مقالات

لا تذهب للمقهى وحيدًا – ممدوح عبدالله

قصة قصيرة وردت في أحد كتب السير عن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وتكررت هذه القصة في بداية فيلم وثائقي للمخرج كين بيرنز. تقول القصة إن أحد زوار مقهى البلدة خاض حديثًا مع مسافر متواضع الهيئة يرتدي ملابس بسيطة، مسافر لم يتعرف عليه من قبل. دخل الرجلان في حوارات موسعة، وانتقل الحديث من موضوع لآخر. كان المسافر صاحب معرفة وملمًّا بموضوعات شتى، تحدث عن الميكانيكا والعلوم الهندسية، فأفاض من علمه الشيء الكثير، ثم انتقل الحديث إلى القانون، وظن زائر المقهى بأن المسافر رجل قانون ومحام. وعندما انتقل الحديث إلى اللاهوت، صار مقتنعًا بأن المسافر رجل دين. كم ساعة مرت وهم يتحدثون بهذه الموضوعات رغم عدم معرفتهم الجيدة لبعضهم بعضًا؟ أغراب، ليسوا أصدقاء، يبدو وكأن حاجتهم إلى التواصل والحوار كانت كبيرة. لو سأل الزائر هذا المسافر عن فن العمارة والمساحة والزراعة وأمور الفلاحة والطقس والنظريات السياسية والفلسفية، لقال إن هذا الرجل لا بد أن يكون علامة عصره. سأل الزائر صاحب المقهى وهو معجب بفكر المسافر: من هذا الرجل الاستثنائي؟ رد صاحب الحانة: أوه، لقد اعتقدتُ بأنك تعرف مالك هذه الأراضي! إنه توماس جيفرسون.

ما فرصة أن تذهب في يومٍ ما إلى مقهى، دون تخطيط للقاء أحد، فتجد نفسك تتحدث مع شخص مثل توماس جيفرسون؟ بل ما فرصة أن تذهب إلى مقهى لتجد شخصًا آخر، شبيهًا لك في هواياتك وأفكارك وشخصيتك وتتحدث معه؟

يذهب بعضهم إلى المقهى للقراءة، لتصفح كتابًا ما، قد لا يجد البيئة مناسبة لممارسة هوايته في المنزل، أو أن الجو العام في المقهى يدفعه دفعًا للقراءة، خصوصًا مع تحول بعض المقاهي إلى أشبه بالمكتبة: مكتبة مليئة بالكتب والناس، يأخذ أحدهم مكانه ويقرأ ما يريد. ويذهب آخرون إلى المقهى للكتابة. كتابة مقالة، أو رواية، أو بحث جامعي، أو حتى يوميات. إن تعدد صور الزوار وما يحملون من أفكار وأشكال هي فرصة لبناء عمل فني لأناس لم نقابلهم أو نعرفهم من قبل، مثل دليل الهاتف الذي يفضل أمبرتو إيكو أن يصطحبه معه في جزيرة نائية: أسماء كثيرة، وخلف كل اسم عالم بأكمله.

يذهب الكثيرون إلى المقهى لتذوق القهوة، ولا مناص أن نقول الشاي كذلك. آلات حديثة تصنع هذه المشروبات، لها مقاييس معينة حتى لا تضيع النكهة. لم يعد السماور موجودًا، تخيلوا لو أن السماور، ذلك الوعاء المعدني القديم الذي تكرر اسمه كثيرًا في الآداب الروسية قد عاد للظهور من جديد؟ إن عاد سيعود معه حبيب السماور الروسي دوستويفسكي. يا لها من مفاجأة أن أعظم مشاهد أعمال دوستويفسكي الأدبية كانت في المقهى والحانات.

ويذهب ثلةٌ إلى المقهى للدراسة، وكذلك العمل، لكن أهم خصيصة في المقهى، ذلك المكان الذي تعددت أشكاله وأماكنه وتصنيفاته، وبدونه ينتفي أن يكون مكانًا قابلًا للجلوس فيه، هي الحضور الإنساني، وأهم ميزة في هذا الحضور هي التواصل مع الآخرين، مع الصديق والغريب، تتواصل وتتحدث معه في أي أمر: عن الأدب والفن والسينما، عن السياسة والعلوم، عن الحياة والفقد، عن لحظات الإنسان الطبيعية من إخفاقات ونجاحات، عن المباريات ولاعبيها، وعن نفسك. في رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، كان بطل الرواية منعزلًا ومتوحدًا، لا يملك وسيلة من وسائل التواصل الإنساني مع الآخرين، شعر بدافع يجتذبه إلى أقرانه من الناس، وكأن ثورة قامت في كيانه جعلته يتنكر لوحدته ويندفع مسرعًا وراء إقامة علاقات مع الآخرين. يحدث أحيانًا، يقول دوستويفسكي: “أن نلتقي بأشخاص نجهلهم تمام الجهل، ومع ذلك نشعر باهتمام وبدافع يقربنا منهم قبل أن نبادلهم كلمة واحدة”.

لعل أشهر لوحة تشكيلية قامت بتصوير المقاهي والمطاعم في المدن الحديثة هي لوحة “صقور الليل” للرسام إدوارد هوبر؛ لكن من يطّلع إلى هذه اللوحة لا يجد توافقًا بين المقهى كمكان حيوي قادر على تهيئة الحوار والمشاركة والتواصل بين مختلف الأطياف البشرية، وبين المدينة الحديثة العامرة بالناس. الوحدة والاغتراب يشكّلان الأساس لهذه اللوحة؛ بل إن الوحدة وحالات العزلة والاغتراب شكلت الثيمة الرئيسة لغالبية أعمال هوبر الفنية الأخرى. فضل هوبر أن يتخذ لنفسه خطًّا في الأعمال الواقعية، مبتعدًا عن التجريد الذي اجتاح الفن الأوروبي. لا توجد حشود بشرية أو قصص يمكن التنبؤ بها في أعماله. أي مُشاهِد لأعماله سيجد شخصيات وحيدة ومعزولة عن الآخرين. تجربة الحياة في نيوريوك وشوارعها ألهمت المؤلف ليرصد طبيعة الحياة والتجمعات في المطاعم والمقاهي والمنازل. قد لا يقصد بأن يرسم لوحة أساسها الوحدة؛ لكن الحقيقة أن الوحدة في هذا العالم الكبير ذات أثر واضح وأشد تأثيرًا من الوحدة التي تعصف بالإنسان وهو وحيد في حجرات منزله.

صقور الليل (Nighthawks) – إدوارد هوبر 1942.

ما الوحدة؟ وما معنى أن يكون المرء وحيدًا؟ هل الوحدة مصدر للإبداع، لها تمثلات في الفن والآداب، أم هي متاهة للجنون؟ هل هي حالة مرضية مثلها مثل الاكتئاب والحزن والقلق، أم أنها نتيجة منطقية ونهاية محتملة لحالات القلق والحزن والاكتئاب.

وصف الروائي وكاتب القصص القصيرة جون شيفر الوحدة كنوع من الجنون، تجعل من الرجل شيئًا مهجورًا، قطعة حجر، جسمًا منحنيًا يجلس على حافة سرير في أحد الفنادق، والآهات تتدفق منه بغزارة مثل رياح الخريف، يقول بما معناه إنه عندما نقرأ همنغواي فإننا لا نذكر لون السماء في أعماله بقدر ما نتذكر مذاق الوحدة المطلقة فيها. “إن الكاتب الذي يسعى لأن يكون جادًّا ستكون مهمته محفوفة بالمخاطر”. في المقابل تذكر فيرجينيا وولف في يومياتها أنها لو أمكنها فقط القبض على ذلك الشعور لفعلت، “إنه شعور سماع غناء العالم الحقيقي، تأخذني إليه الوحدة والصمت لأبتعد عن العالم المليء بالبشر”.

تناولت الكاتبة أوليفيا لانغ في كتابها المدينة الوحيدة موضوعات الوحدة وطبيعتها، وهل هي حالة مؤقتة عابرة من الطبيعي أن يمر بها كل فرد أم أنها أشبه بالحالة المرضية المستقلة، تترك آثارها وندوبها على الإنسان نفسيًّا وجسديًّا، وطبيعة هذه الوحدة وشكلها إن كانت في حالة عزلة مطلقة، أو الوحدة في عالم يشتهر بالسرعة وفي المدينة العامرة بالبشر. تناولت أوليفيا هذا الموضوع من خلال زيارتها لمدينة نيويورك، والحالة التي وجدت نفسها عالقة فيها، أن تكون وحيدًا وسط مدينة صاخبة لا تتوقف، والحالة التي يجد فيها الإنسان نفسه عالقًا في وحدة موحشة أو غربة عنيفة، ليس سببها الرئيس غياب البشر والتحاور واللقاء مع الآخرين، بل ربما يكون لك أصدقاء كثر، ومع ذلك تضرب الوحدة بكامل قوتها عليك. تناولت أوليفيا الموضوع من خلال الفن والآداب، من خلال شخصيات ارتبطت أعمالهم بموضوعات الوحدة. ميزة هذا المؤلف أنه لا يقدم خلاصة للوحدة بقدر ما يقدم تجارب عديدة من خلال فنانين وشخصيات وُصِفت أعمالها بأنها تمثل الوحدة، أو أن شخصيات العمل الفني وحيدة. تمر في ذهني عدة حالات في الأدب والسينما أتناولها تباعًا دون تحليل معمق، إسهامًا في عمل أوليفيا الذي يتحدث عن الوحدة من خلال الفن والأدب.

في منتصف القرن التاسع عشر، غادر هنري ديفيد ثورو حاملًا فأسه إلى غابة والدن الأمريكية ليكتشف حياة جديدة في الغابات، بعد أن فقد كل أمل بأن يجد عملًا في مدينته الأثيرة، حمل فأسه إلى تلك الغابة، ليعيش وحده، صانعًا أي شيء يساعده على الحياة هناك، ذهب وهو مؤمن بأنه سيجابه في تلك الغابة حقائق الحياة الجوهرية، وسيتعلم منها، سيذهب ويحفر في تلك الغابة حتى أقصى مدى ممكن لديه، يريد أن يعيش الحياة كلها، وألا يذهب إلى قبره وهو نادم أنه لم يعش الحياة كما قُدر لها أن تعاش، كأبناء أسبارطة هازمًا كل ما ليس بحياة.

وإن كان هدفه الأعظم أن يمتص رحيق الحياة كما يصفها؛ إلا أنه يهدف للقضاء على تلك الأدوات التي كانت مسيطرة عليه، أو كما وصفها بقوله: “أصبح البشر أدوات لأدواتهم”؛ لكن، كيف كان يقضي تلك السنين من سنوات حياته وهو في الغابة؟ أقصد، كيف بإمكانه أن يتحمل العيش وحيدًا دون وجود تواصل مع الآخرين؟ يستطيع الإنسان أن يعيش معتزلًا الآخرين ليحقق أحلامه، وكم من فكرة عبقرية حبست صاحبها، عاملًا عليها ليل نهار ليخرجها إلى النور؛ لكن أن تعيش وحيدًا معتزلًا قاطعًا كل وسيلة من وسائل التواصل مع الآخرين، قد يبدو هذا أمرًا غير طبيعي.

كان أقرب تجمع بشري لكوخ هنري ثورو يبعد مسافة أميال، تحده الجبال من الاتجاهات كلها. لم يصبح وحيدًا لأن روحه لا تسعى أن تكون وحيدةً، بل يفضل أن يتشارك ويتواصل مع الكائنات كلها الممتدة في محيط غابة والدن، من الأشجار والحيوانات وتعاقب الفصول، والصوت العظيم الذي يعلن نهاية الشتاء وبداية الربيع، إلى البشر العابرين للكوخ. فهو وإن كان وحيدًا في كوخه إلا أنه يغني، يغني لذلك المطر الهادر، مع قطرات الندى في الصباح وأصوات الطيور التي تحلق، الرياح التي تقتحم الأشجار لتعزف موسيقى نادرة – دون تدخل بشري- يصفي الروح ويجعل من تلك التجربة حالة روحية لا تقدر بثمن.

كان ثورو يعلق على مقولات العزلة والوحدة فلسفيًّا، بقياس هذه العزلة والوحدة على مستوى الكون؛ إذ إن هذه الأرض بكاملها ما هي إلا نقطة في الفضاء. وحياة الجسد العامرة بالتفاصيل والحركة تجعل العقل في حالة تحرك وانشغال، وكأنه متصل بالجميع حتى مع الذين يتهمونه بالوحدة. أما الوحدة كحالة وجودية غير طبيعية، فهي تظهر بصورة أشد وأكثر تأثيرًا في المدن والتجمعات البشرية؛ بل إن الوحدة عند العيش مع الناس أشد من وحدة المرء في حجرته الخاصة.

في ستينيات القرن العشرين، نشرت الروائية النمساوية مارلين هاشوفر عملها الرئيس والأكثر شهرة بعنوان الجدار. امرأة تذهب مع أقاربها لإحدى الغابات لقضاء فترة الإجازة في الكوخ، عندما وصلوا إلى الكوخ، ذهبت العائلة إلى القرية لإحضار بعض المعدات ما عدا بطلة الرواية التي فضلت البقاء في الكوخ. ما حدث أن العائلة لم ترجع، وأن المرأة لم تستطع الذهاب إلى القرية لتجتمع مع عائلتها، بل أصبحت محاطة بمنطقة جدارية لا مرئية في الغابة لا يمكن تخطيها. تتصور المؤلفة أن انفجارًا نوويًّا قد حدث، أن حدثًا كارثيًّا قد هز الأرض، والبشر قد قاموا بحرب الإبادة نتيجة تخزين تلك الأسلحة النووية في زمن الحرب الباردة. تلك الغابة العذراء التي أصبحت محاطة بجدار غير مرئي قررت أن تحيط الكائنات التي خلقها الله، محافظة عليها من الضياع.

اشتهرت الرواية مطلع الألفية الجديدة بعد أن جُسِّدت بفيلم ألماني من بطولة الألمانية الشهيرة مارتينا غيدك. قيل عن رواية الجدار إنها عمل معاصر، تنتصر للمرأة وتظهرها ذات أهمية مساوية وقوة تقارن بقوة الرجال، بل ووُصِفت الرواية بأنها من أدب الديستوبيا. الرواية عظيمة، وعظمة هذا العمل الفني لا ينبع من الأمر غير المنطقي المتمثل في جدار عازل يحيط بغابة عذراء بها امرأة وحيدة، بل لأن أحداثها كلها انتصار للحياة، حياة مستمرة لا يوقفها انهيار الحضارة وفقدان التواصل. كأن الحضارة فُقدت، فأعادت تلك المرأة صناعة عالم حي قوامه العمل في تلك الغابة، صناعة الأدوات باليدين، والصيد للأكل، والاندماج والتواصل والسير في تلك الغابة الخضراء الممتدة الأرجاء، فينضم لصحبة المرأة القطة والبقرة والكلب وحيوانات أخرى، وكأنها نواة لعملية تأسيس الإنسان وحضارته من نقطة الصفر، الإنسان بصورته الأولى، متصالحًا ومندمجًا مع المكان والطبيعة مثلما خلقها الله، وادعة وجميلة؛ لكن كيف يمكن لهذه المرأة أن تستمر بحياتها – تمضي هكذا – دون أن تعرف حقيقة ما حدث، وألا تجد أي كائن إنساني تستطيع التواصل معه. كان لها وجود إنساني وتواصل مع أبنائها وأهلها وأبناء بلدتها ومع العالم. ها هنا حالة من حالات ديفيد ثورو؛ الغابة التي تعيش بها المرأة مثل غابة والدن، والرياح والمطر اللذان يمتدان لأيام، السماء التي أصبحت سوداء وقدوم الربيع وتعاقب الفصول، لكن الفرق، أن ثورو ذهب إلى الغابة قاصدًا الحياة، لا يسعى للعزلة أو الوحدة، بينما المرأة في رواية الجدار ذهبت إلى الغابة لقضاء الوقت بصحبة العائلة في الغابة، وما إن فقدت العائلة، فقدت الحياة كلها، فأصابتها الوحدة، والتي كانت كافية لأن تقودها للجنون. ما هو مؤلم – ومحبط – ليس عملية المقاومة ومحاولة الاستمرار في الحياة في هذه الغابة، بل في الزمن الذي أصبح مرئيًّا، يمكن مشاهدته وهو يسير بهدوء قاتل قاصدًا أن يحطم كل ما أمامه. وما من وسيلة أخرى لمقاومة ذلك الزمن المرئي إلا بالكتابة، الكتابة على أوراق الصحف والمجلات والجدران، الكتابة ليست بهدف التغلب على الزمن، فذلك أمر غير معقول؛ بل لإثبات أن هناك روحًا ظلت تقاوم، وصوتًا حيًّا يتكلم محاربًا الوحدة القاتلة. تكتب وهي في وحدتها اللانهائية للآخرين، على أمل أن ينهار الجدار ويرى عابر سبيل ذات يوم أن هناك روحًا حية ظلت تقاوم وتكتب وتعيش حياتها.

الممثل البريطاني أنتوني هوبكنز مستمر بتقديم كل ما هو جميل وعبقري في الشاشة السينمائية. نشرت مقالات كثيرة عن دوره الأخير في فيلم الأب، تشرح وتصف الحالة التي يعاني منها الأب الذي بدأت أوراق عمره تتساقط ومحاولة تحليل ذلك فنيًّا وفلسفيًّا. هذا الفيلم – من بين كثير من الأعمال السينمائية – شاهدته وأنا أعرف ما سيظهر أمامي، كيف ستكون الحالة النفسية للأب الذي أصبح شيخًا كبيرًا، تختلط في ذهنه الذكريات والأحداث والأشخاص، فلا يعرف معَ من يتحدث أو عن حقيقة وجوده. كنت أعرف كل ما جسده هوبكنز في فيلمه؛ لكن.. كيف يمكن الحد من الآثار المدمرة لتلك الحالة التي يصبح فيها الإنسان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار وفقدان روحه وانقطاع التواصل مع الأحباء والآخرين؟ ما حقيقة الألم الذي يصيب الشيخ العجوز عندما لم يعد يعرف نفسه؟ الأب مريض بالزهايمر كما يبدو، بغض النظر عن ذلك، حالة الأب أكبر من المرض؛ لأن المرض لا يصيبه فحسب، بل يصيب أقرباءه ومحبيه كذلك. القلق والانهيار لا يتعلقان بالأب كذلك، بل يمتد ليشمل المحيطين به. لا مرض يصف الأثر الذي تحدثه الإرهاصات الأخيرة لروح طيبة. كل دقيقة من الفيلم كنت أشاهد أبي. بيدي أمسك وجهه، أُقرب رأسي لرأسه ليتعرف ملامح وجهي، أخبره بأني ابنه وأنه أبي، ينظر إليَّ بعينيه وكأني لا أحد، ليس لي وجود، لكن، في دقيقة، أو ثانية قد تكون ذهبية ونادرة، يناديني باسمي بصوت عالٍ كما لو كنت صغيرًا، يبدأ بالتعرف عليَّ أخيرًا، يتذكرني ويبتسم، لكن تلك الثانية تذهب ولا ترجع إلا بعد أيام. عندما تاه الأب في الفيلم بدأ ينادي أمه، تمامًا كما نادى والدي والدته المتوفاة منذ أربعين سنة. هم كبار في السن، أصبحوا أطفالًا، لا جدال في ذلك؛ لكن الأمر المؤكد أنهم لا يخاطبون إلا من يعرفونهم ويثقون بهم تمامًا، منذ أن ربطهم ذلك الحبل السري، أن الأم لا تخون ولا تترك أبناءها أبدًا، تعرف الأبناء كما تعرف نفسها. ما كان يقتل الأب هو ذلك الحصار الحاد من الوحدة المدمرة. لديه ابنة محبة والممرضات بقربه؛ لكن لا يوجد أحد يستطيع أن يتآلف معهم، أن يفصح عن مكنونات روحه بثقة مطلقة. ألا يطلب الطرف الآخر مقابل لذلك. لديه الصوت الذي هو إثبات قائم على وجوده الحي، وإمكانية أن يتواصل مع الآخرين. إن قرب الآخرين من الإنسان ليس علامة على نهاية الوحدة، فقد تكون ضمن جمع هائل، تتحاور معهم، أو تلقي كلمة أمام جمع عام، وحين ينتهي ذلك الدور الذي قد رُسم لك – بإرادتك أو دون ذلك – تكتشف وحدتك، وسط الجمع.

أنتوني هوبكنز – فيلم الأب

قبل عشرين سنة جسد أنتوني هوبكنز دور الخادم ستيفنز في فيلم بقايا النهار، المقتبس من رائعة الروائي الحائز على نوبل كازو إيشجيرو. من أكثر شخصيات هوبكنز التي كانت الوحدة تضرب في مفاصلها بكل قوة. أزهق روحه في سبيل عمله، وفي خدمة سيده اللورد. كان ستيفنز شاهدًا على أحداث التاريخ تجري في القصر، مستمعًا لكبار الساسة من الحلفاء ودول المحور، مفاوضات وسياسات كانت ستفضي إلى السلام في أوروبا، بدل الحرب التي لم تبدأ. حين يقدم عمله في جنبات القصر ولا يلتفت لحياته الشخصية أو يفكر بأي شيء آخر إلا بسيده والقصر، هل تستحق الوظيفة هذا الثمن الباهظ المتمثل بالتضحية بجزء من الذات؟ كان يتكلم كثيرًا، يأمر ويتابع وينفذ، يفقد أباه تحت عينيه ولا يعنيه هذا الأمر، مجرد حزن عابر؛ إذ إن كرامته كخادم توجب عليه أن يتخلى عن ذاته، ويصبح وحيدًا. الميزة الرئيسة في هذه البقايا، بقايا النهار، هي في قدرة الروائي على بث مكنونات اللاشعور خارجًا دون وعي من المتكلم نفسه: حكاية الشغف بالعمل وتقديمه على كل شيء آخر: على جنازة الأب الذي يموت في الطابق العلوي من المنزل، فيما يستمر ابنه في ترتيب الأشياء وتأمين الحفل في الطابق الأسفل. تقديم العمل على الحب والافتتان. تقديم الإخلاص في العمل على المشاعر وحبسها وإلغاء فكرة الزواج من المرأة التي أحب من أجل التكرّس لتفاصيل النهار الذي لا يبقى منه في النهاية سوى البقايا.

بعد سنوات طويلة، وبعد ضياع تلك الخدمة تحت سيده العظيم، يقوم الخادم برحلة خاصة للقاء صديقة عملت معه. كان ذاهبًا لغرض العمل، لكن بطلة الفيلم من الشخصيات التي أخرجت اللاشعور في ستيفنز، أنه كائن إنساني يستحق أن يقيم علاقات مع الآخرين وتكون له حياة، ألا يصبح وحيدًا. في المقهى، – كما في مقهى جيفرسون في أول المقال – يتقابل ستيفنز مع صديقته مدبرة القصر القديمة السيدة كينتون. هذه أول مرة يجد فيها الخادم نفسه في مواجهة الآخرين والتواصل معهم. وأول محاولة لكسر الوحدة التي طوقت حياته لسنين طويلة. كان يستطيع أن يقود جيشًا كاملًا من الخدم، كجنرال في الجيش؛ لكن في تلك اللحظة التي بدأت روحه تتكلم، لم يعد يستطيع قول شيء. تركت الوحدة آثارها عليه، مثلما يحدث عندما نخرج لأول مرة ونتحاور مع الآخرين، ولا نجد إلا الأسئلة العادية التي هي بمثابة أي لقاء: متى كانت آخر مرة تقابلنا… مر زمن طويل… الناس تغيروا… الأجواء جميلة… وتبقى الأسئلة والحوارات التي يجب أن تطرح مدفونة بداخل الروح، لا يمكنها الخروج إلا إذا أحس أحد الطرفين بالألفة والثقة. النمط الذي أعتقد بوجوده بالنسبة لهوبكنز في هذا العمل وأعمال أخرى هو الحب. في الفيلم والرواية لا توجد مفردة حب على الإطلاق، وظاهريًّا لا يبدو أن هناك قصة حب؛ لكن الفيلم بأكمله هو قصيدة حب جسدها هوبكنز ببراعة، من خلال نظرات العين وحالات الضياع والاستغراب والمفاجأة التي يتميز بها وجه هوبكنز. هوبكنز في هذا الفيلم، بسيمياء وجهه (العيون/ الفم) كان يتحدث ويخلق نصًّا حواريًّا آخر بعيدًا عن الحوارات المشاهدة. في الفيلم لم يقل كلمة أحب ولا مرة؛ لأن الوحدة والعزلة قتلته؛ لكنه كان ينطق بذلك من دون شعور: عند حادثة الكتاب ووفاة الأب. يصل النطق إلى أقصاه في نهاية الفيلم، تحت زخات المطر.

قد تكون الوحدة مؤقتة، إما بسبب فقدان حبيب، أو بسبب الانتقال من مكان لآخر، أو أنها قد تكون مصاحبة لحالات نفسية ومرضية أو اجتماعية متعددة، لا تلبث أن تتوقف ويبدأ الفرد بالعودة للتواصل والألفة والتشارك مع الآخرين؛ لكن، هناك حالات قد تكون فيها الوحدة حالة مصاحبة للإنسان طوال حياته، قد يعيش مع الآخرين، يشاركهم اللحظات الجميلة والسيئة على السواء؛ لكن روحه أشبه بالسر، لا أحد يعرفها، لا ثقة له بالآخرين على الإطلاق. في بدايات الألفية الجديدة نشر وثائقي بعنوان: اكتشاف فيفيان ماير، شاب هاوٍ لجمع التحف والمقتنيات المعروضة للبيع، يقتني مجموعة ضخمة من أفلام التصوير، يكتشف هذا الشاب الصور في هذه الأفلام، ويكتشف مصورة فوتوغرافية التقطت آلاف الصور في الشوارع، تصور كل ما يثير انتباهها: ممثلين خارجين من قاعة الحفل، عاملًا بائسًا، رجالًا ينتظرون، نساءً يحملون أطفالهم، أطفالًا يبكون، أطفالًا يضحكون، عاملَ بناءٍ مغطى بالأسمنت، كل ما هو في الشارع وما لا يثير الانتباه ولا يمكن إحاطته بإطار عام، خلدتْه تلك المصورة الفوتوغرافية بكاميرتها الشخصية، ووضعت إطارًا لما تريد الإحاطة به، الكاميرا التي أضحت عنوانًا لطبيعة الشوارع والبشر. لم يعرف أحد تلك المصورة الفوتوغرافية من قبل، ولم ينشر لها أعمال من قبل. يكتشف الشاب جامع المقتنيات المعروضة أن تلك المصورة قد صورت نفسها بعدد هائل من الصور، بحالات وأماكن مختلفة. لم تعد المسألة حول طبيعة تلك الصور الفوتوغرافية وجمالها، بل من ورائها والمبدع الذي يقف خلف هذا الإبداع الفني كله. يتتبع الشاب قصة المصورة؛ ليكتشف أناسًا كثر عاشت معهم تلك المصورة كمربية أطفال ومدبرة لمنازل العائلات الثرية. كانوا يعرفون بأن تلك المصورة قد خدمت لديهم، ويحملون ذكريات كبيرة مع الأطفال الذين أصبحوا في سن الشباب. لكن أيًّا من هؤلاء الذين عاشوا معها لم يعرفوا بالضبط من هي تلك المصورة الفوتوغرافية، بل مجرد القول إنها تقف خلف تلك الأعمال الفنية التي يصطف حولها جمع كبير من الناس لإلقاء نظرات عليها أمر محير. فهي كانت غامضة، مجهولة، وحيدة، لا ثقة لها بأحد على الإطلاق، بل إن مجرد الدخول إلى غرفتها الخاصة أو محاولة اختراق خصوصيتها يحملها ألمًا لا تقدر على احتماله. كائن بشري ليس لها قدرة على الإفضاء والتواصل الطبيعي مع الآخرين.

Vivian Maier

عندما كانت تقوم بواجباتها المنزلية كانت وحيدة، وظلت وحيدة لطوال حياتها حتى ماتت؛ لكن كانت لديها تلك المساحة من الحرية للتواصل ومشاركة الآخرين أفراحها وأحزانها عبر الكاميرا، ماذا يعني أن تقف أمام رجل في الشارع، تصوب الكاميرا عليه لتلتقط له صورة؟ كان البشر في الشوارع يبادلنها ذلك الشعور بالألفة والتواصل، يثقون بها، يسمحون لها بأخذ الصور. تلك الثانية التي كانت تلتقط فيها صورًا للآخرين، من رجال ونساء وأطفال وحيوانات، كانت تمارس معهم التواصل الإنساني والحوار. الكاميرا هي أداة التواصل والمخاطبة والألفة والإفضاء؛ لكن أصدق حالاتها النفسية كانت عندما تلتقط صورًا لنفسها. في اللحظات التي كانت تصور نفسها كانت تؤمن بأنها ليست وحيدة أو معزولة عن الآخرين، إنها ها هنا في هذا العالم الذي يسير سريعًا، لها وجود وكيان. غير أنها لا تثق بأحد، بل إنها حتى وهي في أيام عمرها الأخيرة لم يكن لديها من القوة لأن تتواصل مع الآخرين وتتحاور معهم، في محاولة لاختراق عالم الوحدة التي أحاطت بها، حتى رحلت وهي وحيدة، كانت الكاميرا هي أسلوبها في كسر وحدتها المجنونة، وأعلنت للعالم وجودها بعد رحيلها بسنوات.

أختم هذا المقال بالعودة لمقهى توماس جيفرسون. لم يكن ينقص جيفرسون وجود الأصدقاء والتواصل معهم. كانت حياته مليئة بالأصدقاء والأعداء على حد سواء. ليست مبالغة في القول إن أروع قصص الصداقة والثورة والعداوة والصحبة جمعت بين اثنين من الأصدقاء الأعداء، وهما توماس جيفرسون وجون آدامز. والشاهد على ذلك تلك الرسائل النادرة بين الصديقين الأعداء، والتي امتدت لأكثر من خمسين سنة؛ أصدقاء وحلفاء في الثورة الأمريكية، أعداء في مرحلة ما بعد الاستقلال، رفاق في أيام الشيخوخة والموت. عندما غادروا عالم السياسة واستقروا في منازلهم، استمروا في التواصل وفاءً لصداقتهم؛ ولأن كل واحد منهما قادر على الإفضاء للآخر بكل صدق وحرية، حتى ماتا في يوم واحد. أتذكر رسالة من بين مئات الرسائل فيما بينهما، يقول فيها جون آدامز مخاطبًا توماس جيفرسون: صديقي العزيز … لقد سمعت بأنك – لو تهيأت لك الفرصة – لقبلت بخوض غمار هذه الحياة من جديد، أما أنا فلا! أفضل المضي قدمًا ومواجهة المصير، واجهت في هذه الحياة محنًا كثيرة، كان لدي أب وفقدته، كان لدي أم وفقدتها، كان لدي زوجة وفقدتها، كان لدي أبناء وفقدتهم، كان لدي أصدقاء – نبلاء وشرفاء – وفقدتهم، وبدلًا من تكرار هذه المصائب مرة أخرى، أفضل المضي قدمًا ومواجهة القدر.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق