مقابلات وحوارات

حول مفهوم الحضارة – حوار مع موريس غودلييه

ترجمة: محمد الحاج سالم

هل يُمكننا تدارس الحضارة دون التساؤل عن معاني كلمة “حضارة”؟ هل يُوجد “منهج” خاصّ بالباحثين في الحضارة؟ وما هي المقاربات التي يجب استخدامها لمعالجة وقائع الحضارة ومسائلها؟ وما دور الإناسة (الأنثروبولوجيا) في فهم سيرورة الحضارات وتلاقحها وما يطرأ عليها من تحوّلات؟ وهل هي مفيدة في تحليل الحضارة الرأسماليّة الحديثة القائمة على استقلال المجال الاقتصادي بذاته، أم تقتصر على دراسة المجتمعات الغابرة التي لا ينفصل فيها الاقتصادي عن الديني والسياسي؟

في سبيل الدفع بالجدل الذي تُثيره هذه الأسئلة، نُقدّم وجهة نظر عالم الإناسة الفرنسي المعروف موريس غودلييه (Maurice Godelier)، مدير الدراسات في المدرسة العليا للدراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة في باريس، من خلال هذا الحوار الذي أجري معه في عام 1977، والذي لم يفقد راهنيّته رغم مرور ما يُقارب نصف قرن على نشره في نسخته الأولى، قبل أن يتولّى غودلييه مراجعته وتنقيحه ليُعاد نشره في عام 2002 في مجلّة الدراسات الأمريكيّة (Transatlantica).

*****************************

  1. ما هو تعريفكم لمصطلح “حضارة”؟

نادرًا ما نستخدم نحن علماء الإناسة مصطلح “الحضارة”، ونُفضّل عليه مصطلح “الثقافة”. لا يوجد تعريف جامع مانع للثّقافة، حتّى أنّنا نجد في كتاب كليد كلوكوهن (Clyde Kluckohn) وألفرد كروبر (Alfred Kroeber) حول الثقافة أكثر من مائة تعريف لها. عمومًا، نعني بالثقافة الشكل الأصلي للتركيبات القائمة بين المؤسّسات والتمثّلات، وهو شكل خاصّ بكلّ مجتمع أو مجموعة من المجتمعات، وهو شيء دائم. ولذلك نقصد بكلمة حضارة مجموعة من الظواهر أوسع من المجتمع وتمتدّ على حقبة أوسع من جيل أو عدّة أجيال، والنتيجة هي أنّ هذه الظواهر لا يُمكن تجاوزها عمليًّا. ولننظر، على سبيل المثال، استخدام الإناسة لمفهوم “العرق” (ethnos) القديم الذي يعني مجموعة اجتماعيّة وثقافة وطريقة عيش ذات حضور تاريخي متجذّر وموغل في القدم، وما تزال حيّة وتستمرّ في تحديد السلوكيّات وتكييفها في الحاضر. فالحضارة هي الحاضر الذي يتشكّل، لكنّها أيضًا الماضي الحاضر دومًا بفعاليّة. وهذه الظاهرة العميقة والواسعة (الحضارة، الثقافة) نفهمها بطريقة حدسيّة؛ ولا نتعرّف إلى أنفسنا من خلالها إلاّ بشكل تقريبي. ولذلك، فإنّنا حين نتحدّث عن الحضارة الغربيّة، فإنّنا نُشير إلى سلسلة من الظواهر النشطة والمتكرّرة التي تتعلّق بالمجال المادّي قدر تعلّقها بالمجال الذهني. بل نحن لا نفرّق بالضرورة بين ما هو مادّي وما هو ذهني، لأنّه لا يمكن لظاهرة ماديّة أن تُوجد دون أن يكون لها نصيبها من التمثّلات. كما لا يمكن أن تُوجد وحدة تقنيّة، أي وسائل تأثير في الطبيعة بطريقة معيّنة، دون تمثّل للطّبيعة وللعمليّات التي سنؤثّر بها في الطبيعة. ولذلك، فإنّ ظاهرتي الثقافة والتمثّل ليستا ظاهرتين منفصلتين عمّا هو مادّي في الحياة الاجتماعيّة التي لا يمكن أن تُوجد فيها علاقة ماديّة بالطبيعة، أي تأثير في الطبيعة، إلاّ عبر تمثّل معيّن لذلك، أي عبر تدخّل للذهن، وبالتالي للفكر. ولا شكّ في أنّ الفكر نظام، وأنّه لا يُوجد إلاّ ظاهريًّا في شكل أفكار متناثرة، إذ لا مندوحة من أن تصدر تلك الأفكار عن نظام تمثّلات أساسي منظّم ومتّسق إلى حدّ ما. وديمومة أنظمة التمثّل هذه وتآكلها البطيء في التاريخ، هو ما يهمّ المؤرّخين؛ لأنّ تآكلها البطيء يعني أنّها تظلّ فاعلة لفترة طويلة، وأنّها تستمرّ في تأثيرها على سلوك النّاس، لأنّ التمثّل يعني بالطبع، أشكال فعل – أي العناصر الفكريّة لشكل التأثير في الآخرين، وفي الطبيعة، وفي الذّات.

وبين الحضارة والثقافة، يُفضّل علماء الإناسة استخدام مصطلح الثقافة بشكل عامّ. ذلك أنّ كلاّ منهم في المقام الأوّل، متخصّص في دراسة مجتمع ما، وبالتالي فإنّ الشكل الأصلي للتركيبات والمتغيّرات الماديّة وغير الماديّة لذلك المجتمع هو ما يهمّهم، ومن هنا تفضيلهم دراسة أنواع اجتماعيّة معيّنة. لكنّهم في المقام الثاني مباشرة، يدركون حتمًا أنّ هذه المجتمعات تُجاور مجتمعات أخرى، ولا مناص من إقامة تبادلات معها، وأنّه تُوجد مجموعات أوسع، أو بعبارة أخرى، أنّ الأفكار يتمّ تقاسمها ضمن مساحة ثقافيّة شاسعة. وبهذا، فنحن نمرّ من ثقافة محدّدة لمجتمع معيّن إلى منطقة ثقافيّة أو مجموعة محدّدة جغرافيًّا ومتشكّلة تاريخيًّا، ومن ثمّ إلى ظواهر الحضارة – فنتحدّث على سبيل المثال عن حضارة أرزّ أو حضارة رعويّة بدويّة. ماذا يعني هذا؟ يعني أنّنا نُواجه ظواهر قديمة جدًّا: فعندما يأكل النّاس الأرزّ، فهم يأكلون نباتًا يُزرع، وهو يُزرع باستخدام أدوات معيّنة، الخ. وبعبارة أخرى نقول إنّهم اعتمدوا مجموعات من النباتات والأدوات والأفكار منذ عدّة آلاف من السنين، واستمرّ ذلك لعدّة آلاف من السنين … ومن هنا محاولة تحديد الظواهر القديمة الثابتة نسبيًّا، أي الثوابت التاريخيّة الجغرافيّة الاجتماعيّة. ولذلك، فإنّ الثقافة تنقلك أحيانًا إلى الحضارة، وهذا لأسباب تجريبيّة، لأنّ المرء يُضطرّ من خلال واقعة اجتماعيّة معيّنة إلى الانفتاح على وقائع اجتماعيّة أخرى. لكنّنا لا نعدم من جهة ثانية، قيدًا نظريًّا: فتحليل المجتمع منعزلاً لا معنى له، إذ لا وجود مطلقًا لمجتمع منعزل. ولذلك نحن مُجبرون على دراسته من خلال تبادلاته مع جيرانه، وضمن بيئة محدّدة. وعلى سبيل المثال، إذا كان النّاس يتشاركون تقنيات معيّنة داخل حضارة بدويّة، فإنّه تُوجد مجتمعات بدويّة أخرى يمكننا المقارنة بينها في هذا الخصوص.

وأن نٌقارن يعني أن نشرح الاختلافات، أي أن نضع نظريّة في التحوّلات. ولا شكّ في أنّ وضع نظريّة في التحوّلات ونماذجها وأنظمتها أمر شديد التعقيد. ولا مراء في أنّنا هنا في مجال نظري وأبعد ما يكون عمّا هو وصفي، لكن يجب أن نعود دائمًا إلى الوصف لأنّ نموذج التحوّلات يجب أن يشرح الواقع، في اختلافاته كما في أوجه تشابهاته، من أجل الكشف عن سببيّة العوامل، وعن مدى مساهمة مختلف العلاقات الاجتماعيّة في نشأة تلك العوامل. ولذلك ترانا نحاول البحث عن تراتبيّة العوامل، وعن تراتبيّة العلل في تفرّعاتها، لكي نصوغ نظريّة في الوقائع الاجتماعيّة، أي حول نشأتها وأدائها لوظائفها الداخليّة. لكن يجب على النموذج في هذه المرحلة، أن يشرح كلّ ما تمّ جمعه ميدانيًّا، دون أن نُغفل أيّ شيء. وهنا، يجب شرح وصف الوقائع الميدانيّة، وإعادة إنتاجها داخل نموذج، لا اختزالها في نموذج. كما لا ينبغي للنموذج التغاضي عن بعض الوقائع، بل عليه إعادة موضعة كلّ ما تمّت معاينته ميدانيًّا في مكانه المناسب وبترتيب منطقي بنيوي وسببي في آنٍ. هذا هو المطلب الأسنى.

  1. ألا يصبح الأمر شديد الصعوبة إذا ما تعلّق بمجتمع معقّد مثل المجتمع الحديث؟ هل تسمح المقاربة الإناسيّة بالانتقال من مجتمع ما قبل رأسمالي إلى مجتمع رأسمالي؟

إنّ المجتمع الرأسمالي نفسه غير متجانس، وهذا يعني أنّه من الغرابة أن يعيش فلاّح من الريف الفرنسي في باريس، بقدر ما هو غريب أن يعيش باريسي عند شخص ريفيّ (أقصد أن يعيش مدّة ستّة أشهر أو سنة، لا مجرّد السياحة). ولئن كانت فرنسا نسيجًا غير متجانس من العلاقات الاجتماعيّة التي تُهيمن عليها الرأسماليّة، فإنّ ذلك لا ينفي وجود الكثير من العلاقات التي تخضع للرأسماليّة رغم أنّها أقدم منها، كما لا ينفي وجود تنوّع إقليمي رائع. يجب ألا نختلق تجانسًا لواقع فرنسي غير موجود. ومن الناحية المنهجيّة والتاريخيّة، تشكّلت الإناسة من خلال رصد المجتمعات “الغريبة” وتحليل المجتمعات الأخرى، في جوانبها المهمّشة من قبل نموذج مجتمعاتنا السائد، حيث لا تُوجد كتابة أو وثيقة “تاريخيّة”. لقد كانت الإناسة مخوّلة لدراسة كلّ ما لا ينتمي إلى مجال المؤرّخين.

لكن الإناسة يمكنها -ويجب عليها- أن تهتمّ بالمجتمع الحديث، لأنّ المجتمع الحديث حتى وإن كان حاليًّا بصدد التوحّد، فإنّه لن يخلو مطلقًا من تنوّع داخلي. إنّه يخلق لنفسه باستمرار تنوّعًا جديدًا. وما من مجتمع إلاّ ويسير على قدمين اثنتين: التوحّد والتنوّع.

لقد وُضعت مناهج دقيقة لتفحّص وقائع اجتماعيّة شديدة التعقيد في نظر ثقافتنا: القرابة، والنظام الديني، وأشكال تبادل السلع الماديّة، والسلع الرمزيّة. ومع ذلك، فإنّ كلّ ما اكتسبناه من هذه التحليلات يُمكن تطبيقه على فرنسا أو على أيّ مكان آخر في العالم. إنّنا إزاء منهج يمكنه بكلّ تأكيد تهذيب ذاتيّة العاملين في الحقل العلمي، وتسليحهم بشكل أفضل لمواجهة نزعتهم المركزيّة العرقيّة التي تتعاظم كلّما اشتغل الباحث على مجتمعه. ولهذا، فإنّ الإناسة يُمكنها ويجب عليها أن تقوم الآن بتحليل المجتمعات الغربيّة الكبيرة. ولعلّ ما سيميزّ الإناسة عن علم الاجتماع وبقيّة المقاربات الأخرى في هذا الخصوص، هو أنّه يُوجد دائمًا في قلب الممارسة الإناسيّة، حاجة إلى الملاحظة بالمشاركة، أي إلى الالتزام بالعيش بين النّاس في مجتمع صغير، أي بين جماعة محليّة، ومشاركة الناس مشاكلهم: فنحن لا ندرس النّاس، بل نتدارس معهم مشاكلهم. إنّه انتقال من دراسة البشر إلى مشاركتهم دراسة مشاكلهم. ومن هنا حدثت تحوّلات متتالية، فقد سمحت الملاحظة بالمشاركة أن يتحدّث النّاس عن علاقاتهم الاجتماعيّة، وأن يُعاد معهم تشكيل عالم علاقاتهم الاجتماعيّة بصبر وأناة. وبالطبع، فإنّه لا ينبغي استبعاد المسح الإحصائي، بل على العكس اعتماده، ولكن يجب في كثير من الأحيان من أجل تفسير تلك الإحصائيّات، الحفر بعمق في تاريخ العلاقات الاجتماعيّة المحليّة؛ ولذلك لا مندوحة من معرفة العديد من القصص والحكايات، ومن إجراء مقابلات عديدة حتّى يُمكن الكشف عن بنى الحياة الاجتماعيّة. وكما تعرفون، فإنّه تُوجد دائمًا مائة عام من التاريخ المشترك تكون حاضرة في أيّ مجتمع، لأنّ أكبر مسنّ في المجتمع يكون عادة في حوالي السبعين ونيّف من العمر. هذا هو حدّ الذاكرة الحيّة. أمّا ما يتجاوز ذلك في القِدم، فإنّ أرشيف الوثائق هو الذي يتكلّم. يجب أن يكون عالم الإناسة في قلب الذاكرة الحيّة، ولكن يجب عليه أيضًا استخدام الاستبيان الإحصائي والذاكرة الصامتة، أي ذاكرة الوثائق الأرشيفيّة. وباختصار، فإنّ على الإناسة أن تُعيد استخدام المناهج المعقّدة التي وُضعت لتحليل المجتمعات الأخرى، وتكييفها مع مجتمعاتنا [الغربيّة].

  1. تقصد التاريخ الشفوي مثلاً؟

نعم، التاريخ الشفوي في معناه الصحيح. أضف إلى ذلك أنّه يُمكننا معرفة كيف يتمثّل النّاس علاقاتهم الاجتماعيّة من خلال إجراء مقابلات مطوّلة وغير موجّهة معهم.

  1. في مناهج الدراسات الحضاريّة، تحتل المؤسّسات مكانة مركزيّة. هل يبدو لكم هذا الأمر أفضل ما يُمكن الانطلاق منه في دراسة مجتمع أو حضارة ما؟

إذا باشر عالم إناسة ملاحظة مجتمع، فإنّه سيجد نفسه أمام مؤسّسات، وعليه شرح النموذج الاجتماعي الذي يتقاسمه الفاعلون الاجتماعيّون، أي نموذج تلك المؤسّسات. كما يجب عليه أيضًا أن يتعلّم لغة ذاك المجتمع إذا أراد التواصل مع النّاس، والانطلاق من تمثّلاتهم لمجتمعهم وللعالم ولأنفسهم. لذا، فإنّ دراسة المؤسّسات هي نقطة انطلاق ممكنة، لكنّها تطرح الكثير من المشاكل النظريّة. فحين نذهب إلى مجتمع السكّان الأصليّين في أستراليا، فإنّنا نشعر بالدّهشة لرؤية النّاس لا يُقضّون وقتًا كثيرًا في الصيد والقطف فحسب، ولكن أيضًا في تحديد علاقات بعضهم ببعض، أو في ترسيخها على أساس علاقات القرابة. وبذلك نكون أمام مؤسّسة يبدو أنّها تُسيطر على عقولهم وتمثّلاتهم، ولكن أيضًا على ممارساتهم. وبالتالي، سيبدو لنا أنّ مسائل الزواج والإنجاب هي السائدة في هذا المجتمع. ومن هنا، فإنّ الحقيقة الميدانيّة هي وجود مؤسّسة (أو سلسلة من المؤسّسات المحدّدة بدقّة، تُسمّى علاقات القرابة) تُهيمن على الحياة الاجتماعيّة، وبصورة أو أخرى، على تفكير النّاس، وأنّ لها دور استراتيجي في إعادة إنتاج الكلّية الاجتماعيّة. وبمجرّد أن نعرف كلّ ذلك، سيتعيّن علينا أيضًا شرحه، وطرح أسئلة لن يُجيب عليها النّاس بدلًا عنّا. ومن ذلك مثلاً شرح الأسباب التي تجعل القرابة تعمل بهذه الطريقة. فهذا سؤال نظري ومسألة تهمّ التحليل العلمي لعمل المؤسّسات. ولذلك نرى أنّنا لا نستطيع الاكتفاء بوصف المؤسّسات. فحقيقة هرميّة المؤسّسات هي مشكلة لن نجد لها عند محاورينا أنفسهم أيّ تفسير. كما لن نجد عندهم أيضًا أيّ تفسير لدور القرابة التي تبدو وكأنّها هي الناظمة للحياة الاجتماعيّة برمّتها، ولن يستطيع الفاعلون في الحياة الاجتماعيّة أن يجيبوا على أساس الأيديولوجيّات العفويّة، عن حقائق الحضارة، إذا صحّت العبارة. فسؤال الحضارة برمّته يكمن في هذا الانتقال من الوقائع المرصودة إلى تفسير أسباب ظهورها وشروط تطوّرها. ولذلك لا يمكننا الاقتصار على وصف المؤسّسات، بل يجب أن نُحلّل أسسها وسُبُل تطوّرها. وفي ما يخصّ الأسس أوّلاً، فهذه مسألة تتعلّق بالإناسة وبعلم الاجتماع النظري. ذلك أنّ وقائع الحضارة وإن كانت تقول الكثير، إلاّ أنّها لا تقول شيئًا عن علّة وجودها. ومن هنا، فإنّ مهمّة عالم الإناسة هي وصف أنظمة التمثّل المحليّة والمؤسّسات الخاصّة بأكبر قدر ممكن من الدقّة، ومحاولة الوصول إلى الوثائق المحفوظة إذا وُجدت، ممّا يسمح له بتفحّص النظام على امتداد فترة أطول من فترة ملاحظته المباشرة. ومع ذلك، وحتى بعد القيام بهذا العمل، وهو عمل ضخم بالفعل، فإنّه تظلّ أمامه مسائل نظريّة أساسيّة ينفتح بواسطتها على مجتمعات أخرى، وهي مسائل ذات طابع عامّ. فلو تفحّصنا السكّان الأصليّين في أستراليا، فسنجد القرابة هي المهيمنة، أمّا في أماكن أخرى، ولنأخذ الهند على سبيل المثال، فسنجد الدين أو نظام الطوائف المغلقة (وهي أنواع أخرى من الواقع العيني). ومن هنا، فإنّ الوصف الدقيق للمؤسّسات يطرح باستمرار مشكلة معرفة الأسباب التي جعلت القرابة أو الدين، وما إلى ذلك، قادرة على لعب دور مهيمن. ولذلك، ولئن أمكننا ملاحظة هيمنة المؤسّسة، إلاّ أنّه ما من وصف تجريبي يُمكنه توفير إجابة وافية على هذا السؤال النظري. فالوصف لن يقوم في أحسن الأحوال، إلاّ بإعادة إنتاج تمثّلات النّاس والأسباب والتبريرات الواعية التي يتبنّاها مجتمعهم بشكل أو بآخر، أي طريقتهم في القول للآخرين ولأنفسهم “لماذا نحنُ كما نحنُ؟”. لكن الإجابة نفسها غير علميّة بعد، وهي لا تعدو كونها الشكل الاجتماعي للوعي بهذه الحقائق الاجتماعيّة. وهذا هو السبب في أنّ المؤسّسات تُمثّل نقطة انطلاق ضروريّة، بيد أنّها ليست على أيّ حال نقطة الوصول.

  1. هل يمكن أن تعطينا توضيحًا لمفهوم الهيمنة على مستوى التشابك بين الأشكال والوظائف؟

لنأخذ التّبت على سبيل المثال، قبل أن تحتلّها الصين الشيوعيّة. لقد كانت شكلاً طريفًا من أشكال المجتمع؛ إذ كان جزء كبير من الرجال يعيش في الأديرة، وكانت الأراضي تحت سيطرة الكهنوت البوذي، وبالتّالي كان الدّين يلعب في آنٍ دور الشكل الاجتماعي للتحكّم في القاعدة المادّية للمجتمع، إلى جانب دوره المعروف في أيّ مجتمع آخر، أي باعتباره وسيلة اجتماعيّة للعلاقة مع ما فوق الطبيعة. بيد أنّنا لا نجد الدين في كلّ المجتمعات هو المسيطر على الأراضي، أو أنّه يسحب من العمل الإنتاجي كتلة ضخمة من القوى الذكوريّة تاركًا العمل المنتج على عاتق النساء وجزء قليل من الرجال. لقد اخترتُ هذا المثال عن قصد لأنّه يجب علينا بعد ذلك أن نشرح كيف أمكن أن يظهر في التاريخ دين يعمل في نفس الوقت من الداخل كعلاقة اقتصاديّة، وهذا أمر لا نجده في كلّ مكان. فما هي الظروف والدوافع التي جعلت ذلك ممكنًا؟ ومن هنا يمكننا أيضًا التساؤل ما إذا كان الدين هو المهيمن في هذا المجتمع، لأنّنا نجده يُهيمن كذلك على كلّ مناحي الحياة المادّية والاقتصاديّة فيه. هنا تكمن المشكلة النظريّة: أليس ما يُهيمن على الحياة المادّية في مجتمع ما، هو ما يُهيمن على مجمل الحياة الاجتماعيّة؟ ومن هنا هذه الفرضيّة: ما يُهيمن هو ما يصلح ليكون بنية تحتيّة للحياة المادّية، أي دعامة للمجتمع. وبالطبع، فإنّه يُمكن تفنيد فرضيّة العمل هذه أو تأكيدها حسب كلّ حالة، لأنّ الدين باعتباره علاقة مع الخارق للطبيعة موجود في جميع المجتمعات. وينطبق هذا الأمر نفسه على القرابة: لا يُوجد مجتمع يخلو من شكل اجتماعي للتّكاثر، أي للزّواج والتوالد. فإذا كانت القرابة في جميع المجتمعات تلعب هذا الدور المعروف في تنظيم المصاهرات وتنظيم التوالد، فلماذا نجدها تُهيمن على مجمل الحياة الاجتماعيّة لمجتمعات معيّنة دون أخرى، بينما لا نجدها تهيمن في مجتمعاتنا [الغربيّة] رغم أنّها تلعب فيها نفس الدور؟ لا بدّ أن نجد شيئًا في عمل المؤسّسة ذاته هو ما يجعلها تُهيمن أو لا تُهيمن: فوظائفها الكونيّة لا يُمكنها أن تُفسّر حقيقة أنّها تُهيمن في شروط خاصّة.

  1. كيف تُطرح المسألة في المجتمعات الغربيّة حيث يبدو الاقتصاد مستقلاًّ؟ ألم يُسهم ماركس في إعادة طرح الأسئلة الحاسمة على الرغم من أنّه قال ذات مرّة إنّ الاقتصاد ليس محدّدًا إلاّ في نهاية المطاف؟

قام ماركس بتوضيح ما كان يعرفه بالفعل سابقوه. فمنذ القرن الثامن عشر، أظهر الفيزيوقراطيّون وغيرهم أنّ النظام الاقتصادي لإنتاج السلع الرأسماليّة قد بدأ يعمل بذاته ولذاته. وقد ترافق هذا الاستقلال الاقتصادي النسبي مع تحوّلات في أشكال الدين وفي القانون وفي الأسرة. فقد تشكّلت الأسرة العُمّاليّة في نفس الوقت الذي تشكّلت فيه الأسرة البرجوازيّة، أي الأسرة الصناعيّة. فكلّ هذه التحوّلات مرتبط بعضها ببعض، ومتساندة في ما بينها.

فما الذي حدث؟ في المجتمعات الرأسماليّة، يُوجد نوع من تأثير المعرفة ومن تأثير الجهل. فمن جهة تأثير المعرفة، فقد أضحى من الأسهل قياسًا بالعصور السابقة، تقدير دور الحياة الماديّة وأثرها في المجتمعات، لأنّه لو نظرنا إلى هذه المؤسّسات العملاقة ومدى التوسّع الهائل للإنتاج المادّي، فإنّ على المرء أن يتساءل بأثر رجعي ومقارنيّ حول دور الإنتاج والتنظيم المادّي في تطوّر المجتمعات. لكن في نفس الوقت يُوجد تأثير الجهل، حيث أنّ الاقتصاد في مجتمعاتنا منفصل عن السياسي والديني. فالعمّال في المصانع مرتبطون بعقد عمل يقوم على شروط اقتصاديّة مع ربّ العمل، لا على شروط دينيّة. فهذان الطرفان لا يشتركان بالضرورة في نفس المعتقد الديني؛ كما لا تُوجد علاقات قرابة بينهما، وإن وُجدت فهي لا تُؤثّر على رواتب العمّال إلاّ في حالات خاصّة ودون أن يكون لها كبير أثر على المستوى الاجتماعي العامّ. وهذا هو السبب في أنّه بات من المتعسّر فهم دور الاقتصاد في المجتمعات الأخرى، حيث لا يكون الاقتصاد منفصلاً سواء عن الدين كما في التبت، أو عن القرابة كما هو الحال عند سكّان أستراليا الأصليّين، أو عن السياسي الديني كما عند قُدامى شعب الإنكا أو الأزتك. ويعود هذا الأمر إلى كون السياسي والديني مقولتين غربيّتين تعكسان الفصل بين المؤسّسات وبين الوظائف الموجودة في مجتمعنا [الغربي]. بيد أنّ هذا الفصل بين الوظائف أو المؤسّسات ليس ظاهرة كونيّة تعيشها كلّ الشعوب، بل له قيمة معرفيّة فحسب، إذ يسمح بطرح بعض المسائل التي لن نجدها في مجتمعات أخرى وفي أزمان أخرى. ما يُميّز مجتمعنا [الغربي] هو أنّ الوظائف المنفصلة تتوافق مع مؤسّسات منفصلة. أمّا في المجتمعات الأخرى، فنجد لبعض العلاقات الاجتماعيّة تعدّدًا وظيفيًّا. بل إنّ تلك العلاقات الاجتماعيّة نفسها تقوم بوظائف متعدّدة في الوقت ذاته، وهو ما لا يعني اندماج الوظائف بقدر ما يعني ترابطها بشكل مختلف. ومن هنا، فإنّ المنطق المقارن للحضارات يقتضي في ما يقتضي البحث عن منطق الوظائف في خصوصيّة المؤسّسات.

وبالطّبع، فإنّه تُوجد جوانب عديدة للمؤسّسات. ولنأخذ الدين في مجتمعنا [الغربي] مثلاً، فسنجد أنّ له جوانب اقتصاديّة: فمن أجل الحفاظ على الكنائس وتدريب الكهنة، لا بدّ من إيجاد شكل معيّن من توزيع الثروة الاجتماعيّة يُوفّر للكنيسة الوسائل الماديّة للوجود والديمومة. وبالتّالي، فإنّ للدّين جوانبه الماديّة. لكن ما يهمّنا عمومًا وكما سبق قوله، هو أنّ منطق إعادة إنتاج العلاقات الاقتصاديّة الرأسماليّة، لا يمرّ عبر إعادة إنتاج الكاثوليكيّة أو البروتستانتيّة أو البوذيّة. فالمنطق العامّ يقتضي أن لا تتمّ إعادة إنتاج القاعدة الماديّة عبر إعادة إنتاج العلاقات الدينيّة. وعلى العكس من ذلك، نجد في مجتمع تلعب فيه القرابة دور علاقة اقتصاديّة، أنّ إعادة إنتاج علاقات القرابة تُعيد أيضًا إنتاج النفاذ الاجتماعي إلى الموارد. وبالتّالي، فالأمران هنا مرتبطان.

ولنعد إلى التعدّد الوظيفي: إنّنا نقصد بالتعدّد الوظيفي شيئًا أكثر تعقيدًا من مجرّد تعدّد الجوانب الخاصّة بكلّ ظاهرة اجتماعيّة. أي أنّنا نقصد حقيقة الوجود الدائم في كلّ مجتمع لمجموعة من العلاقات التي يبدو أنّ إعادة إنتاجها يُؤدّي إلى إعادة إنتاج بقيّة أجزاء المجموع. وهذا هو الدور الاستراتيجي لسلسلة الأنشطة التي تصنع ظاهرة ثقافيّة وربّما ظاهرة حضاريّة ما.

بيد أنّ شرح أسباب هذه الهيمنة لا يخلو من مشكلة نظريّة. فتعدّد وظائف إحدى الظواهر لا يُمثّل في حدّ ذاته موضوع نقاش كبير. فالأهمّ هو هيمنة ظاهرة تبدو مركزيّة واستراتيجيّة في إعادة إنتاج جوانب أخرى من الحياة الاجتماعيّة والمجتمع ككلّ. لكن هذا الأمر يتعلّق في الوقت نفسه بإعادة إنتاج الفرد كما تُحدّده علاقاته بالآخرين. وهنا تغدو المهمّة أكثر تعقيدًا.

  1. يبدو من السهل نسبيًّا رؤية ما هو أساسي في المجتمعات الأخرى “الغريبة”. لكن هل بتنا عاجزين عن ذلك في مجتمع غربي رأسمالي، أم علينا الانطلاق من الاقتصاد؟

من المعروف عند الجميع أنّ تراكم الثروة (بالنسبة إلينا [في الغرب]، الثروة ذات الأشكال النقديّة والمادّية) يُمثّل شيئًا مهمًّا للغاية في الحياة الفرديّة والجماعيّة للمجتمعات. فالنّاس يُنَزّلون منازلهم حسب الطريقة التي يُراكمون بها الثروة، ولديهم إمكانيّات اجتماعيّة للتعبير والتطوّر بقدر ما لديهم من إمكانيّات لاكتساب المال. ومع ذلك، فإنّه لا يُوجد مقياس كوني للثّروة، على غرار مقياس المال عندنا، في العديد من المجتمعات. فأن تكون ثريًّا في بعض المجتمعات يعني أن يكون لديك عدد معيّن من الأشخاص المرتبطين بك شخصيًّا، وأن تتحكّم في مخزون من علاقات التبعيّة. كما أنّ الثروة في مجتمعات النمط العبودي أو الفيودالي، تُقاس إلى جانب إلى حيازة الأرض، بعدد الأتباع. فالأرض ثروة، لكنّها بشكل عامّ لا تنتج أيّ شيء بمفردها، فهي تتطلّب أيضًا وجود أتباع. وحين لا تكون الثروة الماديّة أرضًا بل شيئًا آخر، مثل الموارد الرأسماليّة في النظام الصناعي، فإنّ كلّ شيء يتغيّر؛ ولن تعود أشكال التبعيّة هي نفسها، ولا أشكال الثروة هي ذاتها. أمّا في مجتمعاتنا [الغربيّة]، فتُعتبر الثروة الاجتماعيّة ومكانة الأفراد ونفادهم إلى الثروة الاجتماعيّة في شكل نقود أو ما شابهها، وما يُمكن شراؤه وبيعه، هي الظاهرة المهيمنة. لكنّ مجتمعاتنا مجرّد شكل من أشكال المجتمع التي يلعب فيها الاقتصاد دورًا مهيمنًا بشكل واضح ومكشوف. وبالطبع، فقد كان الصراع بين الأغنياء والفقراء عند اليونان يحتلّ المشهد الاجتماعي بأكمله، لكنه كان صراعًا بين رجال أحرار – وكانت الحرّية أمرًا أساسيًّا، إذ بمجرّد أن يفقد المرء حرّيته، فإنّه يُصبح عبدًا، ويغدو “خارج” المجتمع. وبالتالي، فقد كانت الصراعات حول الثروات والتفاوت في الحصول عليها خاضعة لشرط الحرّية. وقد كانت صفة الرّجل الحرّ تتفوّق عمومًا على صفة الرجل الثريّ، إذ كان يُوجد عند اليونان أغراب في غاية الثراء، لكن لم يكن لديهم حقّ التمتّع بامتيازات الرجل المواطن الحرّ. إذن، فقد كان منطق سلوك الأفراد والحضارة وشكل الثقافة مختلفًا. ولعل مجتمعنا الغربي هو المجتمع البشري الوحيد، على ما يبدو، الذي يُمكن فيه للمال أن يحلّ محلّ جميع أشكال التبعيّة وجميع أشكال الثروة. وهذا هو السبب في أنّ الاقتصاد عندنا هو العلاقة المهيمنة حقًّا.

  1. هي مهيمنة، لكنّها غير صريحة تمامًا كذلك، لأنّه يُوجد تناقض مطلق بين هذه الهيمنة مثلاً وبين النموذج الديمقراطي الذي تدّعيه العديد من المجتمعات الغربيّة.

نعم، لأنّ العلاقات الرأسماليّة تتّخذ شكل عَقْدٍ. فالعامل يُفترض أن يكون حرًّا في شخصه، ويمكنه رفض العقد، لكن صاحب العمل له نفس حقّ القبول أو الرفض. وأن يكون المرء حرًّا في شخصه، هو شكل أصيل تمامًا للوجود الاجتماعي. ومن الناحية النظريّة وبشكل عامّ، لا تحتاج الرأسماليّة إلى قيود مباشرة على الأشخاص، ولذلك كانت قيودها غير مباشرة. فالعجز عن امتلاك وسائل الإنتاج، أو المالٍ، يُجبر الأفراد على بيع جهدهم المادّي والفكري لمن يملك تلك الوسائل، لكنّ المالك أيضًا يحتاج قوّة عمل الآخرين لتثمير رأس ماله. يُوجد إذن، رابط بنيوي ما بين الرأسماليّة والديمقراطيّة، يقوم على الشكل التعاقدي للعلاقة الاقتصاديّة والاستغلال، أي على العقد الذي ينعقد في الظاهر بالتراضي وبإرادة حرّة، وهو ما يضمن بالتالي إمكانيّة فسخه، وهذا ما لا نجده في حالة العبد. فالعبد غنيمة حرب ويُسترقّ بالعنف المباشر، بينما نجد العنف في الرأسماليّة هو عنف العلاقات الاقتصاديّة الذي يتّخذ شكل ضرورة غير شخصيّة. وهذا هو السبب في أنّنا نجد الأنظمة الملكيّة في البلدان الرأسماليّة أنظمة دستوريّة، إذ يجب ضمان حقوق للأفراد حتّى يتمكنّوا من المشاركة في عمليّة الإنتاج. وهذا ما قوّض العلاقات ما قبل الرأسماليّة، ومؤسّسات ما قبل الرأسماليّة، وأشكال التبعيّة القديمة. فالحكومات من النوع الأرستقراطي أو الملكي مجبرة على أن تُصبح حكومات دستوريّة، وإلاّ تحوّلت إلى دكتاتوريّة.

  1. مقاربة الحضارة البريطانيّة والأمريكيّة تحصر الدراسة في أجزاء منفصلة لا رابط بينها: الديموغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ، إلخ، يُنظر إليها بمنظور تقني محض ودون أيّ توليف بينها على الإطلاق.

لا تكمن الصعوبة في التحليل أو في التوليف. فمثل هذه الإجراءات عاديّة في العمل العلمي، إذ لا يمكننا تحليل كلّ شيء دفعة واحدة، ولا بدّ من التفكيك. ولكن يتعيّن علينا بعدها إعادة بناء الكلّ انطلاقًا من الأجزاء، وإضفاء  اتّساق على ما قمنا بتحليله في كلّ جزء. بيد أنّنا قد نفقد هذا الاتّساق إذا ما قطّعنا الواقع بطريقة اعتباطيّة، أي دون الاهتمام بالقول: ما يبدو لنا مختلفًا هنا قد لا يكون سوى شكل مختلف لنفس المنطق أو مجرّد جانب من مستوى مختلف لنفس النظام. فهذه الإمكانيّة في العثور على تأثيرات مختلفة لنظام واحد، قد تضيع منّا عند اعتماد بعض طرق العمل. ولذلك يجب أن نعمل من أجل أن نكون قادرين على تفكيك الواقع، ومن ثمّ إعادة بنائه. التفكيك يعني التحليل، وإعادة البناء تعني التوليف، لكن التوليف يجب أن يتمّ بحيث يُمكن إظهار المنطق الذي يحكم الكلّ، أي يحكم الترابط بين أجزاء مؤسّسة أو نظام، وهذه هي المشكلة الكبرى.

  1. المشكلة الكبرى أيضًا هي أنّنا لا نعمل في مجال بكر. فقد أنتج مجتمع مثل المجتمع الأمريكي بالفعل تراكمًا رائعًا للتّفسيرات الأيديولوجيّة لنظامه الخاصّ على يد تالكوت بارسونز (Talcott Parsons) ودانيال بل (Daniel Bell) وسيمور مارتن ليبست (Seymour Martin  Lipset) وآخرين. وتكمن الصعوبة في أنّ أدوات العمل المتاحة لنا والتي وفّرها لنا جزئيًّا المجتمع الأمريكي نفسه، غالبًا ما تُمثّل حجابًا حاجزًا بين الواقع والباحث.

إنّ الحجاب الذي تصنعه أداة العمل نفسها يُشوّش الرؤية، ولا بدّ من العمل على حلّ هذه التناقضات في الممارسة العلميّة ببطء من خلال وضعها في منظور نقدي. ومن المؤكد أيضًا من جهة أخرى، أنّ طريقة طرح الأسئلة ذاتها تمنع أحيانًا الإجابة أو تجعلها غير قابلة للتّفسير على وجه مخالف، وهذا هو الثمن المعتاد لأيّ قراءة للوقائع الاجتماعيّة. وبالطّبع، فأنت تقوم هنا بتحليل مجتمع أنتج بطريقة ديناميكيّة خارقة جزءًا من علم الاجتماع الحديث والديموغرافيا الحديثة، إلخ. وهذا كلّه يمكن أن يكون بمثابة حجاب.

  1. لا سيّما أنّ هذه الأدوات هي في الأساس أدوات منهج يهدف إلى تبرير النظام.

نعم، غالبًا ما تُضفي المفاهيم شرعيّة على الرؤية التي يمتلكها النّاس حول مجتمعهم وحول أنفسهم، أي أنّها بدلاً من أن تكون أدوات علميّة تسمح بأخذ مسافة من هذه الرؤية، فإنّها تغدو شكلاً آخر من أشكال تبرير تلك الرؤية. ولكن حين يذهب عالم الإناسة إلى مجتمع يؤمن فيه الناس بفعاليّة التعاويذ، فإنه في كثير من الأحيان يكون غير مؤمن بتلك التعاويذ. وهنا تُسهّل عليه علاقته مع الآخرين العمل بشكل نقدي على أدواته الخاصّة – أي على مفاهيم الآخرين وعلى مفاهيمه. ولا مندوحة من قراءة تاريخ نشأة المجتمع الأمريكي هو أيضًا إناسيًّا. فهذا مجتمع نشأ في حقبة معيّنة في سياق توسّع أوروبّي، من مجموعات قادمة من انكلترا وأفريقيا، ولاحقًا من أوروبّا الوسطى والشرقيّة وبلدان البحر الأبيض المتوسّط​​، إلخ. واللغة النهائيّة التي استقرّ عليها المجتمع هي لغة من أصل أنكلوسكسوني، ومع ذلك فهي لغة أمريكيّة. فهل النماذج المهيمنة هي تلك الخاصّة بإنكلترا ما قبل العصر الفيكتوري؟ كيف اندمجت المساهمات البولنديّة والمكسيكيّة وغيرها في هذه الثقافة؟ إنّ القراءة الإناسيّة لأمريكا ممكنة، وقد اهتم العديد من علماء الإناسة بالمجموعات العرقيّة في أمريكا. وفي الوقت نفسه، ما هو مثير للاهتمام بشأن كلّ هؤلاء الأفراد من مختلف الأعراق والأصول، والذين قدموا في فترات مختلفة، هو أنّهم يخضعون لمنطق عامّ. فكيف نشأت هذه الروح الأمريكيّة وهذا التمثّل، وهذا التوافق على الديمقراطيّة الأمريكيّة، وهذه الإيديولوجيا التي تُضفي الشرعيّة؟ يُوجد فراغ هائل في ما يتعلّق بإنكلترا، ولا يُوجد في فرنسا سوى عدد قليل من كبار المؤرّخين المتخصّصين في إنكلترا وأمريكا. يُوجد غموض كبير في ثقافتنا حول جيراننا المباشرين. هناك ندرة في المعلومات والأبحاث، وهو ما يجعل مناقشاتنا تقتصر في الغالب على اجترار قوالب نمطيّة. وسيكون لدينا قريبًا متخصّصون في العصور الوسطى الانكليزيّة أكثر ممّا لدينا من المتخصّصين في إنكلترا القرنين التاسع عشر والعشرين – وهذا أمر خطير للغاية. وإن لم تُوجد إمكانيّة تجديد في القضايا والتحليلات، فإنّ الفوز سيكون حتمًا حليف القوالب النمطيّة.

وفي الوقت نفسه، امتدّت الحضارة الأنكلوسكسونيّة إلى مناطق متعدّدة في آسيا وأمريكا وأفريقيا وأستراليا. ولا بدّ من مواصلة دراسة هذه الحضارة بعيدًا عن موطنها، أي في أماكن أخرى من الإمبراطوريّة البريطانيّة الآفلة حيث أجبرت ثقافات ومجتمعات بأكملها على استنساخها. وفي هذا الصدد، جمع علماء الإناسة الكثير من الموادّ المتاحة لدارسي الحضارات. وبما أنّ السمات الرئيسيّة لهذه الحضارة تكون أكثر وضوحًا عند تصديرها في سياق استعماري، إلى الهند أو أيّ مكان آخر؛ فإنّه تُوجد قراءة محتملة لإنكلترا، انطلاقًا من الهند وأفريقيا والمستعمرات الأخرى في ما وراء البحار، أي قراءة أساسيّة للحضارة الإنكليزيّة من خلال التوسّع والهيمنة الاستعماريّة الأنكلوسكسونيّة في معناها الصحيح.

المقال الأصلي:

« Sur la notion de civilisation: Entretien avec Maurice Godelier », Revue française d’études américaines, n°3, Éditions Belin, Paris, 1977, p. 11-25.

النسخة المنقّحة التي اعتمدناها في الترجمة:

« Sur la notion de civilisation: Entretien avec Maurice Godelier », Transatlantica. American Studies Journal, 1/2002.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق