مقالات

عن الحُبّ، أو كذبتنا الصادقة – عز الدين بوركة

قِبلة الأحبة:

يحتفل جل العالم يوم 14 من كل فبراير بـ”عيد الحب”؛ حيث تكتسي الأرض لونًا أحمرَ.. وتصير الليالي بيضاء يطاردها العشاق. فقد كان الحب دائمًا ذلك المستحيل الذي يلاحقه الإنسان، بصفته شغفًا ومحركًا للعلاقات الموحدة بين الأفراد وحتى الأقوام والأمم، وأيضًا محركًا للصراعات، وحتى الحروب (حرب طروادة وحرب البسوس، مثلًا…)، “ومن الحب ما قتل!”. لهذا كان الحب دائمًا واحدًا من موضوعات الفلاسفة والأدباء والمفكرين، وحتى مؤلفي الموسيقى والتشكيليين، المفضلة. إنه وَجْد الحب الذي يملأ حياتنا وأفكارنا. وقد حاول المؤلفون الكبار وصفه، أحيانًا بروح الدعابة، أو عبر التأمل، أو عبر سبر أغواره الدفينة والسحيقة؛ لهذا غالبًا ما يكون مصدر إلهام للكثير من المبدعين.

ويُعرف الحب بأنه شعور شديد بالمودة والتعلق تجاه كائن حي أو شيء (موضوع)، يدفع من يشعرون به إلى البحث عن قرب جسدي أو فكري أو حتى تخيليّ، من موضوع هذا الشعور. فمنذ العصور القديمة، اهتم الفلاسفة أيما اهتمام، واعتنوا بمفهوم الحب. وبفضل “مأدبة”[1] أفلاطون اكتسب خطابًا متعاليًا وأهمية فلسفية كبرى؛ إذ تذكر أسطورة “المأدبة” بأن البشر الأوائل كانوا مزدوجي الجنس (هيولي بالمعنى الدقيق)، وفصلتهم الآلهة إلى جزأين، وهكذا كتب عليهم الهيام في الأرض يبحث كل نصف عن نصفه الآخر.. فالحب/العشق إذن، ليس إلا ذلك، شوق الأزلي واشتياقه كي نجد النصف الآخر لذاتنا لنلتحم به من جديد، شوق لا ينفك يتجدد، هاربًا وعصيًّا عند كل لقاء.. لهذا يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي في “باب ما لا يعول عليه”: “كل شوق يسكن باللقاء لا يعوَّل عليه”[2]. وبالنسبة لهذا الفيلسوف المتصوف فلا اتجاهًا محددًا ولا قِبْلَةً موحدة للحب، “أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني“، يقول. فأي قِبْلة للأحبة في عيدهم؟

فلسفة للحب:

بعيدًا عن أي تعريف بيولوجي للحب، من حيث إنه “كيمياء بين شخصين”، أي إشارات كيميائية (فيرومونات) تُحرِرها غدة معينة في الجسم؛ لجذب الشريك المحتمل أو صده… فهو بشكل عام، المحرك والدافع القَلْبي الذي يقودنا نحو الوجود؛ الوجود مع الآخر؛ لهذا نجده مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالصداقة وحتى العدالة، (انظر: كتاب “الحب والعدالة” لبول ريكور)؛ بل يمكننا حتى التحدث عن “فلسفة خاصة بالحب” (كما نتحدث عن فلسفة العيش أو المعرفة). ويدخل هذا الباب في مجال الفلسفة الاجتماعية والإيتيقا L’éthique (علم الأخلاق)، التي تحاول شرح طبيعة هذا الشغف الإنساني الغامض، وذلك عبر سعي إلى التمييز بين أنواعه المختلفة، والتساؤل إن كان الحب مبررًا أو يمكن تبريره، وعن قيمته، وأيضًا العلاقات بين الأحبة.

الاتحاد مع المحبوب:

إنه، أي الحب، “كذبتنا الصادقة”، يقول محمود درويش: شعور مختلط يستحيل اختزاله في سيولات بيولوجية أو تعريف علمي محدد، ما يفقده غموضه الذي يقود البشرية نحو التقارب والتصاحب وتشارك الفضاء الحميمي نفسه؛ إذ ترى فيه حنا أرنت H. Arendt أنه “ضد-السياسة” وضد كل ما هو سياسي، فهو غريب عن الفضاء والمجال العام. فلا يمكن للحب إلا أن يكذب ويُحرّف نفسه عندما يستخدم لأغراض سياسية مثل التغيير أو إنقاذ العالم[3]؛ لهذا يجب أن يكون خفيًّا (حميميًّا)، وألا يظهر في الساحة العامة؛ فهو معادٍ للسياسة. فالحب بالنسبة لهذه الفيلسوفة والمنظرة السياسية الألمانية-الأمريكية ينتمي للمجال الخاص، ولا بد من احترامه في المجال العمومي. فهذا الشعور النبيل يكشف عن ذات المحِب، أي عن هُوية الفرد المحِب في علاقته بمن يُحِب.

بينما “الكل يبحث عن نصفه”؛ لهذا يجعل منا الحب شعراء، بالنسبة لصاحب “الجمهورية”؛ بالتالي، فالحب موضوع فلسفي للغاية، متميز عن الصداقة، ويشير بوجه عام إلى وجود علاقة حميمة، قد تصير إلى جسدية أو فكرية، بين كائنين أو بين الإنسان والله عند المفكرين الدينيين من متصوفة وغيرهم؛ لهذا نجد الحلاج (الحسين بن منصور) المتصوف الكبير قد عاش بالحب ومن أجله؛ حب ارتقى به إلى “التوحد مع الذات الإلهية”، فنجده يقول في موضع:

لي حبيبٌ حبه وسط الحشا ** لو يشأ يمشي على قلبي مشى

روحه روحي وروحي روحه ** إن يشأ شئت وإن شئت يشا

ويضيف في موضع آخر من مواجيده:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته ** وإذا أبصرته أبصرتنا

ما يدل على أن الحب بالنسبة للصوفي هو حالة وجد وشطح، حالة ذوبان في الذات الإلهية والتوحد معها، إنه احتراق وفناء، كاحتراق تلك الفراشة وهي تقترب من المصباح المشتعل، تضحي بنفسها من أجل الوصول إلى منبع النور الحارق، فلا يرى المتصوف في الكون إلا الله الذي يحلّ في موجوداته كلها. أليس التحام الحبيبين وعناقهما نوعًا من العودة إلى حالة الهيولي؟ أي السعي إلى الحلول والاتحاد والذوبان، الفناء بهذا المعنى؟

بالنسبة لبعض الفلاسفة، ولا سيما اليونانيين والرومان؛ فإن الحب مفهوم أساسي؛ بل إن الفلسفة كما صاغها الأوائل هي “محبة الحكمة”؛ بالتالي تنطوي على “الحب” في ثناياها. وأن تكون في حالة حب يعني أنك في حالة تأمل التفكير، وأن تكون فيلسوفًا يستدعي الأمر أن تكون محبًّا (واقعًا في الحب)، غير أنه ليس بالمعنى الحب الإنساني، أي الشغف بالجسد والسقوط في استعباد الرغبة؛ بل هو حب متحرر من أي استلاب؛ ما سيدفع بالرومانسيين لاحقًا إلى اعتبار الحب على أنه أعلى التجارب الإنسانية (لنتأمل لوحات Fragonard، القرن 18م.)، فبالنسبة لكل من روسو، بوجه الخصوص، أو غوته، يسمح الحب للإنسان (المحِب) أن يتحد مع الطبيعة والكون، أما بالنسبة لكيركغورد فيسمح الحب بإمكانيات غير محدودة للإنسان للتعبير عن نفسه؛ إذ ما يحبه الحبيب هو “اللانهاية”، وما يخشاه هو “الحدود”، يخبرنا صاحب “التكرار”؛ من حيث إن “الحب [بالنسبة له] لا يوجد إلا في الحرية، التي فيها فقط يوجد ترفيه ومرح أبدي”. في الوقت الذي سبقه سبينوزا إلى اعتبار هذا الشعور الوجداني، أنه “فرح joie مصحوب بفكرة سبب خارجي”، وكم يبدو هذا التعريف صادمًا ببساطته المضيئة، وأيضًا بقلة مفرداته، بالمقارنة مع الواقع المعيشي، الذي يمزج بين طياته المتعة والمعاناة والطمأنينة والقلق والفزع والوفرة والنقص (…). فمن الواضح بالنسبة لسبينوزا، ليس الحب شعورًا من العديد من المشاعر. ومن المسلم به أنه ليس تأثيرًا بدْئيًّا في النظام [البشري]؛ لكنه يحتل المرتبة الأولى في المشروع الأخلاقي[4]. فالإنسان بالنسبة لصاحب كتاب “الإيتيقا” خُلِق للفرح، وما يميزه هو هذه الخصلة، وليس هناك شيء مرغوب فيه أكثر من الفرح؛ بل لا توجد أحاسيس وتجارب أقوى من الفرح عينه؛ لهذا فإن كنا منقادين من خلال عواطفنا وأحاسيسنا؛ فلمَ لا نجعل من هذا الإحساس الأكثر نبلًا قائدًا لنا؟ أي أن نجعل من الفرح مُلغيًا للأحاسيس والعواطف السلبية كلها. والحب بالنسبة له مرتبط بالفرح المنصهر في فكرة سبب خارجي؛ إذ إن فكرة شيء ما (أو شخص معين) نحبه تجعلنا فرحين؛ لكن هذا التعلق بالسبب يمكن أن يحتمل وجهين: إما أن يكون صائبًا أو مزيفًا، كافيًا لنكون فرحين أو غير كافٍ (موهِم) فنسقط بالتالي في نقيض الفرح، أي الحزن والتعاسة؛ لهذا حينما يكون الحب مبنيًّا على سبب كافٍ وحقيقي وواقعي نقع في فرح نشطٍ وخالد. نوع من الانصهار في المحبوب.

حداثة الحب:

رأى جون بول سارتر أن الحب عاطفة عديمة الفائدة، ومحاولة لتمثل الرب؛ فأن تحب بالنسبة له هو محاولة من المرء لتبرير وجوده، وجوده خارج ذاته. وقبله قال شوبنهاور عن الحب بأنه ليس سوى اختراع من الجنس البشري من أجل تبرير التكاثر، أي إنه خدعة من الغريزة الجنسية، بينما نجد أن فيلسوف المطارق نيتشه قد سعى إلى أنسنة الحياة من خلال إثارة الجدل والشكل حول التنافر المتأصل في الحب الشهواني بذلك، يفصل نيتشه الحب عن جذوره الأفلاطونية المسيحية المتجاوزة، من ثم، يرفع نيتشه من قيمة الحياة الدنيا على أي عالم أخروي، ومن قيمة المادي (الجسد) على المقدس (الحب)[5]؛ إذ يحاول نيتشه بشكل واضح فضْح أكثر الدوافع أنانية تحريكًا للحب كشهوة في الأمثلة التي يقدمها؛ إذ يدعي نيتشه هنا أن الرغبة في الامتلاك والاستيعاب، وإدخال «شيء جديد على أنفسنا» هي ما يحرك كلًّا من الحب والطمع. يكتب نيتشه: «الطمع والحب: يثير كِلا المفهومين مشاعر مختلفة لدينا! ومع ذلك، قد يكون للغريزة نفسها اسمان مختلفان فقط، وعندما تهدأ هذه الغريزة داخل النفوس نتيجة نقص أو إهمال، وعندما نخاف على ما نمتلك، وعندما نكون غير راضين وما زالت رغباتنا متأججة، نمجد وقتها الغريزة على أنها “خير”».

الحب في الزمن المعاصر:

أعادت الفلسفة المعاصرة استثمار التقليد الفلسفي القديم، في البحث عن “فن العيش”، أي محاولة الإجابة عن إشكالية تحقيق حياة أفضل، في عالم سريع التحول حدثت فيه قطائع كبرى مع الأزمنة السابقة، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وما عرفته من دمار وخراب، أربك التفكير الإنساني المرتبط بالحداثة وسردياتها الكبرى، فكان من البُّد أن يعاد التفكير في مفاهيم كبرى، بما فيها السعادة والعقلانية والحب…

بالنسبة للوك فيري L. Ferry، أحد أهم الفلاسفة المعاصرين، قد دخلنا حقبة جديدة من التفكير أصبح فيها الحب هو النموذج المركزي، متسائلًا عمن يكون مستعدًّا اليوم في العالم الغربي للموت من أجل السماء أو من أجل الوطن أو من أجل الثورة؟ ومَن الذي ما زال يحافظ على علاقة تضحية بهذه المثل العليا؟ ويؤكد من ناحية أخرى، على أن “فينومينولوجيا جديدة للمقدس المعاصر ستجعل من الواضح أن الكائنات الوحيدة التي سنكون مستعدين للموت من أجلها، أن نخاطر بحيواتنا (…)” هم من نحب. فبالنسبة له، الحب هو المبدأ الذي يعطي معنى لحياتنا ولالتزاماتنا، فيطور في مؤلفه “ثورة الحب”[6] تاريخ تفكير فلسفي غربي لشرح هذه الظاهرة، واصفًا بإسهاب المراحل التي أدت إلى محو المقدس، وذلك بعدما نُقِلت المبادئ الأساسية للإيتيقا والسياسة والميتافيزيقا والاعتقاد اليهودي والمسيحي، وبالقدر نفسه الموضوع الميتافيزيقي للإنسانية الأولى إلى طاحونة التفكيك التي وضع رحاها فلاسفة مثل نيتشه منذ القرن التاسع عشر، وقد ألقت بظلاله على القرن الماضي عبر ما عرفه العالم من تحولات اجتماعية وتحرر عام وصعود مجتمع فرداني ومتحمس ومفضل لصعود الرأسمالية الليبرالية والمجتمع الاستهلاكي. في الوقت الذي يبني فيه ألان باديو Alain Badiou أطروحته الخاصة، كما جاء في كتابه “في مديح الحب”[7]، وهو ثمرة حوار جمعه مع الكاتب الصحفي Nicolas Truong؛ حيث يناقش المنعرجات الحديثة للحب، ولدعم أطروحته، اعتمد باديو على التقليد الفلسفي، مستحضرًا فلاسفة “مناهضين للحب” مثل شوبنهاور وفلاسفة “مدافعين عن الحب”، ولا سيما كيركغارد وأفلاطون؛ فيميز بالتالي ثلاثة مفاهيم فلسفية لهذا الشعور “النبيل”: -المفهوم الرومانسي الذي يركز على نشوة اللقاء. –المفهوم المشكك الذي يعد الحب وهمًا. –ومفهومه الخاص، الذي يجعل من الحب تجربةً للعالم انطلاقًا من الاختلاف، وليس من الذات.

يبدأ الحب بالنسبة لباديو من الانفصال، انفصال اثنين، ويعد لقاء هذه الازدواجية حدثًا، بمعنى أن الفردين لا يتوقعان هذا اللقاء، هذا المجيء الفجائي للآخر، ومن هذا اللقاء يحدث بناءً، بمعنى آخر ليس حياةً لشخصين بل حياة من شخصين، من وجهة نظر اثنين؛ لهذا من مهمة الفلسفة، كما هي مهمة الحقول المعرفية الأخرى، أن تدافع عن الحب[8]. وهنا على الأرجح يأتي قول الشاعر رامبو إنه يحتاج [أي الحب] كذلك إلى أن يُبْتَكَرَ من جديد، مؤكدًا هذا الفيلسوف بأن المجتمع يسعى إلى وعد الأفراد بعلاقات “صفر خطر”، بطريقة حرب “صفر موت”. في مواجهة هذه الأيديولوجيا الآمنة صحيًّا، يريد باديو أن يضع في مركز الحب “اللقاء”، الحادث عن الصدفة، وعن اللايقين، وانعدام السيطرة. مشيرًا إلى جانبٍ ثانٍ من هذه الأيديولوجيا، والذي يتمثل في القول إن الحب من أشكال التمتع، نشاط غير مهم وثانوي في حياة الأفراد. “في الحقيقة أعتقد بأن الليبرالية والإرادة الحرة تجتمعان حول فكرة أن الحب مخاطرة عديمة الجدوى”، يقول. إذ يجب أن تستمتع دونما أن تلحق نفسك بالآخرين، وأن تستهلك بأمان وبدون مخاطرة؛ إذ إن الأيديولوجيا الحديثة قد استبدلت على وجه خاص، الرغبة في الجنس؛ لهذا وجب الدفاع عن الحب؛ لأنه مقاومة ضد تسليع، وإضفاء الطابع السلبي على الأحاسيس والأجساد.

الاستحالة:

وأخيرًا، تشير هذه القراءات والآراء والنظريات والرؤى كلها إلى استحالة القبض على هذا الغامض المسمى حبًّا، وتفكيك كيميائه وتحديد حمضه النووي الذي يؤثر فينا ويحركنا إلى الأمام، ويجعلنا نربط علاقات أو نجددها، من حيث إنه “متجدد دائمًا”؛ لهذا يبقى الحب “كذبتنا الصادقة (…)/ هو الحبّ، يأتي ويذهبُ كالبرق والصاعقة”.

 

 

 


[1]  انظر كتاب: أفلاطون، المأدبة.. فلسفة الحب، ترجمة وليم الميري، أقلام عربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2019.

[2]  محي الدين بن عربي، رسالة الذي لا يعول عليه، دار الكرمة للنشر، ط 1، 2016.

[3] Hannah Arendt, Condition de l’homme moderne, éd. Presses Pocket, Paris, 1983, p. 91.

[4] C. Jaquet, P. Sévérac, A. Suhamy, Spinoza, philosophe de l’amour, extrait de la Préface, PUSE, 2005.

[5]  راجع: ويلو فيركيرك، نيتشه عن الحب، ترجمة: ميادة خليل: https://www.ida2at.com/love-when-nietzsche

[6] Luc Ferry, La révolution de l’amour, éd. Plon, Paris, 2010.

[7]  راجع، آلان باديو، في مديح الحب، ترجمة: غادة حلواني، دار التنوير للنشر، ط1، 2014.

[8]  المرجع نفسه، ص49.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق