مقالات

صداقة فلسفية: هايدغر/بوفري «أن نغترب حتى نبلغ ذواتنا»

«كلامك ذو ألق حيوي، شديد الحزم، يصدر عن ذهن مفعم بالحيوية، حريص على الملامسة الدّائمة لما هو جوهريّ، إلى حدّ أن كل قارئ سيكون ممتنّا لهذه المساعدة التي تقدّمها للفكر عندما يظلّ مقتفيا الأثر».

من رسالة وجهها هايدغر إلى بوفري 22/11/1975

 

عرف تاريخ الفلسفة فلاسفة ارتبطت أسماؤهم، بعضهم ببعض، على عدّة أوجه: أفلاطون/أرسطو، الغزالي/ابن رشد، ماركس/إنجلز، دولوز/غواتاري، هايدغر/ ح. آرندت، هايدغر/بوفري، سارتر/ميرلوبونتي، سارتر/كامو، لاكو لابارت/ج.ل. نانسي… إلاّ أنّ أكثر تلك العلائق ذيوعا هو علاقة المعلّم بالتلميذ: سقراط /أفلاطون، أفلاطون/أرسطو، هوسرل /هايدغر، هايدغر/غادامير، باشلار/ألتوسير، ألتوسير/ فوكو … ما يميّز هذا الصّنف من العلائق عن غيره، هو أنّه غير قابل للانعكاس: عندما يتمكّن التّلميذ من فكره الخاص، لا تنعكس العلاقة، ولا يصبح معلمَ معلّمِه. فغالبا ما يتمّ الانفصال بعد مدّة قد تطول أو قد تقصر ( ونحن نعلم أنها دامت في حالة أفلاطون /أرسطو مدة 18 سنة).

ما طبيعة العلاقة التي ربطت الفيلسوف الفرنسي جان بوفري[i] بالمفكر الألماني مارتن هايدغر أزيد من ثلاثين سنة؟ قبل أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال، ونحدّد طبيعة هذه «الصداقة الفلسفية»، لنتتبع نشأتها وتطوّرها كما يرويهما بوفري[ii] نفسه:

«اعتقدت لمدة طويلة أن هايدغر هو الذي كان وراء ما كنت أعتبر أنه الفلسفة في أعظم صورها، وأعني سارتر. وعندما قمت بالرّحلة إلى فرايبورغ، فإنّ ذلك كان أيضا تطلّعا إلى معرفة ما الذي جعل مؤلَّف سارتر ممكنا، وأعني كتاب الوجود والعدم.

كنت فقط قد سمعت عن هايدغر، عن طريق سارتر بطبيعة الحال، وفيما قبل عن طريق كوربان H.Corbin، مترجِم محاضرة هايدغر : ماهي الميتافيزيقا؟ لم أكن قد قرأت هايدغر، ولم أكن أفهم شيئا فيما يقول. في الثّانوية الفرنسية في الإسكندرية، سنة 1937، درّست الفلسفة وفق الطّريقة الأكاديمية المعهودة، مثل أيّ مبرّز وقتئذ. لا انفتاح مطلقا على الفينومينولوجيا. وعند عودتي من مصر، وبعد التّجنيد سنة 1939، ها أنا في مدرسة الإقامة العليا في كومبييني بصحبة ميرلو بونتي. أطلعني على نصّ لهوسرل كان قد رقنه للتوّ: “قلب مذهب كوبيرنيك: الأرض من حيث هي مبدأ لا تتحرك” لكن لا يكفي القول بأنّ الأرض لا تتحرّك حول الشمس كي يلج المرء الفينومينولوجيا.

بعد هذا اعتقلت. تمكّنت من الفرار، فعُيّنت في ثانوية غرونوبل. وعلى ما أذكر، بعد عيد الفصح سنة 1940، استعرت من خزانة الجامعة كتابا لهوسرل. لكنّ الحدث الحاسم كان هو قراءة مقالة سارتر: فكرة أساس في فينومينولوجيا هوسرل: القصدية. ذاك ما كان يهمّني أنا كذلك عند هوسرل. انسقت في قراءة كتاب معاني، لكنّني اكتفيت بتصفّح كتاب الأبحاث المنطقية. وانتهيت بأن فهمت، لحظة مغادرتي لحمّام في لاكروز، خلال عطلة صيف سنة 1942، أن المنظر صلب متراص. (كتب سارتر في المقال سابق الذكر: “كل شيء في الخارج، خارجا في العالم، بين الآخرين”).

فيما قبل، كنت أمرّ عبر ديكارت، عبر إله ديكارت. كشف لي هوسرل أنّ مهمة الفلسفة ليست في البداية الشكّ في وجود الأشياء الخارجية. خلال أسابيع بكاملها، تلذّذت بفرحة اكتشافي.

في جامعة فرايبورغ، كان هايدغر قد خلَف هوسرل سنة 1928. حتّى ذلك الوقت، لم أكن أعرف هايدغر إلا بما أسمعه عنه، لكنّني كنت أحْذره، لأنّني كنت أعلم أنّه يتحدّث عن القلق، والعدم. كانت هذه المفهومات تثير تشكّكي. ماذا كانت تخفي؟ أهي نزعة رومانسية؟ كنت مصرّا على توضيح الأمور، لذا، فبعد عطلة 1942- وكنت أستاذا في ثانوية آمبير في مدينة ليون- طلبت كتاب الوجود والزمان الذي كان صديقي في المقاومة جوزيف روفان Joseph Rovan ، الذي كان يبرع في تزوير أوراق التّعريف، قد نقل إلى الفرنسية بعض صفحاته لمجلة لارباليت  L’Arbalète. وسرعان ما اكتشفت في هايدغر فلسفة أخرى مخالفة لتلك التي تُعلَّم، والتي قادتني نحو ما يشبه الجحود للفلسفة. خلال ما يقرب من سنتين، كنت أشتغل مع روفان وآخرين، إلى أن غادروا مدينة ليون متوجّهين إلى داشو، ويوم 6 يونيو 1944 (جاء حارس عامّ في الثانوية ليخبرني: “إنّهم رسوا”) باغتني وأنا أحرس امتحان شهادة الباكالوريا وأتهجّى الوجود والزّمان.

تمخّضت سنوات القراءة هذه عن المقالات التي ظهرت  بين سنتي 1944 و1946 في مجلة كونفلويانس Confluences حيث حاولت فيها أن أشرح لنفسي هوسرل وهايدغر.

ما تلا مجردُ حوادث تلاحقت صدفة. من يزوّدني بأخبار هايدغر؟ هل مازال على قيد الحياة؟ ذات صباح، وعلى صفحات تير ديزوم Terre des hommes، عثرت على صورته مرفقة بالتّعليق: “ما هي الميتافيزيقا؟ هايدغر في حوار مع بعض جنود الحلفاء. ” فيما بعد، وفي مطعم الكوك دور Coq d’or ، كان عليّ أن ألتقي أحد أولئك الجنود وكان يجلس بالطّاولة جواري واسمه توارنيكي Frédéric de Towarnicki، وكان منشطا ثقافيا لدى قوات المحتل». (انتهى اقتباس بوفري).

نعرف كيف تمّت الحكاية فيما بعد، فقد أخبره الجنديّ أنه مكّن هايدغر من مقالات مجلة كونفلويانس، لذا قرّر بوفري أن يراسل الفيلسوف الألماني في نوفمبر سنة 1945. وصادف أن مهتمّا بالدراسات الألمانية وهو بالمي Palmer، كان بوفري قد تعرّف عليه في غرونوبل، كان متوجّها إلى فرايبورغ فحمّله بوفري رسالة يخاطب فيها هايدغر: “معكم تحرّرت الفلسفة من كل سطحية واستعادت كرامتها وجلالها”. وقد ردّ عليه هايدغر  قائلا: “لدي إحساس بأنّ في فكر الفلاسفة الفرنسيين الشبان، وثبة مهمة تكشف جيّدا أن هناك في هذا المجال ثورة في طريق التّهييء ”.

بعد الزّيارة الأولى التي قام بها بوفري لهايدغر سنة 1946 نشأ الحوار الذي كان المفكر الألماني قد عبّر عن رغبته في أن يتمّ بينهما في جوابه عن رسالة بوفري سنة 1945 حيث كتب: “يتطلب الفكر الخصب، فضلا عن الكتابة والقراءة، جِماع الحوار مع هذا العمل الذي هو تعلّم متلقَّى، وتعليم يُلقى في الوقت ذاته”.

سيستمر هذا الحوار الذي تمنّاه هايدغر حتى بعد وفاته، وستظل الصداقة بينهما تتغذى عليه منذ الرسالة في النزعة الإنسانية (12 ديسمبر 1946) حتى وفاة بوفري نفسه. بل إن المفكر الفرنسي هو الذي سيلقي محاضرة هايدغر “نهاية الفلسفة ومهمة الفكر” خلال الندوة التي نظّمتها اليونيسكو تكريما لكييركغارد يوم 21 أبريل 1964.

نحن إذاً أمام علاقة من نوع خاصّ، ليست علاقة تلمذة، ولا هي علاقة شروح وتعليقات، ولا حتى نقل وترويج. لنقل إنها علاقة “صداقة فلسفية”، فما طبيعتها؟ وما الذي يميّزها عن العلائق الأخرى؟

لم تكن هذه “الصداقة”، كما قيل عنها، “وساطة” بين الفلسفة في فرنسا وبينها في ألمانيا. فبوفري لم يكن فحسب الرّجل الذي “أدخل” هايدغر إلى فرنسا، وهو لم يكن بالأحرى معلّقا شارحا لنصوص الفيلسوف الألماني، كما أنّه لم يكن ترجمان بعض مؤلّفات هايدغر بالمعنى المتداول لكلمة ترجمان.

لتحديد طبيعة هذه “الصداقة” ربّما ينبغي أن نقترب منها من عدّة أوجه. ففيما يتعلق بالتّدريس، لا يمكن أن نقول إن بوفري كان “يبشّر” بفكر هايدغر في دروسه. فعندما سيتحدّث عن “خصوصية” تعليمه فيما بعد، يقول عنه: “إنه لم يكن يشمل قطّ أيّ درس حول هايدغر، كان يظلّ في علاقة تماسّ مباشر مع الفكر الحيّ للفيلسوف[iii]. بل إن بوفري لم يعمل على جمع مقالاته ومحاضراته عن هايدغر إلاّ بعد أن أحيل على المعاش سنة 1972.

سنة 1955، وهي السّنة التي كان فيها لقاء سيريزي كتب بوفري: “إننا لا نستطيع تلخيص فكر هايدغر، بل لا يمكننا حتى أن نعرضه. إن فكر هايدغر هو ذلك الإشعاع الغريب للعالم الحديث نفسه الذي يتّخذ شكل كلام يقوّض استكانة اللغة إلى قول كل شيء”. لذا سيُسِرّ لتوارنينكي: “إن هايدغر لا يعمل على شرح النصوص وتفسيرها كما نقول في فرنسا، وإنّما هو يتعلم الإصغاء إليها: هذا كلّ ما في الأمر”.

لم تكن علاقة المفكر الفرنسي بنظيره الألماني إذاً علاقة شارح أدخل فكر هايدغر إلى فرنسا، كما أنّها لم تكن علاقة تلمذة، فرغم أن مدتها قد دامت أزيد من ثلاثين سنة إلا أنّها لم تعرف انفصالا، بل إن تلك العلاقة، كما قلنا، قد استمرت حتى بعد وفاة هايدغر سنة 1976. نحن بالأولى أمام علاقة متشابكة يمتزج فيها التعليم بالتعلُّم والحوار. وهذا بالمعنى الذي يعطيه بوفري للحوار عندما يقول: “أنْ تحاور، هو أن تصير قادرا على الإصغاء”. سيكون على الطرفين كليهما أن يتعلم، وسيتم هذا التعلّم عن طريق اللغة الخاصة بكل منهما انطلاقا من المحنة والامتحان الذي تتعرض له من طرف لغة الآخر و“الضيم التي تلحقه بها” على حدّ تعبير الجاحظ، وذلك “بهدف أن يتعلم كل طرف لغته، وينصت إلى ما تقوله، كي يتكلم مثلما تتكلم هي.[iv] هذه العلاقة بين اللغتين، الألمانية والفرنسية تذكرنا بما سبق لبوفري أن قاله عن علاقة لغة هايدغر الأم، باللغة الأم للوجود والحوار بينهما إذ: “بفضل  هذا الحوار، فإن اللفظ الإغريقي افتضح عن طريق ما يستجيب له في لغة أخرى غير الإغريقية، إلا أنّها لغة قريبة منه”. بهذا المعنى العميق الذي تمثُل فيه كل لغة أمام الأخرى Se traduit ، يغدو الحوار “ترجمة”، وبه يمكن أن نقول إن بوفري “مترجم” هايدغر.

هي إذاً علاقة “ترجمة”، علاقة لغة بأخرى، وفكر بآخر، وهي علاقة أفقية لا يعلو فيها طرف على آخر. فكأنّما كان كل منهما في حاجة إلى الآخر لبلوغ ذاته. بل إن أيّا منهما لم يكن ليدرك ذاته إلا بالخروج نحو الآخر. هذا ما يعبّر عنه بوفري نفسه بقوله: “أن نغترب حتى نبلغ ذواتنا”: « Nous dépayser jusqu’à nous-même ».

———————

[i]  ولد الفيلسوف الفرنسيّ جان بوفري Jean Beaufret يوم 22 مايو 1907 في أوزانس Auzances من أبوين يشتغلان بالتدريس، وتوفّي يوم 07 أغسطس 1982 في باريس. بعد أن أنهى دراسته الثّانوية، انتقل إلى باريس لتهيئ مباراة المدرسة العليا التي سييلجها سنة 1928 . حصل على التّبريز سنة 1933 بعد أن قضى سبعة أشهر في برلين أيّام هتلر. سجن سنة 1939، لكنّه تمكّن من الهرب من القطار الذي كان سينقله إلى المعسكرات الألمانية. فأخذ يعطي دروسه في المنطقة المحرّرة، وبالضبط في غرونوبل  Grenoble، في الوقت ذاته الذي كان فيه منخرطا في المقاومة. وفيما بعد عيّن في مدينة ليون بين 1942 و1944 ، وبعد التّحرير، التحق بثانوية هنري الرابع في باريس في سبتمبر 1946. وقد ظل مدرسًا بالأقسام العليا طيلة حياته المهنية من غير أن يتمكن من التدريس في الجامعة.

[ii]   أورده روجي كومف في مقدمة طبعة 2000 من كتاب:

  1. Beaufret, De L’existentialisme à Heidegger, Introduction aux philosophies de l’existence et autres textes, Paris, Vrin, 2000, pp 9-10

[iii]    J.Beaufret, Dialogue avec Heidegger , T.4, Minuit, p81.

[iv]   J.Beaufret, Dialogue avec Heidegger , T.1, Minuit, p18

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق