مقالات

ما الذي تنبئنا به ظاهرة «طرف اللسان» عن الشيخوخة الإدراكية؟

روجر كروز  وريتشارد روبرتس - ترجمة: آية علي

«كانت علاماته جليّة كفلقِ الصبح: كان يبدو عليه وكأن ألمًا طفيفًا مسّه، شيء أشبه بأن يكون المرء على شفا عطسة، وحالما يعثر على الكلمة؛ ينزاح همّه».

— العالمان النفسيّان روجر براون وديفيد مكنيل (1966)

هل سبق وأن تعذّر عليك تذكر اسم شخص ما؟ إذْ تكون قادرًا على تصوّر وجه ذلك الشخص في ذهنك؛ بل وستتعرف على اسم الشخص فورما يذكره أحد الأصدقاء، ولكن مع ذلك، الاسم لا يحضرك. مع أن هذا يحدث بشكل متكرر في حالة الأسماء، فإنه قد يحدث مع أي كلمة. هذا لا يعني أنّك لا تستطيع تذكر المفهوم، لكنّك عاجزٌ وحسب عن تذكّر التسمية اللغوية الخاصة به.

تكاد تكون مشكلات العثور على الكلمات جانبًا نمطيًا من جوانب المشكلات الإدراكية التي ابتُلي بها البالغون في منتصف العمر وكبار السن. تحدث هذه الإخفاقات دون سابق إنذار، حتى مع أكثر الكلمات والأسماء المألوفة لدى الشّخص. وجد العلماء أن أكثر الكلمات إشكالية في التذكر هي أسماء الأعلام وأسماء الأشياء. قد تستمر عدم القدرة على استدعاء الكلمات من مجرد جزء من الثانية إلى دقائق وحتى لساعات، وقد يثير الأمر سخطًا عارمًا للشخص. في الحقيقة، إنْ سئل كبار السن عن أزعجِ ما يزعجهم في التقدّم في العمر؛ فعادةً ما يقولون إنه عدم القدرة على استدعاء الكلمات.

هذا المقال جزء من كتاب «عقول متغيّرة: كيف يؤثر التقدم في السن على اللغة وكيف تؤثر اللغة على التقدم في السن» لكل من روجر كروز وريتشارد روبرتس. Changing Minds: How Aging Affects Language and How Language Affects Aging

مثلًا، يكون الشخص على يقين من أنه يعرف الكلمة التي يبحث عنها، ويبدو الأمر كما لو أن مصطلح «AWOL» (التهرّب من الخدمة العسكرية) على طرف لسانها مباشرة، لكنها -ولسببٍ ما- غير قادرة على نطقه؛ على الأقل في تلك اللحظة. ويشير علماء النفس إلى مثل هذه التجارب باسم حالات «طرف اللسان» (TOT). لكن هل هي حقًا أمر يدعو للقلق كما يبدو من الوهلة الأولى؟

تقدم دراسة ظاهرة «طرف اللسان» بعض التحديات لعلماء النفس الذين يرغبون في فهم كيفية حدوث مثل هذه الحالات وسببها. ومثلهم مثل علماء الفلك الذين يدرسون ظواهر سريعة الزوال كالمستعرات العظمى (supernovas)، إذْ يعرف الباحثون أن حالات طرف اللسان ستحدث في النهاية، لكنهم لا يعرفون موعد حدوثها بالضبط. أدى عدم اليقين هذا إلى وجود وسيلتين مختلفتين حق الاختلاف في التحقق من حالات طرف اللسان؛ الأولى عبر الوسائل الطبيعية، والثانية عبر إحداث عمليات إخفاق في استدعاء الكلمات -على نحو خاضع للتجربة- في بيئات معمليّة.

حاول الباحثون الذين يدرسون عمليات العثور على الكلمات وحالات «طرف اللسان» تحديد جانبين على وجه الخصوص: عدد المرات التي تحدث فيها هذه الحالات، واحتمالية حلها؛ أي أن يتذكّر الشخص الكلمة المطلوبة تلقائيًا دون تلقي مساعدة خارجية (مثل البحث عن الكلمة أو وجود صديق يقدّم الحل).

تسمح دراسة اليوميات (diary studies) -حيث يدوّن فيها الأشخاص كلَ مرة يواجهون فيها حالة من حالات «طرف اللسان»- للباحثين بتقييم معدلات كل من التكرار والحل. تشير النتائج إلى أن طلاب الجامعات يختبرون حالة واحدة إلى اثنتين من حالات طرف اللسان في الأسبوع، في حين يرتفع المعدل قليلًا في الستينات وأوائل السبعينات من العمر، أما الذين هم في الثمانينات من أعمارهم فإنهم يختبرون حالات طرف اللسان بمعدلات تبلغ تقريبًا ضعف مُعدّلات الطلاب الجامعيين. أظهرت دراسة اليوميات كذلك ارتفاع احتمالية حل نوبات طرف اللسان هذه: بلغ معدّل النجاح النموذجي في هذه الدارسات أكثر من 90%.

غير أننا بحاجة إلى توخّي الحذر عند تفسير مثل هذه المعطيات الطبيعية [لم تُجرَ في مختبر]، فقد يكون الأمر أن احتمالية تسجيل حالات «طرف اللسان» أكبر مع كبار السن لأنهم بطبيعة الحال أكثر قلقًا بشأن هفوات ذاكرتهم. فربما هم منضبطون في كتابتها لأن حياتهم أقل نشاطًا من حياة المشاركين الأصغر سنًا. كما قد يكون الأمر أن المشاركين يسجّلون -على الأرجح- حالات طرف اللسان التي تمكنوا من حلها أكثر من تلك التي لم يتمكنوا من حلّها.

أما بالنسبة للوسيلة البديلة لدراسة العثور على الكلمات فتتمثّل في إحداث حالة طرف اللسان على نحوٍ خاضع للتجربة، وقد اُبتكرت طريقة لفعل ذلك على يد عالمي النفس روجر براون وديفيد مكنيل. وجد العالمان أنّ مجرد إعطاء المشاركين تعريفات قاموسيّة للكلمات الإنجليزية غير الشائعة سيؤدي غالبًا إلى حدوث حالة فشلٍ في العثور على الكلمات. من الأمثلة المستخدمة في تلك الدراسة كان: «أداة ملاحيّة تُستخدم في قياس المسافات الزاوية، وخاصة ارتفاع الشمس والقمر والنجوم في البحر». (نأسف إذا تسبب هذا المثال في حدوث حالة من طرف اللسان لديك! الكلمة التي يدل عليها التعريف هي: «sextant / آلة السدس»).

في هذه الدراسة، كان المشاركون قادرين في كثير من الأحيان على تقديم الكلمة المطلوبة دون صعوبة، أما في مناسبات أخرى فلم يكن لديهم أدنى فكرة عن الكلمة التي يصفها التعريف. بيد أن العالمين كانا يطرحان أسئلة إضافية في حال وجدا المشاركين واقعين تحت حالة من حالات طرف اللسان. وهكذا، اكتشف الباحثان أن بمقدور الأشخاص في مثل هذه الحالة الإبلاغ عن معلومات جزئية حول الكلمة المطلوبة، حتى عندما تكون الكلمة نفسها عصيّة على التذكّر بالنسبة لهم.

من ذلك مثلًا أن أداء المشاركين كان أعلى بكثير من الصدفة عندما طُلب منهم تخمين عدد المقاطع اللفظيّة التي تحتويها الكلمة المستعصية، أو ماهية الحرف الأول فيها. من غير المستغرب أيضًا أن الناس كانوا ينتجون -في حالة الخطأ- كلمات تحمل المعنى ذاته للكمة المعنيّة. فمثلًا، عندما أعطي المشاركون تعريف كلمة «السدس» كانوا يجيبون بكلمات مثل «الإسطرلاب» أو «البوصلة». إلا أنهم كانوا يقدمون في بعض الأحيان كلمات تبدو ظاهريًا فقط قريبة من الكلمة المعنيّة: أدى تعريف «sextant» إلى تقديم إجابات مثل «sextet/ فرقة سداسية» و «sexton/ قندلفت (خادم الكنيسة)».

إذا افترضنا أن البحارة الذين يستخدمون أدوات السدس خاصتهم ليسوا أعضاء في مجموعات موسيقية من ستة أشخاص ولا حفاري قبور، فإن هذه الأخطاء تشير إلى شيء مهم حول كيفية ترتيبنا لمعرفتنا بالكلمات في الذاكرة. ومع ذلك، تشير الدراسات التي أجريت على كبار السن إلى أن المعلومات الجزئية (مثل الحرف الأول للكلمة) أقل توفرًا لهم.

كما هو الحال مع العديد من المشكلات المتعلقة بالشيخوخة الإدراكية (cognitive aging)، فقد ننظر إلى الزيادة في حالات طرف اللسان من منطلق نصف الكوب الفارغ أو الممتلئ. فمن ناحية، قد تؤخذ حالات فشل الاسترجاع هذه دليلاً على وهن الروابط بين معاني المفاهيم والكلمات التي تدل عليها في الذاكرة طويلة المدى. يحتمل أيضًا أن تعكس الزيادة في مشاكل استدعاء الكلمات مع تقدم العمر شيئًا مختلفًا تمامًا.

جادلت عالمة النفس دونا دالغرين بأن المسألة الرئيسية لا تتعلق بالعمر، بل بالمعرفة. إذا كان كبار السن يتمتعون عادةً بعدد أكبر من المعلومات في الذاكرة طويلة المدى مقارنة مع الفئات العمرية الأصفر سنًا؛ فسيواجهون -نتيجةً لذلك- المزيد من حالات طرف اللسان. كما قد تكون حالات طرف اللسان مفيدة؛ إذْ قد نعدها بمثابة إشارة إلى أن الكلمة المطلوبة معروفة لدى البالغين الأكبر سنًا، حتى لو لم يكن الوصول إليها متاحًا حاليًا لهم. تعتبر مثل هذه المعلومات الميتا إدراكية مفيدة كونها تخبرنا بأن قضاء المزيد من الوقت في محاولة حل الفشل في استدعاء الكلمات قد يؤدي في النهاية إلى النجاح.

عندما ننظر إلى حالات طرف اللسان من هذا المنظور، فإنها قد لا تمثل حالات فشل في الاستدعاء، بل مصادر قيّمة للمعلومات. لكن إذا كنت من كبار السن وما زلت قلقًا بشأن عدد حالات طرف اللسان التي تواجهها، فتشير الأبحاث إلى أن محافظتك على لياقتك بأداء تمارين الكارديو تقلل من حدوث هذه النوبات. لذا في المرة القادمة التي لا تستطيع تذكّر كلمة معينة؛ فابحث عنها في أرجاء الحيّ! [أي بممارسة المشي].


روجر كروز: عميد مشارك ومدير الدراسات العليا في كلية الآداب والعلوم وأستاذ علم النفس بجامعة ممفيس.

ريتشارد روبرتس: موظف في السلك الدبلوماسي يعمل حاليًا كمسؤول الشؤون العامة في القنصلية الأمريكية العامة في أوكيناوا، اليابان.

كروز وروبتس هما مؤلفا كتاب «إتقان اللغة: كيف يمكن لعلم الإدراك أن يساعد البالغين على تعلم لغة أجنبية» (Becoming Fluent: How Cognitive Science Can Help Adults Learn a Foreign Language)، و«اختراق حواجز التواصل: متع ومخاطر التواصل بين الثقافات» (Getting Through: The Pleasures and Perils of Cross-Cultural Communication)، و«عقول متغيّرة: كيف يؤثر التقدم في السن على اللغة وكيف تؤثر اللغة على التقدم في السن» (Changing Minds: How Aging Affects Language and How Language Affects Aging,) الكتاب الذي اقتبست منه هذه المقالة.

المصدر (ضمن اتفاقية ترجمة خاصة بمنصة معنى).

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق