدفَها الخاصّ، أي الهدف النهائيّ العقلانيّ المُطلق للعالَم؛ فالعقلُ «هو الفكرُ مُقرِّرًا نفسه بحريّة مُطلقة». يشيرُ هيغل إلى أنّ كثيرًا من محطّات التاريخ البشريّ تبدو لا عقلانيّة وارتكاسيّة لأنّ المجتمع مكوّن من أفرادٍ موجَّهين من قبل العواطف والدّوافع والقوى الخارجيّة. ومع ذلك، فإنّ وراء اللاانتظاميّة البادية للتاريخ البشريّ يكمن مشروعٌ إلهيّ خفيٌّ عن الأنظار بيد أنّه يُحقّق نفسه من خلال الصيرورة التاريخيّة. وعلى إثر كثيرٍ من الصراعات والثورات والتمرّدات التي يتكبّدها المجتمع، تلمح البشريّة العقلَ على نحو أكبر.

بل إنّ هيغل ليمضي أبعد من ذلك في تطوير حجّته، ويشيرُ إلى أنّ إدراك العقل في التاريخ هو أيضًا مسوّغ للإيمان بالله. ويقرّ هيغل بأنّ التاريخ يكشف عن قسوة الطبيعةِ البشريّة وساديّتها، لكنّه يحثّ على «إدراك العناصر الإيجابيّة التي يختفي في داخلها العنصرُ السلبيّ كشيءٍ تابع ومهزوم». وإنّنا لندركُ، من خلال الوعي بالعقل، أنّ الغرض اللانهائيّ للعالَم يُحقَّقُ تدريجيًّا من خلال تلك الأحداث التاريخيّة العَرَضيّة التي تؤدّي إلى حدوث تحوّل وتغيير إيجابيْن. وبهذا المعنى، فإنّ هيغل يُقدّم رؤية للتاريخ تقدميّة للغاية، على إدراكٍ بتطوّر المجتمع البشريّ كصيرورة ديناميكيّة تصبحُ بواسطتها قدرتنا العقلانيّة أكثر تهذُّبًا وصقلًا. وعلى الرغم من ذلك، فهناك شرٌّ موجودٌ في العالَم، بيد أنّ العقلَ ينتصرُ في نهاية المطاف.

التاريخُ بوصفه تمظهرًا للعقل

ليست العنايةُ الإلهيّة عند هيغل هي عناية الإله اليهو-مسيحيّ. بل يحاججُ هيغل بدلًا من ذلك بأنّ التاريخَ الكونيّ هو نفسه الرّوح الإلهيّة أو الـ Geist الذي يتمظهر ويعملُ عملَه.

يزعمُ هيغل بأنّ «الجميع سيوافق بيُسرٍ على أنّ المعتقد القائل بأنّ الرّوح، من بين خواصّ أخرى، هي ربّة الحريّة … الحريّة هي الحقيقة الروحيّة للرّوح» (مقدمة في فلسفة التاريخ). بالنسبة إلى هيغل، يتكشّف التاريخُ بصفتهِ تحقيقًا ذاتيًّا للرّوح، وفي نهاية المطاف يحلّ نفسه في تمظهر الحريّة البشريّة الحقّة من خلال الشكل الأكثر حريّة للحكومة. ويحاججُ فوق ذلك بأنّ الوعيَ الذاتيّ هو مرادفٌ لحريّة الرّوح -الحريّة بما هي وعيٌ ذاتيّ- لأنّ الوعيَ الذاتيّ يقوم على كينونته كي يتحقّق، لذا يجب أن يخلق نفسه بحريّة مُطلقة. أمّا فيما يتعلّق بالتاريخ، فيجادلُ هيغل بأنّ التاريخَ الكونيّ هو المَعرض النهائيّ للرّوح «في صيرورة العمل على معرفة ما هو ممكن» (مقدمة في فلسفة التاريخ). وما الممكنُ على الأرجحِ، في ماهيّته، سوى الحريّة.  وهذا هو السبب في أنّ ذروة صيرورة التاريخ التي هي معرفةُ الرّوح التي تطوّر المعرفة بنفسها هي معرفةُ الحريّة المُطلقة، وذلك من خلال الدولة السياسيّة الممكنة الأكثر حريّةً.

يستخدمُ هيغل أمثلةً تاريخيّةً لإثبات الصيرورة التي من خلالها تصبحُ حريّة الرّوح مُنْجَزَة عبر التاريخ البشريّ. أولًا، يؤكّد هيغل أنّ أصل الدولة لا يأتي عبر «عقد اجتماعيّ» يدخل الشعبُ فيه، كما حاججَ فلاسفةٌ من أمثال هوبز. بالأحرى، أن تكون إنسانًا يعني أن تسكنَ في مجتمع مع بشرٍ آخرين، باتباع التعاليم والقوانين والأحكام والأعراف الأساسيّة. بمعنى آخر، إنّه لمن المستحيل أن توجد البشريّة في شرط ما قبل-سياسيّ؛ لأنّ السياسيةَ هي جزءٌ أساسيّ من طبيعتنا.

وفقًا لفهم هيغل، تمرّ السياسة بثلاث مراحل: من الأسرة (أو القبيلة) إلى المجتمع المدنيّ، ثم إلى مرحلة الدولة. فالدّولة هي التجلّي النهائيّ للروح لأنّ تطورها يشيرُ إلى الاستقلاليّة البشريّة المتزايدة. وكما يكتب هيغل، فـ«حريّة الطبيعة… ليست بشيءٍ فعليّ؛ لأنّ الدولةَ هي التحقُّق الأول للحريّة» (مقدمة في تاريخ الفلسفة). وهذا مردُّه إلى أنّ أفرادَ دولةٍ ما يتخلّون عن فردانيّتهم لتدعيم حريّة المجتمع ككلّ، والحريّة الحقّة بالنسبة إلى هيغل هي حريّة مشاعيّة/جماعاتيّة[8]. قد نفسّر هذا بالقول إنّه بدون الدّولة، فستصبح حقوق الفرد أشدّ أهميةً، مما يهتكُ بالخير الأعمّ للبشريّة، ومن ثمّ بحريّة الرّوح.

ينصّ هيغل على أنّ الثقافات التاريخيّة الأصليّة، والتي يسمّيها ثقافات «شرقيّة»، بما فيها بلاد فارس والصين القديمة، لم تحقّق معرفةً بالرّوح لأنّها آمنت بأنّ الإنسان ليس حرًّا في نهاية المطاف. اعتقدَ هيغل بأنّ العقليّة الشرقيّة كانت مائلةً إلى الاستبداد: الاعتقاد بأنّ البشر يجب أن يُحكموا من قبل حاكم إلهيّ أو ملك مُطلق. فهذه حريّةٌ لشخصٍ واحد: ألا وهو الحاكم! كان اليونانيّون على وعيٍ بالحريّة، ورفضوا الطغيانَ في سبيل الديمقراطيّة، والتي هي الحريّة السياسيّة لمجموع المقترعين المصوّتين. ولقد حفظت حريّتهم في ظلّ ظروف العبوديّة، وهي حقيقةٌ جعلت «الحريّةَ من ناحيةٍ ليست سوى نموٍّ عرضيّ وعابر ومحدود؛ ومن ناحيةٍ أخرى فقد سنّت عبوديّة صارمة لطبيعة الإنسانيّ المشتركة لدينا». ولذا، وفقًا لهيغل، كانت الأممُ الألمانيّة الواقعة تحت نير المسيحيّة أوّل من توصّلت إلى أنّ للإنسانِ إرادةً حرّةً. وحتّى في الوقت الذي كانت العبوديّة ما تزالُ قائمة تحت ظلّ المسيحيّة والأنظمة السياسيّة اللاحقة، فقد أصبحت فكرة الحريّة الفرديّة مركزيّة للدول والحكومات والمؤسّسات، في الغرب أولًا، ثمّ في بقية العالم.

ديالكتيك هيغل

بالنسبةِ إلى هيغل، لا تسيرُ التطوّرات التاريخيّة في خطّ مستقيم، بل »في تعرّجات حلزونيّة وقائدة نحو النموّ والتقدّم. وهذا يحصلُ حيث الفعلُ يتبعه ردّ الفعل؛ ومن تعارُض الفعل وردّ الفعل يحصلُ الانسجامُ والتوليف« (الفرد والدّولة والحريّة السياسيّة عند هيغل، أوشينا أوسيجوي، ٢٠١٤). وفي حين أنّ كثيرًا من المفكّرين السياسيين الآخرين قد سلّموا بأنّ التاريخَ البشريّ يمرّ عبر الملكيّة المُطلقة إلى الاستبداد فإلى الديمقراطيّة، فقد آمن هيغل بأنّه يمضي عبر الاستبداد  إلى الديمقراطيّة، إلى الملكيّة المؤسّساتيّة، التي تجمع سمات كلٍّ من الاستبداديّة والديمقراطيّة متجاوزةً لها. ولذا؛ يستعملُ هيغل مقاربة »ديالكتيكيّة« لفحص مسار التاريخ البشريّ. وقد وُصِّفَ الديالكتيك مرارًا من حيث الأطروحة التي تسبّب ردّ الفعل عليها، أي النقيضة، التي تتعارض مع الأطروحة أو تُلغيها؛ ومن ثمّ يُحلّ التوتّر بين الاثنتين [الأطروحة والنقيضة] عن طريق توليفهما. ومن ثمّ، تغدو التوليفة هي الأطروحة الجديدة … بيد أنّ هيغل مع ذلك لم يستعمل هذا الجهاز الاصطلاحيّ بعينه (والذي يُعزَى في الأصل إلى كانط).

إنّ فكرة أنّ التاريخ يتبع نمطًا ديالكتيكيًّا يمكن ملاحظتها في سياقٍ أكثر حداثةً. لقد كانت الأيديولوجيّات الشيوعيّة (الاشتراكيّة) ردّ فعلٍ ضدّ الرأسماليّة، لكنّها فشلت في خلق أنظمة اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة مستقرّة، وأدّت إلى موت ملايين من البشر حول العالم. لكن بعد نهاية الحربين العالميتين، تبنّت الأمم الأوروبيّة النظامَ الديمقراطيّ الليبراليّ؛ أي التوليفة بين الاشتراكيّة والرأسماليّة. ففي حين أنّ الدولة تتحمّل مسؤوليّة حكم جوانب معيّنة من المجتمع، مثل القانون والجيش، وخدمات أخرى رئيسيّة، فإنّها أيضًا تدعمُ البيزنس والتجارة الحرّة. وإذا عبّرنا بمصطلحات الديالكتيك عند هيغل، فتعارض الرؤى بين الرأسماليّة والاشتراكيّة أفضى إلى توليفة ديمقراطيّة ليبراليّة.

لقد حاجج فرانسيس فوكاياما، في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير[9] عام ١٩٩٢،  لصالح المفهوم الهيغليّ عن نهاية التاريخ. وفقًا لفوكاياما، التاريخ وصلَ بالفعل إلى محطّته النهائيّة، حيث الصراع الأيديولوجيّ الديالكتيكيّ استُأصِلَ في النهايةِ وحلّت محلّه أيديولوجيا أحاديّة كونيّة. وبالتالي، عندما سقطت الأنظمة الشيوعيّة في كافّة أوروبا الشرقيّة واتجهت هذه الدولة شطر الغرب، فقد أثبت هذا انتصار الليبراليّة.

لم تشتبك الدّول الأوروبيّة في أيّ صراعٍ كبير مع بعضها البعض منذ الحرب العالميّة الثانية، ومذّاك ازدهرت أوروبا في ظلّ مبادئ الديمقراطيّة الليبرالبيّة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. وبهذا المعنى، فإنّ رؤية هيغل للتاريخ كتطوّر تدريجيّ للحريّة السياسيّة تدّعمها جزئيًّا الأحداث التاريخيّة الراهنة.

 

جاك فوكس-ويليامز

 

***

ديالكتيك هيغل في فنجان القهوة

إنّ نظريّة الديالكتيك كما قدمها هيغل لتشكلّ آخر نسق فلسفيّ عظيم. فالتاريخُ هو صيرورة تشملُ كلَّ شيءٍ وكلّ أحدٍ؛ صيرورةٌ نشاركٌ جميعنا فيها. إنّ الفكرة الأساسيّة عند هيغل هي أنّ التاريخ ليس مسألة مجموعة من البيانات والمعارك والأحداث، ولكنّه مسألة «منطق». إذ يتعلّق بكيف تتفاعل الأفكار والمعتقدات وتطوّر من بعضها البعض، لأنّ الأفكار تحكمُ كلَّ شيءٍ آخر.

ولأنّنا جميعنا نشارك بحصّة في هذه الصيرورة، فالفلاسفة يمكنهم فحسب أن يفكّروا ضمن حدود أفقهم التاريخيّ. ويعني هذا أنّ الفلسفةَ، هي نفسها، معقودة بالتاريخ. بالنسبة إلى هيغل، فالفلسفة هي «زمنُها مُدركًا في الفكر». ليس بإمكاننا الخروج من الزمن، وما من عالمٍ أبديّ للعقل. إذ يبزغُ التاريخ والفكر معًا! ولذا؛ ما نسعى إلى فهمه هو بمثابة بنية عضويّة معقّدة، ومن الضروريّ إدراك كيف تترابط أجزاء هذه البنية، والتي يُسمّيها هيغل بـ«المقولات[10]».

إنّ الرابط بين «المقولات» هو ما يُسمّى الديالكتيك. وهذا نظامٌ موضوعيّ، متأصّل في البنية العميقة للأشياء، ومتّسم بالتناقض. من أجل ذلك، لنلاحظ أنّه بالنسبة إلى هيغل، فإنّ الديالكتيك ليس مجرّد منهج نطبّقه لفهم التاريخ. إنّه السّبيل الذي تعمل به الأشياء عملها في العالم. وهو ليس بشيءٍ نصنعه، وإنّما نستكشفه.

يقول هيغل إنّ الديالكتيك له بنية ذات ثلاث مراحل. دعونا نأخذ مثالًا على تطوّر تاريخيّ ينطوي على مقولات ثلاث؛ من أ إلى ب إلى ج. يُطلق هيغل على أ «الفوريّ»، أي حالة الأشياء «المكتفية ذاتيًّا». وبمجرّد أن تتهجّى أ، يجب عليك أن تشير إلى نقيضه ب، وهو ما يُسمّيه هيغل بـ«السالب الأوّل». وتدركُ أنّ أ مرتبط ارتباطًا لا تُنقض عراه مع نقيضه. إنّ ب هي نفي أ، لكنّها أيضًا أ مُعدَّلًا: فهي تنطوي على عناصر نقيضها. لكنّ هذا يقودنا إلى مقولة ثالثة، وهي ج، والتي يسمّيها هيغل «السالب الثاني». لمَ؟ حسنًا، في سبيلكَ لاستيضاح المقولة ب، تُدرك أنّه يجب عليك الإحالة إلى أ مُعدّلًا. وبالتالي، فإنّ ج هي نفي ب. فهي تشكّل «وحدة بسيطة مستقرة»: إذ تستطيع أن تتخيّل هذه الصيرورة مثل إنزال قطعة سكّر في كأس ماء. فمجرّد ما أن يذوب السكّر، فلا يوجد سوى كلٍّ مُتجانس. فمن المتأصّل في طبيعة المقولات نفسها أنّها تتصارع مع بعضها البعض. والتناقضُ هو سمة لطبيعة الواقع.

لهيغل كلمةٌ تأمليّة تصف ما يحصلُ أثناء حركةٍ ديالكتيكيّة: ألا وهي الـ [11]sublation. وهي كلمة لها ثلاثة معانٍ، وكلّها مهمّة للديالكتيك:

أولًا: تأتي بمعنى الرّفع (فكلّ حركة، من أ إلى ب إلى ج، تعني حصول تقدّم إلى أكثر علوًّا وتطوّرًا)؛

ثانيًا: تأتي بمعنى الإبقاء (ففي ب شيءٌ من أ يبقى محفوظًا، وكذا يُحفظ ما في ج شيءٌ ممّا في أ)؛

ثالثًا: تأتي بمعنى النفي (حيث ب تنفي أ، وج تنفي ب).

يبدو حديثًا اصطلاحيًا، لكنّ هيغل يعتقدُ أنّ الرّفع، أو sublation، هو جزءٌ معياريّ من تكشّف الأحداث التاريخيّة. وبالفعل، فالمصطلح لا يصفُ فحسب تضارب الأيديولوجيّات على نطاقٍ تاريخيّ كبير، وإنّما هو جزءٌ من الحياة اليوميّة البشريّة. دعونا نلقي نظرةً على هذا المثال.

الفوريّ: تستيقظُ من نومك، وتعتقدُ أنّ فنجان القهوة هو أفضل شراب في العالم وهو بالتأكيد ما تريده الآن. فورًا! وعليه، تشرب أربعة فناجين مع إفطارك.

السالب الأوّل: ثمّ تتوعك بالمرض. موقفُك الجديد هو أنّك لن تشرب القهوة بعدها أبدًا.

السالب الثاني: كردّ فعل على المقولتين الأُولَييْن، تتطوّر مقولة أخرى تُبقي على شيء ما من المقولتين، لكنّها تمثّل مرحلة أكثر تطوّرًا. وعلى إثر ذلك، تقرّر أنّ القهوة عظيمة باعتدالٍ وتوسُّطٍ، وأنّك لن تشرب سوى فنجانٍ واحدٍ يوميًّا في المستقبل.

 

أنجا شتاينباور

 


[1] (Classification).

[2] (original history).

[3] (Thucydides).

[4]  (Herodotus).

[5] (reflective history).

[6] (self-recognition).

[7] (Anaxagoras).

[8] (communal).

[9] (The End of History and the Last Man).

[10] (Categories).

[11] تعني “الرفع” أو “تجاوز المقولتين” (المترجم)

 

 

المصدر:

Philosophy Now – issues: 140

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق