مقالات

كيف أكتب؟ – مقتطفات من كتاب «حاشية على اسم الوردة» – أومبيرتو إيكو

أومبيرتو إيكو - ترجمة: سعيد بنگراد

العنوان والمعنى*:

توصلت، بعد كتابتي لاسم الوردة، إلى عدد هائل من الرسائل كانت في مجملها تحمل تساؤلات حول دلالة البيت الشعري[1] المكتوب باللغة اللاتينية الذي تختتم به الرواية، وعن كيفية انبثاق العنوان عنه؟ وكنت أرد دائمًا أن الأمر يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو موراليكس “حول أشياء الحياة الهشة”، ودو موراليكس هذا راهبٌ من القرن الثاني عشر الميلادي نسج أبياتًا انطلاقًا من موضوع “التحسر على الذين غابوا” (ومنها اشتقت فيما بعد: “ولكن أين ذهبت ثلوج الزمن الماضي” لـ فيلان)[2]. وقد أضاف بهذا العمل إلى الموضوعات المعروفة (مثل: “عظماء من السلف”، “المدن العتيقة”، “الأميرات الجميلات”، “العدم حيث يندثر كل شيء”)، الفكرة القائلة إنه إذا كانت الأشياء كلها آيلة إلى الزوال؛ فإننا نحتفظ منها بأسماء خالصة.

وأذكر أيضًا أن أبيلار استعمل المثل الوارد في الملفوظ “لا وجود لأي وردة” لكي يبين إلى أي حد يمكن للغة أن تتحدث بالقوة نفسها عن الأشياء المندثرة وعن الأشياء الموجودة؛ ولهذا فإنني أترك القارئ حرًّا في خلاصاته، فالسارد، في رأيي، ليس ملزمًا بتقديم تأويلات لعمله؛ وإلا لما كانت هناك حاجة إلى كتابة رواية، فالروايات هي بالأساس آلات مولدة للتأويلات. ومع ذلك، فإن هذه الكلمات المعسولة كلها تنتهي بنا إلى حاجز لا يمكن تخطيه: يجب أن يكون للرواية عنوان ما.

والحال أن العنوانَ، ونحن نتأسف لذلك، أحدُ المفاتيح التأويلية، فنحن لا نستطيع أن نفلت من الإيحاءات التي تشير إليها عناوين مثل: “الحرب والسلم”، “الأحمر والأسود”. إن أكثرَ العناوين إثارةً لاحترام القارئ هي تلك التي تُكثَّف في اسمٍ دالٍّ على البطل: “دافيد كوبرفيلد” أو “روبنسون كروزو”. وحتى في هذه الحالة فإن الاسم/ العنوان يمكن أن يؤولَ على أنه تدخل مبالغ فيه من لدن المؤلف. فالعنوان: “الأب غوريو” يركز على صورة الأب العجوز، في حين أن الرواية هي أيضًا ملحمة راستينياك أو فوتران ألياس كلولين. وربما علينا أن نكون لؤماءَ بشكل نزيهٍ كما فعل دوماس في روايته ” les trois mousquetaires التي هي في واقع الأمر قصة أربع شخصيات؛ ولكن الأمر لا يتعلق هنا سوى بترفٍ نادر لا يقوم به المؤلف إلا بشكل استثنائي.

وفي الواقع فإن روايتي كان لها عنوان آخر: دير الجريمة؛ واستبعدته لأنه لا يركز سوى على العمق البوليسي، وكان بالإمكان أن يقود هذا العنوان مهووسي القصص البوليسية ومحبيها إلى التهافت على رواية ستخيب ظنهم دون شك.

وكنت أحلم أيضًا بأن أعطي كتابي عنوانًا آخر: أدزو دو ميلك، فهو عنوان محايد، ذلك أن أدزو هو في نهاية الأمر صوت المحكي؛ إلا أن الناشرين في إيطاليا لا يحبون أسماء الأعلام. ف[3] Fermo e Lucia نفسه تم تحويره، وهناك عدد قليل من الأمثلة في هذا المجال: LemmonioBoreo, Rubé ou Metello، والشيء نفسه يقال عن مجموعة من العناوين في آداب أخرى مثل  Barry Lyndonو ‘Armance و Tom Jones.

والصدفة وحدها جعلتني أستقر على فكرة اسم الوردة؛ لقد راق لي هذا العنوان؛ لأن الوردة صورة رمزية مليئة بالدلالات لدرجة أنها تكاد تفقد في نهاية الأمر الدلالات كلها: “الوردة الصوفية”، “حرب الوردتين”، “إن الوردة هي الوردة هي الوردة هي الوردة”، “وردة الصليب”، “أشكرك على هذه الورود”، “الحياة الوردية”، وحينها لن يكون القارئ قادرًا على اختيار تأويل ما، وحتى عندما يكون بمقدوره الإمساك بقراءة ما من خلال البيت الأخير؛ فإنه يكون قد قام بعدد لا يحصى من الاختيارات، ينبغي للعنوان أن يشوش على الأفكار، لا أن يحولها إلى قوالب مسكوكة.

ولا شيء يواسي مؤلف رواية ما سوى اكتشافه لقراءات اقترحها القراء ولم تكن لتخطر له على بال، فعندما أكتب أعمالًا نظرية، فإن موقفي تجاه النقاد يتخذ طابعًا قضائيًّا: هل فهم هؤلاء النقاد ما كنت أود قوله؟ لكن الأمر يختلف اختلافًا جذريًّا في حالة الرواية، ولا أعني بهذا أن المؤلف لا يستطيع اكتشاف قراءة قد تبدو له عبثية؛ ولكن عليه أن يصمت في جميع الحالات. فالآخرون وحدهم لهم الحق في معارضة ذلك وحجتهم في ذلك هي النص، أما ما عدا ذلك، فإن أغلبية القراء يكشفون عن معاني لم يتم التفكير فيها؛ ولكن ماذا تعني العبارة: لم يفكر فيها؟

قالت جامعية فرنسية، واسمها ميراي كال غروبر (M calle Gruber): إنها عثرت على جناس يربط بين كلمة simples (بمعنى البسطاء) و simplesالتي تحيل على أعشاب طبية؛ لكي تكتشف بأنني أتحدث عن “النبتة السيئة” (males plantes) المعروفة في الهرطقة، والجواب بسيط: إن اللفظ موجود في أدب تلك المرحلة بالمعنيين السابقين، وكذلك الأمر مع “male plante”. ومن جهة ثانية، كنت على علم بالمثال الذي يقدمه كريماص للدلالة على التناظر المزدوج الذي يتولد عن تعريفين للأعشابي باعتباره ami des simples. فهل كنت واعيًا بهذا الاستعمال الجناسي أم لا؟ لا فائدة من معرفة الجواب، فالنص حاضر وهو الذي ينتج وقعه المعنوي.

عندما أقرأ النقود الخاصة بروايتي، أرتعش سعادة عندما أعثر على نقد (النقود الأولى قام بها كلٌّ من جونيفرا بومباياني ولارس غيستافسون) يشير إلى جواب غيوم بعد نهاية المحاكمة، لقد سأله أدزو (ص 391 من الترجمة الفرنسية)[4]، ما الشيء الذي تخشاه أكثر في الطهارة؟” فأجاب غيوم: “العجلة”. لقد أحببت هذا الرد وما زلت أحبه؛ إلا أن هناك قارئًا آخر لاحظ أن برنار غي يقول في الصفحة نفسها، وهو يهدد القيِّم على الدير بالتعذيب: “إن العدالة لا تكترث للعجلة، كما يدعي ذلك الحواري المزيف، ولعدالة الله متسع من الوقت”. تستعمل الترجمة الفرنسية كلمتين مختلفتين؛ ولكن الإيطالية تستعمل مرتين كلمة “fretta”؛ فقد سألني القارئ، وكان على حق، عن طبيعة العلاقة بين “العجلة” التي كان يخشاها غيوم و”العجلة” كما وردت في حديث بيرنار؛ فقد أدركت لحظتها أن شيئًا محزنًا قد حدث.

والواقع أن الحوار الذي دار بين غيوم وأدزو لا وجود له في المخطوط، لقد أضفته بعد ذلك لخلق نوع من التوازن في بناء الرواية، لقد كنت في حاجة إلى إدخال فقرة قبل أن أعطيَ الكلمة من جديد إلى بيرنار، والحال أنني وأنا أجعل غيوم كارهًا للعجلة (بكثير من الاقتناع وهو ما جعلني أحب هذه الإجابة)، نسيت كليًّا أن بيرنار تحدث قبل هذا عن “العجلة”.

فإذا أعدنا قراءة رد برنار[5] دون الاهتمام برد غيوم؛ فإن الأمر لا يعدو كونه طريقةً في الكلام كتلك التي يستعملها قاضٍ، أي عبارة من نوع “كلنا متساوون أمام القانون”. وللأسف، فإن وجود كلمة “العجلة” التي يتحدث عنها غيوم في السياق نفسه الذي وردت فيه عند بيرنار خلق أثرًا معنويًّا ما. ومن حق القارئ أن يتساءل هل يتحدث الرجلان عن الشيء نفسه؟ هل فظاعة العجلة التي يعبر عنها غيوم لا تختلف كثيرًا عن فظاعة العجلة عند بيرنار؟ لقد قضي الأمر، فالنص قد أنتج وقعه المعنوي الخاص. وسواء أردت ذلك أم لا؛ فإنني في الحالتين معًا أمام سؤال، بل أمام استفزاز غامض. إني أشعر بحرج في تأويل ما حدث، حتى وإن كنت مقتنعًا بوجود دلالة مختفية لهذا الأمر (وربما دلالات)، على المؤلف أن يموت بعد كتابته لرواية ما لكي لا يشوش على مصير النص[6].

حكاية السيرورة:

بالتأكيد ليس من حق المؤلف أن يؤول؛ ولكن من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ما كتب. إن الدراسات التي تقدمها الشعرية لا تصلح دائمًا أداةً لفهم الأعمال التي منها استوحت وجودها؛ ولكنها تساعد أيضًا على فهم كيفية حل مشكلة تقنية كقضية إنتاج عمل أدبي ما.

يروي إدغار ألان بو في “نشأة قصيدة” (genèse d’un poème) كيف كتب قصيدته “الغراب ” (le corbeau)؛ ولكنه لا يقول لنا ما المشكلات التي طرحها على نفسه من أجل تحقيق هذا الوقع الشعري. والوقع الشعري عندي هو تلك القدرة – التي يكشف عنها النص – على توليد قراءات دائمة التجدد؛ إنها قراءات لا يمكن أبًدا أن نستنفد إمكاناتها.

إن الكاتب (أو الرسام أو النحات أو الملحن) يعرف دائمًا ماذا يفعل وكم يكلفه ذلك، إنه يعرف أن عليه إيجاد حلول لقضية قد تكون المعطيات الأولى فيها غامضة وغريزية ولجوجة، فقد لا يتعلق الأمر في البداية سوى برغبة أو بذكرى؛ إلا إن المشكلات بعد ذلك تحل على الصفحة، من خلال مساءلة المادة التي نشتغل بها، إنها مادة لا تُخفي قوانينها الطبيعية الخاصة؛ ولكنها، في الآن نفسه، تأتينا محملةً بذكرى الثقافة التي تصدر عنها (صدى التناص).

إن المؤلف يكذب عندما يقول لنا إنه يشتغل تحت تأثير إلهام ما؛ إذ لا يشكل الإلهام سوى 20%، في حين يشكل المجهود 80%[7]. لقد قال لامارتين عن أشهر قصائده (لقد نسيت عنوان القصيدة) إنه كتبها دفعة واحدة، في ليلة عاصفة وسط غابة، وعندما مات عُثر في منزله على مخطوط يحتوي على تصحيحات وتغييرات، وربما كانت هذه القصيدة من أكثر القصائد صنعة في الأدب الفرنسي.

عندما يقول الكاتب (الفنان بصفة عامة) إنه كان يشتغل دون التفكير في قواعد السيرورة؛ فإنه فقط يريد أن يقول إنه كان يشتغل دون أن يدري أنه يعرف القاعدة. إن الطفل يتكلم لغته الأصلية بطلاقة، ومع ذلك فإنه لا يستطيع أن يحدثنا عن النحو؛ إن النحوي ليس وحده من يعرف قواعد اللغة، فالطفل أيضًا يعرف، دون أن يدري، تلك القواعد، إن النحوي هو ذلك الذي يعرف لماذا أو كيف يعرف الطفل لغته.

إن الحديث عن كيفية الكتابة لا يعني البرهنة على أن ما كُتب هو شيء جيد؛ فإدغار بو كان يقول إن: “وقْعُ العمل الأدبي شيءٌ، ومعرفة السيرورة شيء آخر”. فعندما يحدثنا بول كلي أو كاندينسكي عن طريقة صباغتهما؛ فإنهما لا يقولان إن أحدهما أفضل من الآخر، وعندما يقول لنا ميكائيل أونج، إن النحت هو تحرير الصورة الموجودة بشكلٍ سابق في الصخرة؛ فإنه لا يريد أن يقول لنا إن La Pieta du Vatican أجمل من La Pieta Rondanini[8]؛ لذلك، قد يحدث أن يكتب مؤلفون مغمورون لا تأثير لأعمالهم أجمل الصفحات حول السيرورة التقنية، إنهم يجيدون التفكير في سيرورتهم فقط: فاساري، هوراسيو غرينوف، هارون كوبلاند.

القرون الوسطى، بكل تأكيد:

لقد كتبت رواية لأنني كنت أرغب في فعل ذلك، وأعتقد أن هذا سبب كافٍ لكي نخوض في سرد أحداث، إن الإنسان بطبعه ميال لنسج الحكايات، لقد بدأت في الكتابة سنة 1978 انطلاقًا من فكرة بسيطة، لقد كانت لدي رغبة في تسميم راهب.

وأعتقد أن رواية ما يمكن أن تولد من فكرة كهذه، أما الباقي فهو لحم نضيفه في أثناء الكتابة، وقد تكون هذه الفكرة أقدم من هذا، فقد عثرت على دفتر يحمل تاريخ 1975 حيث وضعت لائحة بأسماء رهبان يعيشون في دير فسيح ولا شيء غير ذلك. في البداية انكببت على قراءة Le traité des poisons لأورفيلا، وهو كتاب اشتريته من كُتبي في باريس منذ عشرين عامًا وفاءً مني ربما لويسمانس “هناك” Hysmans” (Làs-bas)[9].

وبما أن أي سم من تلك السموم لم يكن كافيًا؛ فقد طلبت من صديق متخصص في علم الأحياء أن يدلني على مشروب تكون له خصائص بعينها (يؤخذ عن طريق الجلد)، ومزقت الرسالة التي يجيبني فيها هذا الصديق بأنه لا يعرف أي سم من هذا النوع. ويتعلق الأمر هنا بوثائق قد تقود صاحبها، في سياق آخر، رأسًا إلى السجن.

لقد تصورت في البداية أن الرهبان يجب أن يكونوا في أديرة معاصرة (لقد كنت أفكر في راهب يقرأ المانيفاستو)، وبما أن الأديرة حافلة بالذكريات القروسطية؛ فإنني بدأت أنقب في أرشيفي الخاص بالقرون الوسطى (كتاب حول الإستتيقا القروسطية في سنة 1956، مئة صفحة أخرى حول الموضوع نفسه سنة 1959، محاولات أخرى، عودة من جديد إلى التراث القروسطي سنة 1962 في أثناء عملي حول جويس. ثم كانت هناك الدراسة الطويلة حول القيامة وشذرات من تعليق بوتيس دو لييبانا. الحاصل أن القرون الوسطى كانت على الدوام حاضرة في ذهني). ولقد عثرت على مادة هائلة (ميكروفيلم، نسخ مصورة، دفاتر) كانت مكدسة عندي منذ 1952، من أجل غايات غير واضحة: من أجل كتابة تاريخ الوحوش، أو من أجل دراسة موسوعات القرون الوسطى، أو نظرية للفهارس.

تبادر إلى ذهني في لحظة من اللحظات: بما أن القرون الوسطى هي متخيلي اليومي؛ فلماذا لا أكتب رواية تجري أحداثها في القرون الوسطى. وكما قلت ذلك في لقاءات متعددة، فأنا لا أعرف الحاضر إلا من خلال شاشة التلفزيون، أما القرون الوسطى فأنا أعرفها دون وسائط.

لقد اتهمتني زوجتي، ونحن نشعل نارًا في الخلاء، بأنني لا أعرف كيف أتأمل شرارتها التي كانت تتصاعد وسط الأشجار في اتجاه أسلاك الكهرباء، وعندما قرأت الفصل الخاص بالحريق قالت لي: “أنت كنت تشاهد الشهب إذن”، فأجبت “لا، ولكني كنت أعرف كيف يمكن أن يتأملها راهب من القرون الوسطى”.

(…….)

لقد ظلت القرون الوسطى حاضرةً في ذهني إن لم يكن ذلك كمهنة، فإنها ظلت هوايتي المفضلة، إنها غوايتي الدائمة، فهي حاضرة بوضوح في كل شيء، أراها في الأشياء التي أهتم بها والتي لا تبدو في الظاهر أنها تنتمي إلى القرون الوسطى إلا أنها كذلك في العمق.

(……)

القناع:

لم أقرر، في واقع الأمر، الحديث عن القرون الوسطى فحسب، لقد قررت أن أتحدث في القرون الوسطى على لسان إخباري عاش في تلك الفترة، لقد كنت ساردًا مبتدئًا، لقد نظرت، إلى حدود تلك اللحظة، إلى الساردين بكونهم يقعون في الجانب الآخر من الأحداث، لقد كنت أخجل من القيام بالسرد. كانت حالتي تشبه حالة ذلك الناقد المسرحي الذي وجد نفسه فجأة تحت أضواء الخشبة أمام أعين كل هؤلاء الذين كانوا، إلى عهد قريب، شركاءه خارج الخشبة.

هل يمكن القول مثلًا: “لقد كان صباحًا رائعًا في أواخر نوفمبر” دون أن أكون في ذلك شبيهًا بسنوبي؟ ولو جعلت سنوبي هو قائل هذه العبارة؟ أي إذا وضعت هذه الجملة: “لقد كان صباحًا رائعًا…” على لسان شخص مرخص له بقول ذلك؛ لأن ذلك ممكن الحدوث في هذه المرحلة؟ لقد كنت في حاجة إلى قناع.

وأكْببتُ على قراءة الإخباريين القروسطيين وإعادة قراءتهم؛ لكي أتمكن من الإيقاع والصفاء. سيتحدثون بدلًا عني، وسأكون بريئًا من كل اتهام، سأكون كذلك ولكني لن أسلم من صدى التناص. وهكذا اكتشفت من جديد ما كان الكتاب يعرفونه قبلي (وقالوا لنا ذلك مرات عديدة): إن الكتب تتحدث دائمًا عن كتب أخرى، وكل قصة تروي قصة أخرى سبق أن رويت، لقد كان هوميروس على علم بذلك، وأرسطو أيضًا، دون أن نتحدث عن رابليه أو سيرفانتيس؛ ولهذا ما كان لقصتي أن تبدأ سوى من المخطوط الذي عُثر عليه، ولهذا السبب أيضًا؛ ستكون هذه القصة استشهادًا (بطبيعة الحال). وكتبت على التو المقدمة، جاعلًا السرد في المستوى الرابع من الضمائر، داخل مستويات ثلاثة أخرى: أنا أقول إن فالي قال إن مابيون قال إن أدزو قال…

وتحررت لحظتها من كل خوف، وتوقفت عن الكتابة لمدة سنة، توقفت عن الكتابة لأنني اكتشفت شيئًا كنت أعرفه من قبل (والناس كلهم يعرفونه)؛ ولكني فهمته جيدًا في أثناء الكتابة.

لقد اكتشفت أن الرواية لا علاقة لها في البداية بالكلمات، إن كتابة رواية أمرٌ يعود إلى الكوسمولوجيا، تمامًا كما هو الأمر مع القصة التي يرويها سفر التكوين (لقد كان وودي ألان يقول: علينا أن نختار نماذج).

الرواية بصفتها واقعة كوسمولوجية:

أعتقد أن رواية قصة ما تفترض بناء عالم، ويستحب أن يكون هذا العالم كثيفًا في أبسط جزئياته، فإذا بنيت نهرًا بضفتين ووضعت على الضفة اليسرى صيادًا، وأسندت إلى هذا الصياد صفة الغضوب، وجعلت له صحيفة سوابق، حينها سيكون بإمكاني أن أبدأ الكتابة، أي أترجم إلى كلمات ما يستحيل أن يحدث. ماذا يفعل الصياد؟ إنه يصطاد (وها نحن أمام مقطع من الإيماءات التي لا يمكن تجنبها)، وماذا سيحدث بعد ذلك؟ إما أن السمكة ستقع في الشرك وإما أنها لن تقع فيه، إذا وقعت السمكة في الشرك؛ فإن الصياد سيحصل على سمك وسيعود فرحًا إلى منزله. أما إذا لم تقع السمكة في الشرك، وبما أن هذا الصياد غضوب؛ فإنه لن يتحكم في أعصابه، وربما سيكسر قصبته؛ ولكن هذا ليس أمرًا مهمًّا. ورغم ذلك فإنه يشكل بداية ما.

والحال أن هناك مثلًا هنديًّا يقول: “اجلس على ضفة النهر وانتظر فستطفو لا محالة جثة عدوك فوق الماء”، وإذا حدث أن طفت جثة ما على سطح الماء، وهناك سياق تناصي يحيل إليه للنهر؟ لا تنسوا أن صيادي له سوابق؛ فهل سيجازف ليجد نفسه في مأزق؟ ماذا سيفعل؟ هل سيهرب، أم سيتظاهر بعدم رؤية الجثة؟ هل سيشعر بأن الشكوك تحوم حوله، فهذه الجثة هي في واقع الأمر جثة ذلك الرجل الذي كان يكرهه؟ وبما أنه غضوب، فهل سيعتصره الألم لأنه لم يكن هو القاتل، فكم كان يتمنى أن ينتقم من عدوه؟ وكما تلاحظون، فإن تأثيثًا بسيطًا لهذا العالم كان كافيًا لتوليد قصة.

وبالإضافة إلى ذلك هناك ملامح خاصة بأسلوب السرد، فالصياد الذي يصطاد سيفرض عليَّ نمطًا سرديًّا بطيئًا ومنسابًا، وإيقاعًا خاصًّا يوحي بالانتظار الصبور وبالقفزات التي تعبر عن نفاد هذا الصبر.

يجب بناء هذا العالم، وستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات، وهو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء.

لقد قضيت السنة الأولى من العمل في بناء هذا العالم: لائحة طويلة من الكتب التي يمكن العثور عليها في خزانة قروسطية، لائحة من أسماء وشهادات ميلاد لمجموعة من الشخصيات التي سأستبعد فيما بعد مجموعةً كبيرة منها (ذلك أنه كان عليَّ أن أعرف من هؤلاء الرهبان الذين لن يظهروا في الكتاب، ولم يكن من الضروري أن يتعرف عليهم القارئ؛ ولكن كان علي أن أعرفهم).

من قال إن السردية في حاجة إلى شهادات ميلاد؟ ربما هي في حاجة إلى وزارة للتعمير أيضًا، وهذا ما يفسر الأبحاث الكثيرة التي قمت بها حول المعمار، في الصور وفي الموسوعة المعمارية، وذلك من أجل تحديد تصميم الدير وكذا المسافات؛ بل وصل الأمر إلى تحديد عدد درجات السلم اللولبي. لقد قال ماركو فيريري إن حواراتي كانت سينيماتوغرافية لأنها كانت صحيحة من الناحية الزمنية، وقد كان الأمر كذلك فعلًا، فعندما كنت أصور شخصيتين تتجاذبان أطراف الحديث وهما تقطعان المسافة الفاصلة بين المطعم والرواق، كنت أكتب والتصميم أمام عيني، وهكذا فعندما يصلان إلى الرواق يكون الحوار قد انتهى.

يجب أن نقيد أنفسنا بإكراهات لكي نبدع بحرية، إن الإكراهات في الشعر وليدة الشطر والبيت والقافية، أي ما سماه المعاصرون بالهمس عن طريق الأذن. أما في السرد، فإن الإكراهات متولدة عن عالم ضمني، ولا علاقة لهذا بالواقعية (حتى وإن كان هذا يشرح ذلك إلى حد ما الواقعية). فبإمكاننا أن نبني عالمًا لا واقعيًّا بشكل كلي حيث الحمير تطير وتبعث الأميرات بفضل قبلة؛ ولكن على هذا العالم المحتمل فقط واللاواقعي أن يوجد وفق بنيات محددة منذ البداية (يجب التأكد هل يتعلق الأمر بعالم تبعث فيه الأميرة بفضل قبلة أمير أم قبلة ساحرة، وهل قبلة الأميرة تحول الضفادع وحدها إلى أمراء أم تفعل ذلك مع التاتو أيضًا)[10].

شكل التاريخ أيضًّا جزءًا من عالمي؛ وهذا ما جعلني أقرأ الوقائع القروسطية وأعيد قراءتها. وفي أثناء قراءتي لهذه الوقائع تبين لي أن عليَّ أن الدخول إلى عالم أشياء لم تخطر لي على البال أبدًا، مثال ذلك النضال من أجل الفقر أو المحاكم الدينية ضد الهرطوقيين[11] (fraticelle).

مثال ذلك: لماذا احتوى كتابي على هرطوقيين من القرن الرابع عشر؟ فإذا كان عليَّ أن أكتب رواية عن القرون الوسطي؛ فلتكن رواية عن القرن الثالث عشر أو الثاني عشر، فمعرفتي بهذين القرنين أفضل من معرفتي بالقرن الرابع عشر؛ ولكني كنت في حاجة إلى محقق، ويستحسن أن يكون إنجليزيًّا (إحالة تناصية) يمتاز بملكةٍ حادة في الملاحظة وفطنةٍ كبيرة في مجال تأويل الأمارات.

لا يمكن العثور على هذه المزايا إلا في الأوساط الفرانسيسكية[12]. كانت هناك بعد روجي باكون نظريةٌ في العلامات أكثر تطورًا من تلك التي كانت في حوزة الأوكاميين[13]، وبالتحديد كانت موجودة قبل ذلك، وكان تأويل العلامات عندها إما من طبيعة رمزية، وإما أنها كانت تميل إلى قراءة الأفكار والكونيات في العلامات، ومع ذلك فمع بيكون أو أوكام كان استعمال العلامات يقود إلى معرفة الأفراد.

لقد كان عليَّ إذن أن أمثلَ لأحداث قصتي في القرن الرابع عشر، وفعلت ذلك بكثير من عدم الرضا، فلم أكن أشعر براحة كبيرة من فعل ذلك، وقمت بقراءات جديدة واكتشفت أن فرانسيسكيا من القرن الرابع عشر، حتى ولو كان إنجليزيًّا، فلا يمكنه أن يتجاهل الجدل الدائر آنذاك حول الفقر، خاصة إذا كان صديقًا أو مريدًا أو من معارف أوكام، وكنت قد قررت أن يكون هذا المحقق في البداية هو أوكام نفسه؛ ولكني تخليت عن الفكرة لأنني لم أكن، من الناحية الإنسانية، أرتاح إلى هذا المحقق المبجل.

ولكن لماذا حدث كل شيء في نهاية نوفمبر 1327؟ حدث ذلك في هذا التاريخ بالذات؛ لأن ميشال دو سيزان سيكون في ديسمبر في أفنتيون (وهذا ما نطلق عليه تأثيث عالم في رواية تاريخية. إن بعض العناصر، مثل عدد درجات السلم يتحكم بها المؤلف، أما العناصر الأخرى فتنتمي إلى العالم الواقعي، مثل تنقلات ميشال التي تتطابق أحيانًا مع العالم الممكن للسرد).

إلا أن نوفمبر فترة متقدمة من السنة، وأنا كنت في حاجة إلى قتل خنزير، لماذا قتل خنزير؟ لسبب بسيط لأنني كنت أرغب في وضع جثة داخل جرة من الدماء بحيث يكون الرأس داخل الجرة وتكون الرجلان خارجها. ولماذا هذه الحاجة؟ لأن النفير الثاني للقيامة يقول إن… لن أصل إلى حد تغيير القيامة، إنها تعد جزءًا من العالم، فما كان عليَّ سوى أن أجعل الدير في قمة جبل لكي أحصل على الثلج، ولولا ذلك لكان بالإمكان أن تدور أحداث قصتي في السهول في بومبوزا أو كونكير.

إن العالم المبني هو الذي يدلنا على كيفية نمو القصة، فالكثيرون تساءلوا لماذا يوحي جورغ (Jorge) من خلال الاسم على بورخيس، ولماذا كان بورخيس شريرًا؟ ولكني لا أعرف.

كنت أبحث عن أعمى يكون حارسًا للخِزانة (وهو ما كان يبدو أنه يشكل فكرة سردية جديدة)، وفي هذه الحالة، فإن الخزانة مضافٌ إليها أعمى لا يمكن أن تحيل إلا إلى بورخيس، ولأنه من الضروري أن نؤدي ما يجب علينا.

عندما وضعت بورخيس في الخزانة لم أكن أعرف حينها هل سيكون هو القاتل، لقد قام بكل شيء من تلقاء نفسه إذا جاز التعبير؛ لكن يجب ألا يؤدي هذا إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بموقف “مثالي”: أي إن للشخصيات حياة خاصة، ولا يقوم المؤلف – وهو في حالة جذب – إلا بتحريكها وفق ما توحي به هي. إنها ترهات، أو هي عناصر تصلح لتحرير موضوع إنشائي من مستوى البكالوريا. لا، الحقيقة أن الشخصيات مرغمة على الفعل وفق قوانين العالم الذي تسكنه، وأن السارد أسير مقدماته.

شكلت لدي المتاهة (Labyrinthe) أيضًا مغامرةً جميلة، فالمتاهات كلها التي كنت أعرفها، تلك التي قدم عنها سانتاركاغيلي وصفًا رائعًا، كانت مفتوحة على السماء، فهي قد تكون معقدة ومليئة بالتلافيف ولكنها لا تفي بالغرض، فأنا كنت في حاجة إلى متاهة مغلقة (هل هناك خزانة بسقف مفتوح؟)، وإذا كانت هذه المتاهة معقدة ومليئة بالممرات والغرف الداخلية، فإن التهوية ستكون غير كافية، والحال أني كنت في حاجة إلى تهوية لإشعال الحريق (أن تلتهم النيران المبنى فهذا أمر كنت أعيه جيدًا وذلك لأسباب كوسمولوجية – تاريخية، ففي القرون الوسطى كانت الكاتدرائيات والأديرة تلتهمها النيران كالهشيم، فتصور قصة قروسطية بدون حريق كتصور فيلم حربي في المحيط الهادي دون تصور طائرة تحترق وتهوي إلى البحر)؛ ولهذا اشتغلت لمدة ثلاثة أشهر في بناء متاهة مناسبة وأضفت بعد ذلك بعض الكُوى، فبدونها سيظل الهواء غير كاف.


* مقتطفات من كتاب: آليات الكتابة السردية

[1] البيت الشعري باللاتينية وبه تختتم الرواية: Stat rosa pristina nomine, nomina nuda tenemus وترجمته التقريبية بالعربية: “إن اسم الوردة الماضية لا يزال قائمًا، فمن الوردة نستخلص الكلمة الخالصة”.

[2] فيلون François Villon: شاعر فرنسي عاش في القرن الخامس عشر، عاش حياة مليئة بالمغامرات وعاشر الصعاليك والمجرمين، كما صاحب النبلاء والشخصيات العظيمة، وقد خلصه بعض النبلاء مرارًا من المقصلة. من أعماله Le Grand testament; l’ Epitaphe villon. وعده بعضهم من أكبر البلاغيين، كما عده آخرون أول شاعر ينتمي إلى الحداثة.

[3] إن الأمر يتعلق بالصيغة الأولى لرواية “المخطوبين” Les Fiancés ” لألساندرو مانزوني.

[4] الصفحة 485 من طبعة le livre de poche

[5] برنار وأدزو وغيوم، ثلاث شخصيات رئيسة في رواية أمبيرتو إيكو “اسم الوردة”.

[6] للمزيد من التوسع في هذه القضية يُراجع كتاب أمبيرتو إيكو:, éd P U F , 1996 Interprétation et surinterprétation. ترجمناه إلى العربية تحت عنوان: التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، المركز الثقافي العربي بيروت – الدار البيضاء، 2000.

[7] وردت بالإنجليزية في النص.

[8] منحوتتان من منحوتات ميكال أنجلو، وكلاهما تمثل للمسيح وأمه في أوضاع تحيل جميعها إلى الألم. وكلمة pieta تشير إلى العذراء في وضع ينطق ألمًا ومعاناةً وجسد المسيح بين يديها.

[9] Huysmans ويسمانس (1848 – 1907) كاتب فرنسي من أصل هولندي، عاش في باريس حياة التسكع والتمرد، وكتب أشياء كثيرة عن هذه المدينة ومن جملتها روايته: Làs-bas التي يشير إليها إيكو هنا، والإشارة في مجملها تحيل إلى الفترة التي قضاها إيكو في باريس عندما كان طالبًا.

[10] التاتو Tatou أرمديل، من جنس حيوانات درعاء من آكلات النمل.

[11] Fraticelle الهرطوقيون: مجموعة من الهرطوقيين (المجددين) من القرن الثالث عشر، ينحدرون من التوجه الفرانسيسكي. وكانوا يدعون أنهم يطبقون بالحرف تعاليم القديس فرانسوا داسيز.

[12] الفرنسيسكية، نسبة إلى القديس فرانسوا داسيز الملقب بالفقير الصغير، رجل إيطالي ولد في أسيز سنة 1182 وتوفي سنة 1226، مؤسس التوجه القائل إن المسيح كان فقيرًا، وهو بهذا كان يناضل ضد الثراء الفاحش الذي كانت تتمتع به الكنيسة في القرون الوسطى.

[13] الأوكاميون نسبة إلى أوكام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق