مقالات

استعارة السياسة-مسرحًا: هل نحتاج إلى ديموقراطيّة جديدة؟

“الدنيا مسرحٌ كبير، كلّ الرجال والنساء ممثلون على هذا المسرح، لهم

 مداخل ومخارج، ومتى يحين وقت ظهورهم، يلعب الواحد منهم أكثر من دور”.

(Shakespeare, as you like it, 2:7)

السياسة-مسرحًا: الاشتقاق والتشكّل

لا شكّ بأنّ العلاقة بين المسرح والعالم أو المسرح والحياة انبثقت من التراث الغربي وما كتبه المؤلّفون اليونانيّون القدامى مثل إسخيلوس، سوفوكليس، يوربيديس، وأريستوفانيس من مسرحيّات تراجيديّة وكوميديّة تجمع ما بين الشخصيّات الخارقة ذات الطبيعة الإلهيّة وبين البشر. كان العالم القديم ينظر إلى الحياة بوصفها مرحلةً زمنيّة تتحكّم بها الآلهة، حيث يؤدّي الإنسان أدوارًا مختلفة سبق وأن عُيّنت له. لذلك، أصبحت المسرحيّات والدراما مرآة مثاليةً تعكس الخبرات الوجوديّة وتحوّل المسرح من مجرّد وسيلةً للتّرفيه، إلى حقل تجارب يبحث عن حقيقة الوجود اليوميّ من خلال الخيال والأساطير؛ فمنذ نشأته في اليونان، كان العالم الخياليّ الّذي تخلقه المسرحيّات يقارن بالواقع الاجتماعيّ والثقافيّ والاقتصاديّ والسياسيّ للمدينة (Polis) وقد أصبحت هذه الفكرة شائعةً في الدرس البلاغيّ الحديث، وسمّيت باستعارة “المسرح-العالم” (Theatrum Mundi Metaphor).

تبلورت هذه الاستعارة وأخذت تبتعد تدريجيًّا عن الإطار اللّاهوتي الّذي نشأت فيه وبدأت تظهر في الأدب والتشكيلات الخطابيّة؛ ومن أبرز المسارح الّتي استخدمت فيها هذه الاستعارة على سبيل المثال لا الحصر إيطاليا وكوميديا ديلارتي، فرنسا ومسرحيّات موليير، إسبانيا ومسرح الباروك، إنجلترا ومسرحيّات شكسبير.

تتشكّل استعارة المسرح-العالم من مجموعة معقّدة من العلاقات الّتي يمكن التعبير عنها بمصطلح “ميكرو-استعارات” أو استعارات صغرى. إذا كانت خشبة المسرح (Stage) – في ظاهرها – انعكاسًا غير صحيح، أو لنقل غير حقيقيّ أو خيالي للحياة، فإنّ أيّ تقليد “شاحب” للواقع، بحسب التعبير الأفلاطوني، يمكن أن نسمّيه مسرحًا.  تقودنا العلاقة الجدليّة المعقّدة بين الفنون (المسرح) والحياة الاجتماعيّة  إلىى ربط المسرح ونظريّاته بأيّ مجال من مجالات الحياة؛ فإذا ما أخذنا المسرح والسياسة بوصفهما مجاليْن بلاغيّين، تُعدّ استعارة المسرح-العالم إحـدى الـدعائم الأساسـية الّتي يرتكـز عليهـا الخطـابان السياسيّ والمسرحيّ.

في الواقع، يشبه حقل التّواصل السياسيّ خشبة المسرح وتحديدًا المسرح الدرامي والتراجيدي والكوميدي. ويتشارك الحقلان الخصائص والأدوات والاستراتيجيّات والمكوّنات وأسس الأداء. ونظرًا لأنّ المسارح الّتي ذكرناها آنفًا تشتمل عادةً على الجوقات والعازفين، فإنّ من الطبيعيّ أن يؤدّي الفاعل السياسيّ أكثر من دور على خشبة الدولة. وتنسحب ديناميكيّة المسرح هـذه على كلّ العلاقات المحتملة في عمليّة التواصل السياسّي؛ فقد تتغيّر المقطوعات المعزوفة من حينٍ إلى آخر، وقد يتغيّر العازفون والممثّلون، بل يمكن أن تتغيّر نوعيّة الجمهور المتلقّي، ونمط علاقته بالعازفين وبالعرض، وقد تتمدّد خشبة المسرح إمّا توسّعًا وأمّا تضييقًا.

مسرح إبيداوروس القديم (اليونان)

 وإذا كان من المسلّم به – في بعض الأوساط الأكاديميّة – أنّ السّياسة هي السياسة والفنّ هو الفنّ وأنّ المجالين لا يتشاركان أيّة روابط واضحة، فإنّ هذا الفصل المجحف بين الفنون الحرة والحياة الاجتماعيّة لم يكن سائدًا من ذي قبل.

يكشف التتبّع التاريخيّ لتطوّر النظريّة السياسيّة ونظريّة المسرح، أنّه لم يكن من الممكن تصوّر عزل السياسة عن المسرح بالنّسبة إلى اليونانيين القدماء والرومان ومسيحيّي العصور الوسطى وفلاسفة عصر التنوير الأوروبيّ والرومانسيّين والمفكّرين الراديكاليين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إنّ المفهوم الإيكولوجيّ للسياسة على أنّها جزءٌ من كلّ، يساعد على فهم السياسة بشكل أفضل من خلال دراسة علاقاتها البينيّة والتكوينيّة. ويبدو أنّ هذا المنظور لا يزال ساريًا في العديد من الثقافات حتى يومنا هذا، مع العلم أنّه فقد موقعه المركزيّ في الغرب.

ظهرت فكرة السياسة شكلًا من أشكال المسرح في التاريخ الأوروبي عام 1848؛ عددٌ قليل ممّن كتبوا عن أحداث ذلك العام، فشلوا في التعبير عن الوعي الذاتي الثوري سواء اللّفظي أو الإيمائيّ أو الجرافيكي-المسرحي. نحن نعلم أن ألفونس دي لامارتين كان يتدرّب على آداء خطاباته أمام المرآة، كما أن ظهوره خطّيبًا أمام الجمهور يدين بالأداء الفذّ لصديقه العزيز فرانز ليزت. ونعلم أيضًا أنّ الزعيم الراديكالي ليدرو رولين قد أولى اهتمامًا ملحوظًا للتأثير الّذي أحدثه الممثّل الشهير فريديريك ليميتر في جمهوره. وفي وصف الأداء السياسيّ بتعابير المسرح يقول دي توكوفيل عن أحداث 24 فبراير في فرنسا: “لم أتمكن أبدًا من أخذ الممثّلين على محمل الجدّ وبدا لي الأداء كلّه وكأنّه تراجيديا رديئة لعب أدوارها ممثلّو المقاطعات !”. ويقع قارئ كتابات ماركس المعاصرة على مجموعة متنوّعة من البنى الاستعاريّة الصّغرى المشتقّة من استعارة المسرح-العالم المفهوميّة، وكلّها تصف التطوّرات السياسيّة وتحاول إدراكها من خلال ربطها بمجال المصدر (Target Domain) ومفاهيمه أعني المسرح؛ يستخدم ماركس عبارات من مثيل:”داخل المسرح وخارجه، فوق المسرح وأسفله، لعب الأدوار والتأثير الدرامي، الجوقة والأداء الفرديّ، التراجديا والكوميديا…إلخ”.

وعلى الرّغم من تعدّد الأدبيّات المتعلّقة بالجانب المسرحي للسّياسة (Politics as theatre) والطّرق الّتي تُنتج بها السلطة السياسيّة، إلّا أنّ معظمها يرتبط بشكل غير مباشر بالمسرح السياسيّ (Political Theatre). ونظرًا لاّنّ السياسة-مسرحًا هي استعارة مستمدّة من الاستعارة الكبرى المسرح-العالم، لم يكن من السهل التعبير عنها سوى بالاستعانة بمفاهيم متنوعّة مرتبطة بطريقة أو بأخرى بمجالي المصدر والهدف ولكن من دون أن تنتمي إليهما حصرًا. ولقد أدّى هذا التداخل بين المجالات والتقاليد إلى غموض المصطلح وتاليًا إلى ارتباك تحليليّ كبير.

على سبيل المثال، يجمع عالم الأنثروبولوجيا كليفورد غيرتز بين العمل الميداني حول “حالة المسرح” مع اهتمام أكثر شمولًا بكيفيّة تشكل الأحداث نصًا اجتماعيًا (Social Text). يمكن لبنية “النّصّ الاجتماعيّ”، بقدر ما ترتكز على وصف الأنشطة الّتي يمارسها الفاعل الاجتماعي (Social Actor)، أن تستدعي أفكارًا وسرديّات نقديّة تعود لأكثر من ناقد، قد يختلف هؤلاء فيما بينهم – إن من حيث المنهج أو من حيث المجال النقدي – على الرّغم من تقاطع أعمالهم واهتمامهم المشترك بتفسير مفهموم “السلطة”. في هذا السياق، نرى بعض النّقاد ينحازون إلى المجال البلاغي اللّسانيّ مستخدمين المجازات والاستعارة كما في أعمال كينيث بيرك. بالنسبة إلى آخرين، فإنّ تحليل السلطة ينطوي على استخدام مصطلحات الحرب في وصف معارك الخطاب كالأَقلَمةُ (Territorialization) والانتماء، والفضاءات الخطابيّة السيميائيّة، كما هو الحال في أعمال لوفيبفر، دولوز، بيوتر كاب وشيلتون. ويبدو أنّ الممارسات الخطابيّة – بوصفها رأسمال رمزيّ على حدّ تعبير بيار  بورديو – تشكّل محور البحث لدى هؤلاء النقّاد. بيد أنّ عددَا قليلًا منهم يولي اهتمامًا خاصًّا  للمسرح السياسي وعلاقات الاتّصال بين مجالي المصدر والهدف (المسرح والسياسة).

المسرح السياسي:  من اليونان حتى العصر الحديث

ابتدع اليونانيّون الديمقراطيّة والمسرح معًا؛ في الواقع، لقد شكّلت انتقادات أفلاطون للديمقراطيّة والدراما حدسًا عامًا بأنّ المسرح قد أدى دورًا مركزيًّا في الحياة السياسيّة للمدينة؛ فمسرح ديونيسوس – الّذي يمكن مقارنة بنيته وقدرته التأثيريّة بهيكليّة الإكليسيّة الأثينيّة – يعدّ موقعًا بديلًا يرمز إلى النقاش الديمقراطيّ. قبل اعتماد الديموقراطيّة نظامًا للحكم – والّتي تبلورت على يد فلاسفة مثل سولون وكلايسثينيس وإفيالتيس – حكمت أثينا سلسلة من القضاة الأرستقراطيّين وكان نظام الحكم ملكيًّا يقوم على الأوليغارشيّة والاستبداد . في مواجهة هذا النظام السياسيّ، دعت الحاجة إلى إحداث انتقال ثقافي سلس للمواطنين الّذين خضعوا للحكم السابق. حدث هذا الانتقال عبر العروض المسرحيّة والمهرجانات؛ وفقًا لبيتر بوريان، أستاذ الدراسات الكلاسيكيّة والدراسات المسرحيّة في جامعة دوك، كان المسرح اليونانيّ وبخاصّة التراجيديا الوسيلة الأسهل والأفضل لحشد ولاء الجمهور واستبدال قناعاتهم.

تشير مسرحيّة سوفوكليس “أجاكس” إلى انتصار القيم الديمقراطية من خلال مبدأ التكيّف الأخلاقي الرائع لبطل المسرحيّة “أوديسيوس”. في الديموقراطيّة الأثينيّة كان الأثينيّون يفضّلون أولئك الّذين يتمتّعون بمرونة ويجيدون الالتفاف والتأقلم، وكان أوديسيوس واحدًا من هؤلاء، لأنّه استطاع أن يتجاوز أخلاق العصر البرونزي التقليديّة (دمّر أعدائك، لكن أحبّ أصدقائك)، إلى نظام جديد أكثر لينًا وطواعيّةً.

بعد انتحار أجاكس، لم يكن أوديسيوس قادرًا على إظهار عاطفة الشفقة تجاه ندّه، لكنّه أبى أن يمرّ موته من دون احترام وتكريم. لذلك دعا إلى دفن أجاكس بشكل لائق معارضًا رغبات أجماممنون وأخيه (Atreidae) اللّذيْن يرغبان، بدافع الانتقام فقط، عدم دفن أجاكس. إنّ قابليته للتكيّف الأخلاقي هي الّتي تجعل من أوديسيوس رمزًا للنظام الديموقراطيّ المرن.

أجاكس يعود إلى الحياة بهيئة جنديّة في مسرحية “أجاكس في العراق” – مسرح جرينواي كورت (هوليوود)

بالطبع، كان دافع أوديسيوس هو المصلحة الذاتية لأنّه يقول “أنا أيضًا قد أحتاج إلى من يعاملني بالمثل.” ينتقد أجاممنون هذه العبارة بقوله: “أجل، مهما اختلفت الحالات، يعمل كلّ رجل لمصلحته!”. قد نأمل أن يحترم بطل شريف أعداءه بدافع الإيثار فقط، بدلًا من المصلحة الذاتية، ولكنّ أوديسيوس في الحقيقة يتّبع القاعدة الذهبية:”عامل الآخرين كما تريد أن يعاملوك”. هذه المصلحة الذاتية الديمقراطيّة تعزّز السلوك المتعاطف وقيم الحق والخير والجمال. أوديسيوس يؤمن بأنّنا “مجرّد أشباح أو ظلال عابرة” قد يعاني أيّ منّا مصيرًا مروّعًا، نحن جميعًا متشابهون. لذا يجب أن نعامل بعضنا بعضًا باحترام وعدل ومساواة، لأنّ هذا ما يريده كلّ فردٍ لذاته. وعن هذه الخلاصة يقول برنارد نوكس:”التسامح وضبط النفس…هو مزاج العصر الجديد، الديمقراطيّة الأثينيّة في أفضل تمثيل لها”.

وهكذا فإنّ سوفوكليس، في تصويره لأوديسيوس، يؤيّد صعود قادة قابلين للتكيّف أخلاقيًّا مع التنوّع الديمقراطيّ الطبيعيّ، وهو تاليًا يرفض قادةً كأجماممنون الّذين ينحازون إلى عدالة انتقامية تتعامل مع الواقع ببطش وقسوة.

وثمّة ما يثيير الانتباه في المسرح السياسي وهو أنّ هذا المسرح تحديدًا يستدعي مشاركة المُشاهد أو المتفرّج (Spectator) بالعرض، ليس فقط لأنّ المسرح يُعرض أمام جمهور عام ولكن لأنّ مستخدمي استعارة السياسة-مسرحًا، وهي أصل المسرح السياسي، هم أيضًا متفرّجون. في الواقع، إنّ أبرز الأعمال المسرحيّة التراجيديّة الأولى، كانت تعرض أمام جمهور شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في الحرب.

لقد منح المسرح الشعبيّ في أثينا للجمهور، على اختلاف جنسه وطبقاته، فرصة المشاركة في النشاط المدني من خلال الكلام الصريح والمفتوح، وكان المسرح الميدان الملائم لهذا الخطاب. ولم يقتصر الطابع الديمقراطيّ للمسرح اليونانيّ على مسألة اتّخاذ مواقف أيديولوجيّة وحسب، بل على إفساح المجال لأصوات النساء والأجانب والعبيد – والّذين لم يكن لهم مكان في المؤسّسات السياسيّة للبوليس –  أن يعبّروا عن آرائهم وأفكارهم؛ فغالبًا ما كان المواطنون الاثينيّون يذهبون إلى المدرّج للتعبير عن استيائهم. في هذا السياق، يعدّ مسرح أريستوفانيس الكوميدي وتحديدًا مسرحيته “ليسستراتي” إحدى أهم المسرحيّات الّتي عززّت مشاركة الأقليّات المهمّشة في صناعة القرار السياسيّ.

تتميز هذه المسرحية بخلوّها من خطاب الجوقة الّذي كان جزءًا ضروريًّا في الكوميديا القديمة، و لذا يعتبرها النقّاد بداية تغيير في شكل الكوميديا. وتعدّ المسرحية بمنزلة دعوة لإيقاف ويلات الحرب ونداء أخير لإحلال السلام.

بعد فشل الرجال في إنهاء الحرب، تعتقد ليسستراتي أنّ النساء قادرات على التأثير في المجتمع الذكوري عن طريق أمرين: أوّلًا، الامتناع عن معاشرة أزواجهنّ ما دامت الحرب قائمة، وثانيًا احتلال قلعة المدينة “الأكروبوليس”. ويؤدّي الهجاء السياسي دورًا في تسليط الضوء على مشاكل الفئات المهمشّة في الحياة السياسية ؛ أي النساء، الّلواتي لم يُسمح لهنّ بالتصويت.

ننتقل إلى القرن السادس عشر، حيث كانت انجلترا مكانًا يُنظر فيه إلى  الممثّلين والعاملين في المسرح على أنّهم يقعون في أسفل السلّم الاجتماعيّ، لكن أعلى بقليل من المتسوّلين والمشرّدين. يصف المؤرخ ستيفن أورجيل لانسقيّة المسرح في مقالته “وهم القوة” قائلًا: “لم يكن المسرح مجرّد مبنى، بل كان مجموعة تتألّف من ممثّلين وجمهور…المسرح هو في أيّ مكان جرى اختياره للعرض”(Orgel, 1975).

إلّا أنّ عصر النّهضة وضع حدًّا لهذه العقليّة، عندما شيّدت العديد من المباني للاستخدام المسرحي. في مجتمع هذا العصر، لم يكن الشيء “حقيقيًا” إلّا إذا كان ملموسًا (موقعًا، مبنى، أو مُلكيّة(. لذا أصبح الطابع الفيزيائيّ للفضاء الخطابي أكثر حضورًا وأهميةً من الخطاب المسرحي بحدّ ذاته وبات الفضاء المسرحي يعرف بأنّه:”موقعٌ ماديٌّ مخصّصٌ للمسرح (عرض)، تستخدمه المحاكم الملَكِيّة وكذلك الأشخاص العاديّون”. بالنسبة إلى النبلاء والأرستقراطيّين، كان مفهوم التفرّج (spectatorship)  مهمًّا للغاية إذ كانت مقاعد الجمهور تشير إلى مكانة المرء في المجتمع وقد أراد الجميع مقعدًا بجوار الملك وحاشيته أي الطبقة العليا. أدّى هذا التوزيع الطبقي إلى كثير من الخلافات السياسيّة؛ في مرحلة متقدّمة من عام ١٩٠٥، شعر وفد ديبلوماسيّ من البندقية بالإهانة بعد الجلوس بعيدًا عن الموقع الملكيّ، حيث خُصّص هذا الأخير لوفد إسبانيّ منافس. بينما أصبح هذا النوع من السياسة الطبقيّة ذا حضور بارز في مسارح الديوان الملكي، كان هناك صراع لا يختلف قوةً يجري في المسارح الشعبيّة. كانت تكلفة حضور عرض دراميّ تساوي تقريبًا أجر يوم كامل، وكان حضور المسرحيات وسيلة للعمال من الطبقة الوسطى للتفاخر بمدى جودهم وبذخهم. نظرًا لأن موضوعات المسرحيّات غالبًا ما كانت مرتبطة بالمحكمة وحياة أولئك الأرستقراطيّين الأثرياء الّذين كانوا يديرون البلاد، استطاعت الطبقة الوسطى والفقيرة أن تلقي نظرة على الحياة السياسة والاقتصاديّة المترفة. وكانت المسارح الشعبيّة تستعين بالملابس المهملة الّتي يملكها النبلاء، فضلًا عن محاولة تقليد أسلوبهم الفوقي في الكلام والتصنّع…

نشأ ويليام شكسبير في هـذه المرحلة الدراميّة. وفي حين أنّه لم يدافع عن أيديولوجيا سياسيّة واحدة، فإنّ العديد من مسرحيّاته التراجيديّة يمكن قراءتها سياسيًّا لإنّها متصلة بديناميكيّات السلطة و/أو القيادة. يحذّر شكسبير  من العواقب الوخيمة الّتي تنتظر المجتمع إن كانت السلطة بيد حكومة استبداديّة غير مسؤولة. وتشكف لنا مسرحيّاته عن الانقلابات السياسيّة، كما تبرز لنا الخطوات الّتي تتخذها الحكومات في تعاملها مع التمرّد أو وكيف تواجه خطر الغزو الأجنبي، وأبرز ما تسلّط الضوء عليه معاناة المجتمعات الّتي مزّقتها الحرب الأهليّة.

بالفعل، لقد تحدّى شكسبير فكرة الحقّ الإلهي أي سلطة الملوك المستمدّة من الدين من خلال تجريدها وإظهار عيوبها وبأنّ الملوك هم بشر لا آلهة. ولقد خضع نشاطه المسرحي لرقابة مشدّدة، حيث لجأت الأجهزة الرقابيّة إلى اختزال العديد من المشاهد في مسرحيّاته مثل هاملت والملك لير، لا بل جرى حظرها تمامًا. في العرض الأوّل لمسرحيّة “ريتشارد الثاني” في عهد الملكة إليزابيث الأولى، خطّط بعض المؤيّدين للورد إسيكس لمؤامرة تهدف إلى الإطاحة بالنظام الملكي.  ودفعوا أموالًا لممثّلي مسرح جلوب لأداء المشاهد الّتي منعتها الملكة. فشل التمرّد، لكن المشاهد الجريئة حظر عرضها  لقرنين من الزمن تقريبًا !

في الواقع شكّل مسرح شكسبير آداةً للانقلاب على السلطة القمعيّة. ففي يونيو 2017، أعاد أوسكار يوستيس – مدير  تنفيذي من نيويورك – إنتاج مسرحيّة شكسبير “يوليوس قيصر” ، حيث لعب دور قيصر شخصيّة تشبه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

قيصر – ترامب

أثار اغتيال قيصر في المسرحيّة غضب الجمهوريّين الموالين لترامب. وبالرّغم من تباين الآراء والمواقف، يدّعي مدير الإنتاج أنّ النقاش الّذي أثاره العرض: “هو أساس الديمقراطية السليمة” ويضيف: “إن إنتاجنا ليوليوس قيصر لا يدعو بأيّ شكل من الأشكال إلى العنف تجاه أيّ شخص ]…[ أولئك الّذين يحاولون الدفاع عن الديمقراطيّة بوسائل غير ديمقراطيّة يدفعون ثمنًا باهظًا ويدمّرون الشيء ذاته الّذي يناضلون من أجله”.

فهل يجب أن تخضع الأماكن العامّة إلى رقابة سياسيّة ؟ لقد تبيّن أنّ السيطرة على الفضاء العام شرط ضروريّ لاستمراريّة أيّ نظام قمعيّ أو دكتاتوريّ أو شبه ديموقراطيّ (Quasi-democratic)، إذ لا يمكن للأفكار السياسيّة مثل الفاشية أن تزدهر ما لم تكن الموضوع المهيمن للمحادثات في الأماكن العامة. الفاشية وغيرها من أشكال الديكتاتورية أو الديموقراطية المقنّعة تترسّخ في مجتمع ما من خلال سياسات ترويض الوسيط واحتلاله أي من خلال خنق الأفكار المعارضة لبلاغة النظام السائد.

ومن المعروف أنّه حيث تكثر الدعاية، تزداد الرقابة. وهذا بالضبط ما جرى في العام ١٩٣٠، بداية العصر الحديث.

قبل عامين من العرض الأوّل لمسرحيْة “الطريق إلى الرايخ الثالث” (Der Wig ins Reich)، أُلحق قسم متخصّص بالمسرح بقسم الدعاية التابع لوزارة تنوير الشعب والدعاية في الرايخ (REPP)، وتولّى إدارته راينر شلوسر. لقد منح هذا التوسّع مزيدًا من الصلاحيّات الرقابيّة لوزير الدعاية النازي آنذاك جوزيف جوبلز.

أيّ عامل مسرحي، سواء أكان كاتبًا مسرحيًّا أو ممثلًا أو مدير مسرح، عرضة لفقدان وظيفته إذا عرض أو شارك في مشهد يحتوي على رسائل سياسيّة لا تتوافق مع البروباغندا النازيّة. ومع ذلك، سرعان ما طلبت الوزارة من مديري المسارح مشاركة برامجهم مع العاملين في قسم المسرح في برلين؛ وكان أيّ مدير مسرح لديه الشجاعة الكافية لطلب أداء عرض مرفوض، سرعان ما يجري توقيفه واعتقاله بعد تلقي “الإشعار” من برلين. وجديرٌ بالذّكر أنّ الوزارة كانت تتّصل مباشرةً بالناشرين والمؤلّفين وتقدّم لهم ملاحظات تتعلّق بتحرير السيناريو، مطالبةً بحذف أو إعادة كتابة مقاطع معيّنة. وكان عدم الامتثال، سواء من جانب الناشرين أو المؤلّفين، يعني السحب القسري للمسرحيّة من التداول، وأحيانًا الحظر الكامل.

الدراما السياسيّة ملهاةً

إنّ الفكرة القائلة بأن الأفعال السياسيّة – وبخاصّة كل ما يتعلّق بالسياسة الخارجيّة – يمكن أن تكون بمنزلة دراما تصرف انتباه الجمهور عن أوضاع بلادهم، فكرة قديمة قدم العبارة اليونانية “الخبز والسيرك” (Panem et Circenses).  تنتقد هذه العبارة سياسة الإلهاء المُنظّم الّتي تتبنّاها الحكومات من خلال توفير الطعام (الخبز) والترفيه (السيرك) للجمهور بهدف دفعهِ عن الانشغال بالقضايا السياسيّة وإغراقه بالكثير من السرديّات الجانبيّة لتحويل أنظاره عن الشأن العام.

تمثّلت هذه السياسة بتشييد المسارح وساحات القتال والمصارعة الرومانية حيث كانت تجرى المسابقات الجماهيريّة، أبرزها مدرّج كولوسيوم الّذي اشتهر بإقامة مباريات القتال بين المصارعين. استخدم الشاعر الهزلي جوفينال هذه العبارة في معرض هجاء الشعب حين يلهى بالترفيه عن قضايا المجتمع وأزماته.

يسعى معظم الحكّام إلى إلهاء الناس عن مشاكلهم المعيشيّة وهمومهم حتّى تستهلك طاقاتهم، بحيث لا يبقى لديهم متّسع من الوقت للتفكير في غير همومهم المتجدّدة والمتعدّدة. فهنالك وسائل أعلام خاصة تعمل على ترويج الأحداث الزائفة (Pseudo Events) وإشاعة الفوضى واختلاق الأطر الدرامية وأهمّها سيناريو العدو الخارجي الّذي يهدّد الأمّة وقد شاع استخدامه في الخطابات الرئاسيّة؛ لقد تميز الخطاب السياسي المصري خلال ثورة ٢٥ يناير بتوظيفه أكثر من إطار دراميّ لعلّ أبزرها استعارة “الرئيس أب لجميع المواطنين” والّتي تختزل حبّ الوطن بحبّ شخص الزّعيم وتختصر الوطنيّة بقيم العائلة المصريّة والقيم الريفيّة مثل تمجيد الفقر واحترام “القيادات وذوي الشأن” حتّى وإن كانوا طغاةً أو ظالمين. بالإضافة إلى استعارة “الرئيس البطل القومي”، حيث يجري افتعال المآزق وابتكار الأعداء الّذين يهددون “الأمن القومي”. تصرف هذه التقنيات – بحسب فوكو – أنظار الجمهور عن الأهداف السامية الّتي ينشدها الشارع. ويمكن أن تندرج – بحسب الدرس البلاغي المسرحي – تحت عبارة “ما وراء الكواليس” (Behind the Scene).

قبل ثورات الرّبيع العربي كان النظام الحاكم يحتلّ المساحة الأكبر من خشبة التواصل السياسيّ بقنواته الخاصّة وفضاءاته الخطابيّة الرسميّة وجمهوره من المصفّقين والموالين فضلًا عن أجهرته الرقابيّة. كان هذا التكتّل (cluster) يعزف سيمفونيّة واحدة تتغنّى بالقيم اللّيبيراليّة كالرّخاء والديمقراطيّة والأمن والاستقرار، وينشد مقطوعات طويلة في مدح الرئيس الأب تعدّد مآثره وفضائله.

ومثلما تتنّوع الآلات في الجوقة وقد يصدف أن يخرج بعض العازفين عن السلّم الموسيقي المعهود مرتجلين، هكذا هي ساحة المسرح السياسي يتبدّل فيها الديكور النقديّ وتتلوّن فيها المواقف، حيث تتسلّط الأضواء على أشخاص بينما تنحسر عن آخرين. ووراء النشاط الإعلامي للسياسيّين، ثمّة من يدير الدعاية والأداء في الكواليس فيما لا يري الجمهور سوى واجهة النظام، حيث تجري المعارك الخطابيّة ببن المخلصين من العازفين والممثّلين وبين الخارجين عن سلطة الرّئيس-المايسترو.

وتقتصر مهمّة الرئيس في الأنظمة السياسية الدراميّة على محاولة السيطرة على كلّ تجلّيّات الخطاب الّذي يقدّمه هؤلاء العازفون فضلًا عن وسائط تداول الخطاب، ولا يتوانى المايسترو عن وأد أيّة محاولة للارتجال من المنبع. وتعدّ سياسات “البطش اللّغوي” أي توجيه الأوامر والإِملاءات والتهديد أبرز التقنيات الدرامية المعتمدة في مثل هذه الأنظمة.

في هذا الإطار، يشعر الممثّل أو العازف أنّه قليل المعرفة وبأنّه يستمدّ قيمته من المصلحة الجماهيريّة أو “النحن” أيقونة الخطاب الجمعي. وعادةً ما تستهدف الدراما السياسية إثارة عاطفة الشعوب أكثر من عقولهم حتى يتحرّك الشُّعور اللَّاواعي، وبذلك تعيق السلطة الرقابيّة التَّفْكير العقلاني والنقديّ، وتفعّل الحُكْم العاطفي.

ولكي تسيطر الحكومات على الشعوب بقبضة حديديّة، تعمل أجهزة الدولة على نشر الجهل وتوسيع الفجوة بين النُّخْبة وبين المَسْتَوَيات الدُّنيا، بحيث تؤدّي الأولى دورًا رئيسًا في استمرارية بلاغة الهيمنة بينما تناط القاعدة بوظائف وأدوار أقل شأنًا كالتصفيق والصفير والهتاف وتأدية شعائر الطاعة والولاء عند كلّ استحقاق سياسيّ أو مناسبة عامّة. وجديرٌ بالذّكر أنّ وزير الإعلام الألماني جوبلز قد تبنّى هذه الاستراتيجية في الحرب العالمية الثانية.

ومثل مسرح عصر التنوير، كان هناك أغنيّات أقل ظهورًا من سيمفونيّة المايسترو وأكثر مصداقيّة ونبلًا في التعبير عن القيم الوطنيّة… كان منشدو هذه الأغنيّات والفاعلين الاجتماعيّين على خشبة هذا المسرح الرّحب يشكّلون تكتّلًا يتألّف من مجموعات مُتنوّعة من الصحفيّين والمعارضين السياسيّين الحقيقيّين، والقُضاة والأساتذة والفقراء والعمّال الواعين، وغيرهم من الشرائح المجتمعيّة الّتي تشارك في تداول “خطاب التّغيير الديموقراطيّ”. إلّا أنّ هذا المسرح الضيّق لم يخل من “أحصنة طروادة”، أعني بعض المجموعات الّتي حاولت انتزاع حيازة الخطاب من خلال ادّعاء الروح الثوريّة.

وبالرّغم من التعمية الإعلاميّة والمحاولات العديدة للتضييق على “المسرح الشعبي” بهدف إسكاته وتهميشه أو صرف الجمهور عنه، إلّا أنّ “خطاب التغيير” تمكّن من اجتذاب شريحة ضخمة من الجمهور، الّذين ملُّوا من “الكنبات” مُتفرِّجين على المسرحيّة الركيكة والأداء المبتزل لممثّلي النظام وعازفيه الّذين يحاولون إعادة إنتاج بلاغة النظام البائد. ولأنّ هذا الخطاب كان يعتمد على المبادرات الفرديّة والمساهمات البسيطة، سرعان ما وصل المجتمع إلى لحظة فاصلة في تاريخه، حيث أصبح أغلب المواطنون يشاركون في إنتاج الخطاب وتداوله، ولعلّ أبرز تلك الأصوات الّتي حاول النظام الدراميّ كبتها وترويضها ومنعها من المشاركة في ساحة التواصل السياسيّ أصوات النساء وأصحاب الهمم والمثليين وأصحاب البشرة السوداء…إلخ.

لقد استطاع “المسرح الشعبي” أن يكسر المنظور التنويري للمسرح الأرستقراطي وأعاد إنتاج “المسرح اليوناني” ولكن بصورة أكثر حداثة وتطوّرًا.  فقد كان المواطنون يُنتجون خطاب التغيير ويتلقوّنه في الباصات العامّة ومنتديات الإنترنت وصفحات الجرائد وزوايا المقاهي وعلى جدران الفيس بوك وتغريدات التويتر فضلًا عن الفضاءات التقليديّة كقاعات الجامعات وساحات المظاهرات واستوديوهات التلفزيون…إلخ.

الديموقراطيّة البصريّة: من المستمع إلى المتفرّج

يبدو أنّ العديد من المنظّرين السياسيّين المعاصرين متردّدون في الاعتراف بأيّ دور للمتفرّج في الحياة السياسيّة الديموقراطيّة. بالرّغم من أنّ الديموقراطيّة القائمة على حاسّة السّمع (التّصويت، التّواصل السمعيّ في الخطابات…) كانت مقدّمة لاستلاب آراء الشعب والحيلولة دون تطبيق الوعود والرؤى السياسيّة.

وفقًا لجيفري غرين (Jeffery Green)، لقد تخلّى المواطنون عن الاهتمام بالسّياسة واقتصروا على المشاهدة السلبيّة والّتي ليست فقط مجرّد نقيض للمشاركة النّاشطة، بل إنها تؤدي إلى الإحباط، إحباطًا يمكن على أساسه تحديد التفسيرات الإلزامية لما تعنيه المشاركة السياسيّة. وهذا يعني أنّ النّموذج الحواريّ أي الديمقراطيّة الصّوتيّة القائمة على الخطاب التواصلي السّمعي لم تعد نموذجًا قابلًا للتطبيق “لأنّ الديمقراطيّات الجماهيريّة اليوم تُعرّف من خلال مفهوم المتفرّجين وليس من خلال اتّخاذ القرار النّاشط، وهذه حقيقة مزعجة ولكن ثاقبة”.

أعين الشعب: الديموقراطيّة في عصر التفرّج – جيفري إدوارد غزين.

تنشأ الديمقراطيّة الصّوتيّة (Audience Democracy) في ظلّ ظروف اتّصال جماهيريّ، ازداد فيها النّشاط الحكوميّ من حيث النطاق والتعقيد فضلًا عن هيمنة الإعلام الموجّه. في ظل هذه الظروف، يكتسب المرشّحون السلطة السياسيّة بسبب مهاراتهم الإعلاميّة وليس بسبب تشابههم والنّاخبين في الرّؤية والقناعات. ونظرًا لأن الواقع الحالي للديمقراطيّة التمثيليّة هو أن المواطنين العاديّين هم مستمعين (Audience) للحكومات، فإنّ العلاقة بين الفاعلين السياسيّين والجمهور تقوم على “الفصل الحادّ للسلطة بين الحاكم والمحكوم” حيث تستأثر النخب السياسيّة بنصيب الأسد من السلطة. لذا يجب معالجة هذا الوضع، وفقًا لما قاله غرين، هذا إذا كنّا نريد تطبيق مبدأ الديموقراطية الأساسيّ، أي المساواة.

ينطلق غرين في أطروحته من ضرورة أن يحافظ كل فاعل اجتماعيّ على دوره الطبيعيّ في الحياة السياسيّة. لذلك فإن المشاهدة أو التفرّج (Spectatorship) هي مفهوم مركزيّ في نظريّته، بالإضافة إلى مفهوم “التّحديق” (The Gaze) باعتباره وسيلةً جديدًا يسترجع من خلالها الشعب السيادة؛ إنّ “التحديق” هو مفهومٌ فوكوي (مستوحى أيضًا من النظريّة النسويّة) يستعيد من خلاله المواطنون – الّذين يقلّلون من شروط الخضوع لسياسات التحكّم اليوميّ – جزءًا من الصلاحيّات عبر التحكّم البصريّ في المظهر العام. أتاح هذا التصوّر لـغرين أن يعيد تعريف المرء على أنّه كيان “بصريّ”، بدلاً من كيان صوتيّ. بمعنى آخر، حاول غرين أن يركّز على الرّصد والمراقبة بدلًا القدرة البشريّة على القول أو الاستماع.

من خلال تعزيز “حاسّة النّظر” الجمعيّة، يشارك الجمهور في الإشراف والتفتيش والفحص والتدقيق، فيتمكّن من رؤية ما هو “غير مبرمج أو متدرَّب عليه مسبقًا” ويحكم وفقًا لما يعاينه من أحداث. لذا بدلًا من إجراء التصويت على أساس السياسة والمصالح والولاء الحزبيّ – كما هو الحال في الديمقراطيّة التداوليّة – سيجري التصويت في الانتخابات على أساس شكليْن من التّدقيق: (١) التّدقيق المستمر الّذي توفّره وسائل الإعلام، (٢) العرض السياسي أي “الأحداث الصريحة” العفويّة، حيث يخضع القادة لاختبارات مصمّمة للكشف عن قدرتهم ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع الأحداث والتغيّرات.

يطرح غرين في “أعين الشعب: الديموقراطيّة في عصر التفرّج” مجموعة من المفاهيم، لعلّ أبرزها مصطلح “أحداث المرشّحين” (Candid Event) ويعني به العرض السياسيّ (Political Scene)، أي المؤتمرات الصحفيّة والمناقشات والجلسات البرلمانية الّتي يطالب بها الشّعب أن تكون علانيّة وليست سريّة. ففي العرض المباشر، لن يكون المرشّحون قادرين على تنظيم أدائهم. وتاليًا فإنّ صورة المرشّح\السياسيّ العامّة “معرضة لخطر السقوط والفشل والمواجهة المباشرة والكشف غير المقصود عن المكنونات”. إنّ عدم القدرة على التحكّم في صورته – في مثل هذه الظروف – من شأنه أن يكشف عن شخصيّة المرشّح ويمنع حشر بعض المرشّحين غير الكفوئين بمناصب مهمّة في الدولة.

وهكذا تستغلّ الديمقراطية البصريّة (Ocular Democracy) القدرة البشريّة على الاستمتاع بمشاهدة الأحداث التراجيديّة وربّما الإحساس بقليل من القلق؛ إذ إنّ السياسيّين مضطرّون إلى “كسب استحسان” الجمهور من خلال التأكّد من أنّ أداءهم عفويّ ويستحقّ المشاهدة والثناء.

إنّ الانتقال من النّموذج الصوتي إلى النّموذج البصريّ للسلطة الشعبيّة أو الكاريزميّة يستلزم ثلاثة تحوّلات. أولًا، لم يعد هدف السلطة الشعبيّة القانون، بل القادة الّذي يخضع أداؤهم للمراقبة. ثانيًا، بات جهاز السّلطة الشعبيّة حاسّة النّظر والتكنولوجيا البصريّة وليس القرار (لحظة التصويت). ثالثًا، استُبدل المنظور المثالي للاستقلاليّة، أي قدرة النّاس على العيش في ظل قوانين أسهموا بتأليفها، بالمثل الأعلى أو المنظور النّقدي المتمثل بـ “الصراحة”؛ لا تتطلّب الصراحة أن يتمتّع القادة بالكثير من الفضائل، بل هي خاصيّة مؤسّساتيّة تضمن عدم سيطرتهم على ظروف البروباغندا. لذلك عندما يوضع القادة في ظروف مراقبة نقديّة، فمن الأرجح أن يكشفوا عن حقيقة شخصيّاتهم ونيّاتهم. وتاليًا يمكن أن تكون الصراحة بمنزلة المعيار الّذي يتيح للمواطنين التمييز بين تجارب المشاهدة الأفضل والأسوأ أي بين الّتي تتمتّع بالإمكانيّات وتلك الأقلّ مهارةً أو قدرةً.

يتبنّى غرين وصف الفيلسوفة حنه آرنت للمدينة (Polis) باعتبارها مساحة لدعم المطلب الشعبي بالعفويّة والكشف. ومع ذلك، إنّ منظور آرنت للمدينة بوصفها مكانًا يشبه المسرح (Theatron) أي “مكان المشاهدة”، أعاد غرين تشكيله ليصبح مراعاة انضباط النّظرة والالتزام بالشفافية، لأن عدم الظهور وتجنّب النقد يعني أنّ أصحاب النفوذ أو المرشّحين لا يريدون أن يتصرّفوا وفقًا لمتطلّبات الديمقراطيّة.

في هذا الإطار، يميّز غرين بين المشاركة السياسية (Political Participation) وبين الاهتمام بالنشاط السياسيّ (Political Involvement)؛ في حين تشير المشاركة السياسية إلى النشاط السياسيّ (التصويت، الحملات الانتخابيّة، طلبات الدعم، الترشّح للمناصب، الخدمة في الحكومة)، يشير الاهتمام بالنشاط السياسيّ إلى الوعي بالقضايا والمشاكل السياسيّة والاهتمام العام بها.

 وجديرٌ بالذّكر أنّ المشاركة السياسيّة في عصر الإنترنت اختلفت عمّا كانت عليه في عصر التلفزيون والراديو إذ يبدو أنّ الطاقات الّتي كانت تُستهلك بشكل سلبيّ أمام التلفزيون، قد وجدت الآن منفذًا لها عبر الشبكة. وبالمثل، فإنّ المزيد من الأنشطة السياسيّة الكلاسيكيّة (الاعتصامات والمظاهرات والتجمعات…إلخ.) استغلّت الطاقات المدنيّة الّتي تحرّرها التقنيّات الجديدة. وهذا ما شهده العالم العربيّ إبّان اندلاع الثورات.

وبالرّغم من أنّ طرح غرين يهدف إلى إبراز أهميّة المراقبة والتحديق والمحاسبة والحكم النقديّ الشعبيّ من خلال الادّعاء بأنّ الديموقراطيّة التداوليّة فشلت في الاهتمام بالجمهور اهتمامًا خالصًا إلّا أنّه يفشل في تبرير أسباب التحوّل إلى النموذج البصري. فالتحديق، بغض النّظر عن مدى قوّته، لا يزال يعتمد على الصوت. بعبارة أخرى، يكون التحديق قويًّا فقط إذا كان مصحوبًا بنوع من التحكّم المادي و\أو الصوتي الفعلي، مثل وجود انتخابات دوريّة، وسيادة القانون وما إلى ذلك.

لنأخذ مثلًا تونس ومصر أو تلك البلدان الّتي لم يكن فيها أيّ من مؤسسات ديمقراطية حقيقيّة وفاعلة. في البلدان ذات الأنظمة شبه الديموقراطيّة، لم يكن هناك قدر كافٍ من التحديق لمراقبة نشاط المرشّحين والقادة ومحاسبتهم، ولا حتّى فرصًا متكافئة لاختيار الأفضل أداءً على الرّغم من حقيقة أنّ المطالبة بالمزيد من الصراحة بالإضافة إلى الحاجة لأقوال مقترنة بأفعال، أمران قد عجلّا بإسقاط النظام، واستبدال الحكّام واستعادة بعض السيطرة والسيادة الشعبيّة. (أنظر النقاشات الإلكترونية في المنتديات وصفحات الفيسبوك وفضاءات التواصل الاجتماعيّ). ولكن في النهاية، تطلبت المسرح الشعبي الحشد الماديّ الفعليّ للناس في الساحات العامة، وهدير الأصوات الغاضبة، وليس فقط التحديق وجهود الأجهزة الرقابيّة والصحافة الاستقصائيّة.

المسرح هو البرلمان المناسب

يتميّز الخطاب المسرحي بالتعدّدية والحواريّة وقدرته على تجسيد التجربة الإنسانيّة وقوننتها، وهذا ما يجعل منه فنًّا ديمقراطيًّا بامتياز، بل إنّه في المجتمعات غير الديمقراطيّة يحل محلّ البرلمان.  لكن ديمقراطيّة المسرح لا تكمن في تركيبه واستراتجيّات الأداء والحوار، بل في علاقاته الإنتاجيّه وفي تلقّيه بصورة أساسيّة. وأعني استحضاره للتجربة الإنسانيّة الّتي تقوم على الاختلاف والشك والرفض والمقاومة والتحدّي والتنفيس وتعرية بلاغات الاستبداد والطغيان والدفاع عن الحريّات والحقوق. ولذلك فإنّ المسرح السياسيّ لا يمكن أن يزدهر إلّا في مجتمع نضج وعيه، وأصبح قادرًا على مساءلة نفسه ومواجهة الواقع وتقنيات القهر والصدّ والتحريم.

وإذا كان المسرح والديموقراطيّة يهدفان  إلى تحقيق ماهية الإنسان، فإنّ مستقبل الاثنيْن محفوفٌ بالمخاطر ومتأثّر بالحاضر الهشّ. لقد قُوّضت  ديموقراطية المسرح حتى كاد يخلو من الحوار، فانتهى المشهد العامّ بمنولوغ الذات  وبتصفيق مبرمج، وبخلاصات مبهمة. كل ذلك أدّى من جهة إلى عزلة المشاهد عن قرينه الّذي يتلقّى العرض إلى جواره، ثم عن الشارع الّذي يخرج إليه بعد العرض، حيث يجد نفسه في العالم منفصل عن الواقع الّذي كان الفترض أن يتناوله المسرح (السياسة) عرضًا ونقدًا وتفنيدًا.

وقد تأثر المسرح العربي السياسي بهشاشة هذا الوضع حيث أصبحت العروض نخبويةً – كما في عصر التنوير – ولكن مع تغييبٍ للحوار بين الشخصيّات وللنقاش بين الجمهور، فغاب التلاقي وجرى تخوين كلّ رأي معارض أو مختلف. لكنّ المسرح التجريبي التنفيسيّ ظلّ حاضرًا يحاكي واقع الشّارع مستفزًّا الجمهور ومحرّضًا إيّاه على الشكّ فيما يحيط به من مسلّمات.

وتجدر الإشارة إلى أنّ ديموقراطيّة الخطاب المسرحي-السياسي في الثقافة العربية – إن وجدت – ليست ناتجة عن التغييرات التي شهدها العالم العربي بعد موجات الحراك الشعبي أو تأثير الدومينو، لأنّ بلاغات القمع، في أغلب الدول العربيّة، عادت لتحتلّ خشبة المسرح. إنّما هي وليدة المحنة السياسيّة (تهميش الأقليّات، كمّ الأفواه، حظر حريّة التعبير)، محنة تختصر تجربة العربي لعقود.

قد لا نحتاج إلى ديموقراطيّة جديدة إنّما إلى الاعتراف بالمواطن باعتباره متفرّجًا باستطاعته الحكم على الأداء السياسي العام لأنّه “إذا كان هناك شخص لا ترغب في الاعتراف به بوصفه كائنًا سياسيًّا، فإنّك تبدأ بالامتناع عن النّظر إليه على أنه حامل للقيمة السياسيّة” (Rancière 2001). فالسياسيّون الّذين تعتمد حياتهم المهنيّة على كونهم واقعين تحت رقابة الجمهور وتحديقه يعرفون تكلفة أن يسحب منهم جمهورهم الدعم. وكذلك الحال بالنّسبة إلى المتظاهرين والناشطين السيّاسيّين في نظر القادة عندما يُنظر إلى تحرّكاتهم في الشوارع على أنّها مجرّد سياسة تعبيريّة فقط وليست أعمالًا تهدف إلى التأثير على القادة وتحريك الرأي العام.

لذلك فإنّ النّظر إلى السياسة بوصفها مسرحًا يمكن أن تكون حلًّا لمحنة الديموقراطيّة في مجتمعنا من خلال إدخال التفرّج النّاشط في صلب اللّعبة المسرحية السياسيّة، وإشباع “الجوع إلى الحوار والتلاقي” بدلًا من التقوقع والتمويه والتلاعب الذّي يحصل وراء الكواليس، فوق المسرح وأدناه.

————-

المراجع:

Fischer-Lichte, Erika. (2019). “From theatrum mundi to Theatricality”. Theater as Metaphor, edited by Elena Penskaya and Joachim Küpper, Berlin, Boston: De Gruyter, 2019, pp. 253-263.

Green, J. E. (2011). The eyes of the people: Democracy in an age of spectatorship. New York: Oxford University Press.

Orgel, S. (1975), ‘Theaters and Audiences’, in The Illusion of Power: Political Theater in the English Renaissance, Berkeley: University of California Press, pp. 1-36.

Pearce, H. (1980). A Phenomenological Approach to the Theatrum Mundi Metaphor.

Quiring, Björn. “If Then the World a Theatre Present.”, Berlin, Boston: De Gruyter, 2014.

Rancière, J., Panagia, D., & Bowlby, R. (2001). Ten Theses on Politics. Theory & Event 5(3).

West, William N. (2002). Theatres and Encyclopedias in Early Modern Europe. Cambridge.

Yates, Frances. (1969). Theatre of the World. London and Chicago: University of Chicago Press.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق