مقالات

الكائن العربي

عثمان لكعشمي

«إن ما يفسح مجالاً أوسع أمام فكرنا، هو كوننا لم نفكر بعد». – مارتن هايدغر

   «إن إنكار الواقع يؤدي إلى التخلف وإلى هشاشة الصورة التي نرسمها لأنفسنا. ينبغي علينا أن نفسح المجال أمام فكر يتخلى عن الذاتية الحمقاء ليتمسك بالاختلاف». – عبد الكبير الخطيبي

   يتساءل صاحب الأدلوجة العربية المعاصرة: «منذ ما يقرب ثمانية عقود والعَرب لا يكفون يتساءلون: من نحن ومن الآخر؟». وينتقده صاحب النقد المزدوج قائلاً: «كما لو أن هذا السؤال ليس هو السؤال الجوهري لفكر الوجود، باستمرار. فبأي سذاجة ينسى العروي مسألة الوجود والموجود، المؤتلف والمختلف، كما طرحت في الفلسفة اليونانية وفي الفلسفة العربية. إن أدلوجة العروي منهارة في صلبها». وإنْ كان سؤال العروي هذا استنكارياً، فإنه لم يعمل في كتابه آنف الذكر إلا على تحليل هذا السؤال، سؤال الذات والآخر، وتكوين موقف بصدده. لكنه لم يتعامل معه كسؤال أنطولوجي كما ذهب إلى ذلك الخطيبي، بقدر ما تعامل معه على نحو أدلوجي. وهذا ما أصاب فيه الخطيبي، لكن العروي لا يخفي ذلك فطالما قدم نفسه بوصفه ناقداً أدلوجياً. غير أن صاحب الاسم العربي الجريح كان له كلمة أخرى قد تختلف جذرياً عن اختزال الكائن العربي في أدلوجة يريد لها صاحبها أنْ تسمى معاصرة، ألا وهي الجسم العربي، أو ليكن المهمش في الثقافة العربية بعامة والثقافة المغربية بخاصة. يتعلق الأمر بالثقافة الشعبية، من أمثال ووشم وحكايات. هذا وبغض النظر عن الخط العربي، وكذا الإيروسية العربية. هنا قد يحق لنا أنْ نُسائل الإثنين معاً: أوليست الثقافة المهمشة، التي يُعرف بها الخطيبي الكائن العربي تمثل اللاشعور المسكوت عنه، للأدلوجة العربية، الذي يفجر ثالوثها، المتمثل في نماذج الشيخ والزعيم السياسي وداعية التقنية، الذي بموجبه يذيب العروي هذا الكيان العربي في أدلوجة منهارة في أساسها؟

هشاشة الصورة

    إن الكيان العربي اليوم، كما هو الحال بالنسبة للكائن العربي ممزق ومتمزق. مرد ذلك إلى جملة من التحولات التي اخترقت الجسم العربي من المشارق إلى المغارب، إلى درجة يفكر فيها المرء أكثر من مرة عند حديثه عن “جسم عربي” بالمُطلق: كبنية جسدية تمثل وحدة أنطولوجية خالصة. قد يعود ذلك إلى إنكار الكائن العربي للواقع، لواقعه الفعلي: إنه يقع على الهامش، على هامش أنطولوجيا الحاضر الراهن.

   لكنه بدل أنْ يعترف بواقعه المتأزم وينطلق من التفكير في أنطولوجيا وضعه الحالي، فإنه يفضل أنْ يُولي الواقع ظهره لينصرف إلى ماض مهجور، حياة الأسلاف الموتى. لعل هروب العربي من واقعه، يؤدي إلى تكريس تقهقره كفعالية تاريخية، بل كلاعب حضاري حاضر وفعال. له كلمته ولسانه الحي في الوضع العالمي الراهن. فعوض أنْ ينصرف إلى إنتاج شروط حياته في الحاضر، فإنه يرجح الاستظلال بمظلة الهوية العمياء. فهو يفضل الاستكانة إلى رطوبة مقابر الأجداد وبرودة أجسام الموتى، على أنْ يخلق عمرانه الخاص. إنه يفضل معانقة هياكلهم العظمية ومصها، على أنْ يواجه حرارة الواقع، واقع الأحياء، الذي يعيشه ويتنفسه. تلك هي مفارقة الإنسان العربي: يعيش حاضر الآخر بماضيه هو نفسه. يلعن الحاضر، الذي يعمل على الاستفادة القصوى من خيراته ومنافعه، بأمجاد الأجداد. إنه كائن مفلوق.

   هذه المفارقة تؤدي إلى فقر مدقع في الصورة التي يرسمها العربي عن نفسه: هشاشة الصورة الذاتية. فماذا يعني المرء حقاً عندما يقول: أنا عربي؟ أي الصورة التي يرسمها عن ذاته. هذا السؤال لم يطرح بعد، وهو أمر يحتاج إلى تحليل سوسيولوجي دقيق، إنْ لم يكن يحتاج إلى تحليل نفساني دقيق. إننا أمام سؤال شامل، لكنه سؤال استقرائي نابع من الهوامش العربية، كأنْ يتساءل المرء عن مصريته أو مشرقيته مثلاً، أو لنقل عن مغربيته والحالة هذه: ماذا يعني المغربي عندما يقول أنا مغربي؟ ما هي الصورة التي يرسمها عن نفسه؟ أو بصيغة انعكاسية متبادلة: ماذا يعني المغربي عندما يقول أنا عربي؟ فطالما عبر المغاربة عن ذاتهم تعبيراً عكسياً: «يُمنعون من التعبير الإيجابي فيلجأون إلى التعبير العكسي». يقول العروي. مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصية القطرية لكل صورة. إني لا أسعى هنا إلى ممارسة هذا النوع من التحليل، بقدر ما أرمي إلى فتح أفق له.

   يبدو أن العربي يُعاني من هشاشة الصورة الذاتية التي يرسمها عن نفسه. لكنه غالباً ما يغطي عن معانته تلك باللجوء إلى الهوية العربية والإسلامية التاريخية. ألا يغدو ذلك تعبيراً متوحشاً عن قصوره المركب، الفكري والوجودي. أوليس التطرف الديني الإسلامي الذي يسمى عادة ب “الإرهاب”، وتجلياته التي يصل مداها إلى ما اصطلح عليه سابقاً ب “القاعدة” أو ما يصطلح عليه اليَوم بـ”داعش”، سوى صورة من مصور هذا التعبير المتوحش عن “الذاتية الحمقاء”؟

   إن هشاشة صورة العربي عن نفسه هي بشكل أو بآخر بمثابة هشاشة للفكر العربي. ذلك الفكر الذي يُعاني اليوم من العُقم. فمنذ عقود، لم يعد الفكر العربي أكثر من كلام “كتب عن كتب”، إنه ليس أكثر من ردود أفعال: أعواد ثقاب، لا تصدر شرارات إلا بحكها. أما مفكرونا، فلم يعودوا في حاجة إلى تفكير، ما هذا العجز؟ لقد صارت الثقافة العربية ثقافة ذاكرة، أكثر منها ثقافة نسيان. نتساءل مع صاحب مجمل تاريخ المغرب: ماذا فعلنا بما ورثنا؟ ماذا نفعل به حالاً ومستقبلاً؟ أوَلاَ يوجد في إرث الأجداد ما يجب أنْ نتخلص منه؟ من هنا يستمد النسيان ضرورته الاستراتيجية في تقويض ما يجب التخلص منه من إرث الأجداد، ما يُعيق أو يحول دون فعالية الكائن العربي.

تمرين النسيان

   ما البديل؟ يكون البديل أولاً وقبل أي شيء آخر بالشعور والوعي بوجود الكائن العربي الحاضر أو الحي. ذلك لن يتأتى إلا بالاعتراف بواقعنا، بهشاشة الجسم العربي وهشاشة الصورة التي يرسمها عنه الفكر العربي. كيف يُمكن تعريف هذا الكائن، هل هو عقل عربي سياسي وأخلاقي له بنيته وتكوينه أم هو ممارسة اجتماعية في العمق؟ هل هو أدلوجة شيخ وليبرالي وداعية تقنية يُراد لها أنْ تكون مُعاصرة أم هو اسم جريح بالأمثال والوشم والإيروسية والخط والحكاية الشعبية؟ إنه كائن حي، وينبغي التعامل معه على هذا الأساس. بما أنه حي، فيجب التعامل معه بمنطق الأحياء وليس بمنطق الموتى. من هنا يستمد النسيان مشروعيته، بوصفه تمريناً أنطولوجياً على العيش في اللحظة الواقعية، بما هو ضرورة أنطولوجية للحياة.

   تاريخ الفكر البشري برمته هو تاريخ مجهودات البشر الدائمة لتطويع الطبيعة وتسخيرها لخدمتهم. فمُجمل مجهودات الإنسان الفكرية كانت ترمي إلى تعويض ضعفه الطبيعي بتفوقه على الطبيعة وتميزه عنها، لكن جسمه لا ينفك يذكره بكونه جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة نفسها. فطالما عرَّفَ نفسه انطلاقاً من تميزه عن الحيوان، لكن وعلى الرغم من تَشَدُّقه الدائم بتَفَرُّده عن الحيوان، أبالعقل أم بغيره، فإنه يحسده؛ لأنه يعيش بغريزته الحيوانية من دون أنْ يأبه إلى ماضيه أو مستقبله، يعيش اللحظة بلحظتها. يحسده، لأن تفوقه البشري أنساه أهم خاصية من خاصيات حيوانيته: لقد نَسِيَ أنْ يَنْسَى. هذا هو سِرّ سعادة كل حيوان.

   ذلك السر الذي اكتشفه الآخر الحداثي عندما طرد الأرواح الشريرة من الجسم الغربي ونزع السحر-اللاهوت- عن فعله البشري، لكي يُعانق سحر آخر هو سحر تاريخانيته ومركزيته وتفوقه على غيره من الكائنات والبشر، كما هو شأن تفوقه على الذات العربية، لقد تفوق الغرب على تفوق العرب التاريخي، انتصروا على ذاكرتهم العمياء: إرث الأسلاف الموتى. لكنهم لم يحققوا حداثتهم أو نهضتهم قبل ذلك إلا بعقلنة كلية لحياتهم العامة على الأقل، بما في ذلك ذاكرتهم. لكن ماذا تعني العقلنة في هذا المقام؟ أولم يكن تخلصهم من الميت والمتخشب في إرث أسلافهم يشكل جزءا كبيراً من هذه العقلنة؟ بلى.

  على الرغم من ذلك، يحق للمرء أنْ يتساءل من جديد: وهل ينبغي علينا أنْ ننحو نحوهم بالضرورة، أنْ نمر من اللحظات التاريخية التي مروا منها، أنْ نعيش نهضتهم ونتنور بتنويرهم ثم نستحدث بحداثتهم فنعانق ما بعد حداثتهم، كي يتسنى لنا أنْ نكون عصريين، أبناء زماننا؟ لقد نبهنا ماركس مراراً إلى أن التاريخ لا يُعيد إنتاج نفسه إلا على شكل مهزلة، وهل هناك مهزلة أشد من هذه الدعوة؟

   لقد تعلموا النسيان، كي يصنعوا ذاكرتهم: يتذكرون بالنسيان. هذا هو المعنى الذي أُعطيه للنسيان. إنه ليس عدماً، أو إلغاء للتاريخ، وإنما هو الأخذ بأولوية الحاضر على الماضي والعيش في اللحظة والانطلاق منها بوصفها مرجعاً في حدا ذاتها. وإنْ أريد للعربي العودة خطوات إلى الوراء، فلتكن عودة جينيالوجية: أيْ على أنْ يتمكن من الصعود إلى الأمام. هذا ما لم نتعلمه بعد. ما النسيان؟ إنه تقويض لأسطورة العود الأبدي؛ خلخلة للعودة الدورية إلى الزمن الأصلي المحض، بما هو زمن أسطوري. بالمعنى الأنثروبولوجي للعبارة. الكفيل بإعادة النظر في مفهوم التاريخ أو الزمن ليغدو ميلاداً غدوياً، ارتماء للماضي في المستقبل.

   فلماذا يتعلق الكائن العربي بالماضي أكثر من الحاضر، في الوقت الذي يُمكنه أنْ يتعلم من الحيوان سِرّ سعادته؟ لماذا لم نتعلم من الحيوان بعد، مَلَكَة النسيان والعيش في وتد اللحظة؟ لعلّ وعَسَى يتمكن مِن التحرر من ثقل الماضي الذي يأبى أنْ يمضي، من خلال التمرن على النسيان بما هو علاج ل”حمى التاريخ” و”إسهال المستقبل”؛ من أشد الأمراض التي ألمت بالجسم العربي. إن حدود فكرنا الضيقة، هي أنْ لا نطرح من الأسئلة إلا تلك التي نقدر على الإجابة عنها. إننا أمام تمرين فعال، من شأنه أنْ يُصيب الجسم العربي بانهيار عصبي ويغسل عيونه أو فكره.

تخصيب الفكر

   إني أُفضل قول “لا أعرف”، بدل الإتيان بأجوبة جاهزة أو بالأحرى تقيؤ أفكار مترسبة. ليس من باب التواضع، وإنما من باب إنصاف الحقيقة والانتصار لكلمتها: السؤال؛ لأن الجاهز وإنْ كان يُقدم لنا نفسه في صورة من صور المعرفة الحقة ويبث في أنفسنا ضرباً من ضروب الطمأنينة النفسية، فإنه لا يُقدم لنا أكثر من صورة أو فكرة لا واعية، لكيلا أقول وهمية، عن الموضوع أو الذات المعنية بالتفكير، والتي طبَّعَ معها الفكر بحكم الأُلفة، وصارت تُمَثَّلُ كبداهة من بداهاته المتكلسة. حيث تقفز هذه البداهة، أو لنسميها كلسة)نسبة إلى كلس(، أعني بالكلسة هنا حُبَيْبَة أو حُبيبات الجير السائل التي تتكون نتيجة ركود الجير وتكلسه، قلنا تقفز هذه الكلسة إلى الوعي أو لنقل تستشيط كلما هيجها مشكل أو أمر معين لتصبغه بلونها، فتكلسه تكليساً.

   عندما أقول “لا أعرف” وأتصرف على هذا النحو فإني أبعث في نفسي الرغبة في التفكير فيما لم أفكر فيه بعد، أو ما لم أفكر فيه على نحو مغاير بعد. مما يفسح مجالاً أوسع أمام الفكر للانبعاث والخلق والإبداع والفعالية، عوض الاكتفاء بالجاهز أو المتكلس من الأفكار. ومن ثم المُساهمة في مجاوزة القصور الفكري)والوجودي( الحالي للكيان العربي وغير العربي من مجتمعات الهامش، حتى لا أقول العجز أو بشكل أدق العقم كما أسلفت الذكر، وإنْ كنت أجد العبارة الأخيرة أدق من غيرها في توصيف آفتنا- باثولوجيا الفكر العربي-؛ فلنفسح المجال أمام تخصيب الفكر. هذا هو شعار المرحلة: فلنعلنها تخصيباً للفكر، فلنفكر بطرق خاصة جداً.

   على ألا يُفهم من هذه الدعوة إلى الاعتراف الفعلي بأننا لا نعرف، أو لا نعرف ذواتنا والعالم الذي نعيشه على نحو مغاير، كما تتطلبه مجتمعاتنا من جهة والعصر الحالي من جهة أخرى، على ألا تُفهم على أنها دعوة إلى الاعتراف بالجهل. فعندما أعترف بلا معرفتي بأي شيء، كما هو شأن لا معرفتي بذاتي والغير أو الآخر بمسافة أكبر، أو أعلنها بشكل صريح، وأُفعل فكري على هذا النحو، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأمر لا يتعلق باستعارة سقراطية فحسب بل يتعلق بسؤال فاتح، فإن ذلك لا يعني أي نفي لمعرفتي السابقة- أي ما يسمى عادة بالتراث- أو الانطلاق من “الدرجة الصفر” للفكر، بقدر ما يعني تحرير تلك المعرفة من لعنة الأجداد الموتى التي تلاحقنا منذ انسحابنا القهري كفاعلية تاريخية، والذي لم يكن أبداً انسحاباً استراتيجياً وتكتيكياً أكثر منه انسحاباً اضطراريًا، بعد انهيار النموذج الحضاري العربي الإسلامي كمنظومة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية.

   وبالتالي التمكن من تحرير أنفسنا من هذه اللعنة التي حولتنا إلى عالم مسوخ. لهذا هو سؤال فاتح، لأنه يفتح لنا الباب أو بالأحرى يفجره، من خلال كيمياء سحرية من شأنها تحويل الكلسات المتكلسة إلى حُبيبات بارودية، كي يتسنى للأرواح الملعونة، أو ما بقي منها حياً فينا، والتي تسكن الجسم العربي وتُعيق تطوره، منذ أكثر من خمسة قرون، أنْ تذهب من دون رجعة. إلى الأبد. فمتى سيتعلم العرب وغير العرب من مجتمعات الهامش قول: لا نعرف؟ لا أعرف، ربما عندما يتعاملون مع هذه “العبارة السحرية” بوصفها سؤالاً لازماً- لما يلزم- لوجودنا كفعالية تاريخية وحضارية. وإنْ كان سؤالاً لازماً أو لابد منه، فذلك لأنه سؤال نسيان أكثر منه سؤال ذاكرة. فإذا أريد له أنْ يكون تذكراً سيكون تذكراً للنسيان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق