مقالات

الجيل التائه: أزمة غياب التوعية الجنسانية

معاذ العميرين

  1. مقدمة قصصية .. نوعًا ما

كرة القدم وألعاب الورق والعلاقات الحميمية، ثالوث الأحاديث في معظم مجالس الرجال في مجتمعاتنا. الجميع هناك يدعي معرفة كل ما يمكن معرفته عن هذه المواضيع؛ فالجميع خبراء في التكتيكات الكروية، والجميع خبراء في لعب الورق، والجميع – أعني الجميع – خبراء في أمور الجنس والجنسانية!

ما زلت أتذكر تفاصيل الليلة الصيفية قبل عِدة سنوات في مجلس أحد الأصدقاء، حين استلمت يد التحكم أخيرًا أثناء تحدياتنا المعتادة في لعبة كرة القدم على جهاز ألعاب الفيديو. دَخل علينا صاحبنا العائد من شهر العسل مُبتسِمًا ومُلوِحًا بيديه كما لو أنه يشعر بالحنين لمشاعر العزوبية. استقبلناه بالأحضان والترحيب وفناجين القهوة، ثم بدأت تنهمر عليه الأسئلة بينما عدت أنا وغريمي إلى أيادي التحكم أمام شاشة التلفاز لنبدأ مباراتنا.

كانت الأسئلة في دقائق الشوط الأول عن تفاصيل رحلة شهر العسل؛ أجواء الدول ومعالمها ومستوى احترام سُكانها لسُيّاح المسلمين. لكن مع بداية الشوط الثاني، أخذت الأسئلة منحى آخر، وأصبحت تحوم حول موضوع تخصص الجميع؛ الجنس.

  1. ربما عليك أن تخلد إلى النوم في ليلة الدخلة

كنت حينها مُتقدِمًا بنتيجة مُريحة [٢-٠] سمحت لي أن أستمع إلى ما يُقال؛ طُرِح سؤال التجربة الجنسية الأولى في ليلة الدخلة، وأتت إجابة العريس صادمة ومُخيِّبة لتَطلُّعات الشباب: «لا ترفعوا سقف توقعاتكم». توالت عليه عبارات الاستهجان الممزوجة بالسخرية اللاذعة من كل حدبٍ وصوب، لكنه أكمل حديثه ومواعظه ونصائحه، ثم أخذ يعدد أسماء مستحضراتٍ تستخدم لتسهيل ما يبدو أنها تجربة جنسية غير ممتعة. كان هناك خطب ما، لكنه لم يعرف ما هو.

أحرز غريمي هدف تقليص الفارق [٢-١]، ثم أوقف المباراة ليجري تعديلاتٍ تكتيكية على فريقه. استغليت هذه الفرصة والتفت إلى العريس ثم شرحت له على عجل مفهومًا بيولوجيًا عن جسد الإنسان، وهو أن الأجهزة التناسلية عند الذكور والإناث مُهيأة تشريحيًا – (بالتروية الدموية) – وفيسيولوجيًا – (بالإفرازات الترطيبية) – لتسهيل ممارسة الجنس. وهذا التناغم الجسدي يتطلب قدرًا من الاستعداد النفسي للخوض في الممارسة. إنها برمجة بيولوجية تطورت عبر العصور، تعمل على ترتيب أولويات الإنسان فيما يتعلق بثنائية البقاء والتكاثر (حماية نفسه ومحيطه أولًا، ثم تكاثره بالممارسة الجنسية ثانيًا). مما يعني أن المشاعر المرتبطة بوجود الخطر المهدد لسلامة الفرد كالخوف والقلق، تعمل عكس آلية التهيئة الجنسية، لأن آليات البقاء في هذه الحالة تكون لها اليد العليا في سيطرتها على انفعالات الجسد؛ حيث إن الدم الذي يُروى به العضو التناسلي كنتيجة استعداد للممارسة الجنسية، يذهب في حالات الخطر إلى الأعضاء الأهم التي تُمَكِّن الإنسان من أن يَتَخلّص من مصدر خوفه وقلقه كـ «الدماغ والقلب والعضلات».

فهم جميع مَن في المجلس المغزى من وراء المعلومة؛ الخوف من ليلة الدخلة وقلق التجربة الأولى قد تُثبِّط من آلية التهيئة الجنسية عند كِلا الطرفين، وهذا لأسباب متعددة، منها ثقافية متعلقة بالمفاهيم المجتمعية لجنسانية للذكور والإناث كـ«عبء إثبات رجولة الذكر المرتبطة بالتصورات التخيلية لملاحم ليلة الدخلة» و «عبء إثبات عذرية الأنثى المرتبطة بالتصورات المغلوطة عن غشاء البكارة». كما أن الأعباء النفسية كـ «الحياء من الشريك» و«قلق الصورة الجسمانية» و«رهبة التجربة الأولى»، وغيرها من الأمور، تخلق حالة يختلط فيها التوتر بالحَرَج، مما يؤثر على شاعرية اللحظة ومتعتها.

سأل أحد الأصدقاء : «وما العمل في هذه الحالة؟».

أجاب العريس مؤكِدًا على أن تجربته الخاصة هي «النموذج الأمثل» الذي يجب أن يحتذى به: « استخدم المستحضرات التي ذكرتها، إنها تسهل الممارسة وتخفف من آلامها ».

التفت إلي صديقنا السائِل باحِثًا عن رأيٍ آخر: «ما رأيك يا دكتور؟».

أجبت وعيني مثبتة على شاشة التلفاز: «الحميمية لا تعني بالضرورة الجنس، فهناك عشرات الممارسات التي تعبر عن حميميتك تجاه شريك حياتك دون الخوض في الجنس الصريح المستلزم لكشف الجسد. وأعلى درجات اهتمام الزوج بزوجته في هذا الموقف هو مراعاة استعدادها النفسي فوق كل شيء».

امتعض العريس وقال: «إن انتظر الأزواج زوجاتهم ليبادروا، لما مارس الجنس أحد».

سألته: «كيف حكمت بذلك؟».

أجابني: «النساء لا يستمتعن بالجنس كما نستمتع نحن، فما الذي يدفعهم إلى المبادرة؟».

هنا يتجلى لنا أحد أكثر المفاهيم الخاطئة تأثيرًا على الحياة الجنسية، وهو الاعتقاد بفاعلية الجنسانية الذكورية، في مقابل خمول الجنسانية الأنثوية. إنه اعتقاد يضع الزوجين على طرفي نقيض، يكون فيه الزوج المبادر الفعّال دائمًا، في حين الزوجة تكون المُستقبِلة الخامِلة.

  1. أزمة غياب التوعية الجنسانية

إشكالية هذا المفهوم تتولد مع إبعاد الزوجة من المشاركة الفعّالة، مما يقلل بالضرورة من أهمية استمتاعها بالممارسة الجنسية. من هذا المنظور، يصبح الجنس متعة للرجل و وظيفة للمرأة؛ وهذا يجعل الممارسة نفسها تنتهي ببلوغ الزوج نشوة الجماع مُتجاهِلًا حق زوجته ببلوغها. والنتيجة، إحباط على المستويات الجنسية والحميمية، ثم النفسية والجسدية على المدى البعيد.

وهناك أيضًا جانب إشكالي آخر يهدد سلامة المرأة في هذه المعادلة غير المتوازنة التي فرضت عليها الجنس كوظيفة، وفيها يكون مصير الزوجة رهن نجاحها الوظيفي في إمتاع زوجها وقدرتها على حمل ذريته. مما يجعلها عُرْضة للإيذاء الجنسي بـ«الاغتصاب الزوجي» حين ترفض الممارسة، والإيذاء العاطفي بـ«الخيانة الزوجية» حين لا تُشبع رغبات زوجها، والإيذاء النفسي والجسدي بـ«إجبارها على الحمل والإنجاب» عند انعدام رغبتها بذلك. كل هذا يتم بمبررات مجتمعية تجهل حقيقة الجنسانية الأنثوية وما تفرضه بالمقابل على الرجل. فبمجرد تصحيح هذا مفهوم – مفهوم فاعلية الجنسانية الأنثوية لكونها كائن بشري يعيش ويتكاثر – نجدها تستعيد ملكية جسدها وحق الموافقة في المشاركة الفعّالة في العلاقات الزوجية.

لكن آثار تجاهل استمتاع المرأة بالجنس لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى الحيز الأخلاقي. أي إن التَصَوُّر الذكوري لم يكتفِ بتهميش الجنسانية الأنثوية وإبعادها عن المشاركة الفعّالة بوصفها خاملة، بل إنه قَيَّدها أخلاقيًا خارج حدود طبيعتها البيولوجية، بحيث تصبح تفضيلات المرأة الجنسية أمرًا مرفوضًا و لا-أخلاقيًا. فأن تطلب الزوجة من زوجها أن يُطبق خيالاتها الجنسية كـ«ممارسة أنواع الجنس المختلفة واستخدام الأدوات .. إلخ» قد يفتح بابًا للمُسائلة الأخلاقية حيال تفكيرها بمثل هذه الممارسات.

إنها معضلة قائمة على لخبطة مفاهيمية تخلط ما بين الجنسانية المكونة لهوية الفرد والانفساخ الأخلاقي، مما تُشكِّل ذاتًا متناقضة، تبحث عن الجنس وترفضه، حتى لو كان ذلك ضمن الإطار الشرعي للعلاقة الزوجية. ولأن موازين القوى دائمًا ما تميل لمصلحة الرجل، أصبح هو مَن يضع الاشتراطات الأخلاقية بخصوص جنسانية المرأة دون أن يُخضع نفسه لها. ومن هذا المنطلق، تُبنى حجج تطبيع الخيانة الزوجية في مجالس الرجال. فنجد الزوج يريد من زوجته أن تلعب دور الأم المربية التي لا تفقه في أمور الجنس شيئًا، لكنه يريد أن يعيش جُموح خيالاته الجنسية. ولأنه يعتقد أن الأولى تتناقض مع الثانية – وهذا غير صحيح بتاتًا – فقد عَذر لنفسه أن يبحث عن إشباع رغباته مع امرأة أخرى.

هنا تكمن أهمية التوعية الجنسانية في تفكيك هذا التشابك المفاهيمي مع مراعاة الجوانب الدينية والصحية اللازمة. إنها المعرفة التوعوية الكاشفة للديناميكية الحميمية المشروعة بين الزوج وزوجته. والديناميكية في هذا السياق، هي القدرة على استيعاب جنسانية الآخر بما تتضمنه من تفضيلات و رغبات دون الحكم عليها سلبًا، والعمل على إشباعها بالقدر الذي يكفل رضا الطرفين عن حياتهما الجنسية، ويضمن سلامتهما النفسية والجسدية. هذا يكون في السياقات الجنسانية للغرف المغلقة التي تمثل مجالًا خاصًا تكتسب فيه السلوكيات وأدواتها قيمة إيروتيكية محدودة بزمن الممارسة ومكانها. وبذلك يتحرر الزوجان بفَصل أدوارهما الجنسية داخل غرف النوم عن أدوارهما الاجتماعية خارجها، مما يوسع نِطاق ما يمكن ممارسته والاستمتاع به جنسيًا. أي إن هذا الفصل بين الدور الجنسي والدور الاجتماعي (الزوج/الأب و الزوجة/الأم) أو حتى الدور الوظيفي (الزوج/الشيخ و الزوجة/الطبيبة)، ينفي الحَرج عن التنوع في الممارسات الجنسية وتقوية الرابطة الحميمية بين الزوج وزوجته.

لم يتبق على نهاية المباراة سوى عدة دقائق حين سأل صديقنا الفضولي: «حسنًا إذن، هل علينا أن نرفع سقف توقعاتنا أم نخفضه؟ ».

أجبته بنبرة كشفت توتري من الضغط الهائل على فريقي في أرض الملعب: «لا توجد إجابة موحدة لهذا السؤال، لأن ارتفاع السقف يعتمد على الديناميكية الحميمية بينك وبين شريكة حياتك ».

رد علي قائلًا: «هذا يعني أن لكل ثنائي سقفهما الخاص حسب ما يرتضيه أطراف العلاقة».

نطقت من دون تركيز: «تمامًا».

  1. هل يتعارض مفهوم «الجنسانية الإيجابية» مع قيم المحافظة؟

حينها سأل العريس: «ألا ترى أن هذا الخطاب يتبنى أفكار الجنسانية الإيجابية التي قد تتعارض مع قيمنا الثقافية؟».

وبمجرد سماعي للسؤال، انطلق عقلي باحثًا عن الإجابة، مشتتًا تركيزي عن المباراة في لحظاتها الحاسمة؛ وفي لمح البصر، اخترق غريمي دفاعات فريقي وأحرز هدف التعادل [٢-٢] في الوقت بدل الضائع.

نهض غريمي ليحتفل بينما أنا تظاهرت بأني غير مكترث وأجبت على سؤال العريس: «إن هذا المفهوم يبلغ من العمر ما يقارب المئة عام، وقد تمت صياغته وتجديده طوال السنوات حتى تغيرت تعاريفه تضاربت مَضامينه. ونحن لسنا مُلزمين باستيراد هذه الحُزَم المفاهيمية من ثقافات أخرى، ولنا كامل الحق في صياغة جنسانية إيجابية تتواءم مع قيمنا. هنا يأتي دور المؤسسات المعنيّة في إنتاج خطاب توعوي يساهم في خلق ثقافة جنسية؛ ثقافة أصبحت حاجتنا لها مُلِحّة الآن أكثر من أي وقتٍ مضى».

قَطَّبَ العريس حاجبيه وقال: «حاجة مُلِحّة؟! أليست هذه مبالغة؟».

ألتفت إلى شاشة التلفاز استعدادًا لبداية الأشواط الإضافية وأجبته: «إن التصور التقليدي للجنسانية السلبية كان دائمًا ما يَحصِر أفق التوعية في مفاهيم التكاثر. لكن التصور الإيجابي وَسّع هذا الأفق ليشمل كل ما له علاقة بالجنسانية كمكون أساسي لهوية الفرد؛ مثل تقبل الصورة الجسمانية، وسُبُل حمايتها، وكشف سلوكيات التحرش، وكيفية استيعابها، وتوجيه الأجيال الناشئة».

لم يعد بإمكاننا التغافل عن ضرر غياب التوعية على الجيل الناشئ في مرحلة مراهقته، ونحن نعلم أنه يخوض رحلة استكشافه للجنسانية في العالم الرقمي المحفوف بالإباحيات (من مشاهد الجنس الشكلية في الأفلام حتى المقاطع الإجرامية في أعماق الويب). هذا التخبط في ظلمة التحولات الهرمونية عند المراهقين يسوده التأزم الوجودي من جراء التغيرات الحاصلة على أبدانهم وتفكيرهم؛ تسيطر عليهم هواجس الذنب من مشاعر الفضول الجنسي، حتى تتفاقم إلى اللامبالاة أو كره الذات. ينطلقون بحثًا عن معنى رغباتهم ومشاعرهم المتقدة؛ فمنهم مَن يعود، ومنهم مَن يقع ضحية الصدمات التي ستؤثر على حياته الجنسية والعاطفية للأبد.

الحقيقة التي لا مناص منها، هي أن الإيجابية الجنسانية مهمة لسلامة الفرد كطرف في العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية. فالتوعية ليست مختزلة في فهم الجنس، وإنما تهدف إلى فهم الذات. ولا يمكن للفرد أن يعيش سليمًا معافى وهو مُغيّب عن فهم ذاته.

  1. الخاتمة القصصية

أجريت تعديلاتي الأخيرة ثم بدأت الأشواط الإضافية مندفعًا بكل مَن هم على أرضية الملعب. كنت أعلم أن أملي الوحيد في الفوز يعتمد على إحراز هدف الانتصار في هذه الدقائق قبل وصولنا إلى ركلات الترجيح. مضت الدقيقة تلو الدقيقة، وأهدرت الهجمة تلو الهجمة، حتى انطلقت صفارة الحكم مُعلنةً انتهاء الشوط الإضافي الثاني. وكما هي العادة، ركلات الترجيح لم ترجح كفتها لصالحي؛ خسرت المباراة.

نهض غريمي وقال ساخِرًا: «كان عليك أن تركز على اللعب بدلًا من كل هذا الحديث عن الجنسانية. مَن منا لا يعرف كيف يمارس الجنس؟».

تمامًا. ألسنا جميعًا خبراء بالفطرة في أمور الجنس والجنسانية؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى