مقالات

الكتابة هي «أن تقول الشيء نفسه  على وجه التقريب»

«من ذا الذي سيولي عنايته لقول جديد، قولٍ لم يُقَل؟ ليس المهمّ أن نقول قولا، وإنما أن نكرّر القول، وفي هذا التكرار، نقوله، مرةً أخرى أوّلَ مرّة». – موريس بلانشو

هذا العنوان تكرار، على وجه التّقريب، للعنوان الذي كان أمبرتو إيكو Umberto Eco أعطاه لكتابه في التّرجمة * Dire presque la même chose. لا أقتبس هذا العنوان هنا للحديث عن الترجمة، وعلاقة النّسخة بأصلها، وإنّما لأنعت به كلّ كتابة.

إذا سلّمنا بأنّ الكتابة هي عمليات استنساخ متواصلة، وأن النّصوص تكرّر ذاتها، فماذا يتبقّى للمبدع إذا كان يقول الشّيء نفسه؟ الذي يتبقّى، في نظرنا، يكمن في عبارة «على وجه التقريب».

هذه العبارة لا تسمح، بطبيعة الحال، بمساحة كبيرة للتّجديد، أو لنقل، على الأصحّ، لا تسمح بتجديد مطلق. لكنّها تقيس هامش الخسارة والرّبح، هامش الفائض والضّياع، الذي يطبع كل كتابة عندما تزحزح الاقتباسات عن سياقها Con-texte. وقد سبق لدريدا أن أعمل فكره في مفهوم «السّياق» هذا، كي يستخلص أن المعاني إن كانت تتولّد في سياقات، فهي تظلّ تدلّ أيضا خارج سياقاتها. النصّ يظلّ يدلّ بعيدا عن أسباب نزوله. هذا ما يدعوه دريدا Itérabilité. الكلمة مشتقّة من اللفظ اللاتيني iterum الذي يعني: «من جديد». لذا فإذا كان الفعلréitérer  يدلّ على الاستعادة والتّكرار، فإن اشتقاقه يحيل إلى التّكرار المجدّد، التّكرار الذي  يفتح المعنى على ما هو غريب عنه. هذا ما يؤكّده دريدا نفسه إذ يقول: «لا تعارض بين التّكرار وجِدَّة ما يخالف. فهناك دوما اختلاف يحيد بالتّكرار نحو منحى آخر وذلك بطريقة جانبية مضمرة. أطلق على ذلك لفظ  itérabilité، أي انبثاق الآخر في عملية الاستعادة والترديد».

لا يقنع البعض بهذا الهامش الضّئيل الذي يَبقى للإبداع والتّفكير والكتابة. وهم يصرّون على أن يكون الفكر كشّافا لجديد، وأن تتمّ الكتابة على لوح صقيل. كتب أحدهم: «إن ما يجعل الفكر فكراً هنا هو طابع الجدّة فيه، بحيث إن المشكلة التي يتضمّنها، تظهَر اكتشافاً من لدنه، فيكون المفكّر مفكّراً فيما يتحرّى أمره، ينقّب فيه، ليصبح موضوع البحث ممضياً باسمه، إنه مخاضه وحياضه معاً. إنّه شيؤه وقد حمّل باسمه، من هنا، وهنا، نسلّم بجِدّة الفكر، وحداثته». يستخلص صاحب هذا القول: أما إن كان الكاتب «في مجمل ما يتناوله، يعتمد على سواه» فذلك يحطّ من قيمة ما يكتبه، إن لم نقل إنه ينفي عنه كل قيمة.

ينطلق هذا الموقف من المسلّمة التي تقول بأنّ هناك درجة صفر للكتابة، وأن كل كتابة لا تستحق الاسم، إلاّ إن هي كانت «اكتشافا»، إلا إن هي خُطّت على لوح صقيل، وكانت مبدعة لموضوعها وشكلها، لأسلوبها ولغتها، لمبناها ومعناها.

ما الذي يدفع هذا الموقف إلى عدم الاقتناع، والقناعة، بالهامش الضيّق الذي تتيحه عبارة «على وجه التقريب»؟ الجواب الذي يتبادر إلى ذهننا يتعلّق بالميزان ووحدة القياس اللذين نقيس بهما هذا الهامش. فإن نحن قسناه بالكيلومترات والكيلوغرامات، لا بدّ وأن نتبيّن أن إضافاته تكاد تكون معدومة، وأن «جديده» لا يُعتبر، وأنّه، كما يقال في مثل هذه الحالات، بالكادّ يختلف عما سبق أن قيل. لكن، إن نحن قسنا الكتابة بميزان الذهب، وبحثنا عن المليغرامات التي تضيفها إلى ما سبق قوله، فحينئذ نتمكّن من أن نضع أصبعنا على ما أعيد قوله بالفعل «على وجه التقريب».

 لن نقتنع، ولن نقنع، بـما« قيل على وجه التقريب» ما لم نُعِد النّظر في التّقابل المبسّط بين التقليد والتجدّد، بين الذّاكرة والمستقبل. من أجل ذلك ينبغي أن نميّز بين مجرّد الإعادة، التي تفصل فصلا مطلقا بين ما قيل وما سيقال، بين الذاكرة والمستقبل، وبين التكرار، الذي «يجرّ الحدث خارجا، فيحدث شرخا في الكائن ويُدخل الزّمان في تحديده، لا لحصره، وإنما لجعله معلّقا في حركة إرجاء دائم»، على حدّ تعبير دريدا.

الإعادات تتمّ إذن داخل زمن تتميّز أنماطه، وينفصل فيه نمط المستقبل عن نمط الماضي، أما التكرارات، فتتم في «حاضر يلتقي عبره ما تمّ وما لم يتمّ بعد، أو بالأحرى يستجيب كل منهما للآخر بكيفية مخالفة لما يقوله ظرف الزمان تِباعا وتواليا. فبعيداً عن أن يتتالى الحاضر والماضي والمستقبل، فإن هذه الأنماط تتعاصر خارج بعضها البعض». إنه الزمان الذي لا يكون فيه الحاضر «هو الآن الذي يمرّ، وإنّما يمتدّ فيه الحاضر بعيدا حتى يبلغ مستقبلا يستجيب لماض» كما كتب بوفري.

تقوم هذه النظرة على فكرة أساسية تكاد تطبع الفكر المعاصر انطلاقا من هيجل، يصوغها دريدا على النحو التالي: «ما يواجهنا اليوم إنما هو قديم مخبأ في التاريخ». نكاد نعثر على هذه المسلّمة عند أغلب المفكرين المعاصرين. فمعظمهم يفترض، سواء أعبّر عن ذلك بصريح العبارة أو اكتفى بالإيماء إليها، أن ما يحدث في الحاضر، وما يصدمنا بجدّته، إنّما هو في الحقيقة اتّصال بشيء قديم جدّاً كان خفيا. فـكل تجديد ينبثق من عمق التقليد. لا يعني ذلك مطلقا دوام الأمور على حالها وعودة المطابق، ذلك أن العودة التي يفترضها هؤلاء لا تتم في هدنة مع نفسها أو مع ماضيها، وإنما تتحقّق عبر سلسلة من الانفجارات. يستخلص دريدا من ذلك: «أعتقد أن علينا أن نحتفظ بتوكيدين متناقضين في الوقت ذاته: إذ نؤكد على وجود هذه الانفجارات من جهة، ومن جهة أخرى نؤكد على أن هذه الانفجارات تولّد الفجوات أو الأخطاء التي يمكن أن يظهر فيها كل الأرشيف المنسيّ والخفيّ، وأنها تتكرر وتتواصل عبر التاريخ».

تُطابق الإعادة بين الوجود والحضور فتقتل الاختلاف، وتجمّد الكائن، وتبلد الفكر، وتقمع الخيال، وتكلّس اللغة، وتخشّب الكلام فتكرّس التقليد، أما التّكرار فهو ليس عودة المطابق، مادام يحيد بالمكرّر نحو منحى آخر، نحو آخر، فيجرّه نحو ما يخالفه، حتى وإن لم يكن هذا الخلاف إلا «على وجه التقريب».


*Umberto Eco, Dire presque la même chose, Expériences de traduction, tr Myriem Bouzaher, Grasset, Paris, 2003.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق