غير مصنف

فكرٌ بلا مثيل – حوار مع جون-ليك ماريون حول الفيلسوف ليفيناس

حوار مع جون-ليك ماريون[1] قام به إمانويل لوفين وسفين أورتولي - ترجمة: عبد السميع البجيدي

 لقد خلق ليفيناس لغة فلسفية جديدة، لم يستطع إلا القليل من الفلاسفة تحقيق ثورة أدبية مماثلة لها.

لقد فتح ليفيناس مسارًا جديدًا، عندما جعل الإتيقا فلسفةً أولى، ضدًّا على الأنطولوجيا. ينفلت الغير من محاولتي لامتلاكه، ولإعطائه معنى: إنه يسائلني ويأمرني. إن التجربة المتفردة للإفراط في الدلالة تنبع من الظواهر« المشبعة [2]»، حسب التسمية التي يطلقها عليها جونلوك ماريون، الذي عايش لمدة طويلة الفيلسوف الفرنسي، والذي يستحضر الجدة التي شكلتها ولادة الفكر الليفيناسي.

 

– كيف تفسر شعبية مؤلفات ليفيناس؟ أنعيش لحظة ليفيناسية؟

جونلوك ماريون: يمكننا أن نصف تاريخ تلقي ليفيناس وتأويله دون أن نحصره في لحظة واحدة؛ إذ إن عملية تلقي فيلسوف ما، هي جُماع الأغاليط التي نصبغها عليه. ظهر ليفيناس، لعموم الناس، في السنوات التي جاءت بعد تقاعده سنة 1974م في صورة سوء فهم مقتضاه أنه مفكر الاختلاف. لقد لامست الأسئلة التي دارت في ثمانينيات القرن الماضي، من جهة، الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي؛ ومن جهة أخرى، الحركة المضادة للعنصرية التي أُطلقت تحت شعار لا تلمس رفيقي[3]. هنا، وجد ليفيناس نفسه غارقًا في نقاشات طويلة؛ بقدر ما حجبت فكره؛ أسهمت في انتشاره. على كل حال، إن عظمته حديثة العهد؛ نظرًا لأن نجمه لم يسطع خارج عالم الفلسفة.

وصل ليفيناس من ليتوانيا إلى ستراسبورغ، بعد الحرب العالمية الأولى، وكان أحد الأوائل الذين تحدثوا عن إدموند هوسرل في فرنسا، مُسهمًا بذلك في ترجمة التأملات الديكارتية[4]، وهي المحاضرات التي نُشرت بالفرنسية عشرين عامًا قبل أن تنشر بالألمانية! لقد كان (ليفيناس كذلك) أحد الفرنسيين القلائل الذين حضروا دروس هوسرل ومساعده الشاب مارتن هايدغر. إن دور الوساطة هذا (الذي لعبه ليفيناس) جعل منه وجهًا أساسيًّا رغم أن سارتر والنزعة الوجودية قد حجبا أهميته.

يعزى الوضع الهامشي الذي عاشه ليفيناس إلى كونه لم يجتَز التبريز، ولم يكن خريجًا للمدرسة العليا للأستاذة (عكس سارتر مثلًا، وأرون، وكونغيليم)؛ لكن بعد الحرب مباشرة، صارت فلسفته ذات أهمية بالغة.

كان ليفيناس يُقرأ دون أن يُفهم حقيقة، ودون أن يُدرَّس. ينبغي أن نعترف أننا أحسسنا ببعض الخوف منه؛ من غضباته الباردة والمدمرة أحيانًا، لقد كان يقدم بعض الحجج لأولئك الذين لا يشاطرونه موقفه؛ لكن ما إن يجد لديهم مقاومة حتى يتخلى عن الأمر كله، لم يكن مفكرًا يتحاور، شبيهًا بما قاله دولوز عن كون “الفيلسوف الحقيقي لا يتحاور إطلاقًا”[5]؛ لذلك لا يُعترَضُ عليه؛ بل يحترم؛ لكن من بعيد، خاصةً أنه لم يُفهَم أو أُسيءَ فهمه (لننظر في نص “العنف والميتافيزيقا”[6] الذي كتبه دريدا سنة 1964 والذي كان ذا دور مهم في شهرة كاتبه). باختصار، ولأمد من الزمن، قُرِئ قليلًا ولم يُدرَّسْ.

– لقد أشرتم إلى الثورة النظرية التي قام بها وإلى صعوبة فهمه، هل يعزى هذا الأمر إلى أسلوبه العسير، وفي الآن نفسه، غير المسبوق؟

جونلوك ماريون: لا يمكن أن ننكر أنه أبدع لغةً فلسفيةً جديدةً. وقلة هم الفلاسفة الذين نجحوا في القيام بثورة أدبية مماثلة. يظل أسلوب سارتر راسخًا في المعجم الفلسفي الكلاسيكي لفلسفة المدرسة، مثله مثل أسلوب برغسون، والأمر مخالف لمعجم ليفيناس: الذي ترعرع في الشعر الروسي، وعرَف لغات أخرى بشكل دقيق، والذي كانت الفرنسية، بالنسبة إليه، لغة أجنبية كان عليه تملكها؛ مقحِمًا فيها إبداعات جديدة  -سواء علم ذلك أو لا.-  لقد كان يكتب بلغة فرنسية أخرى، صانعًا معجمًا جديدًا، وبانيًا لكلمات فلسفية كانت قبله مجهولةً أو غريبة بالنظر لاستعماله الجديد.

إن مصطلحات: الوجه[7]، الماهية[8]، الاصطفاء[9]، الإنابة[10]… لم يكن لها مقام المفهوم. الاهتمام بالمتعة، الإيروس[11]، الغداء، البيت… معجم لم ينبع إطلاقًا من لغة الفلاسفة الجامعيين. تشكل هذه النقطة إحدى النقاط المشتركة بينه وبين هايدغر (على خلاف هوسرل)، الذي كان يكتب بألمانية أخرى غير التي يكتب بها الأساتذة؛ مستعملًا الشعر واللغة اليومية. يبدو لي أن في لغة ليفيناس الكثير من سيلين[12] بقدر ما فيه من روني شار[13] (مثال ذلك توضيحاته حول “ما-بيننا”[14]، “بعدكم”[15]…). لكن بعيدًا عن هذه الثورة الأدبية، أنجز ليفيناس ثورة نظرية، تقوم على تأكيد معين، أو بالأحرى، تقوم على نفي: “أن تكون أو لا تكون، ذاك ليس هو السؤال”.

– هل يعارض مارتن هايدغر من خلال فعله هذا؟

جونلوك ماريون: في الواقع، يطرح هايدغر، في كتاب الكينونة والزمن[16]، المؤَلَّف الذي أثر في ليفيناس بشكل عميق، سؤال الكينونة، وهو السؤال الذي يرى هايدغر بأنه نُسي من طرف التقليد الفلسفي؛ لذلك، اهتم بالأنطولوجيا، ساعيًا، من خلال قول ما تقوم عليه، ليس الأشياء الموجودة، أو الموجودات، وإنما قول ما يقوم عليه حدث وجودها نفسه، أي الكينونة؛ لكن ليفيناس، منذ مقالته سنة 1953 “هل الأنطولوجيا أساسية؟”[17]، يطرح السؤال الجذري الذي يخص المتعالي، و”اللامتناهي”، ويخص ما ينفتح ما وراء الماهية وعلى نحو آخر غير الكينونة؛ لذلك لم يكتفِ فقط بطرح السؤال؛ وإنما قدم عنه جوابًا تحت مسمى “الإتيقا”. لماذا؟ لأن “الإتيقا” إذا ما أخذت بمعنى جديد، ترتبط بوصف الموجود أكثر من الوجود؛ ليست انفتاحًا على الوجود[18] بشكل عام؛ بل على موجود[19]، وعلى موجود خاص جدًّا: الغير[20]، الآخر الجذري الذي ينظر إلي.

يعني ليفيناس بالتعالي العلاقةَ مع هذه الخارجانية الجذرية[21] التي يفتحها الغير، والذي يصير مركزًا ثقل محل الدازاين. إنه مركز ثقل: ومعه كل شيء يصير وازنًا وثقيلًا بفعل هذه النظرة التي تخرجني من مركزيتي وتعيدني إليها.

أقول بكل بساطة: الإتيقا، وليس الأنطولوجيا، هي الفلسفة الأولى- هذا هو المدخل العظيم.

– يقول ليفيناس عن نفسه بأنه فينومينولوجي، وريث لهوسرل وهايدغر. ما الذي يعنيه هذا الأمر؟

جونلوك ماريون: تقوم الميتافيزيقا، من حيث أنها نسق الفلسفة الكلاسيكية، على استنباط أشياء العالم انطلاقًا من مبادئ يُفترض أنها موحِّدة وكونية، فنجد أنفسنا راضين إذا ما تم هذا الاستنباط وفق أفضل تناسق ممكن، حتى في التفاصيل الدقيقة جدًّا. ونأتي فيها دائمًا في النهاية إلى طرح الأسئلة نفسها: “هل هذا الأمر حقيقي فعلًا؟ هل يمكن معرفته موضوعيًّا؟” أو على النقيض “أليس ذلك سوى وهم، وتمظهر ذاتي؟”. تعمل الفنومينولوجيا على إحلال وصف الظواهر محل استنباط الأشياء؛ أو الأشياء من حيث إنها تظهر، من هنا يشتق اسم الفنومينولوجيا، أي خطاب عن الظواهر. يقول هوسرل: لنبدأ بوصف ما يحدث، ولننظر إلى ما يظهر فعليًّا؛ وإلى ما يُعطى في التجربة. بعد ذلك فقط، يمكننا أن نضع رؤية قائمة لمختلف مستويات التمظهر والعطاء، وسنجد ربما فقط أسئلة الميتافيزيقا. ينبغي إذن أن نشرع في وضع سؤال “الوجود أو اللاوجود” جانبًا، كي نصف الظواهر كما هي؛ إذ لم يعد الأمر يتعلق بالمظاهر بل بالظهور؛ أي بالظواهر. فسواء كان الظهور ذاتيًّا على نحو خالص، كما يتعلق بالمركب السكران[22] لرامبو[23]، فهذا لا يمنع “المركب السكران” من الظهور، إن ظهوره يشع حياةً أكثر من أي مركب مادي. فالقول إن المركب السكران لا يوجد إنما هو قول أجوف. إنه موجود دونما أي شك، وحتى وإن لم يبحر على متنه أحد، السؤال (سؤال الوجود) ليس هو السؤال هنا.

تفتح الفنومينولوجيا مجال الظهور دون قيود، لقد انتشرت أولًا في المجال الذي ظهرت فيه، أي المنطق؛ لكن ما لبثت أن طالت مجالات أخرى، فطُبِّق منهجها الوصفي على كل ما يظهر: على العالم، وعلى الزمن، وعلى الجماليات، وعلى الإتيقا، وعلى “القيم”، وأخيرًا على العلاقات مع الآخرين- أو البين-ذاتية حسب القول المغلوط. في التأمل الخامس من تأملات ديكارتية لهوسرل؛ لم يكن ليفيناس فقط من اهتم بالعلاقة بالغير كما هو (وليس الآخر بشكل عام)، بل كان أول من بيَّنَ أن هذا الغير ليس موضوعًا لي؛ إنه ليس وجودًا. وعلى العكس من ذلك، فهو يتبدَّى في الإلزام والاحترام، ولا يتبدَّى إلا فيهما. من هنا يكون تأكيد البين-ذاتية سؤالًا إتيقيًّا. يصير بذلك نقد ليفيناس لهوسرل، بمعنى من المعاني، شبيهًا بنقده لهايدغر: بحيث تغدو اللحظة الحاسمة في الفلسفة هي ما يحدث في العلاقة مع الغير، والعلاقة مع الغير تفرض الإتيقا.

– يشكل مفهوم وجه الغير مفهومًا مركزيًّا في فلسفة ليفيناس، وهو ما يمكن أن يرسخ بذاكرتنا حتى دون أن نقرأه. ألا فسرتموه لنا؟

جونلوك ماريون: يعرف ليفيناس الوجه مستعيدًا فكرة اللامتناهي [24]لدى ديكارت؛ لكن مع إعطائها معنى آخر. فديكارت يعني بها فكرة الإله، أما ليفيناس فيعني بها فكرة الغير. فما الذي يشده، إذن، إلى فكرة اللامتناهي؟ ما يشده إلى ذلك هو الوضعية التي يعجِز فيها فعل المعرفة، أو المُتَضَمِّنُ، أو فعل الوعي[25]، عن ملامسة موضوع المعرفة، أو المضمون، أو موضوع الوعي[26]. وهذا هو التعريف الذي يعطيه ديكارت: لا يمكنني أن أفهم فكرة اللامتناهي، ولا يمكنني أن أحيط بها، ولا يمكنني أن أضعها في كُلٍّ (شموليٍّ أو لا متناهٍ)؛ لكن ما دمت غير قادر على فهمها، فهذا يشكل أحد ملامح معرفتي بها؛ إذ إن فكرة اللامتناهي من الخارج، وليست آتية مني أنا الكائن المتناهي، إنها تأتي من اللامتناهي عينه: الإله.

خلافًا للتفكير الميتافيزيقي، الذي يرى أنه إذا لم نقدر على فهم اللامتناهي؛ فإنه يكون غير موجود (لكن ماذا يعني في هذه الحالة فعل الوجود؟)، يبلور ليفيناس تصوره عن اللامتناهي انطلاقًا من مفهوم الوجه، فالوجه مثله مثل اللامتناهي، بل وأكثر منه، ينبغي أن يظل غير مفهوم، وغير معروف، وغير قابل لأن تحتويه الشمولية؛ مخافة أن يقع في مَطَبّ الواجهة، مَطَبّ الموضوع. يقوم الاختلاف بين فكرة ليفيناس عن اللامتناهي وفكرة التأمل الميتافيزيقي حولها، في أن هذا اللامتناهي الخاص بالوجه لا يأتي من الإله؛ بل من كل “غير” ممكن. صحيح أن الإله يقدم بدون شك وجهًا أيضًا، أي يقدم “الوجه” على نحو أصيل (بامتياز)؛ لكن هذا سؤال آخر.

– إذن، فهو (ليفيناس) يعرف الوجه انطلاقًا من الغيرية؟

جونلوك ماريون: يعرفه بوصفه غيرية جذرية. ففي هذا المكتب الذي أستقبلكم فيه، هناك أشياء أتحكم بها، مثل هذه اللوحات والنقوش التي أود أن أضعها بشكل دقيق، إلى حد الهوس. لكن هناك مكانان اثنان، إذن “لا مكانين”، لا يمكنني أن أتحكم بهما: هما أنتما. أنتما لستما شيئين /موضوعين، أنتما الَّلذَان تتحكمان بي، وتراقبانني. بالمناسبة ما كنت لألبس بدلتي، أو ربطة عنقي لولا قدومكم لرؤيتي. ليس الغير هو من أنظر إليه أنا مهما أُحِيطَ بالأشياء التي أنظر إليها؛ بل هو ذاك الذي ينظر إليًّ. لا يمثل الوجه أي شيء بخلاف الأشياء الأخرى، بل يحضر من منطلق ذاته. ومنه، لست أنا من يجعله مرئيًّا؛ بل هو من يكشف عن نفسه بنفسه. إن المُفَكَّرَ فيه هنا، هو الذي يحدد كل شيء.

إنني لا أعود مركزًا في هذه العلاقة مع الغير، فأطرد من كوني مركزًا للعالم، بطبيعة الحال يحدث أن أجد نفسي -أمام حشد أو جمهرة من ذوي الطاقيات الحمر[27] أو السترات الصفراء[28]– بحيث أنظر إلى الناس دون أن أفقد مركزيتي، وهنا تحديدًا، لا يكون أي وجود للغير.

– كيف يتداخل الوجه مع الواجهة، ومع الوجه، ومع الفم، ومع الحواجب، ومع العينين؟

جونلوك ماريون: قبيل قليل تحدثت عن الواجهة. إن الوجه يضفي طابع الحياد الأمبريقي على الغير: فالغير لا يمارس علي إلزامًا لأنه يمتعني أو لأنه يشعرني بالاستياء؛ بل بإمكاني أن أُكِنَّ له شعورًا بالالتزام بالنظر إليه كيفما كان؛ لأن كينونته غير مهمة. فطالما ليس هناك وجه؛ فإن الغير يبقى مجرد واجهة، أي يبقى موضوعًا يخفي عني شيئًا لأراه، ويخفي جزيئات فيزيائية تحتاج إلى التدقيق. ومنه، فكل واحد يصير مرئيًّا كما يريد، بناءً على علاقة قوى ملائمة: إنه يغري أو يهدد، يقتل أو يصمت، خلف هذه الواجهة.

– في كتاب “على نحو آخر غير الكينونة”[29]، يستعمل ليفيناس مصطلحات من قبيل الاصطفاء[30]، الشهادة[31]، التضحية[32]

جونلوك ماريون: أرى بأنه في كتاب “على نحو آخر غير الكينونة”، هناك تجذير للمدخل وتوسيع لمجال الصراعات: فسؤال الغيرية يسير إلى ما هو أبعد من الإتيقا. فقد بدأ ليفيناس بالحديث عن الاصطفاء، وعن الإنابة[33]، وعن التضحية، وعن الصفح[34]… ويبدو لي بأنها لا ترتبط فقط بالإتيقا. ولا ينبغي أن ننسى، وبشكل خاص، أن هذه المصطلحات مستمدة من المعجم التوراتي.

– ألهذه الأسباب، عُدَّ في الأوساط المسيحية الكاثوليكية بروتستانتيًّا؟

جونلوك ماريون: لقد حدث التآلف مع مفكرين بروتستانت وكاثوليك، أكثر مما حدث في الأوساط الجامعية حيث تسيطر النزعتان الوضعية[35] والمنطقية[36]، سواء تعلق الأمر بالبنيويين العلميين، أو بالنزعة الصورية[37] في الفلسفة التحليلية، أو بالنسقية الهيجيلية، أو بالمادية الماركسية… حيث لم يجد ليفيناس مكانه.

لقد كان ليفيناس يمثل هجومًا مباشرًا على فلسفة الجامعة، التي بقيت بالأساس نظرية للمعرفة، سواء أمادية كانت أم روحانية. ومن ثم استقبله أولئك الذين كانوا قادرين على تكوين نظرة مغايرة عن الفلسفة، خاصة بعض المفكرين المسيحيين. وهكذا، ففي لوفان[38]، في مركز سيفير[39] بالمعهد المسيحي بباريس، كان لديه طلابه ومتتبعوه الأوائل. أتذكر كذلك مؤتمر كاستيلي[40]، الذي ينظم بروما كل سنتين، والذي نتحدث فيه عن فلسفة الدين. هناك عُرف وتميز. صحيح أنه لا يؤمن بتجسيد المسيح بالمعنى المسيحي؛ لكن هذا لم يزعج أحدًا؛ نظرًا لاستعماله مصطلحات جديدة بشكل جذري، والتي كانت ذات معنى مفهوم بالنسبة إلى اللاهوتيين والمؤمنين.

– لقد وسعتم بشكل أكبر المجال الذي انفتح معه:

جونلوك ماريون: وجدتني أطرح السؤال عما إذا لم يكن “الإفراط” الذي نصادفه في الغيرية الإتيقية، لا ينتج إلا في هذه الحالة الخاصة (أي الغيرية الإتيقية)، وخلصت إلى نتيجة مفادها بأن هناك ظواهرَ أخرى غير مفهومة، أي إنها غير قابلة لأن تدخل في إطار المفهوم[41]. هذه “الظواهر المشبعة”، كما سميتها، يمكن تقسيمها إلى أربعة أنواع: “الحدث التاريخي”، غير المتوقع، وغير قابل لإعادة إنتاجه والذي لا يقبل أن يفهم بشكل قطعي؛ “الصنم”، أو العمل الفني، الذي تحدث عنه كانط بكونه يُمتع بشكل كوني دون مفهوم، فيبقى غير قابل للاختزال في موضوع ما؛ “الغير”، مثلما فكر فيه ليفيناس؛ ثم “بدني”[42] (أو الحياة بالنسبة لهنري ميشيل، أو ما يصفه ميرلوبونتي بأنه جسد حي). “الظواهر المشبعة” تعمم وتعطي معنًى لما قاله ليفيناس عن الإتيقا.

لكن هناك شيء آخر، وهو ما شكل موضوع أحد الحوارات العمومية الأخيرة التي قام بها ليفيناس سنة 1985 (الذي نشر في كتاب “على نحو آخر غير المعرفة”[43]): هل يجب أن نتحدث عن الإتيقا، أو بشكل محدد عن الحب؟ كان لي نقد وهو الآتي: الإتيقا كونية، على الأقل من الناحية المبدئية. إنها هي نفسها بالنسبة للجميع، لأنها ليست مُفَرْدَنَة (لا تُعنى بما هو جزئي).

يبقى الوجه، بالنسبة لليفيناس الأول، مجردًا وغير مرئي مثله مثل القانون الأخلاقي لكانط، وهو صوري دون أي مضمون. صحيح أن هذا الوجه يقلب الأنا رأسًا على عقب بوصفه “نقطة الصفر”[44] (كما يسميه هوسرل)، ومركزَ العالم؛ لكنه لا يقلب أَنَايَ الكلية (الإمبريقية كذلك)، ولا أَنَايَ الجزئية، بخلاف الظاهرة الإيروتيكية.

إن الظاهرة الإيروتيكية لا تؤسس فقط علاقتي مع الغيرية الجذرية بشكل عام؛ لكنها تجعلني فردًا وجزءًا، وذلك من خلال وجه جزئي ومتفرد. إنها تضعني تحت سلطة الغير، هذا الغير بعينه، وليس أي غير كيفما كان. من هنا، تتخذ خصائص هذا الغير شكلًا آخر، في العلاقات الجسدية فقط. لا ينكشف الوجه بوصفه وجهًا (ولا ينكشف لي أنا كذلك) إلا بمروره من الإتيقا إلى الحب. وهذا هو ما قدمه لي ليفيناس في هذا الحوار العظيم (على خلاف التحذير الذي أطلقه ليوتار، على ما يبدو لي). أضف إلى ذلك أنني أجد نفسي دائمًا تلميذًا له.

 

 


[1] Jean-Luc Marion فيلسوف فرنسي، ولد سنة 1946، وتتلمذ على يد فردناند ألكيي، وجاك دريدا…، يدرس الميتافيزيقا بجامعة السوربون بباريس، ويشرف على سلسلة « Epiméthée » منذ 1981. له مؤلفات عديدة تتحدث عن الميتافيزيقا، والفينومينولوجيا، والإتيقا…

[2]Les phénomènes saturés: الظواهر المشبعة. ويقصد بها جون-لوك ماريون الظواهر التي تأتي الوعي بشكل يتجاوز الوعي ومحاولته للإحاطة بمواضيعه. إنها ظواهر تأتي بأشياء تنفلت من قبضة الذات، والأنا، والموضوعية.

[3]SOS Racisme «Touche pas à mon pote »: حركة مناهضة للعنصرية ولأشكال التمييز كلها، ظهرت سنة 1984م بفرنسا.

[4] Méditations cartésiennes: « Der cartesianischen Meditatione » كتاب تأملات ديكارتية، ألفه هوسرل سنة 1931. عدَّه مؤلفه مدخلًا للفينومينولوجيا.

[5] « Un vrai philosophe ne dialogue jamais »

[6] « La violence et la métaphysique »

[7] visage

[8] essence

[9] élection

[10] substitution

[11] L’Éros.

[12] Louis-Ferdinan Céline المعروف بـCéline: كاتب وطبيب فرنسي ولد سنة 1894 بفرنسا، وهو أحد الأدباء الكبار في القرن العشرين. اشتغل بقضايا السياسة، والعنصرية ومعاداة السامية…

[13] :René Char شاعر ومناضل فرنسي ولد سنة 1907، ويعد أحد الشعراء الكبار في القرن العشرين، الذين وسموا الشعر الفرنسي المعاصر.

[14] «Entre-nous» كتاب ألفه ليفيناس سنة 1991.

[15] « après vous » يرى ليفيناس أن هذا التعبير اللطيف والمؤدب، هو أعظم تعريف يمكن تقديمه للحضارة الإنسانية.

[16] L’être et le temps

[17] « L’ontologie est-elle fondamentale ? »

[18] L’être

[19] L’étant

[20] L’autrui

[21] Extériorité radicale

[22] Le bateau ivre

[23]Arthur Rimbaud: شاعر فرنسي ولد سنة 1854، وقامة بارزة في تاريخ الأدب الفرنسي.

[24] L’infinie

[25] La noèse.

[26] Le noème.

[27]:Les Bonnets rouges  حركة ظهرت في بريطانيا سنة 2003.

[28] :Les Gillets jaunes حركة ظهرت في فرنسا سنة 2018.

[29]Autrement qu’être » كتاب ألفه ليفيناس سنة 1974.

[30] L’élection

[31] Le témoignage

[32] Le sacrifice

[33] La substitution

[34] Le pardon

[35] Le positivisme

[36] Le logisme

[37] Le formalisme

[38] Louvain

[39] Centre Sèvres

[40] Colloques Castelli

[41] Non conceptualisables

[42] Ma chaire

[43]:«Autrement que savoir» كتاب لليفيناس بالشراكة مع Guy Petitdemange، ألَّفاه سنة 1988.

[44] «point zéro»; «Nullpunkt»

 

المصدر:

Hors-série Levinas by Philosophie magazine

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق