مقالات

ايزايا برلين … الدُّب الذي قَتَلَ الحريَّة

محمد عبده أبوالعلا

    تُعَدّ مشكلة الحرية من أشهر وأقدم المشكلات الفلسفية على مدار تاريخ الفكر الإنساني. وبالرغم من أنَّ هذه المشكلة قُتلت بحثًا، إلا أنْ الجدل حولها يظل، وسيظل، جاريًا ما دام هناك بشرٌ يتنازعون على السلطة، والمكانة، والخيرات المادية والمعنوية. فالموالون للاستبداد والفساد والمستفيدون منهما ينظرون إلى الحرية باعتبارها خطرًا عظيمًا يهدِّد مصالحهم الضيِّقة وأغراضهم غير المشروعة. وفي الجهة المقابلة، ينظر ضحايا وأعداء الاستبداد والفساد إلى الحرية باعتبارها قارب النجاة الأخير وطريق الخلاص الوحيد.

    وحَوْلَ هذه المشكلة، انقسم المفكرون والمنظِّرون إلى مذاهب شتَّى، فهناك مَنْ يدافعون عن الحرية بالمعنى الضيِّق، وهناك مَنْ يدافعون عن الحرية بالمعنى الواسع، وهناك مَنْ ينكرون وجود الحرية من الأساس، وهناك مَنْ يقدِّسون الحرية إلى حدّ العبادة.

    في هذا السياق، نتعرَّض في هذا المقال إلى التصور الأشهر للحرية في الفكر السياسي المعاصر، وهو التصور الذي صاغه المفكر السياسي البريطاني (الروسي المولد) ايزايا برلين Isaiah Berlin (1909-1997). لا يهدف هذا المقال فحسب إلى إلقاء المزيد من الضوء على تصور برلين للحرية، بل يهدف في المقام الأوَّل إلى التعرُّف على مدى اتساق وصلابة هذا التصور إذا ما تمّ وضعه تحت مجهر التحليل والنقد العقليين.

الحريَّة مطلب أخلاقيّ

    ارتبط اسم برلين ارتباطًا وثيقًا بالحرية بعد الدَّويّ الهائل والصَّدى الواسع اللذين أعقبا ظهور مقاله «مفهومان للحرية» Two Concepts of Liberty. كان هذا المقال في الأساس عبارة عن محاضرة افتتاحية ألقاها برلين في أكتوبر عام 1985، ليشغل منصب أستاذ شيشل للنظرية الاجتماعية والسياسية بجامعة أكسفورد، ثم نُشر لاحقًا على هيئة كُتيِّب من 57 صفحة ضمن منشورات كلاريندون. أُعيد نشره مرة أخرى في كتاب يضمّ عدد من المقالات الأخرى لبرلين صَدَرَ عام 1969 تحت عنوان «أربع مقالات في الحرية» For Essays on Liberty ثم في طبعة جديدة من هذا الكتاب صدرت عام 2002 تحت عنوان “الحرية” Liberty.

    اشتملت هاتان الطبعتان على مقال آخر ذي صلة وثيقة بتصور برلين للحرية، وهو مقال «الحتمية التاريخية» Historical Inevitability (1954)، الذي خصَّصه برلين لتقويض مبدأ الحتمية كأساس لتفسير النشاط الإنساني والحياة الاجتماعية.

    بالنظر إلى مقالي «مفهومان للحرية» و«الحتمية التاريخية»، نجد أنَّ ارتباط اسم برلين بالحرية يعود إلى سببين رئيسين: الأول، دفاعه عن الحرية بوجه عام في مقابل كل صيغ الحتمية، والثاني، تمييزه الشهير بين الحرية السلبية negative liberty والحرية الإيجابية positive liberty.

    من الناحية السياسية، كان القلق بشأن التهديدات التي تتعرَّض لها الحرية هو، إلى حدّ كبير، الذي دفع برلين إلى الانشغال بالشأن السياسي، لا سيِّما في كتاباته السياسية والثقافية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد نظر برلين إلى أحداث عصره باعتبارها اعتداءً على الحرية الفردية. ومن الناحية الفلسفية، ينظر برلين إلى الحرية باعتبارها مكوِّنا ضروريًا من مكوِّنات الخبرة والهوية الإنسانيتين: فالحرية شرط للإنسانية ذاتها([1]).

    في مقابل الدفاع عن الحتمية في مجال السلوك الإنساني وعلاقات وأنشطة البشر، يقدِّم برلين دفاعًا رصينًا ومعمَّقًا عن الحرية بوصفها جوهر الذات الإنسانية وأساس المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق هذه الذات.

    بحسب برلين، تتفق كل أشكال الحتمية «على أنَّ للعالَم وِجْهَة يسير نحوها وقوانين تحكمه، وأنَّ من الممكن إلى درجة معيَّنة اكتشاف [هذه] الوِجْهَة و[تلك] القوانين عَبْرَ استخدام تِقنيَّات الاستقصاء المناسبة؛ فضلًا عن أنَّ عمل هذه القوانين لا يفهمه إلا الذين يدركون أنَّ حياة الأفراد، وشخصياتهم، وأفعالهم العقلية والجسدية، محكومة بـ”كليات” أكبر من تلك التي ينتمون إليها، وأنَّ الارتقاء المستقل لهذه “الكليات” هو الذي يكوِّن ما يُدْعى بـ”القُوى” التي يجب صياغة التاريخ “العلمي” (أو “الفلسفي”) حقًّا وفقا لوِجْهَتها»([2]).

    يرفض برلين رفضًا قاطعًا فكرة أنَّ الفرد مجرد جزء من كلّ، سواء أكان هذا الكلّ ذي طبيعة مادية، أم سيكولوجية، أم روحية، أم غير ذلك. فلو كان الفرد مجرد عنصر أو جزء من كلّ أكبر منه (على سبيل المثال، طبقة، مجتمع، كنيسة، أمة)، فإن الحرية الفردية سوف تنتفي، وهو ما يستتبع سقوط مبدأ المسؤولية الفردية، حيث تصبح الكيانات الكلية هي المسؤولة عن أفعال وخيارات الأفراد الذين ينتمون إليها.

    كما يذهب برلين، إذا كان الفرد ليس حُرًّا، وبالتالي ليس مسؤولًا عن أفعاله، فإن صياغة تصورات بديلة لمسارات الأفعال أو الأحداث، وإطلاق الأحكام الأخلاقية على أيّ شخص، بما في ذلك الشخصيات التاريخية، يصبحان ’«نشاطًا عبثيًّا سخيفًا»([3]).

    يُقرّ برلين بأنه لا يمكن لأحد سوى المجنون أنْ يتمسَّك بأن الإنسان لا يعتمد على بنيته البيولوجية أو السيكولوجية أو البيئية، أو قوانين الطبيعة. فبرلين لا يتساءل عما إذا كان الإنسان متحرِّرًا تمامًا من القوانين الطبيعية التي يخضع لها العالَم الطبيعي، بل يتساءل عما إذا كانت حرية الإنسان قد استُنزفتْ تمامًا([4]).

    يقول برلين نصًّا في هذا الصَّدد: «أليس هناك ركنٌ ما يستطيع الإنسان أنْ يتصرَّف فيه كما يشاء، وألا يكون مجبرًا على الاختيار بفعل أسباب سابقة؟ قد يكون هذا ركنًا صغيرًا من عالم الطبيعة، لكن ما لم يكن هذا الركن موجودًا، فإن وعي الإنسان بالحرية […] يصبح وَهْمًا كبيرًا»([5]).

     يرى برلين أنَّ هناك العديد من الأسباب التي تجعل الناس يتبنَّون مبدأ الحتمية التاريخية. لكنه يرى في الوقت ذاته أنَّ تبنِّي هذا المبدأ سوف يُسْفِر عن نتيجة منطقية صعبة على أقل تقدير، ألا وهي تقويض أخلاقنا المشتركة common morality، وبالتالي تفريغ لغة الالتزام والواجب من أيّ مضمون أو معنى. فالأخلاق المشتركة تفترض مسبقًا فكرة المسؤولية، تلك المسؤولية التي تتطلب «القدرة على الاختيار بين الأسود والأبيض، والصواب والخطأ، والمتعة والواجب، وبمعنى أوسع، بين أشكال الحياة، وأشكال الحكومة، وجميع أشكال القيم التي يعيش معظم الناس وفقا لها في الواقع، بغض النظر عن مدى وعيهم أو عدم وعيهم بها»([6]).

    حتى الحتمية في صورتها الذاتية لم تَسْلَم من نقد برلين. وتتمثَّل الحتمية الذاتية، بحسب برلين، في ذلك ’«المبدأ الذي تلعب وفقا له شخصيات البشر و”بُنى الشخصية”، والعواطف، والمواقف، والخيارات، والقرارات، والأفعال التي تتدفق منها، دورًا كاملًا فيما يحدث، لكنها هي نفسها نتائج لأسباب نفسية، ومادية، واجتماعية، وفردية تُعَدّ بدورها نتائج لأسباب أخرى، وهكذا دواليك .. في تسلسل لا ينقطع. وبحسب أشهر نسخة من هذا المبدأ، أكون حُرًّا حين أقدر على فعل ما أرغب، وربما أختار أحد مساري الفعل الذي سأتخذه. لكن خياري ذاته محتَّم سببيًا، وإلا سيكون حادثًا عشوائيًا»([7]).

    وهكذا، فإن الحتمية الذاتية في نظر برلين ليست أكثر من مجرد تنويع على الأطروحة الحتمية العامة، وبذلك فإنها، على غرار كل صيغ الحتمية، تتعارض مع تطبيق مفهوم الجدارة والاستحقاق الأخلاقيين.

بوجه عام، يرى برلين أنَّ الحتميين يفتقرون إلى الاتساق مع أنفسهم عندما يستخدمون لغة المدح والذَّم الأخلاقية، وهنا يُورد برلين تعليق إيه. كيه. سن عندما قال ساخرًا من عدم الاتساق هذا: «إنَّ الحتميين حين يستعملون لغة المدح والذَّمّ الأخلاقية يشبهون الملحدين الذين يواصلون ذكر الله، أو العُشَّاق الذين يتحدثون عن الإخلاص “إلى أبد الآبدين”»([8]).

حريَّة سلبيَّة أم سَلْب الحريَّة

    يعترف برلين بغموض معنى الحرية، لكنه يرى أنه بالرغم من ذلك يوجد معنيان للحرية، على الأقل بمعناها السياسي، يتفق عليهما معظم المفكرين والفلاسفة باعتبارهما معنيين مركزيين، أو على الأقل، معيارين يحدِّدان ما إذا كان إنسان، أو أُمَّة، أو مجموعة ما حُرَّة أم لا. يصف برلين المعنى الأوَّل بـ«الحرية السلبية» negative liberty، ويصف المعنى الثاني بـ«الحرية الإيجابية» positive liberty.

    تتمثل الحرية السلبية عند برلين ببساطة في «المجال لذي يمكن للإنسان أنْ يفعل فيه ما يريد. فإذا تمّ منعي من قِبـَل [شخص أو] أشخاص آخرين من فعل ما أريد أو أرغب، فإنني أكون غير حُرّ بقَدْر تمكُّنهم من القيام بذلك»([9]). ويشير برلين إلى أنَّ فقدان الحرية بهذا المعنى، أيْ القَسْر أو الجَبْر، لا يعني مجرد العجز أو عدم القدرة على فعل ما نريد. فمثلا، عدم قدرتنا على القفز أكثر من عشرة أقدام في الهواء أو عدم قدرة شخص كفيف على الرؤية هما موقفان لا يعبِّران عن القَسْر، لأن القَسْر يكون نتيجة للتدخُّل المتعمَّد من قِبَل أناسٍ آخرين في المجال الذي أرغب في العمل فيه([10]).

    إذن، بحسب برلين، إنَّ الإنسان لا يفتقر إلى الحرية إلا عندما يمنعه شخص أو أشخاص آخرين من تحقيق هدفه. فعلى حدّ تعبير برلين: «كلما اتسع مجال عدم التدخَّل؛ اتسع مجال حريتي»([11]).

    بالنظر إلى الحرية بهذا المعنى (السلبي) الذي يطرحه برلين، فإننا نكون أحرارًا بالقدر الذي تسمح به الظروف الخارجية، وبذلك تصبح حرية الفرد تحت رحمة هذه الظروف الخارجة عن إرادتنا. فالحرية السلبية، بحسب برلين، لا تعني أنْ نختار أو نريد ولا أنْ نفعل ما نختار أو نريد، بل أنْ تتوفَّر لدينا فرصة أو إمكانية أنْ نفعل (أو لا نفعل) ما نختار أو نريد. يقول برلين في هذا الصَّدد: «لا تعتمد […] الحرية في نهاية المطاف على أسئلة مثل هل أرغب في السَّير أصلًا، وإلى أيّ مدى؛ بل على عدد الأبواب المفتوحة. وكم هي مفتوحة، وأهميتها النسبية في حياتي»([12]).

    وهكذا، فإن الحرية عند برلين لا تتمثل في أفعالي التي اخترت القيام بها لتحقيق ما أرغب، ولا حتى في خياراتي أو رغباتي التي لم تتحقق بعد، بل في الفرص أو الإمكانات المتاحة أمامي للقيام بالأفعال التي اخترتها لتحقيق ما أرغب. فالحرية التي يتحدث عنها برلين هي، على حدّ تعبيره، «فرصة للفعل لا الفعل ذاته. فحين أتمتع بالحق في عبور الأبواب المفتوحة، لكن أفضِّل عدم عبورها والبقاء ساكنًا جامدا دون حركة، لا أصبح أقل حرية. الحرية هي إمكانية الفعل […] وليست بالضرورة ذلك التحقُّق الدينامي لها الذي ربطه [إريك] فروم و[برنارد] كريك بها»([13]).

    على ضوء هذا التعريف السكوني الجامد للحرية، يمكن أنْ نقول إنَّ المفهوم الذي يطرحه برلين للحرية هو مفهوم سلبي بالفعل، لكنه ليس سلبيًا بمعنى انعدام القَسْر أو التحرُّر من القيود، بل بمعنى ممارسة الحرية فقط بالقَدْر الذي تسمح به الظروف الخارجية أو فقط في الحدود التي يرسمها لنا مَنْ يملكون زمام السلطة.

    في الواقع، إنَّ برلين يسلب الإنسان حريته بدلًا من أنْ يؤكدها. إنه ينزع عن الحرية أيّ فاعلية أو دينامية، ما يجعل خيارات وأفعال الفرد رهن ظروف الواقع الخارجي، أو بالأحرى، مَنْ بيدهم السلطة أو القدرة على التحكُّم في هذه الظروف. وهكذا لم تَعُدْ الحرية الفردية حقا لنا يتعيَّن علينا انتزاعه، بل مجرد هبة أو منحة يَمُنُّ بها علينا شخص أو أشخاص أخرون متى أرادوا.

    إنَّ برلين بهذا المعني السلبي للحرية لا يدافع عن الحرية في مقابل العبودية، بل يدافع عن الأمن والأمان الشخصيين في مقابل روح المغامرة والمبادرة الفردية. إنه يبحث عن مفهوم زائف للحرية يبرِّر به الانسحاب من العَالَم والاستسلام أمام تحديات الحرية. إنه يدعو الإنسان إلى التقوقع على الذات والرضا بالقليل، بل وأقل القليل. بعبارة أخرى، إنه يدعو الإنسان إلى التخلي عن طموحاته وتطلعاته ابتغاءً للراحة والطُمَأنينة بعيدًا عن خطر الحرية. فبرلين، على عكس جان جاك روسو، يفضِّل العبودية مع السَّلم على الحرية مع الخطر. فها هو يقول نصًّا:

    يجب أنْ أحرِّر نفسي من الرغبات التي أعلم أنني عاجز عن تحقيقها. أرغب في أنْ أكون السيِّد الآمر في مملكتي، لكن حدودها طويلة وغير آمنة، لذلك أعمل على تقليصها من أجل تضييق/ أو إلغاء المساحة الضعيفة المكشوفة أمام الخطر […] يهددني الطاغية بتدمير ممتلكاتي أو السجن، أو النفي، أو قتل أحبائي. لكن حين أتوقف عن الإحساس بالرغبة في الملكية، ولا أبالي هل أنا في السجن أم خارجة، وأقتل في داخلي العواطف والمشاعر الطبيعية، لا يستطيع أنْ يُخضعني لإرادته، لأن ما بقي في نفسي كله ما عاد خاضعًا للمخاوف أو الرغبات التجريبية. كأنما قمتُ بانسحاب استراتيجي إلى قلعة داخلية […] لقد انسحبتُ إلى ذاتي؛ هنا فقط أشعر بالأمان([14]).

    من عجيب المفارقات أنَّ بيرلن يسمِّي لا مبالاة الفرد وهروبه من العالم بـ«الاستقلال الذاتي». فالاستقلال الذاتي يتحقق، بحسب برلين، عندما يستأصل الفرد رغباته ويقتل طموحاته التي يعجز عن تحقيقها، حيث يكون الفرد بذلك في غنى عن العَالَم، الذي يتعذَّر عليه إخضاعه لسيطرته بشكل كامل.

    لا نبالغ إذا قلنا أنَّ برلين، من خلال دفاعه عما يسمِّيه «الحرية السلبية»، يطرح تصورًا للحرية يبلغ درجة من التشويه والعُقم لا نجدها عند أنصار الحتمية أنفسهم،  أولئك الذين اضطلع برلين نفسه بالرَّد عليهم كما سبق أن أشرنا. فبرلين يدعو صراحة وبشكل فجّ إلى إسكات صوت الحرية وإطفاء وَهَجها في سبيل حياة هادئة يأمن فيها الفرد على حياته بالمعنى البيولوجي لا أكثر. فالإنسان الحُرّ عند برلين ليس شخصًا يطمح إلى عالم مثالي يخلو من القمع والقهر، بل شخصًا مستسلمًا يخلق لنفسه سجنًا داخليًا تعيش فيه الذات قانعة ومطمئنة بعد أنْ تكون قد سحقت كل عواطفها ورغباتها، بما في ذلك الرغبة في الحرية ذاتها، ليس في المجال الأخلاقي فحسب، بل في المجال السياسي والاجتماعي أيضًا.

وَهْم الحريَّة الإيجابيَّة

    كما يذهب برلين، يبرز المعنى السلبي للحرية عندما نحاول الإجابة عن هذا السؤال: ما هو مدى التدخل الحكومي في شؤوني؟ ويبرز المعنى الإيجابي للحرية عندما نحاول الإجابة عن هذا السؤال: مَنْ الذي يحكمني؟ أو مَنْ الذي يقرِّر ما أكونه أو أفعله أو ما لا أكونه أو لا أفعله؟ وبذلك تعني الحرية السلبية، باختصار، التحرُّر من العقبات أو القيود التي تُحبط رغباتي أو تَحُول دُونَ قدرتي على الاختيار بين مسارات الفعل الممكنة، وتعني الحرية الإيجابية التحرُّر المؤدي إلى شكل موصوف ومحدَّد من أشكال الحياة.

    إذن، الحرية السلبية عند برلين تركِّز على مجال السيطرة (أو التحكُّم)، بينما تركِّز الحرية الإيجابية على مصدر هذه السيطرة، أيْ: أنا أُحكم بواسطة مَنْ؟ مَنْ الذي يقول لي ما يتعيَّن عليّ أنْ أكونه أو لا أكونه؟ وبحسب برلين، السؤال عمن يحكمني يختلف منطقيًا عن السؤال عن مدى تدخُّل الحكومة في شؤوني، بل يتناقض معه. وعلى هذا، يوجد تناقض جوهري بين مفهوم الحرية السلبية ومفهوم الحرية الإيجابية.

    بحسب برلين، الحرية الإيجابية ليست أكثر من رغبة في التوجيه الذاتي الجمعي، وهو ما يتعارض على نحو سافر مع الحرية السلبية باعتبارها عدم التدخل في شؤون أو نشاط الفرد ضمن مجال معيَّن. ويضرب برلين مثلًا على الحرية الإيجابية بما يحدث في الثورات الكبرى بوجه عام وما حدث في الثورة الفرنسية بوجه خاص. يقول برلين:

كانت الثورة الفرنسية مثل الثورات الكبرى كلها، على الأقل في مرحلة اليعاقبة، مجرد تفجُّر لهذه الرغبة في الحرية «الإيجابية» للتوجيه الذاتي الجمعي من جانب كتلة كبيرة من الفرنسيين الذين شعروا بأنهم تحرروا كأمة، حتى وإنْ كانت النتيجة بالنسبة لكثير منهم قيدًا صارمًا على الحريات الفردية. تحدَّث روسو بأسلوب انتصاري عن حقيقة أنَّ قوانين الحرية قد تكون أشد صرامة وقسوة من نِير الطُّغيان […] لم يكن روسو يعني بالحرية الحرية «السلبية» للفرد التي يجب عدم التدخل فيها ضمن مجال معيَّن، بل امتلاك جميع، وليس مجرد بعض، أعضاء المجتمع المؤهلين بالكامل لحصة من السلطة العامة التي يحق لها التدخل في كل جانب من جوانب حياة المواطن. أصاب الليبراليون في النصف الأول من القرن التاسع عشر حين توقَّعوا أنَّ الحرية بهذا المعنى «الإيجابي» يمكن أنْ تدمِّر بسهولة أيضا كثيرا من الحريات «السلبية» التي يعدونها مقدسة. وأشاروا إلى أنَّ سيادة الشعب يمكن بسهولة أنْ تدمِّر سيادة الأفراد([15]).

إذن الحرية الإيجابية عند برلين، ليست في حقيقة الأمر صيغة من صيغ الحرية، بل بالأحرى صيغة من صيغ الطغيان، وتحديدًا ما يسميه جون ستيوارت مِلْ وأتباعه «طغيان الأغلبية» أو «طغيان الرأي العام»، حيث يُسمح للأغلبية بالتدخل في أنشطة أو أفعال الفرد ضمن حدود مجاله الخاص. فطغيان الأغلبية، بحسب برلين، لا يقل قسوة سواء عن «طغيان الحاكم الفرد» (= الأتوقراطية Autocracy) أو «طغيان الأقلية» (=الأوليغاركية Oligarchy).

    الواقع أنَّ برلين ينظر إلى الحرية الإيجابية باعتبارها شكلًا من أشكال الاستعباد والتلاعب بالبشر الذي يصل إلى حدّ إنكار وجودهم. إنها بالنسبة له إجبار البعض (سواء حكام أو حتى مصلحين اجتماعيين أو غيرهم) للبعض الآخر بزعم الارتقاء بهم إلى مستوى أعلى من الحرية أو تحقيق المزيد من العدالة والمساوة بينهم. فالبشر من منظور الحرية الإيجابية لا يعرفون مصلحة أنفسهم، وبالتالي يحتاجون إلى مَنْ يعرف مصلحتهم أكثر منهم ويأخذ على عاتقه مسؤولية قيادتهم أو توجيههم نيابة عنهم. وهذه الطريقة في التعامُل مع البشر تعني أنَّ البشر عاجزون عن تقرير مصيرهم، وبالتالي ليسوا أكثر من مجرد أدوات يتم استغلالها والتلاعب بها، سواء بالترهيب أو الترغيب، على نحو يخدم مصالح المستغِلين والمتلاعبين في المقام الأول.

خاتمة

     بالرغم من إنكار برلين للحرية الإيجابية ونظرته إليها باعتبارها نقيضًا للحرية السلبية، إلا أنه ينتهى في تحليله الأخير للحرية السلبية إلى مفهوم مشوَّه وغريب عن كل ما يَمُتّ بصلة إلى ما تنطوي عليه الحرية الحقيقية من زَخَم، ووَهَج وفَوَران، وبالتالي إصرار، ومقاومة، وثبات على الموقف. ويتضح ذلك جليَّا من خلال تعريفه للحرية السلبية بأنها: «المجال الذي لا يشعر ضمنه الفرد بالإحباط»([16]). فبحسب هذا التعريف السكوني الجامد للحرية، يصبح الشعور بالإحباط هو رديف الحرية. وإذا كان عدم الشعور بالإحباط يتأتى، بحسب برلين، عن طريق استئصال الرغبات وسحق العواطف، فإن الإنسان يكون حُرًّا بقدر ما يكون قادرًا على استئصال رغباته وسحق عواطف ومشاعره الطبيعية.

هذا هو، باختصار، تصور برلين لـ (لحرية)، إذا جاز لنا أنْ نسمِّيها حرية.


[1] – See Joshua L. Cherniss, A mind and its Time: The Development of Isaiah Berlin’s Political Thought, Oxford: Oxford University Press, 2013, p. 131.

[2]– آيزايا بيرلن، الحرية، إعداد: هنري هاردي، ترجمة: معين الإمام، مسقط: منشورات دار الكتاب، 2015، ص 168.

[3]– المرجع نفسه، ص 170.

[4]– See Isaiah Berlin, The Power of Ideas, Princeton: Princeton University Press, 2nd ed., 2013, p. 23.

[5] – Ibid., p. 23.

[6] – Ibid., p. 24.

[7]– آيزايا بيرلن، الحرية، ص 44.

[8] – نقلا عن آيزايا بيرلن، الحرية، ص 47.

[9] – Isaiah Berlin, Freedom and Its Betrayals: Six Enemies of Human Liberty, Princeton: Princeton University Press, 2nd ed., 2014, p. 182.

[10] – See Ibid, p. 182.

[11] – Ibid, p. 183.

[12]– آيزايا بيرلن، الحرية، ص 73.

[13]– المرجع نفسه، ص 76.

[14]– آيزايا بيرلن، الحرية، ص ص 245-246.

[15]– آيزايا بيرلن، الحرية، ص 276.

[16]– آيزايا بيرلن، الحرية، ص 274 (بتصرُّف).

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق