مقالات

مصائبُ جاليليو عند ديكارت فوائدُ

محمد كزّو        

     يزخر التّاريخ الإنسانيّ في شتّى المجالات بمفارقات عجيبة، كانت تخدم طرفاً وتخذل آخر؛ ولنا في الجانب الفلسفيّ أيضاً نماذج عديدة نُبرز منها قصّتيْ الفيلسوفين العظيمين رائدا الحداثة، الإيطاليّ “جاليليو جاليلي”(1)، والفرنسيّ “رينيه ديكارت”(2)، أبطال القرن السّابع عشر ميلادي، في الفلسفة والعِلم، بلا منازع، واللّذان عاشا في الفترة نفسها تقريباً، إذ توفيّ “جاليليو” سنة 1642م، وبعده “ديكارت” بثماني سنوات أي 1650م.

     وغنيّ عن القول، إنّ “جاليليو” عاش، كما يعلم الجميع، مِحناً كثيرة وعانى مصائب جمّة، عندما واجه الكنيسة أغلب فترات حياته، وتنقّل بين المدن للتّدريس والعِلم حيطة وحذراً مِن المعارضين، وأيضاً اِتُّهم بالهرطقة والسّجن المؤبّد حتّى وفاته، ناهيك عن موت أولاده الثّلاثة كلّهم؛ كافّتها مُعيقات تكبح تقدّم المشروع العِلميّ الجاليليّ. إلّا أنّ هذه المحن والشّدائد، كانت سبباً في استفادة “ديكارت” في مشروعه والسّير به قُدُماً، وهو ما يتماشى والمثل العربي الشّهير القائل: مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ.

      فكيف استفاد “ديكارت” من التّجربة الجاليليّة؟ ما القاسم المشترك بينهما عِلميًّا وفلسفيًّا؟ ما النّقطة المركزيّة التي نبّهت “ديكارت” للنّظر عميقاً في تجربة “جاليليو”؟ وما أهمّ النّقاط التي ساعد بها “جاليليو”، من حيث لا يدري، “ديكارت” في تغيير لبوسه العِلميّ بالفلسفيّ؟ ولماذا سرّع “ديكارت” في التّعاطي مع الفلسفة وتأسيسها الحديث؟

      بشكل عامّ، وُلد “جاليليو” في مدينة “بيزا” الإيطالية، مِن عائلة فلورنسيّة عريقة تقلّد أفرادها أرفع مناصب الجمهوريّة التّوسكانيّة، إذ كان والده يحترف العزف على الموسيقى، ويهوى العلوم الرّياضية، وساعد ابنه على تعلّم اللّغتين الإغريقيّة واللّاتينيّة اللّتين يجيدهما.

      وشغل “جاليليو” في شبابه وظيفة التّدريس في مدينة “بيزا” ثلاث سنوات حتّى سنة 1592م، فقام بنشر أوّل بحث له بعنوان: “عن حركة الجاذبيّة” سنة 1590م، وعلى إثره قاطعه أصدقاءه في الجامعة، ما حدا به أن يطلب من بعض الأعيان الانتقال إلى مدينة “البندقيّة”، والتّدريس بجامعة “بادوا”، وهو ما كان سنة 1592م حتّى 1610م، إذ كَتب “جاليليو” هناك بحثه “الميكانيكا” سنة 1594م، وتناول فيه الرّافعة واللّولب والسّرعة وقوانين الأجسام السّاقطة.

     فبعد اكتشاف التّليسكوبّ في هولاندا طوّر “جاليليو” نسخة منه إلى أضعاف عديدة، وصلت لثلاثين مرّة، مكّنته من توجيهه نحو السّماء في يناير 1609م، وإصدار كتابه “رسول مِن النّجوم” في السّنة التّالية، وكان محوره الأساسيّ اكتشافه للأقمار الأربعة التي تدور حول المشتري؛ كما رصدَت مشاهداته الدّقيقة للقمر وأحواله أنّه ليس أملساً مصقولًا، بل به تعرّجات وأودية مثل الأرض تماماً، ومن هنا بدأت المشاكل تلوح في الأفق مع آراء الأقدمين التي عارضها “جاليليو” بداية اكتشافاته، ومِن ذلك، فقد «قسّم أرسطو العالَم إلى عالَم سماويّ وعالَم ما تحت القمر، بينما أمضى جاليليو حياته في مكافحة مفاهيم الفيلسوف اليونانيّ، ففي عالَم ما تحت القمر شنّ هجوماً على الميكانيكا الأرسطيّة للحركة الطبيعيّة والعنيفة، وفي العالَم السّماويّ جازف بحياته للنّهوض بنظام كوبرنيكوس»(3).

     كما نشر “جاليليو”، سنة 1612م، بحثاً عن “الأشياء الطّافية أو المتحرّكة على سطح الماء”، وفي 1613م نشر بحثاً حول “البقع الشّمسية”.

     وفي سياق موازٍ سنة 1614م، كان تلميذ “جاليليو”، واسمه “بنديتو كاستيلي”(4)، يحضُر مأدبة غذاء في القصر المَلَكيّ، وبإيعاز من بعض الخصوم طرحت الحاكمة “كريستينا”(5) أسئلة حول دوران الأرض التي ينادي بها “جاليليو”، وتُخالف ما جاء في الكِتاب المقدّس، وعلى إثر هذه الواقعة أرسل “جاليليو” رسالة مفتوحة إلى الدّوقة “كريستينا” سنة 1615م، يُجيب فيها عن الأسئلة التي دارت، لكون التّلميذ لم يشف غليل أستاذه في الإجابة،   لا يمكن أن يكون هناك صراع بين العِلم والكِتاب المقدّس إذا تمّ تفسير الكلمات تفسيراً صحيحاً، وأي صراع ظاهريّ، لا يكمن في الحقائق العِلميّة، وإنّما في الفهم البشريّ. لعلّ الكِتاب المقدّس يبدو غير مفهوم للبشر في بعض الأحيان، أو قد يبدو أنّه يتناقض ظاهريًّا مع ملاحظاتنا، لكن (…) الكِتاب المقدّس دائماً على صواب(6).

      وعلى إثر هذه الأبحاث، بدأ الخطر يتجمّع حول “جاليليو” بدءًا من سنة 1616م، وهو العام الذي استدعتهُ فيه روما عن طريق محاكم التّفتيش للاستفسار منه عن بعض الأمور التي صرّح بها في أطروحاته، والتي قضت برفض نظريّة “كوبيرنيكوس”(7)، وما يترتّب من عواقب فلسفيّة ولاهوتيّة عنها، فمُنع تداول الكُتب التي تؤيّد نظريّة “كوبيرنيكوس”، والآراء التي تدافع عنها، وبينها طبعاً آراء “جاليليو”.

     هذا التّنبيه الأوّل، كان مجرّد تحذير له مِن السّعي في أبحاثه، لكنّه وبعد عودته من روما نشر سنة 1618م، بحثاً عن “حركة المدّ والجزر”، وإن كان يعتمد فيه على حركة الأرض إلّا أنّه لم يصرّح بذلك علناً في طيّات بحثه، ثمّ سنة 1619م، زاد من أعماله ونشر بحثاً عن “المذنَّبات”.

      وبينما فرح “جاليليو” سنة 1623م بتعيين صديقه المقرّب “مافيو باربيريني”(8) بابا روما تحت اسم “ايربان الثامن”، ظنًّا أنّ حياته ستعرف تغييراً عظيماً وحرّية أوسع، حيث زراه مهنّئًا في روما سنة 1624م، وتحدثا كثيراً عن العِلم والفلسفة والفنّ، حيث شجّعه على التّأليف العِلميّ الفلَكيّ مادام أنّه افتراض فقطّ، وسيكون عوناً له داخل الكنيسة؛ وعاد “جاليليو” إلى فلورنسا متلهِّفاً لكتابة أحد أهمّ كتبه على الإطلاق “حوار بين نظامين كونيين”، وأنهاه سنة 1629م، إلّا أنّ الطّاعون فتك بإيطاليا تلك السّنوات، حتّى وصل الكِتاب أخيراً إلى روما سنة 1632م، والذي كان السّبب الرّئيس في محاكمته لاحقاً واتّهامه رسميًّا بالكفر والهرطقة سنة 1633م، وأُجبر على الاستتابة وقراءة وتوقيع نصّ التّراجع عن آرائه جاثياً على ركبتيه أمام الملأ الحاضر داخل كنيسة “سانتا ماريا” وسط روما، وفي السّنة الموالية مباشرة أي 1634م، توفّيت ابنته الرّاهبة “سيلست”(9) في سنّ الرّابعة والثّلاثين، ولِمرضه وسِنِّه تقرّر إرسالُه إلى مدينته فلورنسا في إقامة جبريّة، مكث فيها حتّى وفاته سنة 1642م، بعدما عمل في مقامه الجديد هذا، على نشر “حوار بين عِلمين جديدين” عن التّماسك والسّرعة الثّابتة وحركة القذائف سنة 1636م، وفي السّنة نفسها نشر بحثاً عن “خطوط الطّول والعرض”، ثمّ أصيب بالعمى سنة 1638م، وقضى السّنوات الأربع المتبقّية من حياته في عزف الموسيقى، وزيارة تلاميذه الأوفياء له، والحديث معهم(10).

    وهو ما يوضّحه هذا النّص حول المحاكمة، ومختصِراً آخر سنوات حياة “جاليليو”: “ففي صباح يوم 22 يونيو 1633م كان جاليليو سجين المحكمة الرّومانية. وتمّ اقتياده إلى كنيسة سانتا ماريا سوبرا مينرفا مرتدياً سترة بيضاء يرتديها التّائبون (…)، وقد حُكم عليه بالسّجن مدى الحياة ثمّ خفّف البابا الحُكم إلى الإقامة الجبريّة. ثمّ عاش جاليليو بعد ذلك منعزلًا في فيلّته في حي ألستري بالقرب من الدّير الذي التزمت فيه ابنتاه بالنّذور. وفي عام 1634م ابتُلي بوفاة ابنته الكبرى الأخت ماريا سيلست ضحيّة لمرض صاعق. وفي عام 1638م بعد ابتلائه بالعمى أصدر الخطاب حول عِلمين جديدين. ومنع المجمّع الدّينيّ نشره، ولكن أرسل جاليليو مخطوطه إلى مدينة ليدن لكي يتمّ نشره(11).

     كانت هذه أبرز المحطّات في حياة “جاليليو”، والتي يتّضح منها كمّ المعاناة الذي طاله فترات عديدة في حياته، حتّى تعرّض لمحاكمة مهينة، وهو شيخ عجوز في السّبعين، بيد أنّ ما يُعرف من هاته المحاكمة أنّها ضدّ الكنيسة، بل العكس تماماً، حيث كانت مواجهة عِلم ضدّ عِلم آخر، وهو ببساطة الفَلك والفيزياء “الأرسطية/بطليميّة”(12)، التي احتوتها الكنيسة ابتداء من القرن الثّاني عشر مع القدّيس “طوما الأكويني”(13)، لأجْل هذا، يجب تماماً أن نفهم أساس تلك الحرب، التي إن خسرتها الكنيسة ستفقد مَنْزِلَتَهَا الدّينية والعقائديّة، والتي تجلّت في الوساطة بين النّاس والله الخالق، لذا سخّرت جهودها كلّها في سبيل ربح هاته المعركة، وهو ما يظهر من خلال الإيقاع بـ”جاليليو” ليكون عبرة لمن يعتبر، مع كونِه عالِماً فَلكيًّا فيزيائيًّا، ولم يكن ضدّ الكِتاب المقدّس، ومن هنا نفهم سرّ المحاكمة الشّهيرة؛ والتي يجب أن نضعها في سياقها وإطارها التّاريخيّ، بحيث أنّ اكتشافات “جاليليو” ذاك الزّمان لم يكن وقعُها هيّناً كما نسمعه أو نقرؤه الآن، بل كان أعظم بكثير على عقول لا تعرف إلّا العِلم الأرسطيّ ولا شيء غيره، فـ”عندما ابتكر جاليليو المنهج العِلميّ، رفض الامتثال للسّلطة وفضّل إجراء الملاحظات وتفسيرها بنفسه، وكان يغيّر آراءه وفقاً لهذه الملاحظات؛ وبفعل ذلك أطلق جاليليو العنان لأسلوب جديد تماماً في تناول المعرفة بشأن العالَم، وهو الأسلوب الذي من شأنه أن يؤدّي إلى فهم أفضل للطّبيعة وتأثير أكبر عليها. لكن رغم نشر جاليليو لأهمّ ما حقّقه من إنجازات، أو بالأحرى بسبب ذلك، زُجَّ به في السّجن، فمثّلت صراحته في استنتاجه بشأن النّظام الشّمسيّ، بقوله إنّ الأرض ليست مركز الكون، تهديداً للقوى الدّينيّة آنذاك ولتفسيرها المتشدّد للكِتاب المقدّس. ومع وجود جاليليو وغيره من المفكّرين المستقلّين، الذين شاركوا في الثّورة العِلميّة، صار أيّ تفسير حرْفي للكِتاب المقدّس حول طبيعة الكون وأصله وسلوكه، عرضة للتّفنيد(14).

     مِن المُسلَّم به إذاً كما يتّضح، أنّ هذه المحاكمة كانت النّقطة المفصليّة في حياة “جاليليو” البئيسة، إن صحّ التّعبير، وفي الوقت نفسه ملاذاً وعوناً وسنداً لـ”ديكارت” كي يتجاوز محاكم التّفتيش أوّلًا، ويتمّم مشروعه بطريقة فلسفيّة ثانيًّا، بعدما كان اشتغاله عِلميًّا محضاً. فكيف كان ذلك؟

      لنبدأ بسرد سريع لحياة الفيلسوف الفرنسي “ديكارت”، الذي وُلد في بلدة اسمها حالياً “ديكارت” نسبة لهذا الفيلسوف الكبير، والتي كانت تسمّى “لاهاي إن تورين”، بلدة قضى فيها عشر سنوات من طفولته، قبل الانتقال للدّراسة في مدرسة “لافليش” ثماني سنوات كاملة، والتي تحوّلت بداية القرن التّاسع عشر ميلاديّ لمدرسة عسكريّة، ليعود لجامعة “بواتييه” قرب مكان ولادته، مُنهياً دراسته الجامعيّة بإجازة في القانون سنة 1616م، ويزور باريس ليستقرَّ بها سَنتَيْن قبل أن ينطلق في رحلته المشهورة في الثّانية والعشرين من عمره نحو العالَم، خصوصاً ألمانيا وهولاندا التي شَهِدت أغلب إنتاجاته الفكريّة، حتّى وفاته بالسّويد يوم 11 فبراير 1650م، ونَقْل بعضاً من رفاته لكنيسة “سانت جونوفييف دي مون” سنة 1677م، بالقرب من جامعة السّوربون، وأخيراً نقل رفاته مرّة أخرى –لتداعي الأولى نحو السّقوط- سنة 1819م، إلى كنيسة “سان جرمان دي بري”، وسط العاصمة باريس الموجود فيها لحدّ الآن(15).

     أما على المستوى العِلميّ والفكريّ الفلسفيّ، فسنستعين بهذا الرّسم من إنجازي لنترصّد التّغيير الكبير في طريقة الكتابة والـتّأليف، وكيف استفاد “ديكارت” من مصائب “جاليليو”، كما نُنَوّه إلى أنّ هذه السّنوات الطّويلة تخلّلتها دراسات عِلميّة وفنيّة مختلفة كتبها “ديكارت” حسب الظّروف، ولكن كانت هذه أسماء الكتب المتميّزة في مساره الفكريّ والعِلميّ كما سنلاحظ:

رسم يوضّح زمن التّسلسل التّأليفيّ للكتب الدّيكارتيّة وليس زمن النّشر

     ثمّ لنركّز من هذا المنطلق، على كُتب “ديكارت” الأساسيّة تأليفاً، بمعنى ترتيباً زمنياً وليس نشراً، في هذا الرّسم مع التّعليق عليها، ليتّضح لنا اشتغاله وِفق منظومة ونسق واسع الأفق، وكيف انتقل من العِلم إلى الفلسفة بسلاسة حتميّة ممّا يعني أنّه كان مُجبَراً لفعل ذلك، فكلّ كتاب يؤسِّس للكِتاب الذي يليه، حتّى ظهر المشروع الفلسفيّ “الدّيكارتيّ” الذي ساهم “جاليليو” بحدّة في إخراجه بعدما كان مضمراً سابقاً، وإليكم بيان ذلك انطلاقاً مِن تتابع مؤلّفاته هاته:

   [قواعد لتوجيه الفكر] 1628م (نُشر1684م)، وهو أوّل كتاب بعدما أنهى دراسته الأكاديميّة، ولم يقتنع بما عرفه وتعلّمه في المدارس، فكان شابًّا طموحاً في مقتبل الحياة، والعشرينات مِن عُمره بدأ التّأليف، فعمد لكتابة القواعد لتوجيه فكر ضائع، كثير التّيهان في الفلسفة الأرسطيّة ومبادئها، وهدايته للطّريق السّليم بإحكام، ولن يكون إلّا باستعمال العقل استعمالًا دقيقاً مُمَنْهَجًا، وهي تلك القواعد التي اعتبرها معالِم الطّريق في التّفكير.

    [العالَم أو كِتاب النّور] 1633م (نُشر 1664م)، ظهر الكِتاب بعد موته لأنّه خاف مصير المُحاكمة التي تعرّض لها “جاليليو” في روما بسبب دوران الأرض، وهي الفكرة الكوبيرنيكيّة التي غيّرت الفَلك؛ فعاصَر “ديكارت” “جاليليو” الذي كان في أوج فتراته البحثيّة والعِلميّة، وكان يكبُر “ديكارت” بحوالي عقدين مِن الزّمن، وتصله الأخبار أوّلًا بأوّل فخاف مصيرَه، وهكذا تناول الكِتابُ الصّياغة الفلسفيّة للدّوران، وقدّمها بشكل صريح وواضح، وهي فكرة القصور الذّاتي بشكل فلسفيّ، فقد خاف الكنيسة وأَجَّلَ نشر أوراق هذا الكِتاب.

    [مقال عن المنهج لِحُسن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم] (1637م)، وهو كتاب مفصليّ ليس في التّاريخ “الدّيكارتيّ” فقط، بل الإنسانيّة كلّها، بحيث كان اللّبنة التي استند عليها لكي يُظهر الأسس الفلسفيّة للعِلم الحديث بعدما كان يشتغل في العِلم المجرّد نفسه، إذ أقرّه مقدّمة لدراسة عِلميّة تشمل: البصريّات أو مبحث انكسار الضّوء، والأرصاد الجوّيّة، والهندسة؛ فلمّا أَجَّلَ كِتاب “العالَم” انشغل في الدّراسات الفيزيائيّة العِلميّة بالأساس، وتشكَّل هذا الكِتاب مقدّمة لتلك الدّراسات، بل ويُعتبر بحقّ سيرة ذاتيّة ذهنيّة، بدقيق العِبارة، لمنهج “ديكارت” العِلميّ الذي سيُفَرِّغه لاحقاً في كِتابه “التّأمّلات” إرضاء للكنيسة واتّقاء شرّها، وفي الوقت نفسه تمرير مبادئ فلسفته وعِلمه، اللّذان يناقضان فلسفة وعِلم “أرسطو” المُتبنّى مِن قِبل الكنيسة، فالمواجهة مواجهة عِلم لِعِلم، وليس كما يشاع مواجهة الكنيسة للعِلم. فالكِتاب “مقال عن المنهج”، تأكيداً لكِتابه “العالَم” من جهة، وتمهيداً لكتابه “التّأمّلات” الذي سيصدر بعده مباشرة من جهة أخرى، وبداية عهد الفلسفة بعد عهد العِلم في حياته طبعاً، وهي العقد الأخير منها؛ بحيث كان الانتقال من العِلم إلى الفلسفة مسألة أولويّات، فمادامت الكنيسة لم تفهم العِلم أو بالأحرى لمْ تتقبّله، فها هو يقدِّمُهُ بطريقة فلسفيّة، أي انتقل “ديكارت”، جرّاء محاكمة “جاليليو”، من إظهار العِلم وإضمار الفلسفة، إلى إضمار العِلم وإظهار الفلسفة.

    [تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى] (1641م)، هو كتاب يلخّص التّحوّل من صراحة العِلم إلى قوّة الفلسفة كما قلنا سابقاً، فكان هاجس “ديكارت” التّأسيس الفلسفيّ للعِلم النّاشئ آنذاك، وليس دفاعاً عن اللّاهوت الكلاسيكيّ كما ظهر للجميع؛ إلّا أنّ مهادنة الكنيسة أصبحت ضروريّة، بعد مُحاكمتِها “جاليليو”، فأهداها هذا الكِتاب، وأوصى رجالها بالحفاظ عليه ونشْرِه ضدّ الكافرين، وإن ضمّ أفكاراً منافية، في حقيقة الأمر، لِما تتبنّاه من فِكر “أرسطيّ” شارح للكتاب المقدّس، ولا يحقّ لأيّ شخص الخروج عن هذا الشّرح والتّفسير؛ فهو سمّ في دسمٍ، إذ ضرب ضربته القويّة عالية الذّكاء، وسار في دربه آمناً وقتاً كافياً من الزّمن(16)، ويمكن القول مع نسبة كبيرة من اليقين: إنّ “المشروع الفلسفيّ الديكارتيّ” ساهم “جاليليو” بحدّة في إخراجه بعدما كان مستـتراً سابقاً.

    [مبادئ الفلسفة] (1644م)، بعد “التّأمّلات” ومكانتها العظيمة التي تركتَها في النّفوس، لكونها صارت على شكل إلهام إلهيّ على طريقة الصّوفيّة؛ بمعنى ستّة تأمّلات بستّة رؤى بلورها على طول صفحات الكتاب، انبرى لتأسيس مبادئ فلسفته الفكريّة والعِلميّة، فأنجز “مبادئ الفلسفة” كتاباً تعليميًّا بامتياز، حاول خلاله تعويض ما يُدرَّس في المدارس من فكر “أرسطيّ” قديم، لا يُجيب عن تساؤلات العصر، وتمنّى أن تتبنّاه لأنّه أيسر وأسهل؛ إذ تطرّق لأفكاره العِلميّة والفلسفيّة كلّها نقطة بنقطة، بالشّرح الوجيز والواضح في الوقت نفسه، وبتسلسل الأفكار وانسيابها بشكل مترابط أيّما ترابط.

   [انفعالات النّفس] (1649م)، هي نظريّاته حول الانفعالات والعواطف المتعلّقة بطبيعة الجسم، في سياق نظرته الآليّة للحياة، فالجسم آلة مستقلّة وظيفيًّا، وبالتّالي تُوافق منهجه النّفسيّ حول انفعالات النّفس اتّجاه تلك النّظرة؛ فالانفعالات لم تعد حالات مَرَضيّة بل تجليّات طبيعيّة سعى “ديكارت” لتفسير طُرق عملها؛ بتعبير آخر، فكّك الانفعالات والعواطف ليفهمها جيّدًا ويعرف آلياتها، حتى يُسيطر عليها العقل خدمةً للذّات في حياتها العاطفيّة؛ ويُعتبَر كتاباً حول علاقة النّفس بالجسد وانفعالاتهما، فالنّفس لها ملذّاتها العقليّة، والجسد له ملذّاته الآليّة الميكانيكيّة، التي يجب الموازنة بينهما.

   [المحاورة البحث عن الحقيقة بواسطة النّور الطّبيعيّ] 1650م (نُشِر 1701م)، ثمّ توّج هذا المسار الطّويل من البحث والتّأليف بمحاورة هدفها تبيان أنّ الله بداخلنا ولا نحتاج لواسطة، فمعرفة الحقيقة تبدأ مِن الذّات لا الموضوع، مِن الأنا أنطلقُ للعالَم وليس العكس؛ فالله خَلَق فينا نوراً طبيعيًّا أصيلًا، ويكفي استخدام عقولنا في التّفكير للوصول إلى الحقيقة، فربَط بين النّفس والجسد ربطًا رائعًا؛ وهي محاورة تشبه كثيراً محاورة “جاليليو” حول النّظامين الكونِـيّين، التي مَثَل بسببها أمام محكمة التّفتيش في روما، بحيث استعمل كلاهما ثلاث شخصيات في الحوار الخياليّ، وتقمّص كلًّا منهما دوراً رئيسيًّا أثناءه، يدافع مِن خلاله عن أطاريحه وقناعاته الجديدة.

       ممّا يعني، عبر ملاحظتنا لهذا التّسلسل الحلزونيّ في الـتّأليف، سَيْرَ “ديكارت” وفق مخطّط مُحْكم منذ البداية، ولم يكن يخبط خبط عشواء فكلّما واجهته مشكلة انتقل للخطّة التي تليها، كالذي يعبُر مِن جسر مُتداع لآخر صلب، ناظراً نحو الأفق لا قرب قدميه، فأصرّ على هدفه وحاول الوصول له بشتّى الطّرق الممكنة، فأخفى أوراقاً وأظهر أخرى، وكتب بقناع وتحايل، وسافر مرّات عديدة، وتنقّل مُغَيِّراً محلّ سكناه مثلها، وتارة كتب بالفرنسيّة حين أراد مخاطبة الجمهور وأخرى باللّاتينيّة حين خاطب الخاصّة والعلماء، بل نشر بعضها دون كتابة اسمه؛ ذلك كلّه لأجل إكمال مشروعه الضّخم والحتميّ، الذي كان “جاليليو” أحد المُساهمين فيه دون قصد، فجاز القول بصريح العِبارة: إن “ديكارت” كان الوجه الفلسفيّ لـ”جاليليو”، وما لهاته الجملة من دلالات عميقة جدًّا.

     وفي الإطار ذاته، ومباشرة بعد محاكمة “جاليليو”، خاف “ديكارت” مِن الكنيسة خوفاً شديداً، حتّى أنّه كان يرتجف مِن أن يصل إليه هو الآخر استدعاء محاكم التّفتيش، حيث نجده يقول بتلميحات وإشارات، وليس كلاماً مباشراً، في كتابه “مقال عن المنهج” أوّل ما كتب فوراً بعد محاكمة “جاليليو”: “مضت الآن ثلاثة أعوام منذ انتهيت من الرّسالة (يقصد كِتابه العالَم) التي تحتوي على كلّ هذه الأشياء، وأخذت في مراجعتها، كي أضعها بين يدي طابع، عندما علِمت أنّ أشخاصاً أُجلّهم (يقصد رجال الكنيسة) ولهم من السّلطة على أعمالي ما لا يقلّ عمّا لعقلي من السّلطة على أفكاري، لم يقرّوا رأياً في عِلم الطّبيعة، أذاعه البعض (يقصد غاليليو جاليلي) قبل الآن بقليل (يقصد سنة 1633م)، ولا أريد أن أقول إنّني كنتُ على هذا الرّأي، ولكنّني أريد أن أقول إنّني لم ألاحظ فيه قبل استنكارهم، ما أستطيع أن أتوهّمه مضرًّا بالدّين أو بالدّولة”(17).

    وهذا الخوف الشّديد تكشفه أيضاً رسائله صوب أصدقائه، خاصّة الأب “مرسن(18)، صديق طفولته بمدرسة “لافليش”؛ هذه الرّسائل غير المترجمة، تشهد بما أخفاه “ديكارت”؛ فمثلًا لا حصراً، أسرّ أنّ كتابه “تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى” هدم كامل وخفيّ لمبادئ “أرسطو” بغطاء دينيّ مذهل، وما كِتابه “العالَم أو كتاب النّور” إلّا تأكيد ما قامت عليه نظرة “كوبيرنيكوس” في مركزيّة الشّمس، وما قراءته لكِتاب “جاليليو” حول “النّظام الكوبيرنيكيّ” مع “النّظام البطليميّ”، إلّا لإقرار أنّه شرح أيضاً دوران الأرض ضِمن كِتابه “العالَم”، ولكن بطريقة مختلفة شيئًا ما؛ فهذه الرّسائل كشفت أسرار “ديكارت”، وأعطتنا نظرة موسّعة عن أفكار مشروعه، لهذا يقول في إحداها إلى الأب “مرسن” عام 1633م: “أرسلتُ من يتحرّى لي عمّا إذا كان كتاب [نظام العالَم] لجاليليو موجوداً بـ: [ليد] و[أمستردام]، لمّا سمعتُ مِن أنّه قد طبع في إيطاليا في السّنة المنصرمة، جاءني الخبر بأنّ الكِتاب طُبع فعلًا، ولكن جميع النّسخ التي طبعت منه أحرقت في ذات الوقت [بروما] فيما حُكِم على جاليليو ببعض الغرامة (…)، إنّي لا أتصوّر كيف أمكن أن يحال جاليليو، وهو الإيطاليّ، بل المرغوب من طرف البابا على محكمة جنائيّة، لا لشيء سوى أنّه أراد، دون ريب أن يثبت حركة الأرض (…)، أرجوكم أن تخبروني أيضاً عمّا تعرفونه عن قضية جاليليو”(19(، هذه عبارات ملأى بكمّية رعب هائلة، أصابت “ديكارت” من شدّة نتيجة محاكمة “جاليليو”، كما ظلّ ينتظر أن تصله أخباراً أخرى عنه، فعمد إلى تجنبّ مواجهة الكنيسة إطلاقاً، إذ فَصْله الواضح بين الجسد والنّفس في كتابه “التّأمّلات”، يفهمه المتديِّن حينها، أنّه ردّ ضدّ الملحدين الرّافضين خلود الرّوح، بينما أتى هاجس “ديكارت” فيزيائيًّا محضاً، وقد أَسَرّه للأب “مرسن” أيضاً، بقوله حول الكِتاب نفسه: ويسعني القول، بيني وبينك، إن هذه “التّأمّلات” السّتّة تحتوي على جميع أسس الفيزياء الخاصّة بي، ولكن رجاء ألّا تُخبر أحداً، لأنّ ذلك مِن شأنه أن يصعِّب على أنصار أرسطو قبولها. آمل أن يألف القرّاء تدريجيًّا مبادئي ويدركوا حقيقـتها قبل أن يلحظوا أنّها تهدم مبادئ أرسطو(20(.

   وختاماً، ومن كلّ ما سبق ذكره، يمكن القول إنّ “جاليليو” اشتغل بآليات غير قروسطيّة، أي بآليات جديدة كان يعمل بها ضمناً، فجاء “ديكارت” في الوقت المناسب، أي عقب المحاكمة مباشرة التي أيقظته من سُباته العِلميّ إلى التّحديد الفلسفيّ لأسس العِلم الجديد، ليقول مخاطباً علماء وفلاسفة بداية القرن السّابع عشر ميلاديّ: إنّ ما تفعلونه كلّه ها هو وجهه الفلسفيّ؛ إنّ فلسفة جديدة تطرأ، وأنا سأعطيكم صياغتَها ولفظها، بمعنى سيتمّ الانتقال من الاشتغال اللّاواعي إلى الاشتغال الواعي، وبعِبارة أخرى، الانتقال من المستور إلى الظهور.

   فمعروف عن “جاليليو” أنّه كان ضدّ الكيفيّات، والكيف لغة القرون الوسطى، وهي أشياء غير دقيقة التّحديد أي خارج اللّغة العِلميّة: مثلًا هذا الشّيء بارد هي لغة طبيعيّة لا تعطي الدّقّة، بل مليئة بالأحاسيس والمشاعر وبعيدة عن العِلميّة، أما قولنا: بارد بـخمس درجات مئويّة مثلًا، هي لغة موضوعيّة وتحديد عِلميّ محض.

   إذ أصبحت الذّات تنتصر في القبض على الطّبيعة بتكميمها الظّواهر، وإبعاد لغة الكيفيّات عنها، فــ “رفَض جاليليو بوضوح الاستناد في أبحاثه إلى عالَم من الأوراق، وإنّما أراد قراءة كتاب الطّبيعة ودراسته. ولتحقيق هذا الهدف، غيَّر منهجيّة الملاحظة، وأقرّ بأهمّية التّجارب. لقد فَهم جاليليو كيفيّة تصميم هذه المواقف المصطنعة واستخدامها لإجراء عمليّات الاستدلال بشأن طبيعة القانون الفيزيائيّ، وباستخدام التّجارب، تمكّن جاليليو من اختبار الفرضيّات المتعلّقة بقوانين الطّبيعة؛ ومن ثمَّ كان بمقدوره إثباتها، أو دحضها، وهو الأمر الأهمّ(21).

    بينما جاء “ديكارت” مثله مثل الذي نظر من علٍ وقال: لقد تغيّر كلّ شيء، لقد انتقلتم إلى الذّات، أي الكوجيطو [أنا أفكّر إذاً أنا موجود]، فلَمْ تعد الأمور يُنظر إليها كالسّابق: لقد أصبحتم تنطلقون من الذّات، وليس من الموضوع؛ بمعنى أنّ “الذّاتيّة الدّيكارتيّة” ليست عاطفيّة، بل عقلانيّة تعتمد المنهج الصّارم الذي يشكّل العالَم على هيئة قوالب رياضيّة، فصناعة المفهوم كانت فائدة عظيمة لـ”ديكارت” مِن محنة “جاليليو”، ممّا يعني، بحسبه، أنّ طريقة التّفكير تغيّرت في الاكتشافات التي توالت في الظّهور، وكأنّه “بَرَادَايَم”(22) جديد، وتكفّلَ هو بصناعة المفهوم بحيث كان يُمَثِّلُ الجميع، وينطق باسم حِقبة بأكملها.


الهوامش والإحالات

(1) جاليليو جاليلي (15 فبراير 1564م- 8 يناير 1642م)، فيلسوف وفيزيائيّ وفَلكيّ إيطاليّ، وُلد في بيزا الإيطاليّة، وهو مؤسّس العِلم الحديث، تمّت محاكمته بسبب الهرطقة لتأيـيده أفكار كوبيرنيكوس عن دوران الأرض، اقتنع بنظريّة كوبرنيكوس القائلة بمركزيّة الشّمس، ودافع عنها شرساً بالأدلّة الملموسة، وأشهر من واجه الكنيسة على مرّ التّاريخ، وأصدرت محكمة التّفتيش ضدّه الحُكم المؤبّد سنة 1633م، وبقي فيه حتّى وفاته. ويعدّ أوّل شخص رفع المنظار (التّلسكوب) نحو السّماء، ليكتشف أقماراً ونجوماً جديدة مما سيغيّر تصوّر الفَلك القديم المغلق ليصير كوناً لانهائيًّا. لمزيد من التّفاصيل ينظر كتاب: ثورة الفكر في عصر النّهضة الأوروبيّة، لويس عوض، مركز الأهرام للتّرجمة والنّشر، ط1/1987م، ص:273.

(2) رينيه ديكارت (1596-1650م)، «وُلد ديكارت في تورين، وكان أهلُه من ذوي الغِنى واليسار، ولمّا شبّ وترعرع أدخله ذَوُوه مدرسة اليسوعيّـين في “لافليش”، التي كان أسّسها هنري الرّابع قبل ذلك بعهدٍ قريب، ولكنّه لم يلبَث أن غادرها كارهاً ناقماً، وكأنّه لم يُفِد من ذلك المعهد إلا الازدراء لِما كان شائعاً حينئذ من نظم فلسفيّة (…)، وكان له من الثّروة عن أبيه ما يُهيِّئ له أسباب العيش. ولبِث في هولندا عشرين سنة، اعتزل خلالها النّاس، وأخفى عنهم محلَّ إقامته حتى لا يُزعِجه في وحدته الهادئة أحدٌ من المعجبين به». ينظر كتاب: قصّة الفلسفة الحديثة، زكي نجيب محمود وأحمد أمين، مؤسسة هنداوي للتّعليم والثّقافة، القاهرة، ط2/2020م، ص:57-58-59.

(3) جاذبية مدهشة: من التّفاحة إلى القمر، فرانسوا روتن، ترجمة ميشيل نشأت شفيق حنا، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1/2016م، ص:206.

(4) بنديتو كاستيلي (1577-1643م)، رياضي فيزيائي وفيلسوف وراهب إيطالي، من تلامذة جاليليو، وخليفته على كرسي عِلم الرّياضيات بجامعة “بيزا”. ينظر كتاب: الثّورة العِلمية مقدمة قصيرة جدًّا، لورانس إم برينسيبيه، ترجمة محمد عبد الرحمن إسماعيل، مراجعة شيماء عبد الحكيم طه، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1/2014م، ص:75.

(5) كريستينا دو لورين (1565-1636م)، زوجة دوق توسكانا فرديناندو الأوّل دي ميديتشي، وأمّ وليّ العهد بعده كوزيمو الثّاني دي ميديتشي. حيث، «كانت كريستينا دي لورين والدة دوق توسكانا الأكبر كوزيمو الثّاني دي ميديتشي، وهي شديدة الورع، وسيّدة مُسنّة متسلِّطة وثرثارة ومختلّة، وِفقاً لما قاله كوستلر؛ قد قَلِقَت من بعض الإشاعات التي دارت حول الشّخص (تقصد جاليليو) الذي كان ملقّن الدّروس لكوزيمو وريث العرش آنذاك. ويتعلّق الأمر بنظام كوبرنيكوس، وعلاقته مع تعاليم الكنيسة». ينظر كتاب: جاذبية مدهشة من التفاحة إلى القمر، فرانسوا روتن، مرجع سابق، ص:134.

(6) الطّرق على أبواب السّماء كيف تنير الفيزياء والتفكير العلمي الكون والعالَم المعاصر، ليزا راندل، ترجمة أميرة علي عبد الصادق، مراجعة محمد فتحي خضر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1/2015م، ص:73.

(7) نيكولاس كوبرنيكوس (1473-1543م)، راهب وفيلسوف وفَلكيّ بولنديّ. يعتبر أوّل من صاغ نظريّة مركزيّة الشّمس، وكون الأرض جرماً يدور في فَلكها في كتابه “حول دوران الأجرام السّماوية”. والذي أوقف الشّمس وحرّك الأرض، وأيضاً، الذي قلَب موازين النّظرة الإنسانيّة للعالَم، بحيث نقلنا من التّفكير من خلال منظومة مركزيّة الأرض إلى التّفكير من خلال منظومة مركزية الشّمس. تنظر تفاصيل أكثر في كتاب: وداعاً نظرية مركزية الأرض كوبيرنيكوس ودورات الأجرام السّماوية، ويليام تي فولمان، ترجمة أسامة فاروق حسن، مؤسسة هنداوي، ط1/2015م.

(8) مافيو باربريني (1568-1644م)، «انحدر إيـربان الثّامن من عائلة فلورنسيّة جمعت ثروتها من التّجارة، واندمجت بفضل ثرائها –وليس بفضل حسبها ونسبها- في المجتمعات الأرستقراطيّة، وكانت له حاسّة أدبيّة ملحوظة. غير أنّ حاسته الأدبيّة كانت من النّوع التّقليديّ. وأيضاً كان متّقد الذّكاء، وواقعيًّا في موقفه من الحياة». ينظر كتاب: أبرز ضحايا محاكم التفتيش جاليليو- سافونارولا- برونو، رمسيس عوض، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005م، ص:72.

(9) الرّاهبة ماريا سيلست (1600-1634م)، اسمها الحقيقيّ فيرجينيا، إذ «تأثّر جاليليو تأثّرًا بالغاً بوفاة ابنته الرّاهبة ماريا سيلست، لدرجة أنّه شعر بأنّه سيلحق بها في الآخرة على وجه السّرعة». ينظر: المرجع نفسه، ص:137.

((10 تنظر تفاصيل أكثر دقّة في المرجع نفسه، الفصول المتعلّقة بجاليليو.

(11) جاذبية مدهشة من التّفاحة إلى القمر، فرانسوا روتن، مرجع سابق، ص:145.

(12) *الأرسطي: نسبة لأرسطو (384-322ق.م)، فيلسوف يونانيّ، تلميذ أفلاطون ومعلّم الإسكندر الأكبر، تبنّت الكنيسة الكاثوليكيّة فكره لقرون عديدة خاصّة بعد القرن الثّالث عشر ميلاديّ. لمزيد من التّفاصيل ينظر كتاب: أرسطو أستاذ فلاسفة اليونان، فاروق عبد المعطي، دار الكتب العِلمية، بيروت، لبنان، ط1/1992م.

*والبطليميّة: نسبة لكلوديوس بطليموس (90-168م)، أشهر الفَلكيّـين في العصور الوسطى، تبنّت الكنيسة الكاثوليكية أفكاره الفَلكيّة حتى القرن السّادس عشر ميلادي. تنظر تفاصيل أكثر في كتاب: الثّورة العِلمية مقدمة قصيرة جداً، لورانس إم برينسيبيه، مرجع سابق، ص:49، وما بعدها. وتجدر الإشارة، أنّ لبطليموس كتاباً شهيراً سمّاه العرب: “المجسطيّ”، الذي اُعتمد كتاباً أساسيًّا سواء في العالَم الإسلاميّ أو المسيحيّ، حتّى انبثاق الثّورة الكوبيرنيكيّة في القرن السّابع عشر ميلاديّ.

(13) طوما الأكويني (1225-1274م)، «هو ابن كونت دي إكوينو بإيطاليا الجنوبيّة، التحق في الرّابعة عشرة بكلية الفنون بجامعة نابولي، وفي هذه المدينة، بعد خمس سنين، دخل رهبنة الدومنيكيّين فأُرسل في السّنة التّالية إلى باريس، حيث تتلمذ لألبرت الأكبر ثلاث سنين (…)، وبعد حصوله على اللّيسانس صار أستاذاً، وهو في الحادية والثّلاثين». ينظر كتاب: تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، يوسف كرم، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1/2014م، ص:141. ولتفاصيل أكثر تـنظر ص:141، وما بعدها.

(14) الطّرق على أبواب السّماء كيف تنير الفيزياء والتفكير العلمي الكون والعالَم المعاصر، ليزا راندل، مرجع سابق، ص:84.

(15) لتفاصيل أكثر ينظر كتاب: رينه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة، كمال يوسف الحاج، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1954م.

(16) بعد وفاته، بثلاث عشرة سنة، فهمت الكنيسة الحيلة فوضعت كتاباته، خاصة كتابه “التّأمّلات”، ضمن المحظور حيث «أدرجت كتابات ديكارت في قائمة الكتب المحرّم قراءتها من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة الرّومانيّة عام 1663م، (…) باستبعاده الرّب من دراسته للعلوم الطّبيعية»، ينظر: ديكارت مقدمة قصيرة جدًّا، توم سوريل، ترجمة أحمد محمد الروبي، مراجعة ضياء ورّاد، ط1/2014م، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ص:107.

(17) مقال عن المنهج، رينيه ديكارت، ترجمة محمود محمد الخضيري، مراجعة الدكتور محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب بالعربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط2/1968م، ص:189.

(18) الأب “مرسن” (1588-1648م)، صديق طفولة ديكارت في المرحلة الابتدائيّة كاملة في مدرسة “لافليش”،   وهو عالِم ولاهوتيّ ورياضيّ فرنسيّ، وأحد أهمّ الذين ربطوا الاتّصال ونظّموه بين فلاسفة وعلماء النّصف الأوّل من القرن السّابع عشر ميلاديّ.

(19) الرّسالة ترجمة الحسين سبحان، مجلة الجدل، خريف 1985م، مؤسسة بنشرة الدار البيضاء، ص:54-55.

(20) ديكارت مقدمة قصيرة جدًّا، توم سوريل، مرجع سابق، ص:60-61.

(21) الطّرق على أبواب السّماء كيف تنير الفيزياء والتّفكير العِلمي الكون والعالَم المعاصر، ليزا راندل، مرجع سابق، ص:53.

(22) مفهوم ابتكره العالِم الأمريكيّ طوماس كون (1922-1996م)، يدلّ على النّموذج الموجّه أي الإطار النّظريّ والأساس الذي يسمح بطرح المشكلات، وطُرق حلّها عند مُتَّحَد عِلميّ ما. بمعنى لا يمكن للعالِم أن يفكّر خارج الإطار المتّفق عليه سلفاً، حتّى يظهر نموذجاً آخر يحلّ محلّ القديم، وهكذا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق