مقالات

الحياة الطيبة في عصر التقنية والتواصل والوباء – أحمد بادغيش

 

 إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك، فأنت في صحبة سيئة.

سارتر

 

سأسعى في هذه المقالة إلى رسم أهمية مفهوم الفلسفة وعلاقتها ببحث الفصيل البشري المستمر عن الحكمة وتليين ظروف الحياة بالوعي والمعرفة، وهو ما ينعكس على تعامل الإنسان مع الكوارث الطبيعية. تبدأ المقالة بإظهار أهمية المعرفة والتطور في تعامل الإنسان اليوم مع الوباء ككارثة طبيعية، وشرح فكرة التراكمات المعرفية في التجربة البشرية، ودور الفلسفة في بناء هذه المعرفة. قياسًا على التجربة البشرية ككل، يمكن التعامل مع الحياة الفردية بالمنطلقات ذاتها، وبناء اقتدار الفرد نفسه للتعامل مع ظروف الحياة وإدراك دوره الصغير والمهم أيضًا في محيطه ودائرة تأثيره؛ للوصول إلى حالة الرفاهية والاستمتاع بالحياة الطيبة. ويتطلب الوصول إلى هذه الحالة إلى عدد من الأدوات والتي تختلف من شخص لآخر؛ لكن قواعد الحالة النفسية للفرد أو للمجتمع هي نقطة البداية.

مقدمة:

أسهمت الحضارات البشرية كلها بطريقة أو بأخرى في تشكيل الوعي البشري والمعرفة التي نتناقلها جيلًا فجيل؛ كما تتناقل الكائنات الحية كلها عاداتِها وسُبلَها لمواجهة ظروف المعيشة. وهكذا استطاع الإنسان عبر تاريخه على استحداث بيئة تتناسب مع متطلبات الحياة، بل وأحيانًا على اختلاق عادات وأنظمة في سبيل تحسين ظروف معيشته هو الآخر. فالمعرفة[1] Knowledge لغويًّا هي العملية الذهنية لفهم معلومةٍ عن شيء ما، بالتجربة أو الدراسة. أما الوعي[2] Awareness فهو المعرفة بوجود شيء ما، أو فهم حالة معينة أو موضوع بناءً على معلومات أو خبرات.

مقارنة بسيطة بين الهواتفِ الذكية اليوم، والهاتفِ الذي سجّل براءة اختراعه (ألكسندر غراهام بل) عام ١٨٧٦م، تبيّن كيف حمل هذا التطور اختفاء العديد من الأدوات الأخرى من حولنا: المنبه، المذكرات، بل وحتى يمكن القول إنها قلّصت مهنًا ووظائفَ، مثل: السكرتارية. ولطالما كان من المذهل بالنسبة إليَّ إذا ما نظرت إلى التجربة البشرية بعموم، أو المدوّن منها على الأقل، محاولة الفصيل البشري المستميتة على تحسين ظروف المعيشة؛ والاكتشافات والأبحاث والاختراعات المتتالية والتي تحمل الهدف نفسه وإن اختلفت الطرق؛ والانتقال من الحياة البرية إلى المدنية المتشاركة، ومن الهمجية إلى التمدن والتحضر.

يمكن أن يكون الوباء الأخير الذي أصاب الفصيل البشري أحد أوضح الأمثلة على ذلك، خاصة إذا ما قورن بأوبئة أخرى كانت في أحد الأيام أشد وقعًا وضراوةً، مثل الطاعون. وعلى الرغم من أن انتشار الوباء الأخير الواسع كان نتيجة سلبية للتطور الذي نعاصره وسهولة التنقل بين أرجاء الكرة الأرضية، مقارنة بالطاعون الذي كان يمكن محاصرته بعزل المدن بالكامل. وهذا الأسلوب الذي تنظمه الدول اليوم في المشهد العالمي بالتعاون مع مختلف المؤسسات.

إلا أن قراءة بسيطة لأحوال المدن في أوقات الطاعون، أو رواية (ألبير كامو) مثلًا التي حملت اسم الوباء، يمكن أن توضح بأن هذه التطورات كلها كانت السبب أيضًا في تخفيف وطأة الوباء على الفرد المعاصر أيضًا، كأن يكون هناك نظام رقمي مختلق يحمل كمية كبيرة من البيانات والمعلومات، والتي تسهّل الوصول إلى مختلف الخدمات أيضًا، دون التطرق إلى وسائل الترفيه والفنون والعلوم المختلفة. الآن يتفهم الناظر إلى محاولات (عباس بن فرناس) أو (ليوناردو دا فينشي) بالطيران الدور العام لتجاربهم غير المكتملة، إذا ما شهد الطائرات الحديثة وقدراتها التي تتطور من عام لآخر، وآثارها أيضًا. بينما لاقى الوعي البشري في تلك العصور فكرة الطيران بالدهشة والسخرية. فالتجربة البشرية عمومًا تراكمية، وقد تكون الحكمة من تجارب الأمس وأخطائه من مسلّمات اليوم وأساسياته.

وبين هذه الاكتشافات والأبحاث والاختراعات كلها، يبقى السؤال دائمًا مطروحًا على العلوم الإنسانية والطبيعية، بما في ذلك الفلسفة، فوسط كل ما يمكن لمسه وقياسه، تبقى العلوم الإنسانية، بما في ذلك الفلسفة، بعيدة عن الحواس الأساسية للإنسان المعاصر إذا لم يلقِ لها بالًا. فما دور الفلسفة في التقدم التقني كله والملموس اليوم؟

تأثير الفلسفة في الأزمنة المعاصرة:

تعرّف الحكمة[3] Wisdom لغويًّا بأنها القدرة على استحضار معرفتك وتجاربك لاتخاذ قرارات وإصدار قرارات جيدة؛ الأمر الذي لا يقتصر على النتائج الفورية، فمن شأن الإنسان المتمدّن أن يتميز عن الهمجي ببعد النظر، والقدرة بما سيقع قبل وقوعه، “فتراه لا يأبى احتمال الألم الراهن من أجل لذة مستقبله”[4] كما يؤرّخ (برتراند راسل)، “حتى وإن كانت تلك اللذة المقبلة بعيدة الوقوع”. وتظهر أهمية ذلك من وجهة نظر (راسل) إلى بداية ذهنية الزراعة، كنشاط بشري؛ فعلى عكس الصيد، تتطلب طبيعة الزراعة العمل في فصولٍ، وادخار طعام فصولٍ أخرى. ومن شأن المدنية أيضًا أن تهذب الدوافع الفطرية وتلجمها، تحسّبًا للمستقبل تارة، وأخرى قصد اتساق الإنسان في أجزائه فردًا ومجتمعات.

إن إجابة السؤال حول دور الفلسفة تختلف من شخص لآخر، فمن وجهة نظر (راسل) فإن “الفلسفة هي فرضيات حول الأمور التي لا يمكن الحسم فيها قطعيًّا من الناحية المعرفية”، أي لا يمكن اختبارها وإثباتها مختبريًّا أو حتى باستخدام قوانين الرياضيات والإحصاء، أو كما يختصر ذلك بمقولته: “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم”، كما أجاب في أحد اللقاءات التلفزيونية. والإنسان عدو ما يجهل كما يؤثر عن الأقدمين.

أو بتعبير آخر؛ يفرّق[5] (راسل) بين العلوم التطبيقية والفلسفة في كون العلوم هي ما نعلم، بينما الفلسفة هي ما نجهل؛ ما يجعل التساؤل الفلسفي بمثابة محرك العلوم نحن مستقبلها بطريقة ما. فما تثبته التجارب المختبرية من مبادئ علمية، كان في فترة ما من الزمن نظرية لم يتمكن أحد من إثباتها، وقبل ذلك كانت تفلسفًا، وتساؤلًا للبحث وطريقًا في الوصول للحكمة، وإلى تحسين ظروف المعيشة أيضًا، فالفلسفة تعتمد على الملاحظة والاستنتاج والتحليل المنطقي أولًا وآخرًا، ولا يمكن فصلها عن الواقع حتى لا تفقد معناها.

قد تكون إجابة منطقية إذا ما نظرنا إلى التاريخ البشري عمومًا، وإلى العلوم التي تفرّعت عن الفلسفة عبر الزمان؛ لكن الملفت في فروع الفلسفة بأن اهتماماتها ارتكزت على الإنسان فردًا ومجتمعًا ومؤسسات، بل وشملت حتى تفاعله مع الأرض والطبيعة والكائنات الأخرى، ومن ثم تفرعت تلك النظريات وتطورت عبر أجيال من التجربة العلمية التي تعتمد على الموروثات البشرية المدونة والأدوات الملموسة من فنون وآثار وكتابات، إلى أن استقلّت بذاتها كعلوم تطبيقية أو توجهات اجتماعية وسياسية. فالفلسفة لغة هي البحث عن الحكمة، والرحلة المستمرة والمتراكمة فوق بعضها؛ للوصول إلى الحياة الطيبة على الصعيد الفردي والمجتمعي أيضًا.

فالفلسفة هي نتيجة الفضول، وحالة من التماهي للبحث عن حلول للمشكلات التي تواجه المسيرة البشرية كفصيل، وحالة متجددة ومتأهبة لملاحظة المشكلات الناتجة عن التوجهات الفكرية السابقة. النار التي تهدي قافلة بالصحراء إلى أرض تبيت بها الليلة، حتى يصل المسافر إلى تحقيق مفهومه الشخصي لمفهوم حُسن الحال. وأعتقد أن هذا عمومًا هو أساس الحياة الطيبة؛ الوعي بمكانتنا الفردية في التجربة البشرية ككل، وكوننا جزءًا من الفصيل المجتمعي المحيط بنا أيضًا، أن تكون ذاتك لأقصى حد وأن تحمي المدنية بتجلياتها البسيطة كلها في مختلف أدوارنا الفردية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

أعتقد أن أحد أكثر التعابير ارتباطًا بهذا الخصوص، كان للشاعر (محمود درويش)؛ إذ يعبّر عمن سبقونا بتجاربهم في الحياة، فيقول[6]:

“أنا للطريق.. هناك من سَبَقت خطاهُ خطاي

من أملى رؤاه على رؤياي. هناك من

نثر الكلام على سجيته ليدخل في الحكاية

أو يضيء لمن سيأتي بعده

أثرًا غنائيًّا وحدسًا”.

ويتابع في القصيدة ذاتها فيعبّر عمن سيلحقه في الطريق، فيقول:

“أنا للطريق.. هناك من تمشي خطاه

على خطاي، ومن سيتبعني إلى رؤياي”.

مبدأ الاقتدار الإنساني والبحث عن المعنى:

قد يكون أول من رسم نموذجًا للإنسان القوي، أو السوبرمان، كضرورة في مواجهة الحياة، أو كصياغة أخرى لمبدأ اقتدار الإنسان، هو الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه). وبغض النظر عن تشاؤمية (نيتشه) حول المصير البشري، أو عدميته في معنى الحياة؛ إلا أنه لا يمكن غض الطرف عن دوره في تشكيل الوعي الإنساني، فلا يُفهم الإنسان بغير سياقه. فكان أحدُ التساؤلات الفلسفية البحثَ عن معنى الوجود الإنساني وجوهره (Essence). وقد عدّ الفلاسفة القدماء أن كل إنسان وُجد لهدف محدد، لا تستقيم حياته بغير معرفة هذا الهدف والتمسك به، أو ما يسمى بـEssentialism وهو ما يظهر جليًّا في كتابات الرواقيين على سبيل المثال، بما في ذلك رسائل (سينيكا).

ويمكن تفهم تلك النظرة في بيئة تقوم على الحروب والنهب واسترقاق المجتمعات الأشد فقرًا أو الأقل استعدادًا في أحيان أخرى؛ إلا أن ذلك لم يكن يتناسب مع الطبيعة البشرية بعد عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، الطبيعة المتسائلة عن مدى صحة الموروثات الثقافية والفكرية بالكامل. ظلت التجربة البشرية تسعى وراء تحقيق ذاتها والبحث عن الهدف من وجودها، حتى طرق (نيتشه) مسمارًا في نعش الفكر القديم، كما يتصور، عندما أسهم في تشكيل العدمية Nihilism، كأحد أساليب الحياة؛ اختفاء المعنى من التجربة البشرية، وما هو إلا القوة والعمل الجاد والمستمر للإنتاج المعرفي والفني.

يمكن أن يكون نموذج الجندي الروسي الجريح، والذي لطالما أُعجب به (نيتشه) هو أحد نتاجات هذه الفلسفة العدمية، ويمكن القول أيضًا إن (نيتشه) لم يرسم العدمية بقدر ما أجاد وصف عصره وحالته. “إن المرض ضرب من الاضطغان في حدّ ذاته، وليس للمريض في مواجهة هذه الحالة سوى وسيلة علاجية وحيدة أسمّيها الاستسلام الروسي للقدر؛ ذلك الاستسلام دون ثورة الذي يجعل جنديًّا روسيًّا متبرمًا من شدة الغزوة ينتهي بأن يستلقي دون عناء في الجليد: أن يتوقف المرء نهائيًّا عن تناول أي شيء، عن تقبّل وإدماج أي دواء، ويعدل عن كل نوع من التفاعل”، كما كتب (نيتشه)، “فبما أن الإنسان سيستهلك نفسه بسرعة إذا ما حاول القيام بأي ردة فعل، فإنه يمتنع إذًا عن كل عمل؛ تلك هي الحكمة”[7].

ولحسن حظ البشرية بأن هذه النظرة العدمية لم تستأثر بالفكر البشري لمدة طويلة من الزمان، ففي أواسط القرن العشرين شرح الفيلسوف الفرنسي (جان بول سارتر) بعد تأثره بالفلسفة الألمانية وكنتيجة لحالة اليأس التي أصابت الفرنسيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية، بأن جوهر الإنسان هو وجوده، أي أن المرء لم يعد بحاجة إلى البحث عن جوهره، بل أضحى على كل إنسان أن يكتب جوهره الخاص، بوجوده[8]. أو كما عبّر عن ذلك (تشارلز تشابلن)، في فيلم (الأضواء) إذ تبرّم من حوله من غياب المعنى عن الحياة، فرد قائلًا: “ولمَ الحاجة إلى المعنى؟ الحياة رغبة وليست معنًى. فالرغبة هي ثيمة كل الحياة؛ رغبة الزهور في كونها زهورًا فتتفتح، ورغبة الأحجار في كونها أحجارًا فتسكن”.

في الاقتدار، وعلم النفس الإيجابي:

الحقيقة أن (نيتشه) لم يكن الشخص الأساسي الأوحد الذي تتسبب إنتاجاته في هزّ كيان الفكر الغربي القديم في أحد فروعها الأساسية؛ بل يمكن أن يقف بجانبه الطبيب النمساوي (سيغموند فرويد) على بدايات القرن الثامن عشر[9]. فالأول نقطة تحول في الكتابة الإبداعية وصناعة الشخصيات الروائية واستيعابها أيضًا، بإسهاباته الطويلة في القبض على أثر القيم والأحداث اليومية في النفس البشرية، والآخر كان المؤسس الحقيقي لعلم التحليل النفسي، بغض النظر عن مدى صحة نظرياته واستنتاجاته حسب علم النفس الحديث.

فأحد التفرعات الحديثة في هذا العلم هو علم النفس الإيجابي، والذي يقدّم منظورًا جديدًا إلى قضايا الإنسان النفسية والوجودية؛ بالتركيز على دراسة أوجه النماء والاقتدار والفضائل التي تمكّن الأفراد والمجتمعات على الانطلاق وتحقيق إمكانياتها، وكحركة مضادة للتركيز على الاضطرابات النفسية والسلوكية التي يعمد إليها علم النفس العيادي. وتعود الجذور التاريخية لعلم النفس الإيجابي إلى كلٍّ من التيار الإنساني في علم النفس في القرن العشرين، وإلى ما هو أبعد من ذلك، متمثلًا في الفلسفة اليونانية التي تربط السعادة البشرية باتباع الفضيلة، وإلى إسهامات عدد من علماء النفس المختلفين، مثل (يونغ) و(أدلر)[10]. وقد “أمسى بناء الاقتدار الكلّي لإنساننا قضية ملحة، إذا كنا نطمح إلى أخذ مكانة وصناعة مصير، في عالم راهن يحكمه قانون القوة على جميع الصعد السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية والتقنية”، كما يقول (د. مصطفى حجازي) عالم النفس اللبناني: “ويتوجها جميعًا القوة المعرفية التي تشكّل منبع ومرتكز كل القوى الأخرى”.

“يؤدي الاقتدار الإنساني في مختلف مقوماته؛ إلى تحقيق الرضى الكياني، مما يطلق عليه اختصاصيو علم النفس الإيجابي تعبير حُسن الحال Well-being”. كما يقول (د. حجازي)؛ “إلا أن حسن الحال الذي يشكّل تتويج إنجاز الظفر في معركة الوجود، أبعد ما يكون عن الحظ والحظوة اللذين يقطفهما المرء ثمرة ناضجة من دون جهد، فهو حالة كيانية تُبنى ضمن سياقات بيئية ملائمة”. فلم يعد الأمر متعلقًا بالبحث والتقصي عن الجوهر، بل العمل والوجود المستمر في جوهر الإنسان وأحلامه المستقاة من حكمته الشخصية. فالتطورات التقنية التي أتبعت النقاشات الفكرية حول مفاهيم جديدة لمفهوم الفرد والفردانية، لفتت انتباه المجتمعات والمؤسسات التجارية والتطورات التقنية تبعًا، إلى القيمة الفردية لكل إنسان، وتقديس الحياة كفرصة جديدة بطلوع كل نهار.

المثير في الموضوع، هو أن الفرد يكوّن حكمته الخاصة بناءً على تجاربه وتفاعلاته مع محيطه وعصره والبيئة التي يحيى فيها، أو هكذا تحيل الطريقة العلمية التي عُرف بتأسيسها (فرويد) واشتُهر. وعلى الرغم من الانفتاح الاتصالي بين جميع الحضارات ومختلف البشر في أقاصي المعمورة؛ إلا أن الحكمة لا يمكن أن تتشكل من غير تجربة شخصية وقدر من التعاطف مع الآخر واستيعاب اختلافاته، على الرغم من انتشار أزمة هُوية بين مختلف الفئات العمرية للإنسان المعاصر كما تنبه مشروع (تودوروف) الفكري. بالطبع يمكن تعلّم المعارف والنظريات المختلفة؛ إلا أن الحكمة هي نتاج التجارب الحياتية، ولا تُلقّن أبدًا، لكن يمكن أن تُناقَش بالطبع وتُنقل فنًّا أو تُعاش أدبًا.

الرفاه الإنساني، كأحد المفاهيم الحديثة:

وكما يقول (د. مصطفى حجازي): “يتمثل الرفاه الإنساني، وهو لبّ التنمية الإنسانية، في عملية توسيع نطاق خيارات الناس في جميع ميادين سعي الإنسان، وذلك من خلال تمكين الناس جميعًا من المشاركة بفاعلية في عملية بناء حياتهم وصناعة مصيرهم. ويتم ذلك من خلال القضاء على كل أوجه القهر والهدر من ناحية، وبناء الاقتدار الإنساني من ناحية أخرى؛ مما يشكل حتمية أخلاقية”[11]. وهذا بالطبع أحد المفاهيم البشرية المستحدثة، فكرة الرفاه الإنساني، كأحد مستهدفات الفصيل البشري ككل، وفي غالب الأحيان مقصدًا للإنسان الحديث، كما نلاحظ اليوم. ففي عام ١٩٤٣م قدّم (أبراهام ماسلو) نظرية نفسية في ورقة حملت عنوان “نظرية الدافع البشري”، ونموذجًا لاحتياجات النفس البشرية، عُرف باسم “هرم (ماسلو) للاحتياجات البشرية”، والتي أنتجت بعد ذلك علم النفس التنموي الذي يدرس تطورات الإنسان ونموه خلال المراحل المختلفة من حياته. يقسّم الهرم في قاعه الحاجات الفسيولوجية والأمان؛ التي تحول دون الضرر البدني على الإنسان، أو تمنعه من الحضور بشكل كامل في بيئته. ومن ثم تعلوها الحاجات الاجتماعية؛ فالتقدير وتحقيق الذات على رأس الهرم كأحد نتائج حالات الرفاه الإنساني، كما اتجهت الأبحاث الفلسفية والتحليلات البنيوية والتأريخية لعدد من الفلاسفة المعاصرين للقبض على المسيرة البشرية ومراحل تشكّل وعيها، مثل الفرنسي (ميشيل فوكو) في تأريخه لمفاهيم الجنون والجنسانية، أو الإيطالي (أمبيرتو إيكو) في تأريخه لمفاهيم الجمال والقبح والعوالم المتخيلة، أو المغربي (عبد الله العروي) في تأريخه لمفاهيم الدولة والعقل والتاريخ والحرية والأيديولوجيا. “فلا يمكنك التحكم بما لا يمكنك قياسه” كما يقول الأسترالي-الأمريكي (بيتر دراكر).

هناك علاقة وثيقة ومتبادلة التأثير ما بين الانفعال كعملية جسدية، وبين الإدراك والتفكير كعمليات ذهنية، أو كما تقول الحكمة الشهيرة، والتي تُنسب إلى الفيلسوف الصيني (لآو تسو): “راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات، راقب كلماتك لأنها ستصبح أفعالًا، راقب أفعالك لأنها ستصبح عادات، راقب عاداتك لأنها ستصبح شخصيتك، وراقب شخصيتك لأنها ستحدد مصيرك”. فالانفعال هو البطانة الوجدانية للتفكير، ومن شأن التفكير ضبط الانفعالات وتوظيفها لحسن الاستجابة، أو كما يُعرف بمفهوم الذكاء العاطفي، وكم يشبه هذا المفهوم ما أشرنا إليه مسبقًا من شؤون التمدّن التي تهذّب دوافع الإنسان في مقولة (راسل).

وعلى هذا الأساس اكتسب علم النفس الإيجابي كأحد فصول المعرفة مكانته العلمية اليوم. فالانفعالات الإيجابية هي أساس الانفتاح على البيئة ومستجداتها في عصر تستجد فيه مختلف شؤون الحياة بشكل متسارع، وإثارة الرغبة والفضول للاكتشاف والإقدام والمغامرة. “كما أنه المسؤول عن التفاعل وإقامة العلاقات والروابط” كما عبّر (د. حجازي)، “سواء العاطفية منها أو علاقات التحالف والتعاون والغيرة والعطاء”[12].

الإنسان السعيد في العصر الحديث:

لطالما كان للإنسان بحثه عن السعادة مفهومًا، كنتيجة نهائية لكل هذه الحكمة التي يتطلع إليها الفلاسفة عبر التاريخ، ولربما كتب فيها الكثير وأدلى كلٌّ بدلوه فيها؛ “ولكنك إذا ما تساءلت عمّا إذا كنت سعيدًا أم لا، فأنت بالطبع غير سعيد”، كما ردّ أحد الأصدقاء يومًا. أو كما يقول (كامو): “لن تكون سعيدًا إذا ما فضلت تبحث عن السعادة ومكوناتها. ولن تكون حيًّا ما دمت تبحث عن معاني الحياة”[13].

عمومًا، تتجدد النظريات والنماذج حول آليات الوصول إلى السعادة في كل عصر بطبيعة الحال. فمن فلاسفة القرن العشرين على سبيل المثال، كتب (ويل ديورانت) رسالةً إلى عدد من العلماء والفلاسفة والفنانين، يقول في مقدمتها: “أنا أحاول مواجهة سؤالٍ لطالما كان جيلنا، أكثر مما هو على استعداد للإجابة عنه: ما معنى، أو قيمة الحياة البشرية؟”[14]، فبعد أن قبضت العلوم على الكثير من الخرافات وآثرت لها النسيان؛ مما يُظهر للبعض بأن اكتشاف الحقيقة سلب معاني الحياة من أيامنا. بالطبع لم يكن (ديورانت) مقتنعًا بهذه الحجة؛ إلا أن الهدف من بحثه كان القبض على إجابات المؤثرين، قبل أن ينشر رأيه بعد ذلك في كتاب. من بين الردود كلها التي وصلت إلى (ديورانت)، كان المثير بالنسبة إليّ هو رد (راسل) الذي امتنع عن الإجابة لعدم التفرغ؛ لكن يمكننا أن نعد بأن رد (راسل) كان على هيئة كتاب مبسط آخر ليكون في متناول الجميع، ويضع عددًا من القواعد لسعادة الإنسان المعاصر، وأطلق عليه عنوان “انتصار السعادة”[15].

وفي عام ١٩٩٨م نشرت (كارل فريدريكسون) نظرية البناء والتوسع[16]، والتي تستنتج بأن الانفعالات الإيجابية تسهم في توسيع مدارك التفكير ونطاق الفعل الآني عند الإنسان. وبعد أربع سنوات يضع كلٌّ من (كارول ريف) و(بورتون سنجر) نموذجًا لمقومات الحال النفسية الإيجابية، ويرجع أسس حسن الحال بالنسبة إلى الفرد المعاصر إلى ستة مقومات[17]:

1- قبول الذات، كنتيجة للوعي العميق بإيجابياتنا وسلبياتنا، وبعيدًا عن النرجسية وتقدير الذات السطحي لمركبها أو ملبسها مثلًا. بل وكما يعبّر (حجازي)، فإنه يُبنى على “أساس من تقويم أمين للواقع الذاتي؛ والوعي بالنقائص وأوجه القصور؛ ومحبة إيجابياتها وتقديرها وتثمينها”.

2- الحياة الهادفة، أو القدرة على خلق المعنى وإصباغ القيمة والتوجيه لحياتنا وتجاربنا، أو استحداث أهداف شخصية قصيرة تعكس المعاني التي نرتجيها لحياتنا، وبغض النظر عن التحولات الفلسفية الثلاثة السابقة التي ذكرناها مسبقًا. “أن تحيا هو أندر الحالات في العالم”، يقول (أوسكار وايلد): “أغلب الناس يوجدون فحسب”.

3- النمو الشخصي، أو القدرة على تحقيق الإنسان لقدراته ومواهبه والجهود المستمرة للتطور والتحسن، وتنمية موارد وأوجه اقتدار جديدة تشكل سدًّا يصدّ عنا محن الحياة. دعونا لا ننسى بأن الأمر منوط بالمسؤوليات الفردية لكل إنسان، كما يشدد (مالك بن نبي) في مشروعه لدراسة الحضارات.

4- السيطرة على المحيط، وكنتيجة للنمو الشخصي، فالاقتدار ضمن البيئة التي يحيا فيها الإنسان والتفاعل معها أيضًا هو قيمة مهمة، ويختلف بالطبع ذلك عبر مراحل حياة الإنسان الحديث، ففي كل مرحلة تظهر مسؤوليات مختلفة عن سابقتها، ضمن المنظومة الاقتصادية الضخمة التي نعيش فيها اليوم.

5- الاستقلالية؛ أو القدرة على اتباع قناعاتنا واعتقاداتنا الشخصية في شؤون حياتنا المختلفة، حتى في ظل الاختلاف مع الآخر في وجهات النظر. “قد لا أتفق مع ما عليك أن تقوله” يقول (فولتير)، “لكن سأدافع حتى الموت مع حقك في أن تقوله”.

6- العلاقات الإيجابية مع الآخرين، أو حالة “الازدهار والتفتح في العلاقات الإنسانية” كما يصفها (د. حجازي). وهنا تظهر أهمية الدوائر المحيطة بالإنسان من عائلة وأصدقاء، وتكوينها النفسي للإنسان. فالصداقة اختيار دائمًا، والصداقة أيضًا “كَنز ثمين” كما عبّر (كامو)، حقيقٌ بها أن تجعلك “أغنى وأغنى”.

انعكاس السعادة على مستوى المجتمعات:

وبطبيعة الحال، طوّر (كيياس) في عام ٢٠٠٢م النموذج السابق أيضًا؛ ليضعه في مسارٍ اجتماعي، ويخلص بذلك إلى خمسة مقومات أساسية لحسن الحال الاجتماعي، متمثلة كالآتي:

1- القبول المجتمعي، أو الموقف الإيجابي من الآخرين، والاعتراف بهم وتقبل اختلافاتهم ومغايرة منطلقاتهم وهوياتهم وتعددها.

2- التجسيد المجتمعي، والاهتمام بالآخرين وقناعاتهم، والإيمان بطاقاتهم وإمكانيات نمائهم أيضًا. والإيمان بإمكانية التشاركية والعمل معًا لصناعة حالة من حُسن الحال المشتركة.

3- الإسهام المجتمعي، والإيمان بمكانتنا ضمن التجربة المجتمعية، وبإمكانية إسهامنا في صناعة الحالة من حسن الحال المشار إليها. بغض النظر عن اختلاف دوائر تأثير كل فرد منا في هذا المجتمع.

4- التماسك الاجتماعي، وهو ما يعني بفهم واستيعاب منطلقات وبُنى وأسس المجتمع، وبأن حركته تحكمها قوانين طبيعية يمكن التحكم بها والاستفادة من فرصها.

5- التدامج الاجتماعي، والشعور بالانتماء إلى المجتمع والتفكير كجزء منه يحظى بدعمه في القضايا المشتركة والمصير. ففاعلية الفرد أولًا وأخيرًا جزءٌ أصيل من النمو المجتمعي.

 


 

[1] قاموس كامبريدج.

[2] المصدر السابق.

[3] المصدر السابق.

[4] برتراند راسل (٢٠١٨)، تاريخ الفلسفة الغربية، (ترجمة: زكي نجيب محمود)، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.

[5] برتراند راسل (٢٠١٩)، عبادة الإنسان الحر، (ترجمة: محمد درويش)، المملكة العربية السعودية، صفحة سبعة للنشر.

[6] محمود درويش (٢٠١٤)، الأعمال الشعرية الكاملة، المملكة الأردنية الهاشمية، الأهلية للنشر والتوزيع.

[7] فريدريك نيتشه (٢٠٠٦)، هذا هو الإنسان، (ترجمة: علي مصباح)، المملكة المغربية، منشورات الجمل.

[8] سارة بكويل (٢٠١٩)، على مقهى الوجودية، (ترجمة: حسام نايل)، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.

[9] رينيه جيرار (٢٠١٣)، الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية، (ترجمة: رضوان ظاظا)، الجمهورية اللبنانية، مركز دراسات الوحدة العربية.

[10] مصطفى حجازي (٢٠١١)، إطلاق طاقات الحياة، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.

[11] المصدر السابق.

[12] المصدر السابق.

[13] ألبير كامو (٢٠١٣)، ذهب أزرق، (ترجمة: نجوى بركات)، الإمارات العربية المتحدة، مشروع كلمة.

[14] ويل ديورانت (٢٠٢٠)، عن معنى الحياة، (ترجمة: كنان القرحالي)، دولة الكويت، دار كلمات للنشر والتوزيع.

[15] برتراند راسل (٢٠٠٩)، انتصار السعادة، (ترجمة: محمد عمارة)، جمهورية مصر العربية، المركز القومي للترجمة.

[16] مصطفى حجازي (٢٠١١)، إطلاق طاقات الحياة، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.

[17] المصدر السابق.

 

مصادر ومراجع:

  1. قاموس كامبريدج ٢٠٢٠.
  2. برتراند راسل (٢٠١٨)، تاريخ الفلسفة الغربية، (ترجمة: زكي نجيب محمود)، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.
  3. برتراند راسل (٢٠١٩)، عبادة الإنسان الحر، (ترجمة: محمد درويش)، المملكة العربية السعودية، صفحة سبعة للنشر.
  4. محمود درويش (٢٠١٤)، الأعمال الشعرية الكاملة، المملكة الأردنية الهاشمية، الأهلية للنشر والتوزيع.
  5. فريدريك نيتشه (٢٠٠٦)، هذا هو الإنسان، (ترجمة: علي مصباح)، المملكة المغربية، منشورات الجمل.
  6. سارة بكويل (٢٠١٩)، على مقهى الوجودية، (ترجمة: حسام نايل)، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.
  7. رينيه جيرار (٢٠١٣)، الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية، (ترجمة: رضوان ظاظا)، الجمهورية اللبنانية، مركز دراسات الوحدة العربية.
  8. مصطفى حجازي (٢٠١١)، إطلاق طاقات الحياة، الجمهورية اللبنانية، دار التنوير للطباعة والنشر.
  9. ألبير كامو (٢٠١٣)، ذهب أزرق، (ترجمة: نجوى بركات)، الإمارات العربية المتحدة، مشروع كلمة.
  10. ويل ديورانت (٢٠٢٠)، عن معنى الحياة، (ترجمة: كنان القرحالي)، دولة الكويت، دار كلمات للنشر والتوزيع.
  11. برتراند راسل (٢٠٠٩)، انتصار السعادة، (ترجمة: محمد عمارة)، جمهورية مصر العربية، المركز القومي للترجمة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق