مقالات

الواحد ليس عددًا: فلسفة الرياضيّات عند الكندي – مارك شوفاني

مقدمة

“في الفلسفة الأولى” هو عنوانٌ لكتابٍ غير مكتملٍ لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (١٨٥ هـ/٨٠٥ م – ٢٥٦ هـ/٨٧٣ م) المُلقَّب بفيلسوف العرب. وَصَلنا من الكتاب أربعة فصولٍ يقول فيها الكندي إنّ العالَم ليس أبديًّا وأن الله هو ‘الواحد’ الذي هو الوِحدة ومصدر التّعدّديّة. في نهاية كلّ فصلٍ يختصر الكندي الفكرة الأساسية التي قام بالدفاع عنها ويعلن ما سيقوم به في الفصل اللاحق، وهذا ينطبق أيضًا على الفصل الرابع، إلّا أنّ الفصل الخامس لم يظهر. تعود تسمية “الفلسفة الأولى” إلى الميتافيزيقيا عند أرسطو، وفسّرها الكندي بقوله “علم الحق الأوّل الذي هو علّة كلّ حق” (JJRR 9). وعلى الرغم من أن العنوان يعود إلى أرسطو، فإنّ العمل يعكس الكثير من الفكر الأفلاطونيّ والأفلوطينيّ[i]. إنّ غاية الكندي المستوحاة من أفلوطين هي القول بأنّ الخالق هو الواحد، لذلك أراد التمييز بين الوِحدة والتّعدُّديّة من خلال التّأكيد أنّ الواحد ليس عددًا إنما وِحدةً (unit) تنبثق منها التّعدّديّة. ولكي يصل إلى هذه النتيجة، استعان الكندي بفلسفة الرياضيات عند أرسطو وأفلاطون لكي يقوم ببناء حجّةً متينةً. لكنّ النّص الأساسي ليس سهلًا للفهم، أولًا لأن اللغة العربية لم تكن حينها تحتوي على مصطلحات فلسفيّة ممّا اضطرّ الكندي، كونه الفيلسوف العربيّ الأوّل، لصياغة كلماتٍ جديدةٍ للتعبير عن الأفكار الفلسفية وللترجمة من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية. وثانيًا لأن الكندي يقوم بعدّة محاولاتٍ متشابهةٍ نوعًا ما لإثبات أنّ الواحد ليس عددًا، إلّا أنه يفشل في عددٍ منها ليُعيد المحاولة من جديد. في هذا المقال، سوف أقدّم هذه المحاولات مُبيّنًا من بينها التي كانت مقنعةً للكندي، وأقوم بمقارنتها مع فلسفة أرسطو وأفلاطون لكي نرى تأثير الفلسفة اليونانية على الكندي في نظريّة الأعداد (Theory of numbers).

إنّ تسَلسُل الأفكار الذي سأتّبعهُ مختلفٌ عن الذي اتّبعَهُ الكندي، وهو يرتكز على تسلسلٍ منطقيٍّ معيّن للقول بأنّ الواحد ليس عددًا ويعتمد على تفسيري للنّص. أولًا، يجادل الكندي أنّ ‘الإثنين’ يمكن أن يكون ‘القِلّة المُطلقة’ التي هي أصغر كمّيّة للجمع أو التعدّديّة (plural) ممكن أن توجد. فإذا صحَّ ذلك، يمكن أن نستنتج أن الإثنين هو العدد الأوّل في حال اعتبار مفهوم العدد مرتبطٌ فقط بالتّعدُّديّة. ثانيًا، يقّدم الكندي الواحد كوِحدة عدٍّ (unit of counting) غير قابلةٍ للتجزئة، وهذا هو السبب الأساسي للواحد كي لا يكون عددًا. ثالثًا، سأُناقش مقولة الكندي بأنّ الواحد هو المبدأ الوحيد لبناءِ الأعداد واستنتاجها. رابعًا، سأُوضّح تأكيد الكندي في أنّ الأعداد ليست كمّيّات (quantities)، لكنها وسيلةَ قياسٍ للكمّيّات. خامسًا، يقدّم الكندي الواحد كعددٍ باشتباهِ الاسمِ فقط، وليس عددًا بطبيعتِهِ أو بجوهرِهِ. سادسًا، انطلاقًا من معالجة الكندي للموضوع، سأجادل بأنّ الواحد ليس عددًا فرديًّا (Even number)، بمعنى أنه عددٌ فرديٌّ باشتباهِ الاسمِ فقط، وليس بالطبع أو بالجوهر. وأخيرًا، سوف أقدّم تعريف الكندي لمفهوم العدد. لكن قبل الدّخول في هذه الخطوات التي تتضمَّن تأثيرات الفلاسفة اليونان على الكندي في أفكارٍ محددة وبشكلٍ خاص، سأقوم بعرضٍ لهذا التأثير اليوناني على الكندي بشكلٍ عام.

نظرية الأعداد في الفلسفة اليونانية

بُحِث في نظريّة الأعداد كموضوعٍ لفلسفة الرياضيات لأوّل مرّة من قِبَل فيثاغورس (٥٧٠ – ٤٩٥ ق.م). كانت الأعداد بالنسبة لفيثاغورس مرتبطة بالمفاهيم غير الملموسة، وبهذه الطريقة ربط بين الرياضيات والفلسفة. على سبيل المثال: الواحد كان مرتبطًا بالعقل والوجود، والاثنان بالفكر، والعدد أربعة بالعدالة. ليس هناك من ارتباطٍ واضحٍ في كتابات الكندي مع نظرية فيثاغورس، لكن هناك إمكانية لتأثيرٍ غير مباشرٍ جعل الكندي يربط بين الواحد والله على غرار ما قدّمه فيثاغورس. كانت الأعداد حينها عبارة عمّا نسمّيه اليوم الأعداد الطبيعية (Natural numbers)، أو الأعداد الصحيحة الموجبة (Positive integers)، أي من دون كسورٍ وأعدادٍ سالبةٍ، وهي 1، 2، 3، إلخ. استخدم فيثاغورس النقاط أو الحصى لتمثيل الأرقام في مثلثاتٍ ومربعاتٍ ومستطيلاتٍ وأشكالٍ هندسيةٍ أخرى. أتاح ذلك فهمًا بصريًا للرياضيات وسمح باستكشافٍ هندسيٍّ للعلاقات العددية. يمكننا رؤية مثالٍ على ذلك في الصورة رقم 1 حيث تمثل كلّ نقطةٍ وحدة العَدّ. استعمل فيثاغورس شكل المثلث لكي يساعدنا على التمييز بين الأعداد الفردية والزوجية. كان هذا التمييز لفيثاغورس مباشرًا ومرئيًّا، حيث قام بترتيب النقاط المثلثية بحيث تتعاقب الأرقام الفردية والزوجية (Constantine 65). يمكننا رؤية التعاقُب عبر السّطور الأفقية للنقاط، مثلًا في الرّسم المخصص للعدد 15 في الصورة رقم 1 يمكننا أن نرى أن السطر الثاني من الأعلى الذي هو عبارة عن نقطتان، وهو عددٌ زوجيٌّ، يليه سطر العدد الفرديّ ‘ثلاثة ‘، ويلي هذا الأخير سطر العدد الزوجيّ ‘أربعة’، وأخيرًا يليه سطر العدد الفرديّ ‘خمسة’. وهكذا، من الأعلى إلى الأسفل، يمكننا رؤية الأعداد الفردية والزوجية كيف تتعاقب إلى ما لا نهاية في هذه الرسوم التعبيرية للأعداد.

 

تميّزت نظريّة أفلاطون (٤٢٧ ق.م – ٣٤٧ ق.م) عن فيثاغورس بفصلِ الأعداد، والأشياء الرياضيّاتيّة بشكلٍ عام، عن الأشياء الماديّة للعالم المكانيّ الزمانيّ. ومع ذلك، وفقًا لأرسطو (٣٨٤ ق.م – ٣٢٢ ق.م)، بالنّسبة لأفلاطون لم تكن الأشياء الرياضيّاتيّة كلّها ‘صُوَرًا’ أو ‘مُثُلًا’ (Forms) في عالم المُثُل الأفلاطونيّ للكائنات المجرَّدة، فهناك بعض الأعداد الوَسَطيّة، وهي شيءٌ يقع ما بين الكيانات الماديّة والأشكال الأفلاطونيّة (Annas 19). في المقابل، رفض أرسطو نظريّة الأعداد الوسطيّة وأجرى بعض التغييرات على نظريّة أفلاطون في العدد، خاصةً في كيفية استنتاج الأعداد من الوِحدة (unit)، التي هي المبدأ الذي نستخرج منه جميع الأعداد. يستخدم أرسطو والكندي تعريف إقليدس للوِحدة حيث يتمّ تقديم مفهومَي الوحدانية (oneness) والوِحدة (unity) على أنهما لا ينفصلان. وذلك واضحٌ في التعريف الأوّل للكتاب السابع عند اقليدس “الوِحدة هي التي وفقًا لها يُقال أنّ كلّ شيءٍ موجود هو واحد” (Euclid 7 Def 1).

إنّ تأثير عمل هؤلاء الفلاسفة سوف يظهر في الفصلين الثالث والرابع من كتاب الكندي، حيث يناقش مفهوم الوِحدة. في الفصل الثالث، يقدّم الكندي أمثلةً عن كلّ ما يمكن أن نقول له ‘واحد’، وثم يُثبت أنه لا توجد تعدّديّةٌ من دون وِحدةٍ ولا توجد وِحدةٌ من دون تعدّديّةٍ. أمّا في الفصل الرّابع الذي يشكّل حجر الأساس لهذا المقال، يُميّز الكندي بين ما هو واحدٌ في الحقيقة وبين ما هو واحدٌ مجازيًّا وليس في الحقيقة، لاستنتاج أن الواحد في الحقيقة هو الخالق، من خلال تقديم ما يُشبه نظرية أفلوطين (نحو ٢٠٥ – ٢٧٥ م) في انبثاق الأشياء الموجودة كلها من ‘الواحد’. فكما أن ‘الواحد’ عند أفلوطين يمثّل الله، المصدر للأشياء الموجودة كلها من دون أن يكون بحدّ ذاتهِ شيئًا كوْنهُ منفصلًا عن الأشياء، غاية الكندي هي التّأكيد بأنّ الواحد هو مصدر جميع الأعداد من دون أن يكون هو ذاته عددًا. لهذا الغرض، كان عليه أن يثبت أن الواحد ليس عددًا وأنّ الإثنين هو العدد الأوّل، كما توجَّب عليه أن يقدّم تعريفًا لمفهومِ العدد.

القِلّة المُطلقة

أولًا، يبدأ الكندي الفصل الرابع بالمناقشة، تابعًا أرسطو، أنّ المصطلحات الكمّيّة ترتبط دائمًا بشيءٍ ما، على سبيل المثال، ما هو كبيرٌ، هو كذلك بالنسبة لما هو أصغر منه. أي أنّه لا يوجد ما هو كبيرٌ بالمطلق أو صغيرٌ بالمطلق في الكمّيّاتِ. علاوةً على ذلك، بالنسبةِ لأرسطو، فإن ‘الكثير’ و’القليل’ غير متعارِضين، فالمعارضة تكون قائمةً فقط بين ‘الواحد’ و’الكثير’ (Aristotle 1056b32). هناك احتمالٌ قد نفترض فيه أنّ ‘الإثنين’ هو ‘القلّة المطلقة’، وليس قلّةً انطلاقًا من علاقته بشيءٍ ما ولكن من خلال كوْنه أصغر حالة تَعدُّدٍ ممكنةٍ. ولكن كبديلٍ عن الإثنين، ربما يكون الواحد هو ‘القلّة المطلقة’ إذا كان هو العدد الأصغر. لذلك، خصَّصَ الكندي جزءًا كبيراً من هذا الفصل لإثبات أن الواحد ليس عددًا، وهكذا يكون الاثنان هو العدد الأوّل، كونه ‘القلّة المطلقة’. بكلمات الكندي:

“فأما القليل فقد يُظن أنه يقال مرسلًا[ii]؛ وذلك أنه يُظنّ أنه إن كان أولُ العدد إثنين – وكل عدد غير الإثنين أكثرُ من الإثنين – فإن الإثنين أقلّ الأعداد؛ فالاثنان هو القليل المرسل، إذ ليس هو كثيرًا بتةً، إذ لا عدد أقلُّ منه. وإن كان الواحد عددًا، ولا شيء أقلّ من الوحدة، فالواحد هو الأقلّ المرسل” (JJRR 73).

بالمقابل، حدّد أرسطو ‘الإثنين’ ليكون التعدّديّة الأولى، وبالتالي فإن الإثنين يُعتَبَر ‘قليلًا’ لأنه أوّل تعدّديّة قليلة (Aristotle 1056b32). لم يطرح أرسطو إمكانية أن يكون الواحد ‘قليلًا’ لأن الواحد ليس تعدُّدًا، فيمكن للواحد أن يكون أقلّ من اثنين، ولكن لا يمكن أن يكون هو ذاته قليلًا. إنّ تعارُض الواحد والتعدّديّة يأتي من أنّ الأعداد التعدّديّة يمكن قياسها عبر استخدام الواحد كأداةٍ للعدّ، لذلك السبب، ولأن القلّة تُعتبَر تعدّديّةً، لا يمكن أن يكون الواحد قليلًا. وبما أن مفهوم العدد بالأساس مرتبطٌ بالتعدّديّة وليس بالوحدة، يقول أرسطو بأنّ التعارض يكمُن بين الواحد والعدد. يؤكّد أرسطو أنّ “الواحد والعدد متعارضان بمعنى ما، ليس بمعنى المعاكسة، ولكن كما قلنا تتعارض بعض المصطلحات المتقاربة؛ فنظرًا لأن أحدهما مقياس والآخر قابل للقياس، إنهما متعارضان” (Aristotle 1057a17). وهذا يمكن أن يكون صحيحًا فقط إذا لم يكن الواحد عددًا، لأنه إذا كان كذلك فلن يُعارِض الأعداد الأخرى ولا التعدّديّة، فالتعدّديّة تُؤخَذ كعددٍ. لذلك كان على الكندي أن يثبت أنّ الواحد ليس عددًا لاستنتاج أن الاثنين هو “القلة المطلقة”. ولكن يحصل تغييرًا في النهاية (Adamson Ch 4 P 19[iii]; JJRR 78)، فبعد إثبات أنّ الواحد ليس عددًا، يؤكّد الكندي أن الاثنين ‘قليلٌ’ فقط، وليس “القلة المطلقة”، وأنّ الاثنين ليس قليلًا بطبيعته، بل بالتسمية فقط، أو باشتباه الاسم بحسب تعبيره، من خلال العلاقة والمقارنة مع الأعداد الأخرى.

إذًا، رأس الكلام هنا هو أنّ الواحد يتميّز بالفرديّة مقارنةً مع الأعداد الأخرى التي تَتّصِف بالتعدّديّة. القليل والكثير كلاهما يُعبّران عن التّعدّديّة، الفرق الوحيد هو أنّ الأوّل يُعتبر أقلّ من الثاني بالمقارنة. على سبيل المثال، يمكننا القول إن العدد 10 هو ‘قليلٌ’ مقارنةً بـالعدد 100 الذي سنعتبره ‘كثيرٌ’ في هذه المقارنة، بينما يمكننا القول إن العدد 100 ‘قليلٌ’ مقارنةً بـ 1000 الذي سيُعتبر ‘كثيرٌ’ في هذه المقارنة. لذلك، على هذا الأساس يمكننا القول إنّ الإثنين هو “القلّة المطلقة”، بمعنى أنه التعدّديّة الأولى، كما سمّاه أرسطو.

الواحد هو وِحدة العَدّ

ثانيًا، استلهم الكندي الفلاسفة اليونانيون، وبشكلٍ أساسيٍّ أرسطو الذي كان أوّل من أكّدَ أنّ الواحد ليس عددًا. عرّف أرسطو الأعداد على أنها مجموعةً من الوحدات، وقام بتوضيح التّشابه (analogy) بين الوحدة في الأعداد ووحدات القياس (Aristotle 1053a14). فكما أنه يتعيّن علينا تحديد وحدة قياسٍ لقياس شيء ما، لا يمكننا العدّ قبل أن نُحدّد وِحدة العَدّ. وستكون هذه الوِحدة غير قابلةٍ للتجزئة وفقًا لتعبير أرسطو، فوِحدة القياس بتعريفها لا تتجزَّأ (Annas 36). لذلك، فإنّ الوِحدة في العدّ ليست عددًا كما أنّ المتر ليس مسافةً بحدّ ذاته، بل فقط وِحدة قياسٍ للمسافة، والغرام (gram) ليس وزنًا، بل فقط وِحدة قياسٍ للوزن.

بالتوازي مع أرسطو، يعطي الكندي التأكيد ذاته باستخدام القياس بين وِحدة الأعداد والأصوات أو المقاطع اللفظية في الكلمات. ذلك لأنّ الكلمات والأعداد مركَّبةٌ من مكوّناتٍ أساسيةٍ، فالمقاطع اللفظية هي المكوّن أو الرُّكن الأساسي للكلمات المنطوقة، والواحد هو الرُّكن الأساسي للأعداد. تستند عمليّة التّشابه هذه على أنّ الرّكن الأساسي للشيء يختلف عن الشيء ذاته، وبالتحديد أن المقاطع اللفظية ليست هي الكلمات التي تتكوَّن منها. على سبيل المثال، لا يعني الحرف “ر” في “طائرة” أيّ شيءٍ عند نطقهِ لوحدهِ. وتتكوّن كلمة “طائرة” من خمسة أحرف أو أصوات، وهذه هي الأركان الأساسية لهذه الكلمة ولا يمكننا القول على أيٍّ منها أنه الكلمة بحد ذاتها. إذًا، مع العلم أن المقاطع اللفظية غير قابلة للتجزئة وهي تشكِّل الكلمات، يمكننا القول إن المقاطع الصوتية هي أركان الكلمات غير القابلة للتّجزئة. إلى جانب ذلك، تتكوَّن الأعداد من وحداتٍ كلٌّ منها “واحد”، وهكذا يكون الواحد هو الركن الأساسي للعدد. فعندما نريد العَدّ لنصل للثلاثة أو للخمسة أو أيّ عددٍ كان، عمليًّا يمكننا تعدادها عبر جَمع الوحدات[iv] (3 = 1+1+1). وكما أنّ الواحد هو وِحدةٌ للعَدّ، كونه ركنًا، والوِحدة بطبيعتها غير قابلةٍ للتجزئة. بالتالي، على سبيل المشابهة، بما أن المقاطع اللفظية ليست كلمات، يمكننا القول إن الواحد ليس عددًا.

إذًا، الواحد هو وِحدة العَدّ بالنسبة لأرسطو والكندي على حدٍّ سواء. لكنّ المشترك بين الكندي وأفلاطون أنّ ليس هناك من وحداتٍ عديدةٍ، أي أنّ ليس هناك من “واحد” مختلفٌ عن “واحد” آخر، بل هناك وِحدةٌ واحدةٌ تُستعمَل من خلال تكرارها.

“الفيلسوف (أفلاطون) يُصرّ على أنه عندما يعدّ اثنين، فإن ما يعدّه هو وحدتان فقط، وحدتان متماثلتان تمامًا ولا تختلفان بأي شكل من الأشكال على الإطلاق. الوِحدة، التي يعتبرها ‘الواحد’، هي مجرّد واحدة لا تقبل القسمة على الإطلاق” (Annas 8).

لذلك، بما أنّ الوِحدة هي كلّ ما يتمّ احتسابهُ على أنه واحد (Annas 36)، فإنّ الواحد هو وِحدة قياس الأعداد، كما في حالة المسافة التي وِحدة قياسها هي المتر. إذًا باختصار، الواحد هو وِحدة قياس الأعداد، وِحدةٌ غير قابلةٍ للتجزئة، ولا يوجد لها مثيل آخر كما قصد أفلاطون.

بالإضافة إلى ذلك، يشرح الكندي (Adamson Ch 4 P 9; JJRR 75) أنه حين نقول ‘واحد’، نعني بهذا الوِحدة بحدّ ذاتها وليس الشيء الذي نقول عنه أنه مفرد. أي أنه حين نقول عن الحصان بأنه واحد، لا نعني الحصان كمادّة، كهَيُولا[v]، لكن نعني الوِحدة التي يُعبِّر عنها الحصان. وهذا ينطبق على باقي الأعداد، أي حين نقول ‘خمسة أحصنة’ لا نعني الأحصنة بحدّ ذاتها بال-‘خمسة’، فالأحصنة موجودة كمادّة مستقلّة عن عَدّنا لها. المادّة موجودة فقط في الأحصنة وليس في العدد خمسة الذي هو مجموعة وحدات.

مبدأ بناء الأعداد

ثالثًا، الفرق بين أفلاطون من ناحية، وأرسطو والكندي من ناحية أخرى، هو أنه بالنسبة لأفلاطون هناك مبدآن للأعداد وهما الواحد و”الاثنين غير المحدَّدة”[vi] (the indefinite two). وهذا الأخير هو مفهوم الاثنين كمتوسِّط بين الصّورة الأفلاطونية (platonic form) للعدد إثنين في عالم المُثُل، وبين العدد إثنين الذي يمكن رؤيته في الواقع مكتوبًا على ورقة مثلًا. قد يُظَنّ أن ‘الواحد’ و ‘الإثنين’ بالنسبة لأفلاطون ليسا أعدادًا لأنهما يُعتبَران كمبادئ لإنتاج جميع الأعداد بالنسبة له، لكن أفلاطون لم يقلها صراحةً. إنّ الأعداد الناتجة عن “الاثنين غير المحدَّدة” هي قوى (powers) العدد اثنين، أي 2، 4، 8، 16، وإلى ما هنالك[vii]. لكن لا يمكن أن نستخرج جميع الأعداد من هذا المبدأ، مثلًا العدد 6 لا يمكن أن نصل إليه بهذه الطريقة. لذا، عبر العدد اثنين نستخرج أعدادًا زوجيّةً، ولكن ليس جميع الأعداد الزوجيّة، وعبر العدد واحد نستخرج الأعداد الفرديّة من خلال جمعِهِ (addition) بعددٍ زوجيٍّ (2 + 1 = 3). لكن، رفض أرسطو هذه الطريقة لبناء سلسلة الأعداد من هذين المبدأين، واقترح استعمال الواحد فقط لأننا على ما يبدو لسنا بحاجة إلى الاثنين كمبدأ لبناء الأعداد.

الآن، يجب أن نتأكّد من عدم وجود ركنٍ آخر محتمَلًا للأعداد غير الواحد. لذلك، علينا أن نطرح السؤال الذي سأله الكندي: أيمكن للواحد أن يكون له أركانًا؟ إذا كان لدى الواحد أركانًا أساسيةً تُكوِّنهُ، فستكون هذه الأركان أيضًا أركانًا لجميع الأعداد كوْنها تم إنشاؤها بواسطة الواحد. إلى جانب ذلك، سيكون الواحد عددًا لأنّ الواحد لم يعد وِحدة العَدّ، أي وِحدة قياس الأعداد. لكن هذا مستحيل لأنه إذا كان لدى الواحد أركانًا، فسيكون قابلًا للقسمة إلى وحداتٍ، وسيكون هناك تناقضًا لأن الواحد، حسب الكندي، هو واحدٌ فقط وليس وحداتٍ. لذلك، المبدأ الوحيد للأعداد هو الواحد.

العدد ليس كمّيّة

رابعًا، كانت محاولة الكندي الأولى لإثبات أنّ الواحد ليس عددًا من خلال افتراض أنّه عددٌ ومن ثمّ تطبيق خاصّيّة الكمّيّة عليه من أجل الوصول إلى تناقضٍ ما وبالتالي رفض إمكانية الفرضية الأولى بأنه عددٌ. سأبدأ بتقديم فقرةٍ لأرسطو حول هذه النقطة:

“أكثر ما يميّز الكمّيّة هو أنها يمكن أن تُسمّى ‘متساوية وغير متساوية’. كلٌّ من الكمّيّات التي تحدثنا عنها تسمّى ‘متساوية وغير متساوية’. على سبيل المثال، يُطلق على الجسم الصفات متساوٍ وغير متساوٍ (قياس حجم الجسم بمقارنته مع جسمٍ آخر)، ويُسمّى العدد بالمتساوي وغير المتساوي، وكذلك الوقت؛ هكذا أيضًا مع الآخرين الذين تحدثنا عنهم، يُطلق على كلّ منهم المساواة وغير المساواة. لكن أي شيءٍ آخر – أيًا كان ليس بكميةٍ – بالتأكيد، كما يبدو، لا يُسمّى متساويًا وغير متساوٍ. على سبيل المثال، لا يُطلَق على حالةٍ ما بالمساواة وغير المساواة، ولكن بالأحرى، بالتشابُه؛ الأبيض بالتأكيد ليس متساويًا وغير متساوٍ، لكنه مُتشابهٌ (بالمقارنة مع غيره من الألوان). وبالتالي فإنّ أكثر ما يميّز الكمّيّة هو أنها تُسمّى متساوية وغير متساوية ” (Aristotle 6a26-6a36).

وفقًا لذلك، يعتبر الكندي أن الواحد عددٌ، ممّا سيجعل من الواحد كمّيّةً، وبالتالي يمكن أن يكون الواحد متساويًا أو غير متساوٍ (Adamson Chap 4 P 8; JJRR 73). في هذه الحالة، يقول الكندي، بما أنّ الواحد هو وِحدة قياس الأعداد، سيكون لدى الواحد وحداتٍ أخرى مساوية معه وبعض الوحدات الأخرى غير متساويةٍ معه. هذا لأن الواحد يُعتبَر كمّيّةٌ. على ما يبدو أنّ الكندي يفسّر أرسطو بشكلٍ مثيرٍ للجدل، وذلك استنادًا على المرجع (Gannagé 50) الذي بدوره يستند على المرجع (Ivry 179). الفكرة الأساسية هنا أنّ الكندي يفهم أرسطو على أنه يعني أنّ الواحد بذاته يجب أن يمتلك أجزاءً متساويةً وغير متساويةٍ، لذلك يستنتج أنّ هناك أجزاءً تساوي الواحد وأجزاءً أُخرى لا تساوي الواحد. ولكن نظرًا لأنّ الواحد غير قابلٍ للتجزئة ولا يمكن أن يحتوي على أجزاءٍ، فسيكون هذا تناقضًا. لذلك، الواحد ليس له خاصّيّة الكمّيّة.

هذه كانت محاولة الكندي، لكن على أيّ حالٍ، لا يمكن اعتبار الأعداد كمّيّاتٍ بحدّ ذاتها، فهي مجرّد تجريداتٍ عقليّةٍ لتعداد وقياس الكمّيّات. الوقت والأجسام وجميع الأشياء القابلة للعَدّ والقياس، هي أشياءٌ بمعزلٍ عن كونها تُحسَب أو تُعَدّ. لكن لا يمكننا القول إنّ الأعداد موجودةٌ من دون أن تُحسب إلّا بالمعنى الأفلاطوني الذي يرفضانهِ أرسطو والكندي. هذا هو الفرق بين الأعداد والأشياء المعدودة التي اعتبرها أرسطو كمّيّاتٍ. بناءً على ذلك، يمكننا تحديد الكمّيّة على أنها كلّ ما يمكن تقييمه ومقارنته باستخدام الأعداد. لذلك، حتى إذا تمّ تطبيق خاصّيّة المساواة أو عدم المساواة على الأعداد، فإنّ ذلك لا يستلزم اعتبار الأعداد ككمّيّاتٍ بحدّ ذاتها. وبالتالي، فإن الأعداد ليست كمّيّاتٍ، ولكنها أدوات قياسٍ لجميع الكمّيّات.

الواحد عددٌ باشتباه الاسم

خامسًا، يبحث الكندي عن إمكانية أن يكون الواحد عددًا من دون أن يكون كميةً، بينما الإثنين، الثلاثة، والأعداد الباقية، جميعها تكون كمّيّاتٍ. في هذه الحالة، لن يكون للواحد خاصّيّة الكمّيّة، أي كوْنها متساويةً وغير متساويةٍ. وفقًا للكندي، يمكن تسمية الواحد بـ ‘عددٍ’ باشتباه الاسم (equivocally) وليس بالطبع (by nature)، أي بالتّسمية فقط وليس بالفعل. ستكون هذه هي الطريقة الوحيدة لقول ‘العدد واحد’ إذا لم يكن الواحد كمّيّةً. بكلمات الكندي:

“فإذًا الواحد ليس بعدد بالطبع، بل باشتباه الاسم، إذ ليس تقال الأعداد إلا بالإضافة إلى شيء واحد: فالطبيات الى الطب، والمُبرئات إلى البُرء” (JJRR 75).

الأعداد تُسمّى أعدادًا كونها في علاقةٍ مع شيءٍ واحدٍ، بمعنى شيءً مفردًا (singular)، مثل الطّب، وهو الشيء المفرد الذي تتعلّق به الأشياء الطّبية. جميع الأعداد هي كمّيّاتٍ باشتباه الاسم، بمعنى أنها كمّيّاتٌ متعدّدةٌ وليست مفردةً. يمكن قياس وتعداد الأشياء الطّبية عبر الأعداد، ولكن هذا فقط لأنها مرتبطةٌ بالطّب، وهو الشيء المفرد الذي تتعلّق به هذه الأشياء. لذا، فإنّ الأعداد مرتبطةٌ بالواحد كما أنّ الأشياء الطبية مرتبطةٌ بالطّب، وبالتالي نظرًا لأنّ مفهوم الطّب يُعتبر باشتباه الاسم شيءً طبيًّا وليس بطبيعته لأنه مجرّد مفهومٌ وليس ‘شيئًا’ كباقي الأشياء الطّبية، إذًا بالمشابهة يمكننا القول إن الواحد عددٌ باشتباه الاسم وليس بالطبع.

لكن عندما نقول ‘عدد عشرة’، هل هذه كمّيّة من الوحدات؟ في الواقع، إنها مجموعةٌ من الوحدات، ولكن ليس لها ذات معنى تعدُّد الأجسام لتكون ‘كمّيّةً’ كمثل القول ‘عشرة أجسام’. الفرق هو أننا نحتاج إلى أعدادٍ لحساب عدد الأجسام، ولكن عندما نقول ‘عدد عشرة’، نكون قد قمنا بالفعل بحساب عشر وحداتٍ ولسنا بحاجةٍ إلى شيءٍ خارجٍ عن نظام الأعداد للقيام بذلك. وبالتالي، إذا قلنا إنّ الأعداد تُعتبَر كمّيّاتٌ، فهذا ليس له المعنى ذاته لقول إن الأجسام تعتبر كمّيّات. جميع الكمّيّات قابلةٌ للقياس الكَمّيّ بواسطة الأعداد، وبالتالي ستكون الأعداد مجرّد كمّيّاتٍ باشتباه الاسم. على أي حال، الواحد هو الِوحدة التي تسمح للأعداد أن تكون أداةً لعَدّ الأشياء. فمن دون الوِحدة لا يمكننا أن نقوم بالعَدّ، ومن دون العَدّ لا توجد أعداد. ومع ذلك، يمكن قياس أو عَدّ الوِحدة على أنها ‘واحد’، لذلك يمكن اعتبار الواحد بطريقةٍ ما كعددٍ يستعمل لقياس الوحدة. ولكن بناءً على التشبيهات التي أجراها أرسطو والكندي، أي المشابهة مع وحدات قياس المسافة والمقاطع اللفظية على التوالي، لا يمكن اعتبار الوِحدة عددًا في طبيعتها. لذلك، الواحد هو عددٌ باشتباه الاسم فقط وليس بالطّبع.

الواحد عددٌ فرديٌّ باشتباه الاسم

سادسًا، وفقًا للكندي (Adamson Chap 4 P 13; JJRR 77)، بافتراض أنّ الواحد عددٌ، يمكن أن يكون عددًا فرديًا أو زوجيًا. إذا كان الواحد عددًا زوجيًا، فسيكون الواحد قابلًا للقسمة إلى جزأين وفقًا لتعريف إقليدس: “العدد الزوجي هو الذي يمكن تقسيمه إلى نصفين” (Euclid 7, Def 6). إذًا يجب أن يكون هذان الجزءان متساويين، وبالتالي فإن أحدهما قابلًا للقسمة أو التجزئة إلى مجموعةٍ من الوِحدات (أو الوحدانيّات حسب تعبير الكندي) بشكلٍ متكافئ في هذين الجزأين من الواحد. لكنّ الكندي كان قد أثبت سابقًا أنّ الواحد غير قابلٍ للتجزئة، وبالتالي في هذه الحالة، سيكون الواحد قابلًا للتجزئة وغير قابلٍ للتجزئة في الوقت ذاته، لذا فإنّ هذا التناقض يعني أن الواحد ليس عددًا زوجيًا. بمعنى آخر، في حال كان الواحد عددًا مكوَّنًا من وحداتٍ، ستكون هذه الوحدات هي مبادئ جميع الأعداد، ثم أن كلّ وِحدةٍ من هذه الوحدات تكون بذاتها ‘واحد’. في المقابل، يؤكد الكندي أن الواحد هو واحدٌ فقط، أي أنه لا يمكنه أن يكون ‘واحدًا’ إذا كان يتكوَّن من أركانٍ كلّ منها وِحدة، فهذا يتناقض مع كونه وِحدة (unit). وهذا لأنّ الوِحدة لا تتجزَّأ ولا يمكن أن تتكوَّن من أجزائها، لذلك السبب يستنتج الكندي أن الواحد ليس زوجيًا.

بالإضافة إلى ذلك، يجادل الكندي بأنه لا يمكن للواحد أن يكون عددًا فرديًا، ولذلك يفترض في البداية أنّ الواحد هو عددٌ فرديٌّ ليصل في نهاية جدالهِ إلى تناقضٍ معيّنٍ. لكن أولًا يجب أن نرى التعريف الذي يستخدمه الكندي للعدد الفردي، وهو تعريف إقليدس: “العدد الفردي هو العدد الذي لا يمكن تقسيمه إلى نصفين، أو الذي يختلف عن عددٍ زوجيٍّ بوِحدةٍ” (Euclid 7, Def. 7). وفقًا لذلك، إذا كان الواحد عددًا فرديًا، لا يمكن تقسيمه إلى جزأين متساويين، لكن يمكن أن يكون الواحد قابلًا للقسمة إلى جزأين غير متساويين. وفي هذه الحالة، لن يكون لهذين الجزأين وحدات متكافئة. وهكذا، سيكون الواحد قابلًا للقسمة الى وحداتٍ بينما هو غير قابلٍ للتجزئة بحسب ما وصل إليه الكندي سابقًا في جداله. وبالتالي، سيكون لدينا التناقض ذاته الذي وجدناه عندما افترضنا أن الواحد هو عددٌ زوجيٌّ، ممّا يجعلنا نستنتج مع الكندي أن الواحد ليس عددًا فرديًا.

لكن يعود ويتنبّه الكندي إلى أن هذا الاستنتاج ليس صحيحًا لأنه ينطلق من فرضيّة أن الواحد يمكن تقسيمه إلى أجزاءٍ غير متساويةٍ، وهذا مجرد احتمال وليس ضروريًا لكي يكون الواحد عددًا فرديًا. بعبارة أخرى، لا يستلزم تعريف العدد الفردي تقسيم العدد إلى جزأين غير متساويين، وبالتالي ما زال من الممكن أن يكون الواحد عددًا فرديًا. في الواقع، بدأنا تفكيرنا بافتراض أنّ الواحد عددٌ، وبالتالي إذا اعتمدنا تعريف إقليدس وحاولنا أن نبحث إذا ما كان العدد واحد مناسبًا لهذا التعريف، فستكون النتيجة إيجابية وسنستنتج أنّ الواحد عددٌ فرديٌّ. فلا يمكن تقسيم الواحد إلى نصفين لأنه غير قابلٍ للتجزئة، بالإضافة إلى اختلاف الواحد عن عددٍ زوجيّ، وهو العدد اثنين، بوحدةٍ واحدة، ممّا يجعل الواحد عددًا فرديًّا بحسب تعريف اقليدس. لحلّ هذه المعضلة، يعتبر الكندي أننا لا نستطيع تحديد أو تعريف الأعداد الفردية قبل التّأكُّد إذا ما كان الواحد عددًا أو لا. فمسألة الواحد أن يكون عددًا أو لا، تسبق في الأولوية المنطقية مسألة تعريف الأعداد الفردية. لذلك ذهب للبحث عن طريقةٍ أخرى لإثبات أن الواحد ليس عددًا، بعد أن أدرك أنّ تعريفات الأعداد الفردية والزوجية لم تخدمه للتّوصُّل إلى هذه النقطة.

أيضًا، علينا أن نقرّر ما إذا كان الواحد قابلًا للتجزئة أو غير قابلٍ لها، وذلك يجب أن يكون قبل القيام بالتفكير سواء كان عددًا فرديًا أم لا. وبما أن الكندي أثبت أنه غير قابل للتجزئة، فسيكون التحليل على النحو التالي: إذا كان الواحد عددًا فرديًا، وبما أنه لا يمكن تجزئته، سوف يطابق تعريف الأعداد الفردية بحيث أنه لا يمكن تقسيمه إلى نصفين، مما يجعلنا نستنتج أن الواحد عددًا فرديًا. بالإضافة إلى أن الواحد ليس عددًا زوجيًا لأنه لا يمكن تقسيمه إلى نصفين، بما أنه غير قابل للتجزئة. وهكذا، الواحد هو عددٌ فرديٌّ. لكن بالنهاية، هذا التحليل ليس مقنعًا لأنّ تعريف العدد بحدّ ذاته عليه أن يسبق تعريف العدد الفردي والزوجي، وذلك لأن تعريف العدد الزوجي والفردي يكون بهدف تمييز الأعداد عن بعضها البعض بعد تحديدها. وكَوْن الواحد يتجزّأ أو لا هو أمرٌ مرتبطٌ بكونه وِحدةً، أمّا إذا كان زوجيًا أو فرديًا مربوطٌ ومشروطٌ بكونه عددًا. إنّ أولويّة تعريف العدد فكرة بديهية، على سبيل المثال، نُحدّد أنّ الخمسة هو عددٌ، ومن ثم نذهب للتّحقّق من ميزاته وتحديدها، كأن يكون عددًا فرديًا أو زوجيًا. وبالتالي، انطلاقًا من هنا، علينا أن نعرّف العدد قبل تعريف الأعداد الفردية والزوجية. وكما أنه قبل أن نبحث فيما إذا كان الواحد فرديًا أو زوجيًا، يجب علينا في البداية أن نقرر ما إذا كان الواحد عددًا أم لا. لذلك، نظرًا بأنّ الواحد ليس عددًا بالطّبع، ولكن باشتباه الاسم بالنسبة للكندي، يمكننا القول إنّ الواحد هو عددٌ فرديُّ باشتباه الاسم وليس بالطبع. وذلك لأنّ الواحد يطابق تعريف العدد الفردي وليس الزوجي، ولكنه وِحدة قياسٍ وليس عددًا بطبيعته.

تعريف الكندي للعدد

أخيرًا، حاول الكندي إثبات أن الواحد ليس عددًا من خلال ثلاث حجَجٍ رئيسةٍ، والنجاح كان في حجّة التشبيه بالمقاطع الصوتية. الحجة الأولى كانت باستخدام مفهوم الكمّيّة، والثانية باستخدام تعريف الأعداد الفردية، والثالثة بالتشابه مع المقاطع الصوتية. ثم قام بتعريف العدد على أنه يتمّ إنشاؤه بواسطة مجموعةٍ من الوحدات، بمعنى أنّ العدد يتألّف من مجموعةٍ منظّمةٍ للوحدات:

“[…] انه نظم الوحدانيات، وجميع الوحدانيات، وتأليف الوحدانيات” (JJRR 79).

الخاتمة

كخلاصة للقول، يمكن أن يكون العدد اثنين ‘القلّة المطلقة’ كأوّل مجموعةٍ أو تَعَدُّدٍ (plurality) وبالتالي أوّل عددٍ، لأن التّفرُّد (singularity) يتمّ تحديده عبر الوِحدة التي يتم حسابها بـ ‘واحد’. إلى جانب ذلك، الوِحدة غير قابلةٍ للتجزئة مثل أيّ وِحدة قياسٍ ومثل المقطع الصوتي الذي هو وِحدةٌ وركنٌ للكلمات. وبالتالي، فإن الوِحدة ليست عددًا مثل كَوْن المتر وحدة قياسٍ للمسافة وليس مسافةً بحدّ ذاته، وكما أنّ المقطع الصوتي ليس كلمةً. عندئذٍ سيكون الواحد عددًا باشتباه الاسم، ولكن ليس بالطبع. علاوةً على ذلك، فإنّ الواحد هو عددٌ فرديٌّ باشتباه الاسم، لكنه ليس عددًا فرديًا بالطّبع. وبالتالي، نظرًا لكون الواحد هو وِحدة العَدّ، فالعدد ليس كميةً تُقاس بالوحدات، ولكنه ترتيبًا للوحدات التي تُستعمَل لقياس جميع الكمّيّات.

 

 


[i] المقصود أفلاطون (٤٢٧ – ٣٤٧ ق م) وأفلوطين (٢٠٥ – ٢٧٥ م).

[ii] كلمة مرسلًا تعني مطلقًا لذلك تترجم للإنكليزية absolute

[iii] “Ch 4 P 19” means chapter 4 paragraph 19

[iv] أو ‘الوحدانيّات’ بحسب تعبير الكندي

[v]  كلمة يونانية بالأصل، وتعنى المادة (Hyle).

[vi] راجع (Annas 42)

[vii] راجع (Annas 47)

 

References:

(Constantine) Constantine J. Vamvacas (2009). The Founders of Western Thought – The Presocratics. Springer Science & Business Media.

(Adamson) Peter Adamson and Peter E. Pormann. (2012). The Philosophical Works of Al-Kindi, Oxford.

(Aristotle) Johnathan Barnes (1991). The Complete Works of Aristotle. Princeton University Press. Princeton, N.J.

(JJRR) Jean Jolivet et Roshdi Rashed (1998). Oeuvres Philosophiques et Scientifiques d’Al-Kindī. (Volume 2). Métaphysique et Cosmologie. Leiden; Boston; Koln. Brill.

(Gannagé) Emma Gannagé (2018). The Rise of Falsafa: Al-Kindī (d. 873). Oxford Handbooks Online. Oxford University Press.

(Annas) Julia Annas (2003). Aristotle’s Metaphysics. Books M and N. Oxford.

(Euclid) J.L. Heiberg (2008). Euclid’s Elements of Geometry. Richard Fitzpatrick. (ISBN 978-0-6151-7984-1).

(Ivry) Ivry, A. (1974). Al-Kindi’s Metaphysics. A Translation of Ya’qub ibn Ishaq al-Kindi’s Treatise “On First Philosophy” (Fi al-Falsafah al-Ula), with Introduction and Commentary. Albany: SUNY Press.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق