مقالات

الفلسفة والعِيشَة الطيّبة – بثينة المعيقل

“يتبرم أغلب الناس يا بولون بمرارةٍ من قساوة الطبيعة، لأننا نعيش حياة قصيرة. وحتّى هذه الفسحة المُعطاة لنا تمضي بسلاسة في لمح البصر إلى الحدّ الذي تجد فيه حياة الغالبية العظمى من الناس – مع استثناءات بسيطة – قد قَضَت وانتهت بمجرَد أن تُهيّأ لعيشها. ولا تظُنن أن المُتحسّرين – على هذا الشرّ الكونيّ – هم العامّة فحسب؛ بل إن المشاعر ذاتها تقبع خلف استياء الرجال الممتازين. ومن هنا جاء القول المأثور لأعظم الأطباءِ طرًّا “قصيرةٌ هي حياة البشر، أمّا الفن فحياته مديدةٌ”. ومن هنا أيضًا كان الاستياء – غير اللائق بالحكيم البتّة- الذي أظهره أرسطو من قوانين الطبيعة؛ لأنها مَنحت بعض أنواع الحيوانات خمسة أو حتى عشرة أضعاف أعمار البشر، بينما حَصَرت الإنسان المُعدّ لعظائم الأمور وجليل الأقدار في عمر أقصر. بيد أن الأمر ليس ضيق فُسحة عيشنا؛ بل هو أننا نُهدِر جُلّها. إن مساحة العيش كافية، وقد مُنح لنا مقدارٌ سخيّ ووافٍ إذا ما استُثمر الوجود على الوجه الأمثل؛ لكنه إذا ما بُدّدَ في ترفٍ مُستهتر وصُرف في غايات رديئة؛ فإننا إذ ذاك نُجبر في نهاية المطاف، وبقيود الموت الأخيرة على أن نكتشف أن الحياة أَفلَت وتوّلّت وما أدركنا أنها تَنصَرِم.

زُبدة القول: نحن لم نُمنح حياةً قصيرة؛ بل نحن من يجعلُها كذلك، ومَواردنا ليست شحيحة، إنما نحن مسرفون، ألا ترى كيف أن الثروة الوافرة عندما تؤول إلى سَفِيه تُبعزق في لحظات، ولكن الثروة مهما كانت متواضعة، حين يُناط بها إلى قيّم حصيف، تنمو وتربو؟

هكذا هي الحياة؛ إذا ما عِشناها بكثافة وعُمق، اتسع أُفقها وغَار قرارها”.

 – سِنكا، “في قصر الحياة[1]“.

 

الفلسفة ليست ضروريّة ليعيش المرء حياة طيبة. حسمتُ أمري حين سأل المُسنّ أمامي محاسب المتجر: “أنت طيّب أو مبسوط؟”. فكما أنه في وسع بعض البسطاء التفكير السليم بلا دراسةٍ للمنطق، هم كذلك قادرون على العيش الطيّب دون دراسةٍ لعلم الأخلاق. إنما الفلسفة ضروريّة لمن هوَ بأمسّ الحاجة إليها؛ لِذي العَقلِ الذي يَشقى في الوجود بِعَقلِهِ. والحال أن عَتمة سيزيف قد لا تُضيئها شُعلة  بروميث إلّا إذا قُصدت[2].

Prometheus by Einrich Fueger 1817

لا يكمن جوهر “مَحبّة الحِكمة” في منح الإجابة الشافية الصلبة، إنما في إشكال يبدأُ كانقطاع عن التلقائيّة والاعتياد؛ ليضع الشيء مَوضِع تساؤل، محاولًا استردادهُ إثر تَبريره. والتساؤل المطروح ههنا عن ماهيّة الحياة الطيّبة ليس محض إشكال نظريّ؛ بل يواجه عمليًّا أيضًا على مستوى الخبرة المعيشة. وهنا تحديدًا، أي عند تَمفصُل النظريّ والعمليّ، تَتموضع الأخلاقيّات لتُعنى لا بما هو كائن، بل بما ينبغي أن يكون.

المُنعطف اليودايموني:

بالعودة إلى المتن الإغريقي نجد أن العِلمَين العَمَليّين الأهم؛ الأخلاق التي تستهدف الفرد والسياسة التي تستهدف الجماعة، مشتركان في الغاية؛ تحقيق اليودايمونيا Eudaimonia. هذا المُصطلح الذي يُترجم بشكل فضفاض إلى السعادة، يُحيل بصورة أدق إلى الازدهار الإنساني أو الرفَاهية كما يتجلّى في حياة كاملة لا فترات وجيزة؛ لأنه الخير الأسمى وغاية الحياة الإنسانية.

لكن ليس لليودايمونيا صيغة واحدة صالحة للكلّ؛ بل تتعدد اتجاهاتُها؛ الأول يربطها بالفضيلة الفلسفيّة المؤسّسة عقلانيًّا؛ حيث العقلانيّ انسحابٌ من الجزئي والعَرَضي واندماج في المشترك الإنساني الكليّ. هذه الفضيلة تُقرّ بحقّ الفاعل؛ حق الإنسان في استخدام عقله – أسمى امتيازاته – للحُكم على الأمور، ونقد العُرف والموروث الاجتماعي، دون الخضوع له قسرًا. وفي الحياة من التعقيد والتواشج ما قد يجعل الإنسان عاجزًا عن أن يمخَرَ عبابها بقائمة أوامر ونواهٍ. إنما ما يحتاج إليه لأجل التفريق بين الخير والشرّ هي البصيرة؛ علّة الفضيلة ومعلولها معًا، حيث مَلَكة تمييز الخير الحقيقي فعلٌ أخلاقي بحدّ ذاته. الآن، إذا كانت الفضيلة مشروطة باستخدام العقل للسيطرة على الأهواء؛ فهذا يعني ضرورة وجود الأهواء حتى يسطر عليها؛ بل وحتّى في الأصل اللغوي العربيّ نجد أن لفظة “العقل” اشتُقّت من عَقَلَ الدَّابَّةَ إذا ضمّ أطرافها مَعًا بِالعِقَالِ ليمسكها عن الحركة. ومن ثم فإن أيّ مثال أخلاقيّ زاهد يستأصل الانفعالات يُغفِل أن الأرقى لا يستبعد الأدنى؛ بل يتضمنه ويتجاوزه.

أمّا الاتجاه الآخر في الأخلاق فهو نسبيّ؛ إذ يؤسسها على الجزئي، ويضع غايتها خارجها. ويتفرّع هذا الاتجاه إلى فرعين: الأول، معاصر يرى أن المنفعة العامة هي التي تعُدّ الخير ما يحقق السعادة لأكبر عدد من الناس. والآخر، مذهب اللّذة “الهيدونيّة” الذي يعدّ الخير ما حقق أكبر متعة للفرد. غير أن المشكل هنا أن ثمّة أحوالًا تكون فيها متعة الفرد هي عدم متعة فرد آخر ؛ وبالتالي الشيء الواحد يكون خيرًا وشرًّا في الآن نفسه، ومن ثم دُمّرت التفرقة الموضوعيّة بين الاثنين. كما تُرشدنا المفارقة الهيدونيّة إلى أن البحث المستمرّ عن المتع والملذّات لا يؤدي إلى السعادة على المدى الطويل – أو حتّى القصير – حينما يتعارض التقصّد الواعي للمتعة مع الخبرة ذاتها[3].

الحياةُ الطيّبة لا تُحدّ مفهوميًّا:

بالالتفات إلى المفهوم، نَلفى أن “الطيّب” تعبيرٌ عن الاستحسان، يُقال طابَ العيش إذا رَغد وَزكا، وتُحيل “الحياة” إلى فُسحة بين الميلاد والموت، يَهدينا وعيُنا بذواتنا في تدفّقها المُستمرّ إلى حَدس أنها ديمومة متلاحقة الموجات مُتشعبة الاتجاهات[4]. في حين أن المفهوم المركّب منهما من التعقيد والشساعة حتّى إن أيّ محاولة لحدّه تُحجّره فيجمُد في قالب. إن “الحياة الطيّبة” بطبيعتها ديناميّة مَرنة تعكس تدفّق الحياة كما تغيّر الكينونة التي هي في صيرورة دائمة تبدأ مع الميلاد ولا يُنهيها سوى الموت. وههنا نصل إلى أن الحياة الطيّبة في صميمها تأهبٌ لموتٍ يتوّجها. والإنسان منذُ أن وُلدَ فأصبح كائنًا يحيا، إلّا وصار يموت شيئًا فشيئًا . ساعته الأخيرة لا تُحضر موته، إنما تُكمل تمخّضه ليخرج من رَحم الحياة بعد أن تبلغ نفسه أقصى التجوهر وتخلع عنها الجسد.

إن مواجهة الموت تخلعُ القيمة القصوى على الحياة حين تُشعر الإنسان بتناهٍ حادٍّ يحدوه لضخّ مزيدٍ من الحياة في حياته. أمّا تجاهُل الموت، حرصًا على صحة العاطفة، فخيانة للذات؛ لأن مَن يتناسى الموت قد ينتهي إلى نسيان الحياة.

الحياةُ الطيّبة ليست مَحطة وصول:

على الرغم من أن منشأ الإشكال في الغالب عدم رضًا يروم بلوغ استقرار ما؛ إلّا أن “الحياة الطيّبة” ليست وجْهةً تُبلغ، إنها أفق لا يفتأ يترامى، وهنا مكمن المفارقة؛ البُلوغ متضمنٌ للوصول، والوصول وحدَة مُنغلقة ساكنة، تَجمّدٌ في الحاضر وقتلٌ للأبديّ. إن الحياة الطيّبة تتفلّت من المرء، ويظلّ يسعى طوال العمر خلفها، لابثًا يراوح مجالًا قطبيًّا قائمًا بين الواقع والتطلّع، بين الحاضر والأفق، بين الإمكان والفعل، بين المتزمن والسرمديّ.

أليس الإنسان ذلك الموجود اللامُكتمل واللاقانع، الذي ينشُد أكثر مما يمتلك، ويمزج الواقع بالقيمة ليتحرّك في أبعاد ميتافيزيقيّة تعجّ معنىً ودلالةً؟ إنه يعيش من أجل ما لم يُوجد بعدُ، يجذبه المستقبل إليه بقوّة الرغبة التي تُشعشِع موضوعها ساحرًا مغلفًا بالإمكان والغموض والشاعريّة؛ لكن الحيازة إذ تُطفئ الأنوار؛ حينئذ يعاود الكَرّة. كفاحه ليس عارضًا؛ بل من صميم ماهيّته. وهو أيضًا الموجود في سبيل التحرر، لا يبلغ حريّة محضة. حريّته ليست اعتباطيّة مطلقة؛ فعل ما يشاء كيف وأنّى شاء متحرّرًا من الحدّ والظرف؛ بل هي بالأحرى حريّة اتخاذ الموقف إزاءهما، فهو لا يُفيق إلى نفسه إلّا ويجدها أسيرة نسق ما يحدّه: البيولوجي، الاجتماعي، التاريخي. وبهذا وعيُه كسبٌ لا واقعة؛ دراما وجوديّة مُقترنة بالقلق، وعملية تكوينيّة تتم في الزمان محاولةً التغلب على المقاومة وشتى العوائق بتوسّل إرادة مجاهدة بالضرورة؛ ذلك أن الوعي كلما تيقظّ، وُجدَت الذات الأصيلة وازدادت مقاومةً للسقوط في غواية الآراء الجمعية؛ حيث يضمحلّ الوعي الفردي وتذوب الذات في الجماعة.

الحياة الطيّبة فاعِلية مقاومة:

إذًا، إحدى غايات الحياة الطيبة تكوين أصالة فرديّة جريئة وعفويّة بتوسّل جُهد يُبقي الوعي متيقظًا، يصقلُ الفرد فيها ويُمارس ملكاته العقلانية وقدراته ومواهبه، ولديه صداقات متوافقة الاهتمامات، وهو متعاطفٌ مع ذاته أولًا، ثم مع الآخرين. ومع أنه قد يُتخذ عبر اجتهاده في تكوين حياته الطيّبة قدوة تُلهم الآخرين؛ إلّا أنه غيرُ قادر على فرض ما يَحسبه خيرًا على غيره؛ لأن كُلّ كينونة تُدافع عن نفسها، ولا تقبل تغييرًا إلا بمقدار ما يتناغم مع سائر طرائق وجودها. كما أن حياته تجمع بين النقيضين القناعة والطموح في آنٍ؛ القناعة رضًا، والطموح تعلّق بمُثل عليا مستحيلة البلوغ؛ لكنها ضرورية ليتجاوز ذاته. ومن يشعر بأن ثمّة قوة باطنة تدفعه إلى الترقي لا بدّ أن يعاني النقص؛ أيّ ألم الشعور بأنه دون ما ينبغي، ومن شأن هذا النقص أن يوّلد تناقضًا خصبًا في الذات بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؛ إذ الخصيصة المُميّزة للوجود الإنسانيّ هي كونه تساميًا بالذات وتجاوزًا لها، أكثر مما هو تحقيق لها. والتسامي هو ديالكتيك الذات الصائِر ضمن فضاءاتها الجوانيّة حيث تتقاطع أبعادها الديناميّة، وأيضًا ضمن فضاءاتها البرانيّة البَينيّة حيث تتفاعل مع: الإله، العالم، الآخرين، الأحداث… وهلمّ جرًّا.

وهكذا بُعد الإنسان البراني – الأفقي ليس إلّا علاقته مع الأغيار، حيث تبلور المواجهة هويّته. قطبه الأساسُ هو القول؛ همزة الوصل بين “الأنا” و”الأنت”. ومع أن الكلمات المُشتركة التي يتوسّلها للتعبير هي وسائطُ وعوائقُ في آنٍ؛ لكن يظلّ الحال أنه لولا اللغة – التي هي أولًا وبالذات ظاهرة اجتماعية – لبقيت الحياة عُزلة، وعاجزة عن اتخاذ الطابع السردي. فضلًا عن ذلك، يتوسّل الإنسان شبكة الألفاظ ليسيطر على الوجود؛ تُعبّر كلماته عن موقفه من العالم وتخلع أحكامًا قيميّة على الموضوعات؛ بخلاف القول، يتجلى البعد الأفقي أيضًا عبر الفعل؛ أن يقذِف الإنسان بجزء من نفسه خارجًا في صورة عمل أو فنّ إبداعيّ فيكون مرآة عاكسة لجوانيّته؛ إذ العمل جسرٌ تعبره الذات، بتطويع المادة والتغلّب على المقاومة والعوائق؛ لتصل إلى العالم الخارجي وتطبعه بطابعها، ومن ثم تتعرف على نفسها فيه، كما يتعرف عليها الآخرون، فتؤكد بذلك حريتها ومسؤوليتها. في حين أن بعد الإنسان البراني – الرأسي هو قُدرته على التعالي على واقعه؛ سواء باتخاذه موقف الشاهد الذي يُمكّنه من التساؤل حول حياته وما تحوي، أو عبر مُمارسة اللّعب والضحك بما فيهما من عفويّة وتحرّر من تقديس للغائيّة المنتجة.

أمّا بُعد الإنسان الجواني المُتمثّل في ارتداده إلى مركزه، فوثيق الصِلة بالألم. إن المشاعر تراوح بين قبض وبسط؛ السرور بطبيعته شعور باسط يفيض على الآخرين وينسى المرء به نفسه، أما المشاعر الصعبة فقابضة، ترتد بها الذات مُستبطنة إلى مركزها. وهنا ليس الألم مجرد كوجيتو وجودي؛ إذ “ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ”، إنما قيمةٌ عليا للذات لأنه في حركة مزدوجة يحلّ ويربط: يفصلنا عن الآخرين فيُشعرنا بالحدّ والتمايز؛ لكنه يعود ليعمّق ارتباطنا بهم إذا ما تُمثل وهُضم – وإن عَسُر – لأنه يُطهّر الذات فتَرهُف، ويخلع أصالة عليها حين يزيد غور جوانيتها، وهذا قدر الإنسان لمجرّد كونه يحيا، هو موعودٌ بمعاناة تُحرق وتُبارك. ولكي لا تُغرقه لُجّة اليأس، يحاول أن يشتقّ للمعاناة معنًى فيكون بها جديرًا، يُعاني بإباء ويسمو فوقها متوسّلًا قوّة إرادته. أمّا السؤال عن غائيّة المعاناة فيظلّ مُعلقًا، متجاوزًا بالضرورة المتناهي.

وربما هذا ما يُجلّي قوّة الروح؛ أن يقفَ المرء مُنتصب القامة حاملًا عبء الوجود على عاتقه، حيث الوقوف الجسدي يتضمن ويتطّلب الوقوف الميتافيزيقي، ويعمل “بالرغم من الموت”. ههنا تعدّ الشجاعة – باعتبارها تأكيدً للذات – مقولةً أنطولوجيّةً تشمل القلق الوجودي كوعي بالعدم أو بالعبث[5]. أمّا الشجاعة كسلوك وكقيمة أخلاقية، فلها جهتان؛ ساكنة ومتحرّكة. فمن جهة ثمة شجاعة وجود الذات كجزء من الجماعات التي تنتمي إليها. هيكل المجتمع الساكن المستقّر، حيث الأخلاق التقليديّة والتقاليد تتضمن عنصرًا دوغمائيًّا يُخضع الفرد آليًّا لأن مُهمّتها توفير بُنيّة اجتماعيّة مستقرّة، فينشأ وَهو يكنّ احترامًا داخليًّا للآراء والقواعد السلوكية التي يُمارسها من حوله، ويجد أن الشرائع التي درج عليها وتبنّاها ضميره هي الأصلح؛ لذلك الفضيلة الاعتياديّة للمواطن الأمين العادي مؤسّسة على التقاليد والأعراف التي لا يمكنه أن يخالفها من غير شعور بتبكيت الضمير. لكن بمرور الزمن نشأ خطر مضاد في التطور الإنساني؛ إذ أصبح تحجّر العادات وثقلها مُهددًا بضياع الحريّة الجوهريّة التي تتيح للإنسان الأصيل تجاوز نفسه. هذا التجاوز الذي يتطلّب فترة طويلة من اللاحريّة والالتزام بهيكل أخلاقيّ متماسك حتى ينضج الوعي فيُدرك أن حريّته ليست في التخلّي عن القانون الخارجي، وإنما في السيطرة عليه. وهكذا، ومن جهة أخرى، هناك شجاعة الوجود كذات منفصلة تُقرر أمر نفسها فتسلك طريقها اللامُعبّد حيث لا ثبات ولا توقّع، لكن عمليّة نموّ مستقلّة شاقة. وهذا الصراع بين الحاجتين؛ الانتماء والنمو مستمرّان ما دامت الذات في صيرورة. ومع أن الخوف هنا مظهرٌ للشعور بوطأة الحريّة، وجسامة المسؤولية؛ بيد أن المفارقة هي أنه ما مِن أمن مطلق يمكن تحقيقه في الحياة. المغامرة خطرٌ لاحتماليّة أن يخسر المرء، لكن – وبالتحديد  -عندما يَرفُض أن يُغامر قد يخسر ما لا يمكن تعويضه: أصالته الذاتيّة.

إن الفرق بين الجهتين الساكنة والمتحركة هو في الطبيعة لا في الدرجة؛ فالثانية ليست لاحقة على الأولى، بل تمرّ عبر القلق الوجوديّ وتقتضي ثورة روحيّة مؤمنة للانبثاق خارج استمراريّة الأشياء المتجانسة. وهكذا الذات المؤمنة تتجاوز تلك المتخلّقة بتوسّل حدس وجداني ترتفع به على التناقض الظاهر بين المطلق والنسبيّ؛ وبالتالي تتجاوز الحدود الضيقة للواجب الاجتماعي، وهذه مرحلة اللجوء إلى الحقيقة الذاتيّة العميقة التي لا تُبررها قوانين البشر، كما أنها مرحلة الانجذاب نحو اتساع ورحابة قيم الإيمان والشجاعة والحبّ، التي تمتد إلى هيكل الوجود ذاته.

والحبّ المعنيّ ههنا مقولةٌ أنطولوجيةٌ وكوجيتو غيري؛ “أنا أحبّك، إذن كِلانا موجود، والحياة تستحق أن تُعاش”. اللقاء العَرَضيّ – الذي يظهر فيه المحبوب – منعطف روحيّ يُوقظ المحُبّ من استغراقه في سبات ذاتيّ ليتعرف في المحبوب على قيمة منشودة، ويجد فيه آخرَ يتوسط بينه وبين نفسه، فيزيد من حدّة شعوره بالوجود. قيمته الكبرى أنه ينتزع الإنسان من عُزلته الميتافيزيقيّة؛ لأنه لا يقوم إلّا بالانفتاح للخروج من الذات، وبالتضحية بأنانيّة التمركز من أجل الآخر. الحبّ فقير، وفقره من صميم جوهره؛ إنه لا يمتلك بل يتوق، وهو في أصله فِعل لا انفعال؛ عطاء لا يملِك سوى أن يفيض ويغمُر الآخر بكلّ ما هو حيّ فيه؛ بيد أن ضريبة الحب هي أنه لا يقطُن إلّا في الألم؛ فالراضون عن أنفسهم لا يُحبون، إنهم ينامون، كما في نظم أبي فراس الحمداني:

إِنَّ الحَبيبَ الَّذي هامَ الفُؤادُ بِهِ      يَنامُ عَن طولِ لَيلٍ أَنتَ ساهِرُهُ

أمّا الإيمان، المصدر النهائي للشجاعة من أجل الوجود، فليس حدثًا وقضي الأمر، إنمّا صيرورة مُحركها الإرادة. فالإنسان المكوّن من المتناهي واللامتناهي يستمدّ حقيقته من الحفاظ على اتزان القطبين، لا يفتأ نزوعه إلى العيش في علاقة حاضرة مع المطلق. أمّا فُقدان اللانهائي – وإن كان لا واعيًا – فهو يأس، إخصاء روحي للذات. بالركون إلى المحدود يصير المرء رقمًا لا نفسًا، وبهذا، الحقيقة القصوى التي تكتسبها الذات المؤمنة عبر صيرورتها هي أن تظلّ في حضرة الإله.

حلّ الغسق، وحلّقت بومة منيرڤا مُعلنة أن نصيب التفلسف في حياة هي نسيجٌ متدفّق، غاية في التنوّع وفائق في التعقيد، عائدٌ لاسمِه القديم “مَحبة الحِكمَة”: بحثٌ عن الحقيقة، وسعيٌ نحو الخير، واهتداءٌ للجمال، وتعجبٌ لما في الوجود من أسرار.

وختامًا، أيّها القارئ العزيز؛

دُمتَ في أرْغَدِ عَيشٍ             كلَّ يومٍ في مزيد – بهاء الدين زُهير

 

ولك اختيارُ مَزيدك.

 


[1] Senca “On the Shortness of Life”, Translated by C.D.N. Costa, Penguin Books, 1997.

[2] في الميثولوجيا الإغريقية يرمز سيزيف لمأساة الكائن المُدرك شقاؤه. يقول ألبير كامو: “عامل اليوم يعمل كل يوم في حياته في المهام نفسها، وهذا المصير ليس أقلَّ عبثًا [من مصير سيزيف]؛ لكنه مأساويّ فقط في اللحظات النادرة التي يكون فيها واعيًا”. أما بروميث فواهب الحكمة الذي حرّر الإنسان من الجهالة حين اقتبس له من نار الآلهة. وبتوسّل الشعلة تحرّرت الكلمة من يقينيّة معارفها الممنوحة؛ لترسم مسارها التّساؤلي.

[3] ملاحظة هنري سيغويك Henry Sidgwick  في “طرق الأخلاق”، وأيضًا فيكتور فرانكل في “الإنسان يبحث عن المعنى”: “السعادة لا يُمكن ملاحقتها [كهدف في ذاته]؛ بل تنشأ بوصفها أثرًا جانبيًّا”.

[4] الديمومة Duration: مبدأ ميتافيزيقي مستوحى من برغسون يُحيل إلى تيار زمني حيّ متصل متدفّق يصهر الماضي في الحاضر باستمرار لا يُدرك بغير الحدس. والحدس:intution  ضربٌ من الإدراك المباشر، أو المُواجَدة empathy التي يُسقط المرء بتوسّلها ذاتهُ في قلب الموضوع ليتوافَقَ مع ماهيّته التي لا نَظيرَ لها والمُستَعصِية بالتالي على التعبير. استعمله ابن سينا ليعني به الإدراك الفوري: “الحدس بالوسط لا يكون بفكر، فإنه يَسنَح للذهن دفعة واحدة. وأما طلب الوسط فيكون بفكر وقياس”.

[5] القلق موقف انفعالي تجاه الوجود وضريبة حريّة الاختيار. وهو قلق يُكافح حتّى يُصبح خوفًا فيمكن التصدّي له بالشجاعة، لأن البديل الآخر حلكة اليأس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق