مقالات

المفكِّر سبيلا، مات تاركًا سؤال الحداثة عالقًا

محمد كزّو

 عشيّة عيد الأضحى المبارك لهذه السّنة، أي قبل أيّام قليلة فقط، توفّي المُفكِّر محمد سبيلا (1942-2021م)، أحد أقطاب الفكر العربيّ وخصوصًا المغربيّ، وهو من الرّموز الكبار الذين سعوا إلى تبييئة الحداثة، ونقلها من المنظور الغربيّ إلى الثّقافة العربيّة، ولكن بشكل ممنهج ومدروس، إذ يقول: «إنّ كلّ تعامل مع الفكر الغربيّ يتعيّن أن يكون تعاملًا نقديًّا، وأن يستحضر جملة معايير؛ أوّلها، ضرورة التّمييز بين ما هو عِلميّ وما هو أيديولوجيّ، وثانيها، التّمييز بين ما هو كونيّ وما هو محليّ، وثالثها، مراعاة تاريخيّة هذه المكتشفات الثّقافيّة»(1).

فمحمد سبيلا، عَلَم من الأعلام الذي تملّكه هاجس الحداثة، وتبييئتها بشكل بيداغوجيّ تربويّ، وجَعَلَ هذا الهاجس قطب الرّحى في تفكيره، فهو لم ينخرط في هموم التّراث، بقدر ما واجه تحدّيًا واحدًا، إن صحّ التّعبير، تمثّل في سؤال واحد وهاجس واحد هو التّبيئة، وخاض فيه من خلال كتاباته وترجماته وحواراته ومحاضراته وغيرها.

ومن الأفضل والحال هكذا، أن نقوم بشيء من الاحتفاء بمفكّرينا في العالَم العربيّ، لكي لا نفقد ثقافة الاعتراف بهم.

فكيف عمل محمد سبيلا على تنفيذ مشروعة الضّخم؟ وما هي الأدوات التي استعملها؟ ما نظرته للحداثة؟ وهل حقّق ما كان يصبو إليه في مشروعه التّبييئيّ؟

رأى هذا المفكّر النّور في مدينة الدار البيضاء سنة 1942م، وتابع دراساته الفلسفيّة في جامعة محمد الخامس بالرّباط، ثمّ جامعة السّوربون في باريس، إلى أن اشتغل أستاذًا للفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلّية الآداب بالرّباط، بعد نيله دكتوراه الدّولة في الفلسفة سنة 1992م. كما تقلّد منصب رئيس شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع بكلّية الآداب في مدينة فاس بين 1972و1980م، وترأّس «الجمعيّة الفلسفيّة المغربيّة» بين 1994و2006م.

نشر محمد سبيلا سيلًا من الدّراسات والأبحاث الفلسفيّة، في مجموعة من المجلّات العربيّة والأجنبيّة، كما أسهم في إصدار مجلتيْ «المشروع» و«مدارات فلسفيّة».

ومن أهمّ مؤلّفاته، مثلًا لا حصرًا: «مدارات الحداثة»(2)، و«الأيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية»، و«الأصوليّة والحداثة»، و«المغرب في مواجهة الحداثة»، و«أمشاج»، و«الحداثة وما بعد الحداثة»، و«زمن العولمة»، و«مخاضات الحداثة» … وغيرها. ومن بين أهمّ ترجماته نجد: «التّقنيّة -الحقيقة -الوجود» لمارتن هايدغر، و«نظام الخطاب» لميشيل فوكو… وغيرهما.

دائمًا ما كان محمد سبيلا يرتبط بالواقع العربيّ، ومنه يؤسِّس لإشكالاته المعرفيّة كمفكّر باحث، محاولًا الرّبط السّليم مع الحداثة الغربيّة، التي تُعتبَر فكرًا دخيلًا بقوّة إلى عالَمنا العربيّ، فنجده يقول: «إنّ مَن ينفتح على معطيات الفكر المعاصر تتملّكه الدّهشة أمام هذه التّحوّلات الفكريّة الهائلة التي شهدها العصر الحديث، وتطرح عليه مهمّة التّساؤل عن مكوّناتها ومداها، وعلاقتها بواقعنا الفكريّ والاجتماعيّ، لأنّها تقدّم نفسها كتحدّيات يتعيّن الاستجابة لها»(3).

بحسب محمد سبيلا من الصّعب تطويق الحداثة، ومن السّهل تحديد بعض معالِمها في بعض المجالات، فيعرّفها قائلًا: «الحداثة هي ظهور ملامح المجتمع الحديث المتميّز، بدرجة معيّنة من التّقنيّة والعقلانيّة والتّعدّد والتّفتّح. والحداثة كونيًّا، هي ظهور المجتمع البورجوازيّ الغربيّ الحديث، في إطار ما يسمّى بالنّهضة الغربيّة أو الأوروبيّة»(4)؛ ومن الصّعب أيضًا استيعاب التّحوّلات السّريعة والمختلفة التي حملتها الحداثة معها، سواء على مستوى التّنظيم الاجتماعيّ أو على مستوى المنظور الفكريّ. فوتيرة التّحوّلات صارت في تسارع قويّ جدًّا، «لذلك، فإنّ اتّخاذ موقف نقديّ اتجاه تيارات الفكر الأوروبيّ، للتّمييز فيه بين ما هو خصوصيّ وما هو كونيّ، وذلك بعد استيعابه وتمثّلِ محدّداته، يُعتبر شرطًا أساسيًّا للتّعامل مع فكر يتميّز بالغنى والتّنوّع»(5)، فنقد الحداثة لا يتمّ إلّا بعد فهمها واستيعابها، هذا هو المنطق السّليم كما يؤكّد دائمًا محمد سبيلا، وإلّا سنقع في ما يسمى «بالاستيلاب»، وهي التّهمة السّهلة الاتّصاف، والملاذ الهيّن لكلّ من لم يستوعب معنى الحداثة كما ينبغي، لذلك فـ «إنّ ما يجيز استخدام مفهوم من المفاهيم هو مدى الحاجة إليه للتّعبير عن واقع معيّن، ومدلول الاستيلاب يقدم هذه الاستجابة السّريعة»(6).

وللخروج من خندق الاستيلاب، ينصح محمد سبيلا، مُريدي الحداثة في عالَمنا العربيّ المعاصر، بعدم الغوص في التّراث دون الموازنة مع الحاضر وإكراهاته، فدراسة ونقد الحداثة الغربيّة من بين الأولويّات، سيما وأنّها ضرورة مُلِحّة باعتبار المتغيِّر الغربيّ نفسه، إذ «يمكن أن نميّز في النّشاط الفلسفيّ العربيّ المعاصر بين الاشتغال بالتّراث تحقيقًا وتحليلًا وتقييمًا وتأويلًا، والاشتغال بنقل ودراسة وتقييم الفكر الغربيّ لفهمه والتّعرف عليه، وكذا لفهم الغير والذّات من خلاله، وبين الحاجة إلى فلسفة تعبّر عن الواقع العربيّ الرّاهن في مختلف مكوّناته وتوجّهاته»(7).

لا شكّ أنّ تبنّي الفكر الغربيّ في ظلّ السّيادة الحضاريّة للغرب أمر لا مفرّ منه، ولكن بحسب محمد سبيلا «يحقّ لنا أن نتساءل عن شروط حدوث هذا اللّقاح الفلسفيّ ومدى صوابه في هذا المجال بالذّات، هل هو شكل من أشكال التّفاعل الثّقافيّ أم مظهر سيطرة ثقافيّة أم مجرّد مواكبة للحلقات الأكثر تقدّمًا في الفكر الإنسانيّ؟ وهل تمثَّلْنا في ثقافتنا العربيّة المعاصرة هذه الاتّجاهات تمثّلًا موضوعيًّا سليمًا؟»(8)

بينما لا يمكن إنكار التّفوّق الحضاريّ للطرف الآخر، بكونه أمرًا محتومًا، بقدر ما يهمّ التّساؤل عن أسباب اختيار، وتبنّي مدرسة من المدارس، أو اتّجاه من الاتّجاهات ضمن ما تزخر به الثّقافة المتقدمة. بتعبير أدقّ التّمييز بين الأسباب الموضوعيّة والذّاتيّة، في الجواب عن الإشكاليّة المطروحة حول مدى نجاح ذاك الاختيار، والشّروط الخاصّة بالواقع العربيّ، يشرح محمد سبيلا الفكرة قائلًا: «إنّ اجتثاث الاتّجاه الفلسفيّ عن سياقه الحضاريّ والاجتماعيّ والفكريّ الذي ظهر ضمنه، وإغفال بعده الإيديولوجيّ الضّمنيّ، قد يؤدّي إلى اعتباره نظريّة مطْلقة صالحة لأزمنة وأمكنة ومجتمعات أخرى. وقد سيطر هذا الوهم على الكثير من العقول الفلسفيّة في الوطن العربيّ، ودفعها إلى التّبني الكامل، وغير النقديّ، لاتجاهات فلسفيّة لا تستجيب بما يكفي لواقعنا الاجتماعيّ والفكريّ»(9).

غنيّ عن القول، إنّ التّراث الأوروبيّ خاصّة والغربيّ عامّة ليس تراثًا إنسانيًّا مطْلقًا، بل هو فكر بدأ ونضج ضمن بيئة معيّنة، مشتملًا شحنات متعدّدة حسب سياق وظروف نشأته، بالمقابل يتحتّم علينا، في عالَمنا العربيّ، الانطلاق من هكذا بدايات لتحقيق الانطلاقة الفكريّة، التي مازالت بين مطرقة التّخلّف وسندان التّبعيّة، يقول  محمد سبيلا: «إنّ العالَم العربيّ بحاجة إلى فلسفة اجتماعيّة، تدعو إلى العِلم وإلى التّقدّم، أي إلى فلسفة تنبثق من احتياجاتنا التّاريخيّة في بناء مجتمعات متقدّمة وعادلة وديموقراطيّة، فلسفة تنويريّة تهيئ العقول والنّفوس لتقبّل العصر والمساهمة فيه»(10)، وفي السّياق نفسه، حسب محمد سبيلا، نبتعد عن تحقيق الحداثة العربيّة بقدر ابتعادنا عن القراءة والتّثقيف، فدورة حياتنا في هذه النّقطة بالذّات لم تبرح عجلة دورانِها مكانَها.

بالمقابل مَنحت تلك النّهضة المجتمعات الغربيّة، غزو باقي المجتمعات النّاميّة والسّائرة في طريق النّموّ، وهو الذي أعطانا ما يسمى «صدمة الحداثة»، لكونها تلقّت النّتائج فقط لا كيفيّة بلورتها. فكانت للحداثة مستويات وأنواع عدّة تخلّلتها، كالحداثة الاقتصاديّة والحداثة السّياسيّة وغيرهما «إلا أنّ أكثر مستويات الحداثة بطئًا هي الحداثة الفكريّة»(11).

بيد أنّ السّبب في تباطؤ الحداثة في العالَم العربيّ خصوصًا، هو الحرص على عدم التّفريط في الهويّة بتجلّياتها كلّها، فأن تسمح لهويتك بالاندثار، فسيتمّ نسيانك من التّاريخ ماضيًا وحاضرًا، يقول محمد سبيلا: إنّ «التّخلّي عن الهويّة الثّقافيّة المتوارثة أو التّنكّر لها هو بالنّسبة إلى أيّة أمّة من الأمم نوع من الانتحار الحضاريّ، حتّى ولو كانت هذه الهويّة مجرّد أكياس من الرّمل»(12)، ولا شكّ أنّ الثّقافة العربيّة نفسها لا تزال تقاوم رياح الحداثة منذ أن هبّت عليها أوّل مرّة.

ولكن شئنا أم أبينا، كان الاستعمار الغربيّ السّبب القويّ الذي أجرى تحوّلات عاجلة في ثقافة المجتمعات رغمًا عنها، وحرّك فيها مبدأ الازدواجيّة في التّعاطي مع هذا المستجدّ الطّارئ، يقول محمد سبيلا موضّحًا: «ففي المغرب مثلًا، قامت النّخبة المثقّفة التّقليديّة برفض مظاهر التّحديث واستعمال الأدوات، حيث دعا بعض الفقهاء إلى تحريم الحاكي، وناهض بعضهم استعمال الآلات الموسيقيّة، وناهض آخرون استخدام المطبعة الحجريّة، ومنهم من ذهب إلى حدّ تحريم الشّاي والقهوة»(13).

هذا التّعاطي بالذّات، هو ما يُحيل عليه محمد سبيلا أغلب الأوقات في مشروعه، فالرّفض والقبول يبقى نسبيًّا من مثقّف إلى آخر ومن أمّة إلى أخرى، فما يكون مرفوضًا عندي ربّما يكون مقبولًا عند الآخر والعكس صحيح؛ وهو ما يُعرف بأخذ الإيجابيّ وترك السّلبيّ، يقول محمد سبيلا شارحًا: «إنّ هذه الوضعيّة البينيّة التي تعيشها مجتمعاتنا العربيّة تجعل الحداثة الوافدة حداثة ناقصة ومشوّهة، ولا تعطي كلّ مردوديّتها على كلّ المستويات»(14).

ختامًا يرى محمد سبيلا، أنّ تعثّرات الحداثة وإخفاقاتها المتواصلة، ناتج من طبيعة أشكال الرّفض والمقاومة الشّعوريّة واللّاشعوريّة للحداثة، فيقول: إنّ «النّهضة العربيّة لم تُوفّق، إلى الآن، إلى إيجاد حلّ أو صيغة وسطى لحلّ التّعارض بين الحداثة والتّراث»(15).

كما ويبقى سؤال الحداثة، الذي دشّنه محمد سبيلا في محاولته التبييئيّة، معلَّقًا، فما زال الغموض يكتنف هذا الأمر، فهو سؤال مؤرق في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، سؤال محيِّر أسال المداد ما بين رافض له، وما بين طالب الدّخول إليه، ويبقى محمد سبيلا من النّاس الذين اخترقوا الموضوع وجعلوه شغلهم الشّاغل، ورغم ذلك مازال سؤال الحداثة يتطلّب مجهودات في الدّراسة كمجهودات الرّاحل محمد سبيلا.

مات الرّجل إذًا، وفي فمه شيء من الحداثة، أو مات وفي نفسه شيء من حتّى كما يقال، إلّا أنّ البشر فانون والأفكار خالدة.


الإحالات والهوامش

(1) مدارات الحداثة، محمد سبيلا، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1/2009م، ص:11.

(2) كِتاب، هو الأنموذج، من بين كُتب أخرى قويّة ضمن مشروعه، الذي اعتمدتُه في الاحتفاء بالرّاحل.

(3) مدارات الحداثة، محمد سبيلا، مرجع سابق، ص:10.

(4) المرجع نفسه، ص:123.

(5) المرجع نفسه، ص:13.

(6) المرجع نفسه، ص:27.

(7) المرجع نفسه، ص:65.

(8) المرجع نفسه، ص:66.

(9) المرجع نفسه، ص:69-70.

(10) المرجع نفسه، ص:81.

(11) المرجع نفسه، ص:128.

(12) المرجع نفسه، ص:149.

(13) المرجع نفسه، ص:154.

(14) المرجع نفسه، ص:248.

(15) المرجع نفسه، ص:252.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق