مقالات

المنهج العلمي في فلسفة كارل ﭙوﭙر: لؤلؤة القرن العشرين

يمنى طريف الخولي

أولاً – هو كارل ﭙوﭙر؛ فيلسوف المنهج العلمي الأول:

قيل عن كارل ﭙوﭙر Karl R. Popper (1902-1994) إنه: “المفرد العلم الذي يُشار إليه بالبنان حين طرح السؤال عن المنهج العلمي”. ووقف السير جون إكليس Sir John Eccles في حفل استلامه لجائزة نوبل في البيولوجيا العام 1963، يُوضّح القوةَ التحرريةَ العظيمة التي يكتسبها ذهن العالم بفضل تمثُل نظرية ﭙوﭙر في المنهج العلمي، ليتخلص من فكرة محببة ثبت عقمها ويستقبل فكرة جديدة مثمرة، فاجتمع مع قرناء له من علماء حاصلين على جائزة نوبل، أمثال جاك مونو Jacques L. Monod وبيتر مدوار P. Medawar على نصحُ العلماء الشبان بأن يقرأوا ويتدبروا كتابات ﭙوﭙر في فلسفة العلم، ويتخذوها نبراسًا في بحوثهم وممارساتهم للمنهج العلمي.

كارل ﭙوﭙر صاحب موقف ريادي في استيعاب الدلالة الفلسفية واستشراف الآفاق المستقبلية لثورة الفيزياء العظمى في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكوانتم، التي أنهتْ عهدَ فيزياء نيوتن الميكانيكيّة الحتمية، بضرورة ويقين قوانينها العلمية، وبدأت عهدًا جديدًا في التفكير العلمي يقوم على معايير مختلفة تمامًا.

صدرَ كتابُه الأول بالألمانية “منطق البحث العلمي Logik der Forschung ” في موطنه النمسا وعن جامعته فيينا العام 1935، وصدرت ترجمته الإنجليزية تحت عنوان “منطق الكشف العلمي Logic of Scientific Discovery” عام 1955، بعد أن هاجر إلى إنجلترا واستقر فيها أستاذاً للمنطق والمنهج العلمي في جامعة لندن وحاز لقب سير. وفي معالجة ﭙوﭙر لمنطق البحث والكشف العلمي، تتخلق فلسفةٌ رائدة للعلم هي بلورة للمنهج العلمي كما يتدفق في قلبِ معامل العلماء، لنجده في جوهرِه صورةً مستصفاة لوسيلةِ التعامل الناجح مع الواقع والسيطرة على وقائعه. وبمزيد من التعميم والتعميق الفلسفي، سوف يتكشف لنا أن هذا المنهج/الوسيلة محض صياغة لأسلوب تعامل الكائن الحي – أي كائن حي – مع مشكلات واقعه تعاملًا إيجابيا ينتقل من المشكلة إلى حلها .. وكما ينص عنوان كتاب لبوﭙر: “الحياة بأسرها حلول لمشاكل“.

تواترت كتابات كارل ﭙوﭙر وإسهاماتُه، في مجالات فلسفية وميادين حضارية شتى، بحيث نجده واحدًا من أهم فلاسفة القرن العشرين ذوي النظرة الشاملة. امتدت حياتُه عبر ذلك القرن بأسره إلا قليلًا، من عام 1902 إلى 1994 فكان مستوعبًا لتحدياتِه وآفاقه. وترسمتْ الفلسفةُ البوﭙرية، كاتجاهٍ قوي متعدد الجوانب متسق الأبعاد، يعد من أهم تيارات الفلسفة العلمية، يوسم بالعقلانية النقدية. وﭙوﭙر في كل هذا أولًا وقبل كل شيء الميثودولوجي المكين .. أي فيلسوف المنهج العلمي القطب.

ثانيًا : ما المنهج العلمي .. لِمَ توطينه وتفعيله؟

«المنهج العلمي» مقولة تتبوأ الآن موقعا مرموقًا في الخطاب المعرفي والثقافي، يمثِّل استيعابُها وتوظيفها وعدًا حضاريٍّا أكيدا؛ فيُراد له عن حق التوطين والتفعيل. فما المنهج العلمي؟

مفهوم «المنهج» في حد ذاته يعني الطريق الواضح والطريقة الناجزة، و«المنهج العلمي» تمثيلٌ وتجريد للعقلية العلمية والتفكير العلمي، لطريق العلماء في بحوثهم وطريقتهم في إنجاز كشوفهم، والإضافة إلى نسق العلم طابقًا فوق طابق، أو المدماك بعد المدماك. ومهما تمخضت مسالك العلماء في النهاية -أو في تطبيقاتها- عن إنجازاتٍ تُلغي الزمانَ والمكانَ، كالسفر بسرعة الصوت والتواصل بسرعة الضوء، غزو الفضاء والذرة، فك شفرة الحياة ولغز الثقوب السوداء، التحكم في النانوتكنولوجي وبه، تحويل مجاري الأنهار واخضرار الصحارى، هندسة المورثات، مقاومة الأوبئة ومداواة العاهات الجسدية والنفسية والاجتماعية … إلى آخره، أو بالأحرى إلى غير آخر…. مهما تحققت إنجازاتٌ تتضاءلُ بجوارها معجزات الأساطير، سيظل المغزى الأعظم للمنهج العلمي أنهُ: تجسيدٌ لطريقةٍ في التفكير والفعل سديدة مثمرة، يمكن تسخيرها في كل تعاملٍ مع واقعٍ متعين، وليس في البحث العلمي فحسب. أجل، يستقي المنهجُ العلميُ أرومتَه من قلبِ معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل، لكنه ينصب في الواقع الثقافي كبَلْوَّرة مستصفاة للتفكير المثمر الملتزم بالواقع والوقائع، بالانتقال من المشكلة لحلها؛ لتعقيل السْير نحو الهدف، والتآزر بين العقل والحواس، وتكامل القوى المعرفية التحليلية والتركيبية والاختبارية والإبداعية معًا.

ثم هو روح نقدية تقدمية تحمل بين شطآنها قيمًا منشودة من قبيل التخطيط والتكميم والتفكير الملتزم، والتنافس لحل المشاكل في تعددية الرأي والرأي الآخر، ثم الالتجاء إلى محك الواقع المشترك بين الذوات أجمعين للفصل بين المتنافسين. والأهم من هذا، البحث الدؤوب عن الأخطاء والقصورات الكائنة في كل محاولة إنسانية، والمجال المفتوح دومًا للمحاولة أو النظرية الأقدر والأجدر والتقدم الأعلى.

فهل منهج العلم واحد أم كثير .. منهج العلم أم مناهج العلوم؟

إن فروع العلم التجريبي، الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والاجتماعية، فروع عديدة، بتخصصاتها الدقيقة وعلاقاتها البينية، تبلغ عشرات الألوف، وطبعا تختلف طرائقها وإجراءاتها باختلاف موضوعاتها وطبيعة الظواهر التي تدرسها، وبالتالي ثمة العديد الجم من المناهج العلمية الإجرائية. على أن الفلسفةَ تنزعُ دائمًا للوقوف على الوحدة من وراء التنوع، واستكناه الكل في واحد؛ فتستطيع تجريدَ أسسٍ عامة من المواقف العلمية المختلفة باختلاف فروع العلم العديدة، لتكون أسسا منطبقة، لا على الفيزياء دون الاجتماع أو النفس دون الكيمياء؛ بل هي أسس كل بحث يستحق أن يُسمى علمًا. إنه المنهج العلمي بألف ولام العهد الذي تنزع الميثودولوجيا إلى بلورته وصياغته، يكمن كثابت بنيوي من وراء وفي صلب الإجرائيات المعملية والمنهجيات العلمية الشتى.

هذا المنهج العلمي الواحد هو العقلانية التجريبية. فلا تجريبية حسية فجة غشوم تنحصر في معطيات الحواس، ولا تحليق للعقل في سديم الفكر الخالص المنذر بالتشتت والجنوح. إنه حوار مستمر وضابط بين طرفين: الفرض والملاحظة، النظرية والتجربة، العقل والحواس، الفكر والواقع.

ثالثًا – معيار العلم والقابلية للاختبار التجريبي والتكذيب:

فكيف قدّمَ كارل ﭙوﭙر أنضر صياغة للمنهج العلمي، للعقلانية التجريبية، في فلسفته للعلم؟

يقول ﭙوﭙر إنه بدأ بالسؤال: متى تصنف النظرية على أنها علمية؟ هل هناك معيار يحدد الطبيعة أو الصفة العلمية لنظرية ما؟ لم تكن المشكلة متى تكون النظرية صادقة أو مقبولة؟ بل كانت شيئا آخر وهو التمييز بين العلم واللاعلم؛ فنقول هذه العبارة علمية، وهذه ليست علمًا.

وفي هذا تقدم ﭙوﭙر بفكرته العبقرية وهي أن القابلية للتكذيب falsifiabilily وليس التحقق والتأييد هي ما يميز العلم عن اللاعلم. يميزه عن سائر الأنشطة العقلية التي ربما كان دور بعضها أهم من دور العلم، ولكن اختلاطها بالعلم وإدعاءها الإخبار عن العالم التجريبي إنما يعرقلُ العلمَ ويحدث ضررًا معرفيًا. معيار القابلية للتكذيب حائلٌ دون هذا الخلط والضرر، فضلًا عن أنه إطار شامل لمعالجة منطق العلوم التجريبية وبَلْوَّرَة لمنهجها.

القابلية للتكذيب، أي الخضوع المستمر للاختبار وإمكانية التفنيد بالأدلة التجريبية، هي الخاصة المنطقية المميزة للقضية العلمية. مثلًا: “الماء يغلي في درجة 100 مئوية” قضية يمكن اختبارُها ومحاولة تكذيبها، وذلك برفع درجة حرارة عينة من الماء ونرى هل يحدث الغليان الذي تتنبـأ به عند هذه الدرجة أم لا؟ أمّا عبارة ميتافيزيقية مثل: المطلق هو الحقيقة، الأفكار تتجلى في عالم المثل، الجوهر رباعي العلل …. فلا يمكن اختبارها تجريبيًّا، إنها غير قابلة منطقيًا للتكذيب، للتناقض مع الواقع. ومثلها سائر العبارات غير العلمية، مثل: الوجود هو الحرية، الحب سر الحياة، المطلق هو الإنسان، القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، المادية الجدلية طريق العدالة الاجتماعية؛ ولعلها أكثر أهمية من القضية العلمية؛ إذْ قد يستشهد البعض لإثبات أن القدس عربية وأن الرأسمالية هي الظلم بعين، ولا يستشهد أحد إثبات سرعة الإلكترون أو بنية الخلية الجذعية .. لا بأس. ولكن العبارات اللاعلمية قد يكون لها دور معرفي آخر، ولها معايير أخرى مختلفة عن معايير العلم ومحكات قضايا العلم.

عبارات العلم التجريبي؛ أي: العلم الذي يعطينا مضمونًا إخباريًا وقوة تفسيرية وطاقة تنبؤية عن العالم التجريبي الذي نحيا فيه، عن عالم الشهادة بالتعبير الإسلامي البارع، هي فقط التي يمكن اختبارها واكتشاف الخطأ أو القصور فيها وتعيين مواطن الكذب، أي التناقض مع الواقع، لأنها تتحدث عن هذا الواقع؛ إذْ تتنبأ بأحداثه فيمكن الرجوع إلي الواقع ومقارنتها به. القابلية للتكذيب هي استشهاد الواقع والالتزام بهذه الشهادة. إنها مسؤولية عسيرة إزاء الواقع والوقائع، لا يقوى على الالتزام الدقيق بها إلا العلماء.

الفارق كبير بين القابلية للتكذيب falsifiability، كسمة أوخاصة منطقية، كإمكانية، وبين التكذيب falsification ذاته. التكذيب حكم على القضية يجعلها لا تدخل نسق العلم، أو هو حكمٌ على نظرية علمية تَكَشَّفَ حديثًا نتيجة اختبارات مستحدثة، فيخرجها من نسق العلم ويذهب بها إلى تاريخ العلم.

لعلنا لاحظنا أن القابلية للتكذيب، هي ذاتها القابلية للاختبار التجريبي: اختبار حقيقي قد لا تجتازه القضية العلمية، وقد تجتازه فتنجح، ثم تتطور أساليب الاختبار فيكشف عن مواطن قصورٍ أو كذبٍ فيها، ويكون تعديلها بفرض علمي جديد أكثر تقدمًا، هو قابل بدوره للاختبار التجريبي والتكذيب والتصويب؛ وهكذا دواليك في متوالية صاعدة دومًا.

رابعًا – منطق العلم هو منطق التقدم:

تُبرزُ القابليةُ للتكذيبِ كيف أن العلمَ يحمل في صلب ذاته عوامل تقدمه المتواصل. كلُ إجابةٍ يتوصل إليها العلم تطرح تساؤلاتٍ أبعد، فيؤدي كلُ تقدمٍ إلى تقدم أعلى. ومهما علونا في مدارج التقدم لن تغلق المعامل أبوابها ولن ينتهي البحث العلمي أبدًا، بل يزداد حمية ونشاطًا في سعيّه الدؤوب المتخطي دومًا لحاضرِه، مُغيّرًا إياه. ولا يرتكنُ العلمً أبدًا إلى نظريةٍ ما بوصفها حقيقةَ مطلقة.

العلمُ التجريبي فعاليةٌ نامية باستمرار، كل خطوة قابلة للتجاوز، للتقدم. والمنهج العلمي التجريبي يتنكر لما يُنجزه من حيث دأبه على اختبارِه ونقده وتصويبه وتنقيحه. فليس العلم بناءً مشيدًا من حقائق قاطعة، بل هو نسق من فروضٍ ناجحة، كل يوم فروض أنجح من سابقتها، أجدر وأقدر على الوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة. كل يوم جديد يتلافى أخطاء وقصورات القديم، فيلغيه أو يستوعبه ويتجاوزه، ويقطع في طريق التقدم خطوة أبعد منه، في صيرورة تغير مستمر نحو الأقرب من الصدق، الأفضل والأقدر … تقدم متواصل.

هكذا يصوب كارل ﭙوﭙر الأنظار إلى اللحظة الدراماتيكية الكبرى المُتمخضة عن الجديد، لحظة التكذيب والتفنيد. ومن خلال التكذيب وتصويبه تغدو فلسفة المنهج العلمي هي منطق قابلية العلم المستمرة للتقدم. ومن ثم، فقد وضع كارل ﭙوﭙر معالجتَه الشاملة لمنهج العلم ومنطقِه، على أساس الاختبارية التكذيبية، التي لا تعدو أن تكونَ أسلوبَ النقدِ المختص بالعلم، الذي يجعله دائمَ التقدم، مؤكدًا أن النقدَ دماءُ الحياة للتفكير العقلاني وللتقدم في العلم، وفي الحضارة على الإجمال. فكانت فلسفة ﭙوﭙر هي: “العقلانية النقدية”. التفكير العلمي هو ذاته التفكير النقدي التصويبي، والمنهج العلمي التجريبي منهاج نقدي اختباري. التجريبية في جوهرها اختبار للفروض، وليست استقراءً أو تتبعًا للوقائع.

                                             **     **     **

وفي كل هذا، يتجلى معيار القابلية للتكذيب استنطاقًا للنظرية المعاصرة في ميثودولوجيّة العلم التجريبي والمنهج التجريبي. ذلك أنه في عصر نيوتن والفيزياء الكلاسيكية، سادت نظرية الاستقراء induction، بمعنى البدء باستقراء الوقائع التجريبية، ثم تعميمها للوصول إلى الفرض العلمي، فتكون الملاحظة قبل الفرض والعقل خادمًا للحواس. أما بعد ثورة النسبية والكوانتم منذ فواتح القرن العشرين والعقود الثلاثة الأولى منه، وهي من أشد الحقب العلمية في الفوران والموران، فتتمثل نظرية المنهج العلمي التجريبي في: “المنهج الفرضي الاستنباطي hypothetico-deductive method”، بمعنى أن البدء بالفرض hypothesis، ثم يستنبط الباحث منطقيًا ورياضيًا النتائج الجزئية التي تلزم عنه، إنها تنبؤات الفرض، ويأتي التجريب ودور الملاحظة اختبارًا للفرض، ولِمَ لا نقول: محاولة لتكذيبه، مادامت التكذيبية هي الاختبارية، فيقابل الباحث بين النتائج المستنبطة من الفرض وبين وقائع التجريب، إن اتفقت معها يكون نجاح الفرض والأخذ به، وإن لم تتفقْ يكون تعديلُه أو الاستغناء عنه والبحث عن فرضٍ غيره. هنا الفرض قبل الملاحظة، والعقل يستخدم الحواس، وليس يخدمها. الوقائع التجريبية محكمة، واختبار للفرض العلمي، وليست مصدرًا مباشرًا له.

لقد كانت نظرية ﭙوﭙر التكذيبية في طليعة صياغات المنهج الفرضي الاستنباطي، التي تؤكد على أن البدء بالملاحظة التجريبية لا يفضي إلى شيء، بل ولا يمكن منطقيًا إجراء الملاحظة العلمية أصلاً من دونِ مبادرةٍ من العقلِ كي توجه الحواس. العقلُ يبدع الفرض العلمي، ولا يستقرئه من الوقائع التجريبية. فيصوغ كارل ﭙوﭙر المنهج التجريبي في قوله الشهير: “المنهج العلمي هو منهج المحاولة والخطأ، منهج اقتراح فروض جريئة وتعريضها لأعنف نقد ممكن لكي نتبين مواضع الخطأ فيها”.

خامسًا – المحاولة والخطأ .. مجمل قصة العلم والحياة معًا:  

نركز الآن على مصطلح “المحاولة والخطأ” الذي يُسمّي أبرزَ نظرياتِ التعلم السيكولوجية بشكل عام، ليوضح لنا أن ﭙوﭙر ينظر إلى العلم بوصفه مرحلة متقدمة من المعرفة، بل ومن علاقة الكائن الحي بالبيئة، بحيث إننا لو كشفنا القصةَ بأسرِها، منذ الأميبا أبسط الكائنات في بحثها عن الغذاء حتى آينشتين أعظم العقول في وضعه للنظرية النسبية، لوجدناها تعرض نمط السلوك نفسه، على طول المدى.

أنماط السلوك الإيجابي أيًا كانت، سلوك العالم في معمله، أو سلوك الكائن الحي في صراعه مع البيئة من أجل البقاء، أو ما بين هذا وذاك، أي سلوك ليس إلا محاولة لحل مشكلة معينة. والمعرفة بدورها ليست إلا نشاطًا لحل مشاكل (وكما ذكرنا الحياة بأسرها حلول لمشاكل، عنوان كتاب لكارل ﭙوﭙر).

من ثم، يبدأ أي موقف بمشكلةٍ ما لتكن (م1)، لتأتي محاولة حلها ( ح ح)، ولابد من مناقشة أو اختبار محاولة الحل، كي نصل إلى الخطوة الثالثة: ” استبعاد الخطأ” منها (أأ). بعد حذف الخطأ يبرز موقف جديد، وأي موقف يحتوي على مشاكل، لينتهي إلى مشكلة جديدة (م2) ، تكون مجالًا لمحاولة تالية…. هكذا نجد الصورة المنهجية لأية محاولة:

                                        

   وقد تُقترح كثرةٌ من الحلول، تُختبر جميعها من أجل الوصول إلى أفضل م2 بالصورة:

أما حين يصعب تحديد أفضل الحلول المتنافسة، ويسير أكثر من حل جيد في طريقه، فإن الصياغة البوﭙرية للمحاولة والخطأ تتخذ الشكل:

إنها صورة تجسد تعدد المذاهب الفلسفية مثلاً أو الاتجاهات السياسية أو التيارات الفنية……إلخ. وهي أيضاً صورة تطور ظاهرة الحياة على وجه الأرض في أنواعٍ بيولوجية عديدة، كل نوع حيوي أو مملكة بيولوجية، انبثقت عن محاولة كائن حي أسبق – أولي أكثر- لمواجهة موقف أو حل مشكلةٍ ما بطريقة، كانت ناجحة، فاستمر في البقاء الذي هو دائمًا لأصلح المحاولات، بالتالي يستطيع أفراد المملكة البيولوجية مواجهة المشاكل البيئية. ومع محاولة الحل المختلفة تتخلق السلالات المختلفة، وهكذا دواليك مادامت الحياة مستمرة على ظهر الأرض.

تبين هذه الصياغة أن قصة المعرفة من عين نمط قصة الحياة بأسرها، وأن المعرفة تسير في حلقاتٍ متتالية، لكنها ليست دائرية، فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة. الخطأ داخل في صميم كل محاولة، وهو ذاته طريق التقدم المستمر عن طريق استبعاد الخطأ وتصويبه. لذا كانت الصياغة البوبرية قادرة على تجسيد منطق التطور البيولوجي، ومنطق التطور الحضاري ومنطق التطورالعلمي معًا.

و الآن يمكن لهذه الصياغة – “صياغة المحاولة والخطأ”- أن ترسم لنا الخطوات الإجرائية لمنهج العلم على النحو التالي:

العالِم يبدأ بمشكلة معينة (م1)، مشكلة نظرية أو تطبيقية، ثم يطرح فرضًا لمحاولة حلها (ح ح). المشكلة قد تكون غامضة، التعرف الكامل عليها يكون بمحاولة طرح حلٍ ونقده. فهم المشكلة يتأتى بفهم صعوباتها، بأن يعرف العالِم لماذا لا يسهُلُ حلُها، لماذا لا تصلحُ الحلولُ الواضحة، فيعرف أبعاد المشكلة وتفرعاتها ومشاكلها الجانبية وعلاقاتها بالمشاكل الأخرى. إنه يحيط بموقف المشكلة فيتمكن من طرح الحل/الفرض العلمي الملائم. محاولة الحل قد تفضي إلى طرح عدة حلول، عدة فروض تتنافس لحل المشكلة العلمية نفسها. وعلى الباحث استبعاد ما يمكن تفنيده. ثم يختار الفرض الأفضل من بين المجموعة المتبقية. لينتهي بتعيين (ح ح) أي محاولة حل المشكلة المطروحة.

وينتقل العالم إلى الخطوة: ( أ أ ) أي استبعاد الخطأ، حيث يحاول تقييم وتقويم محاولة الحل (ح ح)، أي نقد فرضه الجديد. قد يصمد الفرض أمام اختبارات النقد، وقد ينهار سريعًا، إذا كان ضعيفًا. لكن القاعدة أن العالِم سيجد افتراضه الحدسي قابلاً للاختبار التجريبي، وإلا لما كان علميًّا.

على الباحث أن يحاول إقامة مواقف اختبارية قاسية، أي محاولات تكذيب، وتبعاً لنتيجتها إما يأخذ بهذا الفرض أو يعدله أو يبحث عن سواه، وفقا لما تقضي به محكمة التجريب الصارمة.

ولإحكام منهجية هذه الخطوة، يمكن حصر أساليب إجرائها، أي أساليب اختبار الفرض واستبعاد الخطأ في أربع طرق:

1 – مقارنة النتائج المستنبطة من الفرض ببعضها، والتثبت من اتساقها معًا وخلوها من التناقض، أي اتساق الفرض مع نفسه.

2 – فحص الفرض نفسه فحصًا منطقيًا، لنرى هل هو من نطاق العلم التجريبي الإخباري، فقد يكون تحصيل حاصل.

  1. مقارنته بالفروض والنظريات الأخرى في النسق المعرفي المعمول به؛ لنرى هل يتسق معه، وهل يمثل تقدمًا.
  2. اختباره تجريبيًا، أي عن طريق التطبيقات التجريبية للنتائج المستنبطة منه، ومقارنتها بالوقائع المُلاحَظة، كما أوضحنا آنفًا.

   الأهمية القصوى والدور الحاسم للملاحظة والتجارب تبرز في هذه الخطوة الرابعة، فهي التي تَفْصل القول في قبول أو رفض الفرض العلمي. إن اتفقت مع النتائج المستنبطة منه كان نجاح الفرض وقبوله، إن تناقض يحاول الباحث تعديل الفرض أو استبعاده، حسبما تقضي محكمة التجريب، فهي القاضي الحاتِم ذو الحكم الموجب النفاذ.

بهذا ينتهي العالم إلي (م2) موقف جديد، يحمل بين طياته مشاكل جديدة ليأخذ العالم منها ما سوف يكون (م1).. يبدأ بها حلقة جديدة في البحث العلمي. وهكذا دواليك إلى قيام الساعة.

      الصياغة ( م 1   —->    ح ح  —->   أأ   —->  م2) تجعل نمو المعرفة العلمية يسير من المشاكل القديمة إلى المشاكل الجديدة، بواسطة الافتراضات الحدسية واختبارها أو محاولات تكذيباتها، بواسطة التصويبات والتعديلات المستمرة للموقف الراهن، والحلول المطروحة لمشاكله، مما يجعل تطور العلم زجزاجيًا متعرجًا وليس خطًا مستقيمًا، إنه منهج التصحيح الذاتي، أي الذي يجعل العلم يصحح نفسه بنفسه تصحيحًا مستمرًا استمرارية البحث العلمي، طالما أن النظريات كلها فروض، تتفاوت في درجة اقترابها من الصدق. العالم حتى لو توصل جدلاً إلى نظرية صادقة، فلا هذا المنهج – ولا أي منهج آخر – يتمكن من تبرير الصدق المطلق لنظرية علمية، بمعنى يقينها النهائي. فلا يقين في العلم البتة، كل شيء احتمالي خاضع للتطور المستمر.

ولعلنا لاحظنا أن منهج تطور العلم ذاته يماثل إلى حد كبير ما أسماه دارون بالانتخاب الطبيعي، إنه الانتخاب الطبيعي بين الفروض. العلم يتكون دائمًا من تلك الفروض التي أوضحت ملاءمتها في حل المشاكل وصمودها أمام النقد، إنها الفروض التي ناضلت للبقاء حتى الوقت الراهن، كما أنها استَبعدت تلك الفروض الأضعف منها، أو التي حاول واضعوها أن يعدلوها ويكيفوها، فلم يكن تكييفًا مطابقًا للمطلوب، وحكمت عليها الفروض الأقوى بالفناء. وﭙوﭙر بهذا تطوري داروني، فقيل عن نظريته إنها إبستمولوجيا تطورية.

أجمل ما فيها أنها تبرز كيف أن الفلسفة حين تعمل على تجريد المنهج العلمي، لا يعود غريبًا ومغتربًا، محض وسيلة يتبعها العلماء في بحوثهم كتقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل هو تطوير لفعالية مفطورة في صلب الحياة، فيتجسد أسلوبًا من أساليب التفكير هو أنجع وسيلة امتلكها الإنسان في التعامل مع الواقع وحل مشكلاته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق