مقالات

تاريخ مُوجز لمفهوم «الجَليل» – سايمون مورلي

ترجمة: كريم محمد

قد تبدو كلمة «الجليل» باليةً إلى حدٍّ ما؛ فهي، من الناحية التأثيليّة، نابعة من الكلمة اليونانيّة «sublimis»  (الرفيع؛ السّامي؛ الجليل) مكوّنة من حرفّ جرّ «sub» يعني ههنا »حتّى كذا« (up to)، وتُفيد بعض المصادر بأنّ الجزء الآخر من الكلمة يرجع إلى «limen» التي تعني عَتبة أو سُدّة أو مُحيط أو عتبة الباب، بينما ترجعها مصادر الأخرى إلى «limes» التي تعني الحَدّ، أو نهاية الشيء، أو أقصاه. وفي العصور الوسطى، حُوِّلت «sublimis» إلى فعل «sublimare» (يسمو)، وشاع استخدامه على يد الخيميائيين لوصف عملية التنقية التي تتحوّل المواد بواسطتها إلى غاز بحكم تعرّضها للحرارة، ثمّ تبرد وتصيرُ مادّة صلبة متحوّلة من جديد. وما تزالُ الكيمياءُ الحديثة تُشير إلى «تصعيد» الموادّ، ولكن بطبيعة الحال من دون المضمون الخيميائيّ الباطني لها، حيث استلزمتِ التنقية أيضًا التحوّل إلى حالة أعلى من الوجود الروحانيّ.

بدأ مفهوم «الجليلُ» في اكتساب صداه الحديث في القرن السابع عشر، عندما ظهرَ في ترجمةٍ لنصّ يونانيّ مُتشظٍّ عن البلاغة لمؤلف  مجهول من الحقبة الرومانية يُعرَف باسم لونجينوس. والحال أنّ الترجمة الأولى لهذا العمل بعنوان (Du Sublime) (عام ١٦٧٤) على يد نيكولاس بوليو قد أشارت إلى اهتمامٍ جديد باستقصاء الآثار العاطفيّة القويّة في الفنّ. فقد أعلنَ لونجينوس بأنّ النبالةَ الحقّة في الفنّ والحياة وجبَ استكشافها من خلالة مُجابهة مع المجهول والمُنذر بالتهديد، وبصرف الانتباه إلى أيّ شيءٍ في الفنّ يتحدّى مَقدرتنا على الفهم ويغمرنا بالتساؤل. وفقًا للونجينوس، الفنّان الجَليل هو ضربٌ من الشخصّية الفوق-بشريّة القادرة على الارتقاء أعلى الأحداث والتجارب الشاقّة والمشؤومة من أجل إنتاج أسلوب أكثر نبالةً وصقلًا.

ومع ذلك، منذ القرن الثامن عشر، بدأت الكلمةُ تُستعمَل في سياق مُختلف عكسَ وعيًا ثقافيًّا جديدًا بحدود الذات، وهو الأمر الذي أدّى بالفنّانين والكُتّاب ومؤلّفي الألحان والفلاسفة إلى لصرف الانتباه إلى الخبرات المُكثّفة التي تقع خارج سيطرة الوعي وتُهدّد الاستقلاليّة الفرديّة. وبدأ مفهوم الجليل، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحركة الرومانتيكيّة، في الانتشار على يد هؤلاء الذين يرغبون في تحدّي الأنساق التقليديّة للفكر التي كانت مصكوكة في لغة الدّين القديمة، تلك اللغة التي بدت الآن مؤسّسة على تصورات عن التجربة البشريّة عفا عليها الزمن. وكما وصفهم الفيلسوف فيليب لاكو لابارث، فقد أملوا أن يستكشفوا «لا مُمكنيّة قياس المحسوس بالميتافيزيقيّ (الفكرة، الإله)».

وقد أشار الفيلسوف والمُنظّر السياسيّ الأيرلنديّ إدموند بيرك في رسالته «بحثٌ فلسفيّ في أصول أفكارنا بشأن الجليل والجميل» (١٧٥٧) إلى أنّ هناك تجارب مُحدّدة تُقدّم ضربًا من الارتعاش أو القشعريرة من لذة جامحة، وتمزجُ الخوفَ بالبهجة. لقد حوّل بيرك التركيز في النقاش المُتعلّق بالجليل ناحيةَ التجارب التي تُثيرها جوانب من الطبيعة التي، بحكم رحابتها أو غموضها، لا يمكن اعتبارها جميلةً، ومن المُرجح في واقع الحال أن تملأنا بنوع من الرُّعب:

«إنّ الشعور الناجم عن ما هو عظيم وجليلُ في الطبيعة، حينما تعملُ هذه الأسباب بصورة أكثر نفوذًا وفعاليّة، هو الدّهشة، والدهشة هي حالةُ الرّوح وقد عُلِّقت فيها المشاعرُ كافّة، مع وجود درجةٍ ما من الرعب … وما من عاطفةٍ تسلب العقلَ بكلّ قواه وقدرته على التصرف والمعقوليّة مثلما الخوف. لأنّ الخوفَ، ولكونه جزعًا من الخوف والموت، يعملُ عمله على نحوٍ يُماثل الألم الحقيقيّ. ومن ثمّ، فإنّ كلّ ما هو رهيب، فيما يتعلّق بالنظر، هو جليلٌ أيضًا… وبالفعل، فإنّ الرعب أيًّا تكن حالته، سواء أكان صريحًا أم خفيًّا، يُمثّل المبدأ الحاكم لما هو جليل»

كان بيرك مهتمًّا بما يحصلُ للذاتِ حينما يداهمها مداهمةً عنيفة ما يبدو أنّه يُعرّض بقاءها للخطر. لقد نقلَ بيرك التحليل بعيدًا عن الشيء الجليل، متجهًا صوب تجربة النّاظر؛ ممّا جعل بحثه بحثًا نفسيًا. وكما أعلن بيرك، كان الجليلُ هو «الشّعور الأقوى»، وبخّس بيرك من أهميّة الجميل، مدعيًا أنّه ليس سوى مجرّد مثالٍ على حُسن الشيء. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ الخبرة الجليلة لها القدرة على تغيير الذّات، ووجدَ بيرك -مثله مثل لونجينوس- شيئًا ساميًا في هذه الارتعاشة المُخضّبة بالرعب، كما لو أنّ التحدّي الذي يطرحه تهديد معين بمثابة تقوية للذات.

في «نقد مَلكة الحكم» (١٧٩٠)، انطلقَ إيمانويل كانط مستكشفًا ما يحدثُ عند التّخوم حيثما يجدُ العقلُ حدوده. ميّز كانط بين ثلاثة أنواع من الجلال -الهائل والسامي والرائع- وواصلَ وعمَّقَ من انعطافة التركيز التي استهلّها إدموند بيرك، وذلك من خلاله تشديده [كانط] على أنّ الجليل لم يكن صفة شكليّة لبعض الظواهر الطبيعيّة باعتباره تصوّرًا ذاتيًّا: إنه شيءٌ يحصل في العقل. ومن ثمّ، انتقلَ كانط بالتحليل ناحية أثر وعاقبة تجربة الجليل على الوعي، وحاجج بأنّ الجليل يتعلّق، جوهريًّا، بتجربة سالبة للحدود. إنّ الجليل هو طريقة للحديث عمّا يحدث حينما نُجابَه نحنُ بشيءٍ لا نقوى على فهمه أو السيطرة عليه؛ شيء بالغ الجسامة.

يكمن خلف خطاب كانط حسٌّ عميق باستقلاليّة الطبيعة التي يتجاوز تعقيدُها وعظمتها دومًا أيّ قدرة بشريّة على السيطرة عليها أو فهمها. قد يكون هذا الحسّ بالجليل تستهلّه جوانبُ الطبيعة المروّعة مثلما وصّفها بيرك، أو تُحفّزه تجربةٌ مُعقدّة للغاية بحيث إنّ عجزَنا عن تشكيل تصوّر عقليّ واضح عنها يؤدي إلى حسّ بعجز مُخيّلتنا، وبالهوّة الشاسعة بين تلك التجربة والأفكار التي نملكها حولها. وكما لاحظ كانط، فإنّنا على وعيٍ بأنّه في بعض الأحيان لا يكون بإمكاننا أن نُقدِّم لأنفسنا تصوّرًا لتجربةٍ متماسكة بأيّ شكلٍ من الأشكال. فنحن لا نستطيع أن نحيط بها علمًا من خلال التفكير، ولذلك تظلّ متعذّرة التمييز أو التسمية، وغير قابلة للتقرير والتمثيل والتحديد.

كتبَ كانط: «إنّ الشّعور بالجليل هو، في الوقت نفسه، شعورٌ بالاستياء، وهو ينشأ من عجز المُخيّلة عن التقييم الاستطيقيّ للقدر الذي تصل إليه في تقييمها للعقل، وهو بمثابة لذة يقظة متزامنة تنشأ عن هذا الحكم بحد ذاته على عجز الحسّ بالتلاؤم مع أفكار العقل، بقدر ما يكون الجهد المبذول للوصول لذلك بمثابة قانون بالنسبة إلينا». وبالتالي، ونظرًا إلى أنّ الجليل يُتوجّه إلى ما لا يمكن محكامته أو السيطرة عليه، فإنّه متجذّر في الوعي بالعوز. وكما حاجج كانط، كعاقبةٍ لهذا الوعي بشكل الجسامة المتعذّر بلوغها، فإننا نغدو مُعترفين بحدودنا، وبالتالي يتحوّل حس الشعور بالقصور السلبيّ إلى مكسب إيجابيّ: إذ تعملُ تجارب كهذه على إرساء قوانا العقلانيّة على نحو أكثر ثباتًا داخل نطاقاتها الملائمة، رغم أنّها نطاقات متقلّصة.

وقد ساهمَ أيضًا كثيرٌ من المفكّرين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في تطوير المفاهيم الحديثة للجليل. فقد ادّعى فريرديش شيلر في نصه «عن الجليل» (١٨٠١) أنه في حين أن الجميل لا قيمة له سوى بالإحالة الإنسان، فإن الجليل هو السبيل التي تكشف بها «الروح الحارسة» (Daemon) عن نفسها داخل الإنسان. وقد عارض أيضًا هيغل في نصه «محاضرات حول فلسفة الدين» تأويل كانط السلبيّ جوهريًّا. فقد نظر هيغل إلى الجليل لا بوصفه فسْخًا لسلطة العقل، وإنّما كلحظة انصهار مع المُطلق يُحقَّقُ فيها الجميلُ، وأوضح أنّ الجلالة هي السبيل التي تجلى الإلهي بواسطتها في العالم الطبيعي. وعلى المنوال نفسه، استكشف آرثر شوبنهور في نصه «العالم بصفته إرداة وتمثيلًا» (١٨١٩) الصْدعَ الذي يكمن في لُب الوجود، وتصوّرَ الذات التي يمكنها في مواقف معيّنة أن تراقب نفسها في فعل مواجهة الهاوية الداخليّة المريعة، مُكتسبةً بفعلها ذلك جلالًا مُظلمًا مؤكّدًا.

وقد وسّع فريدريك نيتشه هذه الحُجج إلى حدّ أنّه حثّ على التخلّي عن العقل برمّته. في كتابه «مولد التراجيديا» (١٨٧٢)، قولب نيتشه الفردَ الجليلَ حقًّا باعتباره شخصًا مُستعدًّا للتخلي عن الحُلم الآمن بالعقلانيّة «الأبوليّة»، حيثُ كلّ شيءٍ بائن ومستقيم، من أجل احتضان الثُمالة «الديونوسيّة»؛ جموح إله النبيذ والجنون.

وعمّق سيغموند فرويد، في بدايات القرن العشرين، من هذه المنظورات المختلفة بطريقتين مهمّتين، على الرّغم أنّ ذلك كان دون أيّ معالجة للسياق الفلسفيّ بصورة مباشرة. ففي مفهومه عن «الإعلاء» (sublimation)، حاجج فرويد بأنّه من أجل إيجاد الاستقرار النّفسيّ، فإنّ الأنا «العادية» (normal) ترسي نفسها ولا بدّ على كبت الدّوافع غير المرغوب فيها والذكريات التروماتيكيّة، ومن ثمّ يتمّ تحويلها إلى أشكال «أنقى» وأكثر قبولًا من الناحية الاجتماعيّة والأخلاقيّة. وعيّن فرويد أيضًا المُجابهات المستمرّة للأنا مع مثل هذه القوى النّفسيّة المُزعزعة، والمكبوتة جزئيًّا، باعتبارها تولّد ما أطلقَ عليه اسم «الغرابة‘»، التي وصفها بأنّها شعورٌ بقلق مشوش؛ وهو ضربٌ من الخوف الناشئ عمّا يُعرَف عن الأشياء القديمة والمألوفة منذ عهدٍ بعيد.

وبالفعل، بالنسبة إلى كثير من المفكّرين في أوائل ومنتصف القرن العشرين، فقد تبدو ظروف الحياة اليوميّة في المجتمع التقنيّ الحديث إحدى التجارب المُقلقة والمتتالية، ممّا يُسبّب ما اصطلحَ عليه الكاتب الألمانيّ فالتر بنيامين بالشّرط النفسيّ المُتزعزع لـ«الصّدمة» التروماتيكيّة، التي لها عواقب مُقلقلة ليس بالنسبة إلى الفرد فحسب، بل للمجتمع برمّته.

وفي هذه الأثناء، ومن منظوره التحليل-نفسيّ المغاير، استكشف كارل يونغ من خلال دراسته للنصوص الخيميائيّة والتصوفيّة دلالات الجلالة بمعانيها المبكّرة. منطلقًا من هذه الأعمال العلميّة الأوّليّة، عقدَ يونغ مماثلات لها مع تقدّم النّفس نحو وعي ذاتيّ أكبر، أو ما اصطلحَ عليه هو بمصطلح «التفرّد». كما شقّ السورياليّ المنشق جورج باطاي طريقةً للتعبير عن التجربة الموصوفة في النصوص التقليديّة الصوفيّة بمصطلحات حديثة. فقد أعلن، مقتفيًا خُطى نيتشه، بأنّنا، في نصوص كهذه، إنّما نشهدُ تسجيلًا للحظات حينما تكون الذاتُ مُجبَرة على «البقاء في حالة من الجهالة التي لا تُطاق، والتي لا مخرج منها سوى بالنّشوةِ».

 

 


سايمون مورلي فنان وأستاذ مساعد في جامعة دانكوك في جنوب كوريا في كلية الفنون الجميلة. هو محرر كتاب «الجليل – The Sublime» الذي أخذت منه هذه المقالة. آخر كتبه المنشورة حديثًا هو « The Simple Truth: The Monochrome in Modern Art»

المصدر (ضمن اتفافية خاصة بمنصة معنى).

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق