مقالات

أنا أحب، إذن أنا أفكر: الحب وسيلةً للرؤية

تشاد إنجلاند - ترجمة: رضا زيدان

الحب وسيلة لإدراك كل العالم، أي العالم بأكمله كما يُرَى بعين المحبوب.

من بين كل القوى اللاعقلانية التي تطغى على الإنسان، لا يبدو أيّ منها قويًّا ومتقلبًا مثل الحب. إن الأمواج التسونامية، والزلازل، والرياح العاصفة كلها «في الخارج»، لكن الحب يضج داخلنا ليهزنا، ويلتف بنا، ويغير موقفنا تمامًا. يتوجع نجوم الموسيقى الشعبية pop والأنبياء الثقافيون في عصرنا من هذه القوة وكيف أنها تعد بكل شيء في حين أنها لا تفي بأي شيء؛ يبدو الحب مشبعًا بالوهم، فيتجاوز قليلًا زغب العاطفة أو حجاب الشهوة.

ما هو الحب؟ إن شاعرًا بعظمة شكسبير يقدّمه، في مسرحية «حلم ليلة منتصف الصيف»، وكأنه جنون ناجم عن السحر، وهو مخادع للغاية لدرجة أنه سيقود امرأة جميلة إلى الوقوع في حب رجل برأس حمار. يبدو أن الحب هو مسألة فقدان المرء لذكائه، أو وقوعه فريسة للوهم. يبدو أنه سرابٌ براق.

ومع ذلك، عند هذه النقطة، تقول الظواهراتية phenomenology – التي تُعرَّف بصورة عامة على أنها تجربة التجربة – شيئًا غريبًا. لقد قال مارتن هايدغر: «نحن معتادون على القول إن “الحب أعمى”. هنا، يُنظر إلى الحب على أنه دافع ملحّ ومن ثم يستعاض عنه بظاهرة phenomenon مختلفة تمامًا. ولكن الحب في واقع الأمر يمنح الرؤية». إنّ الدافع البيولوجي أو الشعور الأناني هو الذي يعمينا؛ أما الحب، فعلى النقيض، فهو يشكّل انفتاحًا أساسيًّا على المحبوب. يتيح لنا الحب رؤية ما هو هناك ليُرى؛ ويتيح لنا الاستسلام لوجود المحبوب نفسه. إنّ الظواهراتية هي التقنين الكلّي للبصيرة الجذرية التي تقول إنّ الحب يسمح لنا بإدراك الأشياء كما هي.

في الواقع، يصف يوحنا بولس الثاني بإدراك متوقد الظواهراتية بأنها «موقف من المحبة الفكرية». إنها تجعلنا منفتحين على حقيقة الأشياء وحقيقة الآخرين. ما لا نهتم به لن نتحمل عناء تجربته بعمق، وإنما سنكتفي بالآراء السطحية والأحكام المسبقة. تتيح لنا الظواهراتية اكتشاف حقيقة الحب، وبذلك تحررنا لكشف حقيقة الأشياء.

قد نسيء فهم الحب عندما نفكر فيه كعلاقة بين شيئين: المحب والمحبوب. الحب في الواقع وسيلة لاستيعاب كل العالم، أي العالم بأكمله كما يُرى بعين المحبوب. يلاحظ هايدغر أن السعادة التي نختبرها في حضور الآخرين هي سعادة نشعر بها بالطريقة التي يظهر بها العالم لهم: «هناك إمكانية أخرى لهذا الظهور مخفية في سعادتنا في وجود إنسان – وليس حتى شخصه – نحبه». نحن نحب انفعالات الذين نحبهم، ليس فقط أشكالهم، وإنما أيضًا شكل العالم في نظرهم. إنّ نظرتهم للعالم تعزز تقديرنا وفهمنا للأشياء. والعالم المغمور بنور حبهم هو عالم قد غُسِلَ من الوضوح الخامل، وكُشِفَ من جديد في سحره.

فكِّر، في هذا الصدد، في تجدد الحياة الذي يأتي من إنجاب الأطفال. يلاحظ الفيلسوف موريس ميرلو-بونتي أن «في المنزل الذي يولد فيه طفل جديد، يتغيرِّ معنى كل شيء، وتبدأ [هذه الأشياء] في التوقع من هذا الطفل معاملة غير محدَّدة بعد». ويقول «هناك شخص جديد وشخص إضافي، وتاريخ جديد -سواء كان قصيرًا أو طويلًا- قد تأسس، وسجل جديد قد فُتِح».

إن اندهاش الطفل أمام العالَم مُعدٍ. ليس الطفل فقط هو ما يبعث على السرور، وإنما أيضًا الاهتمام الجديد بالعالم، ويبزغ فهم جديد رويدًا رويدًا. نحن نعيد اكتشاف المياة الحية التي تعوم تحت الجليد عندما نتحدث ونفكر في الاشياء، بينما يجب على الأطفال اكتشاف كيفية التحدث والتوصل إلى فهم الأشياء، وفي تفكيرنا في جهودهم نصل إلى إدراك مدى غرابة الكلام نفسه، أو كيف يمكن أن تحدُث أو تُشارَك لمحات استكشاف الأشياء ومعرفتها.

يقول نيتشه إن الحب يقوض نفسه بنفسه، ويجد الرضا ليس في المحبوب، وإنما في الشعور المبهج الخاص بالحب: «في النهاية يحب المرء رغبته، وليس ما هو مرغوب فيه». تردّ الظواهراتية بأن الحب يُخرج المرء من نفسه، ويدفعه إلى البحث عن السعادة في مشاركة عالم المحبوب مع المحبوب. وباستمرار المرء في تعلم رؤية العالم بعيون المحبوب، يكتسب أنماطًا جديدة من البصيرة. لا يلاحظ المرء شيئًا فقط؛ بل يطوّر طريقة للتفكير في الشيء، وتقييمه، والاستمتاع به.

هذه المقالة مقتبسة من كتاب تشاد إنجلاند «الظواهراتية».

أنا أحب، إذن أنا أفكر

إنّ العبارة الأشهر في الفلسفة كلها شعارُ ديكارت، «أنا أفكر إذن أنا موجود Cogito, ergo sum». رغم أن الظواهراتية تثمّن الراديكالية التي يقارب بها ديكارت الفلسفة، إلا أنها تشكّل نقدًا شاملًا لنقطة انطلاقه، الابتداء من مسألة الكوجيتو، أو أنا أفكر. يعبر الفيلسوف ماكس شيلر Max Scheler عن هذا النقد بقوة فيقول: «الإنسان، قبل أن يكون كائنًا مفكرًا أو مريدًا، هو كائن محب». أن تكون كائنًا يحب فهذا يعني أن تكون كائنًا منفتحًا على أشياء العالم، وهي الأشياء التي يمكن معرفتها أو اختيارها بناءً على ذلك. ويقول «الحب هو دائمًا ما يوقظ المعرفة والإرادة». و«إنما هو مصدر الروح والعقل نفسه».

الحب يوجهنا في العالم ويسمح لبعض الأشياء دون الأخرى أن تكون مثيرة للاهتمام. الكل يجعل الحب يظهر بطريقة ملونة، ملونة به. والطابع الخاص للكل يسمَّى ordo amoris أو ترتيب الحب. قد نصف ما يحبه شخص ما، وما يهتم به، لكن يمكننا أيضًا مقارنة هذا الوصف بما يسعى المرء جاهدًا في حبه أو الاهتمام به. إنْ فعلنا ذلك؛ ستتبدد أنواع عديدة من الأوهام.

أولًا، هناك إمكانية حب شيء ذي قيمة نسبية كما لو كان ذا قيمة مطلقة. هنا لدينا المدِّخر الذي يحتفظ بأغطية الزجاجات كما لو كانت أفضل الأشياء الموجودة. هذا هو الحب الوثني. ثانيًا، هناك إمكانية أن يحب المرء شيئًا أقل قيمة أكثر من حبه لشيء أعلى قيمة. هنا يمكننا أن نفكر في المدير التنفيذي الذي يجد قيمة المكاسب المالية أعلى من قيمة حب الوطن، ويغلق مصنعًا محليًّا مربحًا لتحقيق مزيد من الأموال في الخارج. هذا هو الحب المقلوب. ثالثًا، هناك إمكانية أن تحب شيئًا ما بدرجة من القوة تقل عن قيمته. هنا يمكننا أن نفكر في التقدير المجرد فقط الذي لدى الكثير من الناس تجاه الثقافة الرفيعة، والعلم، والشعر، والفلسفة، والفنون الحرة. هذا هو الحب غير الكافي.

إذن ترتيب الحب ليس وصفيًّا فحسب، وإنما معياري أيضًا. إحدى علامات التفكير المستوعب عدم الاكتفاء بسؤال «ماذا أحب؟» بل تتعداه إلى «ما هو الجدير بالحب (حقًّا)؟» وأخذ نصائح الأشخاص المثاليين لتحدي أفق الحب الذي أرى، وأفكر، وأختار ضمن حدوده. تكشف لنا شهادة البطل أو القديس آفاق حب جديدة. هناك تحدّي هنري ديفيد ثورو الذي تحدى  الأمريكيين المفتونيين لتقليص رغباتهم وأن يستمدوا إلهامهم من الجمال الهادئ لتناغم الطبيعة. وهناك الأم تيريزا، صاحبة الجسد الهزيل الذي بالكاد يرى خلف منصة الأمم المتحددة في نيويورك، التي شهدت بجرأة أمام دول العالم على حب المهمشين والضعفاء. إنّ مواجهة ثورو أو الأم تيريزا أمر مرعب جدًا؛ لأن حبهما يهدد بتحويل حبنا الآمن لكن غير الكافي، أو المقلوب، أو الوثني.

عندما نفكر في ترتيب الحب، من الطبيعي أن نفكر في الحب على أنه حب للآخرين. فالحب في الأساس هو الإيثار، كما يقال، اهتمام بالآخرين اهتمامًا يفوق اهتمامنا بأنفسنا. بقدر ما يتطلب كل فعل بشري دافعًا، نحن نشك حتى في ما إذا كان الحب ممكنًا أم لا، لأن المحبين، كما نقول لأنفسنا، دائمًا ما يحصلون على بعض الرضا في الحب، ولولا ذلك لما أحبوا.  تبدو الحالة النموذجية المتمثلة في جندي في خندق قد رمى نفسه على قنبلة يدوية لإنقاذ أصدقائه ملوثةً إلى حد ما؛ ففي النهاية، لا بد أنه قد شعر أن هذا الفعل كان هو الفعل النبيل وبالتالي حصل على الرضا الذاتي المتعلق بالموت بنبل.

لكن الظواهراتيين يرفضون الإيثار الخارج عن التحكم بوصفه تعبيرًا عن الرذيلة، وليس الفضيلة. من الاعتباطي أن تفضل شخصًا آخر على نفسك، لا لشيء إلا لأن الآخر ليس أنت؛ فهذا هو الوجه الآخر للأنانية؛ أي تفضيل نفسك اعتباطيًّا. يكتب شيلر، «إذا كنت أنا نفسي لا أستحق الحب، فلماذا يكون “الآخر” مستحقًا له؟ كما لو أنه لم يكن أيضًا “أنا” ما – بالنسبة له، وأنا “آخر” – بالنسبة له!» إن تفضيل الآخر لكونه آخر هو تعبير عن نفور المرء من ذاته. لكن حب الآخر لا يقوم على النفور. لذلك، فالإيثار ليس حبًّا. وإنما يعبر عن نوع من مرض، الذي يقودنا إلى الانشغال بشؤون الآخرين من أجل تجنب ذواتنا غير المرحب بها. أو كما يعبّر شيلر بإيجاز: الإيثار «مطلب عدمي يدمر كل حيوية وفي الواقع يفكك أي بنية للوجود!».

كيف يمكننا التمييز بين الموضوعات objects المحبوبة الرفيعة والدنيئة؟ ينشأ التمييز في مجال التجربة. الحاجيات الأدنى هي الحاجيات التي تتركنا فارغين عندما نطلبها كما لو كانت حاجيات أرفع؛ والحاجيات الأرفع هي الحاجيات التي تتركنا مشبعين عندما نطلبها كما لو كانت حاجيات أرفع. فمثلًا، عندما نرفع من قيمة المتعة الجسدية فوق كل شيء، تتركنا يائسين أكثر فأكثر، أو كما يكتب شيلر:

«يُصعق الحسّي من أن اللذة التي يجدها في الأشياء التي تمنحه ذلك قد أصبح الرضا النابع منها متضائلًا، بينما يظل الدافع الذي يقوده إليها كما هو، أو يزداد كلما تنقّل انتقالًا سريعًا من شيء [يمنحه اللذة] إلى آخر؛ إذْ إنها مياه تعطّش شاربها كلما شرب منها».

فكِّر في ذلك الفراغ الناجم من مشاهدة المسلسلات بلا انقطاع (binge-watching) أو الانغماس في تصفح الإنترنت فترة طويلة. الآن فكِّر في الرضا الذي يأتي من إنجاز مهمة بشكل صحيح، مثل تركيب أسلاك لمروحة سقفية، أو الذي يأتي في إعداد طبق مالح لذيذ لصديق. تترك الحاجيات الأدنى المرء قلقًا، بينما تفتح الحاجيات الرفعية أعماقًا جديدة للرضا.

الاغتراب والعار

يجادل جان-لوك ماريون Jean-Luc Marion بأن السؤال الوحيد الذي يشغلنا حقًّا هو: «هل يحبني أحد؟» وهذا السؤال يكون هكذا بالنسبة لنا لأننا نتعرض على نحو معتاد للاعتداءات (غير المُحِبّة) على شخصنا؛  بالخيانة، واللامبالاة، والعداء. فكِّر في التجربة المألوفة في المدرسة الابتدائية المتمثلة في أن تعيش الخجل الشديد عندما يتدخل المُعلِّم ويقرأ على الفصل مذكرة يُكشَف بها عن شيء ما، إما ملاحظة فظّة أو اعترافك بأنك معجب بشخص ما. إن مشاركة الأفكار أو الصور الخاصة بالمرء لجمهور الناس الطامع في استهلاكها كشيء مثير للفضول، أوالقيل والقال، أوالسخرية هي تجربة مألوفة في عصر إلكتروني. ما هو العامل الفاعل في تيقظ عصرنا للخصوصية، وغضبه من عمليات الكشف العرضية للنطاق العام؟ نريد أن نكون معروفين، أليس كذلك؟ فلماذا القلق من أن تُعرَف أمورنا الشخصية خارج نطاق أقراننا؟ ما هو الشيء البغيض في هذه التجربة لدرجة أن بإمكان العار أن يدمرنا؟

يقول جان-بول سارتر إن العار يرقى إلى مستوى اختبار المرء لموضعة objectified الآخرين له بطريقة تجعل وجهات نظرهم تهدد وجهة نظره. أنا ذات تنظر إليك كموضوع؛ وبالعكس، أنت ذات تنظر إلي كموضوع. تولّد محاولة الموضعة objectification المتبادلة توترًا جدليًّا غير مثمر، نوعًا من التدمير المتبادل المؤكد للذاتية ومعه فقدان الحرية والكرامة، أو كما كتب سارتر في «الوجود والعدم»: «سقوطي الأصلي هو وجود الآخر». في العار، هؤلاء غير المبالين بوجودنا لا يرتبطون بنا كذوات، وإنما كعيّنات، أو حالات للتعليق والنقد. يقدم سارتر المثال الشهير الذي يتمثل في البحث في ثقب المفتاح للتجسس على شخص ما، ثم، عند سماع صوت خطوات أقدام، يتمثل في الانقباض خجلًا عند القبض عليه وهو يفعل شيئًا غير لائق؛ فيصبح مسترق النظر الذي يموضع غيره موضوعًا! إذا كان الحب يسمح لنا برؤية المحبوب بوصفه وجهة نظر في الكل، فإن العار [أو الخجل] يكبّل الملحوق به العار فيكون مجرد جزء (لا يرى) من الكل.

يلاحظ ظواهراتيون آخرون، مثل شيلر، أن العار يمكن أن يكون له جانب مضيء. وبهذا، هم لا يتحدثون عن الشعور بالذنب أو العار في أعين الآخرين كنتيجة لفعل شيء مخجل – مسترق النظر في مثال سارتر – وإنما عن تجربة المرء أن يكون موضوعًا على نحو خاطئ (موضوع مكيدة مسترق النظر). التجربة سلبية، لكن سلبيتها تشهد على حقيقة الشخص البشري، أي، كوننا من النوع الذي لا ينبغي أن يكون موضوعًا؛ فلدينا أكثر مما تراه العين المموضِعة. كتب شيلر أن العار هو «(قلق anxiety) الفرد من الوقوع فريسة لسمعة سيئة»، و«ومن أن تُهدَم القيمة الأعلى للفرد بالقيم الأدنى». إن العار يحمينا من الموضعة العامة، وبهذه الطريقة، فهو متحالف مع الخصوصية. نحن معروفون بحق من قِبل المقربين المحبوبين، وليس ممن لا يكترثون بنا.

تجسد تجربة العار أيضًا توترًا مكتوبًا في شخصيتنا نفسها كجسد، أي كشخص يدرك عالم التجربة كما أنه جزءٌ من ذاك العالم في نفس الوقت. يفتح هذا الطابع المزدوج إمكانية اختزالنا في عيون شخص آخر إلى مجرد هوية مجهولة لأجزاء الجسد. ومع ذلك، يكشف العار أن أجسادنا ليست مماثلة لقطع اللحم. وإنما هي، كما يصف ميرلو-بونتي في كتابه «ظواهرية الإدراك»، الوجه الخارجي لأنفسنا الداخلية، وفيها أهميتنا الشخصية. ينشأ الشعور الجنسي بالعار بسبب حقيقة أن الحب يوجهنا نحو الشخص الفرد، لكن الرغبة توجهنا نحو الاستمتاع الجسدي. هذا الاختلاف بين طلب الشخص وطلب الاستمتاع الجسدي يجعل من الضروري إخفاء الجزء الأكثر حميمية من جسده أمام الشهوة، وكشفه من أجل الحب فقط. إن فكرة الحب الزوجي هي أن المحب لا يرغب فقط في المحبوب وإنما يحبه أيضًا، وبالتالي فإن المتعة لا تقوض الطابع المزدوج للجسد؛ وباسم الحب، قد يختفي العار.

إن العزلة هي خبرة سلبية أخرى ذات معنى إيجابي. يمكن للمرء، أثناء وقوفه في صف، أو وجوده في حفلة، أو حتى في غرفته الخاصة، أن يشعر بأنه منفرد. لا يلزم أن يكون لهذا علاقة بشعور المرء بأنه مستوحش، وهو تجربة من العزلة تتصف بعدم الارتياح؛ فشعور المرء بأنه منفرد يمكن أن يكون هادئًا تمامًا. ففي تجربة  العزلة هذه، يعيش المرء ذاته وتوجهه نحو الآخرين. وهي ليست شيئًا سلبيًّا؛ فهي تجربة إيجابية عميقة وأساس كل مشاركة مع الآخرين. ففي العزلة نحن نجرب أنفسنا بوصفها ذوات منا، وفي الاجتماع نجرب أنفسنا كأنفس مع الآخرين. يقوم الاجتماع بإلغاء الغياب الذي تتميز به العزلة بواسطة إحداث حضور الآخرين. فقط الشخص الذي يمكنه أن يكون بمفرده بدون أن يشعر بالوحدة يمكنه أن يحب الآخر على نحو لم يعد عرضيًّا – كترياق للوحدة – وإنما على وجه التحديد كحضور مرحب به.

تتحول الوحدة إلى توجه نحو الآخرين تلهيةً عن الذات، بينما تدخل العزلة الحقيقية في تشارك مع الآخرين تكميلًا للذات.

المشاركة والحوار

إن هيئة شخص غريب لا تهدد فحسب؛ وإنما تومئ، وترحب، وتقر. فات سارتر رؤية الإمكانية الإيجابية للحب، وبالتالي يرى وجود الآخرين أمرًا خطيرًا. فالاحتمال الوحيد للالتقاء البشري يكمن في الاغتراب الذي ينتزع فيه الآخرون عالمي مني بتشييده حسب وجهات نظرهم. يشدد ظاهراتيون آخرون، أكثر انتباهًا لإمكانات التجربة البشرية، على الإمكانات الإيجابية للالتقاء البشري. هذه الأنماط للحب لا تشمل فقط الحب العائلي، والزوجي، والرفيقي، وإنما تشمل أيضًا التضامن، هذه هي طرق المشاركة، وطرق مشاركة العالم سويًّا. نحن نعيش مغزى كوننا جزءًا من كل.

يبدأ الحب في إدراك قيمة المحبوب، وثماره أن يكون تعزيز خيرية المحبوب هديتنا. ولا يحدث ذلك من خلال مشاركة الأفكار، والمهام، والأوقات فحسب، وإنما أيضًا من خلال أجسامنا، بما في ذلك ميولنا الحيوانية. من أكثر الأعمال المميزة للأصدقاء تناول الطعام سويًا، وهم لا يُشبعون فقط حاجتهم إلى الأكل والأيض وإنما أيضًا في نفس الوقت رغبتهم في الرفقة والمحادثة حول الحياة. يتطلب الأمر جهدًا لسماع أفكار الآخر، لكن هذا يحدث بكل سرور لصديق المرء، الذي أصبح عالمه مضافًا إلى عالم المرء. حتى هايدغر يتحدث على نحو عامض -لكن على حق- عن أننا نحمل أصوات أصدقائنا معنا، بل مستعدون دائمًا للاستماع إلى ما سيقولونه كلما كانوا حاضرين أمامنا. إن تعليم الأطفال هو حرث الحب فيهم، والقدرة على إجراء محادثة جيدة على وجبة أو على الالتحاق باستمرار وبدون حض من غيرهم في أعمال الحب التي تساهم في حياة الأسرة، وغيرها من أمور. يتشارك الأصدقاء وأفراد العائلة في الحياة؛ حياة احتياجاتنا ورغباتنا الجسدية وحياة تطلعاتنا الأرفع إلى الحقيقة والخير.

طوَّر الظواهراتي البولندي كارول فويتيلا تفسيرًا ثريًّا عن المشاركة في كتابه «الشخص الفاعل The Acting Person»، الذي كتبه أثناء معاناته من قوى الشيوعية اللاشخصية القمعية. إن المشاركة، كما يقول، تعني أخذ نصيب مع أشخاص آخرين في نشاط مشترك كأشخاص. تقف المشاركة على النقيض التام من أي رؤية للإنسان تعتبره ترسًا مجهولًا في عجلة؛ أي كل رأي يعتبر الإنسان «موردًا» وليس مساهمًا، وكل رأي يختزل الشخص إلى مجرد وظيفة ميكانيكية، مثل صاحب العمل الروتيني في منظومة بيروقراطية. يجرب المشاركون أنفسهم كأجزاء لكل له معنى. إنهم يسعدون بالعمل لخير الكل ومن ثم يعيشون تجربة التضامن.

يلاحظ فويتيلا أن المشارك قد يحتاج أيضًا أحيانًا إلى التعبير عن معارضته للكل كتعبير عن الولاء للصالح العام؛ على وجه التحديد لأنني أنتمي إلى الكل، يجب مشاركة نفوري المدروس من العقلية السائدة. لا شك أن كاشف الأعمال الخاطئة الذي يفضح ثقافة الفساد سوف يسبب الضيق بلا شك، لكن مثل هذه المعارضة سيثبت أنها أكبر مساهمة في مصلحة الجماعة والذين من المفترض أن تُلبى احتياجاتهم. يعزز تفاعل التضامن والمعارضة حوارًا صحيًا ضروريًا للحياة الاجتماعية والسياسية. تقف مثل هذه المواقف الأصيلة على النقيض من الانصياع والتهرب، الذي يتجنب المواجهة، ومعها إمكانية مشاركة الحقيقة. عندما أصبح فويتيلا بعد ذلك البابا يوحنا بولس الثاني، قام برحلة عودة تاريخية عام 1979 إلى بولندا حيث تحاشى المواقف الزائفة المتمثلة في الانصياع والتهرب. وبدلًا منها عارض إلحاد النظام الشيوعي؛ فالدين، كما أدلى بشهادته، ينتمي إلى الخطاب العام لبولندا. وبذلك نشّط حركة التضامن البولندية التي قوضت السيطرة الشيوعية على البلاد.

هذه الشهادة ليست مهمة فحسب لوجهات نظر أخرى غير وجهة نظرنا. فقبله بعام واحد فقط، استغل ألكسندر سولجنيتسين -الذي كان في المنفى في الولايات المتحدة بسبب حديثه العلني ضد الاضطهاد الشيوعي في وطنه روسيا- فرصة خطاب ألقاه عام 1978 في جامعة هارفارد لتحدي الروح المعاصرة لأمريكا. لقد ادعى بجرأة أن الأمريكيين قد فقدوا شجاعة مواجهة المخاطر واستعاضوا عن السعي وراء الحاجيات الرفيعة بالسعي المريح لكن غير المرضي وراء الاستهلاك بأكبر قدر ممكن. هل كان سولجنيتسين معاديًا لمضيفيه وناكرًا للجميل؟ أم أنه كان يرد دين كرم الضيافة الأمريكية بالخير الأقيم الذي تحت يده، ألا وهي الشهادة على الحاجيات الأعظم للروح البشرية؟

تشكل الظواهراتية تذكيرًا في الوقت المناسب في بيئة إعلامية طائفية على نحو متزايد لخطاب استقطابي جذريًّا: ومفاد هذا التذكير هو أن الحوار الصادق، المتميز بالانفتاح على الحقيقة، ضروري لخيرنا جميعًا. في المشاركة، أساهم بنفسي في خير الكل حتى لا أسمح للحقيقة التي أراها أن تغوص أو تختفي. بدلًا من ذلك، يجب أن أقترحها على الآخرين، وأن أرحب بادعاءات الحقيقة التي يقترحها الآخرون، خصوصًا عندما تتعارض مع ادعاءاتي. فقط من خلال الاستماع إلى شهادة الآخرين يمكننا عيش ما يعيشونه، والتحول معًا إلى حقيقة الأمر.

 وقد يكون كل منا مخطئًا، لكن لا يمكننا تحديد من قد يكون مخطئًا ما لم نقبل بالتبادل حقيقة الشيء المعني. إن المشاركة الحقيقية هي المشاركة كأشخاص، كمدركين للحقيقة، في حوار مشترك حول مصلحة مجتمعاتنا المختلفة. يتطلب الخطاب العام الانفتاح على الحقيقة من أجل تجنب الانحدار إلى خطاب القوة والتخويف الذي يهدف إلى الانصياع الاجتماعي، خطاب «نحن-و-هم» الحاد. تدعونا الظواهراتية إلى رؤية حياتنا السياسية معًا على أنها مفتوحة أمام الحقيقة، التي يمكن مشاركتها، وذلك بفضل الحوار المتعلّق بالمعاني المتنافسة لما هو جدير بالحب وما هو خيّر.

الحب يدرك خيرية الحياة ويحفز الأعمال التي تدعمها، وتثريها، وتحتفي بها. وبذلك، فإنه يضم عوالمنا معًا ويشكل كُلًّا، مما يحمينا من قوى الموضعة التغريبية. إنه يوفر سياقًا للحقيقة -بما في ذلك الحقائق الصعبة- كي نتشاركها، حتى يتسنى لنا، بالتحدث مع بعضنا بعضًا، أن ننمو تدريجيًا في معرفة الأشياء الموجودة. هذا النوع من الجهد، الحياة التي نعيشها معًا في نطاق الحقيقة، يتطلب الشجاعة والصبر، كما يتطلب التفاني والتركيز. ويتطلب منا مقاومة الإغراء المخدِّر لما هو سطحي، ومن ثم نتحدى بعضنا بعضًا في سبر أعماق التجربة من أجل الوصول إلى حقيقة الأمر.


تشاد إنجلاد Chad Engelland هو أستاذ الفلسفة ورئيس قسم الفلسفة بجامعة دالاس. وهو مؤلف للعديد من الكتب، منها «ظل هايدغر: كانط، وهوسرل، والمنعطف الترنسندنتالي» Heidegger’s Shadow: Kant, Husserl, and the Transcendental Turn؛ و«طريق الفلسفة: مقدمة» The Way of Philosophy: An Introduction؛ و«التأشير: تعلّم الكلمة والعقل المتجسد» Ostension: Word Learning and the Embodied Mind”؛ و«الظواهراتية» Phenomenology، الذي اقتُبست هذه المقالة منه.

المصدر (ضمن اتفاقية ترجمة خاصة بمنصة معنى)

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق