مقالات

استبطان الطبيعة: عن السيمفونية السادسة لبيتهوفن «الباستورال»

فادي حنا

قُدِّمت السادسة أوّل مرة مع السيمفونية الخامسة في الكونسرت إيَّاه بقيادة بيتهوفن نفسه، وهي تختلف اختلافًا لا ريب فيه عن الخامسة برغم تزامن تأليف وعرض كليهما. والباستورال هي السيمفونية الأصعب من ناحيّة الأداء، لأنها تتطلب تناولًا وتأويلًا خاصًا من قائد الأوركسترا يُبرز ألحانها وألوانها لتخريجها على نحو ملائم، على عكس شقيقتها السيمفونية الخامسة مثلًا؛ فمن الممكن أن يعثر المستمع على أداءات متشابهة كثيرة للخامسة، مع اختلافات طفيفة في الأغلب، أمّا السادسة فتتفاوت فيها الأداءات وتتباين تباينًا كبيرًا. لعلّ مرّد ذلك إلى ذهنيّة السيمفونية الخامسة وبنيتها المنيعة التي تستعصي على التحويرات وتَزَاويق قادة الأوركسترا. في حين أن السادسة ليس المقصود منها أن تكون عملًا ثوريًا من الناحية البنائية، وإنما هي عمل جماليّ في المقام الأول، مُعقَّد البنية نعم، وإن كان ذلك بدرجة أقل وضوحًا ومباشرةً من السيمفونية الخامسة. كما لاحظ جروف أن السيمفونية السادسة مقارنةً بما قبلها من سيمفونيات تبدو كما لو أنها «صنيعة عقلٍ آخر»[1]؛ ذلك لأن بيتهوفن ليس هو نفسه ولا يكرر نفسه، وهذا معنى أنه «مفاجئ ومنقسم على ذاته»[2].

معنى استبطان الطبيعة

المقصود بـ «استبطان الطبيعة» في هذا الموضع هو التعبير الذاتيّ عن الموضوعيّ، هو فعلٌ أشبه بالتَّذْويت subjectification، أي إخضاع الموضوع بجعله فردًا/جزءًا في الذات، فلا يكون بعدُ موضوعًا. وتَّذْويت الطبيعة، أعني استبطانها، أمر لا نجده تقريبًا في أي نشاط إنسانيّ عدا الفن، أمّا في الفلسفة فهو إحدى نتاجات المثاليّة الفلسفيّة (الإبستمولوجيّة). وبصورة عامة يمكن القول أن التَّذْويت في مُقابل المَوْضَعة هو الفن في مُقابِل العلم الطبيعيّ؛ إن الفن عمومًا، كما تقول سوزان لانغر، هو «مَوْضَعة الشعور، وتَّذْويت الطبيعة»[3].

هذا وتتفاوت الفنون والأعمال الفنيّة من حيث درجة استبطانها الطبيعة؛ والموسيقى تتعالى ولها الأولوية ها هنا، نظرًا لأنها الفن الأقرب والأكثر تعبيرًا عن الذاتيّة، بما أنّها زمانيّة، والموسيقى فن الزمان بامتياز par excellence؛ لذا، فهي الأجدر بالتعبير عن الذات في مسار تطوُّرها ورحلتها، حتى ولو كان ما تُعبّر عنه موضوعيًا خارجانيًا كالطبيعة. حيث إنّ الطبيعةَ، وهي الميّتة، تجد في موسيقى الطبيعة تعبيرها الذاتيّ الصرف، وتصير حيّةً. إنها المكان معبرٌ عنه في الزمان.

وكما قلنا، تتفاوت الأعمال الفنيّة داخل الفن الواحد في ذلك. وكم من الأعمال الموسيقيّة التي أُلِّفت بالأساس لكيّ تُعبِّر عن الطبيعة تعبيرًا ذاتيًّا (ولسنا نتحدث هنا عن مُجرّد التصوير أو المُحاكاة؛ محاكاة الطبيعة، فهي أقل منزلة من التعبير الذاتيّ في استبطان الموضوع، حتى ولو انطوى كل تعبير مستبطن الطبيعة على شيء من المُحاكاة في لُعبته كما سوف نرى). وقليلًا ما نجحت الأعمال الموسيقية في استبطان موضوع كالطبيعة، أي جعله مُتماهٍ مع الذات؛ ينبع ذلك من الخَلْط فيما بين التعبير والتصوير.

التَّعْبير والتَّصْوير

عندما نستمع إلى سادسة بيتهوفن، فإننا نتساءل: أهي محاكاة للطبيعة، مشاهدها ومناظرها على نحو ما نجد في فن التصوير مثلًا، لكنها مسموعة؟ أم أنها مُجرد تعبير عن انفعال الفنان إزاء مناظر طبيعيّة معيّنة؟ عند هذه النقطة ينبغي التشديد على أنّ الموسيقى ليست تُحاكي الطبيعة كفن التصوير مثلًا وسائر الفنون البصريّة، بطريقة مباشرة. والموسيقى عندما تنقل أحداث الطبيعة الخارجيّة إلى أحداث موسيقيّة تُتمثل سمعيًا وحركيًا فهي تُحاكي أو تُصوّر فكرتنا عن الطبيعة، كظاهرة أمام الوعيّ [فينومنولوجية]، وموقفنا (الشعوريّ) منها؛ ولهذا فهي (صورة) تنقل (صورة) عن الطبيعة. إنها بالأدق قدرة معيّنة على التعبير وليس التصوير.

غير أن التصوير والمُحاكاة الخالصة واضحة في الموسيقى كذلك كما في سائر الفنون، فبعض الأعمال الموسيقية تنطوي على محاكاة محضة لأصوات الطبيعة، أو موضوعات مُعيّنة، أدبيّة كانت أم طبيعيّة، أو حتى لموضوعات الحياة اليوميّة. مثال ذلك مجموعة كونشرتوات فيفالدي «الفصول الأربعة»، وهي تنتمي إلى صنف المُحاكاة الأوّل. ولليوبولد موتسارت (والد فولفجانج) مصنفٌ يُحاكي صوت مزلجة الجليد كمثال على محاكاة موضوع من الحياة اليومية[4]؛ وكذلك أوراتوريات هِندل ويوزيف هايدن وغيرهما من الحقبة ما قبل البيتهوفنية، تحوي كثيرًا من المُحاكاة الواضحة والصريحة. مثال ذلك ما قام به هايدن في أوراتوريو الخَلْق Die Schöpfung من محاكاة أصوات الدواب الضخمة من الحيوانات وهي تدُّب على الأرض، وانثناءات الحيّة، وغيرها من موضوعات سِفْر التَّكْوين. وقد صوّر هندل أيضًا موضوعًا دينيًا كحادث الصَّلْب Crucifixion في أوراتوريو المسيح.

وفي حين أن كثيرًا من الموسيقيين والنقّاد، أبرزهم في ذلك هيكتور برليوز مثلًا، رأوا أن ما فعله بيتهوفن (وبرليوز يُسميه بالشاعِر) في الباستورالية كان تصويرًا للطبيعة، كرسَّام[5]، إلا أننا نعلم أن أكثر ما كان يحرص بيتهوفن على تجنبه تمامًا هو المُحاكاة والتصوير الفعليّ للأصوات أو المشاهد. هو لهذا وضع على رأس مُدوَّنة السيمفونية عبارة: «تعبير عن المشاعر أكثر منها تصويرًا[6]». لعله أشار إلى ذلك، مؤكدًا على العنصر الذاتيّ/الاستبطانيّ فيها، لكي يُميِّز سادسته عن التصاوير الموسيقيّة للطبيعة التي شاعت قبله، لا سيّما لكي يميز باستوراليته عن باستورال أخرى، من خمس حركات أيضًا، وهي السيمفونية الباستورالية (١٧٨٣) ليوستن هاينريش كنيشت Justin Heinrich Knecht، الذي وضع عنوانًا واضحًا على رأسها يُلخِّص به برنامجها باعتباره محض «تصويرٌ موسيقيٌ للطبيعة»[7].

خبرة التَّعالِ على الطبيعة

إنّ السيمفونية السادسة هي التأويل النهائيّ لخبرة معيّنة مباشرة بالطبيعة، بعد أن استحالت هذه الخبرة إلى مُعطى بالنسبة إلى المتلقي أو المؤديّ[8]. هي صورة عن صورة مُنتزعة من الطبيعة كما أشرنا. لهذا فإن الموسيقى تُحيل إلى عالَمٍ آخر أو طبيعة مُغايرة من نوع خاص. وقد كان من المُبرَّر أن ينظر كريم الصياد إلى الزمكان الموسيقيّ باعتباره «طبيعة مقلوبة[9]»؛ ليس وكأن الذات جزءٌ من الطبيعة، بل إن الطبيعة قد صارت جزءًا من الذات. بل بالأحرى لم تعد طبيعة، كما نعهدها، لكنها استحالت إلى شيء آخر؛ وفي هذا سلب للموضوع وسمو عنه: إيجاد/خلق طبيعة مغايرة يكون مقرّها الذات، ومن ثم تحل محل الطبيعة الخارجيّة. كيف استحالت خبرة بَعْدية a posteriori بموضوع كالطبيعة، بعد أن جرى استبطانه، إلى مُعطى قَبْليٍّ a priori؟ هذا هو معنى العُلُّو على الطبيعة (الترانسندنس)؛ أي أنّ الطبيعة ذاتها، كمعطى تجريبي بَعْديًا، قد صارت معطى للشعور قَبْليًا.

أمّا التعبير، فقد ينطوي على تصوير أو يستلزمه، كما هو الحال مع السيمفونية موضوع المقال، فلا شك أن في السادسة ثمة تصوير ومحاكاة، مثل تقليد صوت الطير عند نهاية الحركة الثانيّة على سبيل المثال، أو كما في محاكاة البيكولو لصوت صفير العاصفة في الحركة الرابعة. لكن حتى إذا انطوى تعبيرٌ على تصوير فإن ذلك ليس بالجوهريّ في التعبير بما هو كذلك. ولا يعني اشتمال التعبير على التصوير أن كل ما هنالك هو تصوير، أو أن المُحاولة والدافع إلى التأليف كانا بغرض المُحاكاة. ولهذا فإن الباستورال، بعُلُّوها على الطبيعة، فإنها تُمثِّل تعبيرها المنطقيّ، وفق منطق الموسيقى، وإن شئنا أن نقول هنا إن الموسيقى تترك انطباعًا فإنما هو انطباعٌ عن انطباعٍ عن الطبيعةِ.

شكل (1)[10]

السببيَّة بين الموسيقى والطبيعة

يتمثل ضربٌ من التعالي على الطبيعة في إيجاد سببيّة مُغايرة عن السببية في عالَم الطبيعة؛ إن عالَم الموسيقى يفترض، بصفة عامة، نوعًا خاصًا من السببيّة؛ سلسلة معيّنة من الأحداث الموسيقيّة في مقابل تسلسل الأحداث في الطبيعة. هي سلسلة مُفترضة وصناعيّة artificial من السبب والنتيجة تختلف كيفًا عن التسلسل الطبيعيّ للأحداث.

وفي الحركات الخمس من السيمفونيّة، نرى كيف تحل السببيّة الموسيقيّة محل السببيّة في الطبيعة (بخلاف السببيّة البيتهوفنيّة، التي تحكم عالَم بيتهوفن النَّغمي الخاص)، فهي تبدو كما لو أنها تعرض عالَمًا مكتملًا منغلقًا على نفسه، يحلّ فيه الحدث الموسيقيّ محل الحدث الطبيعيّ. الأوّل له صفة ذاتية أساسًا، فلئن كان الحدث الموسيقي ينشأ ويقرّ في الذات، ومن أجل الذات، لهذا فإن له صفة الذاتيّة. في حين أن الحدث الطبيعي موضوعيّ.

ليس للحَدَثْ الموسيقيّ وجود في ذاته، وإنما يَنْوجد من أجل الذات. ذلك على عكس الحدث الطبيعي، الذي يُقال عادةً (أو على الأقل ذلك ما يبدو بالنسبة إلى الحسّ المشترك common sense) إن له وجود في ذاته، أي بمعزل عن الذات المُدركة، فهو يوجد بمنأى عنها. أمّا الحدث الموسيقي وجوده يستلزم الذات المُستمِعة، ويعتمد عليها. ولهذا فإن سلسلةً تتألف من أحداث موسيقية قد يُقال عنها إنها تُحيل إلى نوع من السببية الافتراضيّة، تخلق بذلك واقعًا بديلًا، موطنه الذاتيّة. إن أحداث الطبيعة، بعد أن جرى استبطانها وتذْويتها مثلما قلنا في الفقرات السابقة، صارت تحدث في داخل الذات المستمعة [ولا تكون في الخارج].


[1] Grove, George. Beethoven And His Nine Symphonies. Novello & Company, Ltd. London. p.188.

[2] انظر كريم الصياد، بيتهوفن الصمد: “في إثبات أن بيتهوفن أعظم موسيقار”، ٦- مفاجئ ومنقسم على ذاته، معازف 2020.

[3] Langer, Susanne. Mind: An Essay on Human Feeling. Johns Hopkins University Press, Baltimore. p.87.

[4] https://www.youtube.com/watch?v=S4gWDMMWUYE

[5] Berlioz, Hector. A Critical Study of Beethoven’s Nine Symphonies. Edwin Evans (translator). London: William Reeves, 83 Charing Cross Road, W.C. p.73.

[6] “mehr Ausdruck der Empfindung als Malerei.”

[7] “Le portrait musical de la nature.”

[8] المؤول (مباشر-حركيّ-نهائي) والمؤول النهائي من الناحية الوظيفية يختلف بحسب الذات المؤولة، فهو عند المتلقي يكون فهمًا، وعند المؤدي يكون أداءًا، وعند المؤلف يكون خلقًا. وكل لحظة من تلك اللحظات الثلاث (فَهْم، أداء، خَلْق) تفترض اللحظة السابقة وتشترطها بصورة ما ضمنيًا. انظر: اللغة والدلالة | منطق الفهم الموسيقي، معازف، 2021.

[9] انظر: فيزياء الكون الموسيقي | إنتاج الزمان والمكان، كريم الصياد، معازف، 2019.

[10] نموذج بيرس الذي طبَّقناه في دراسة سابقة عن الفهم الموسيقيّ بعد ترجمته إلى مفاهيم دو سوسور الثنائية، انظر: اللغة والدلالة | منطق الفهم الموسيقي، معازف، 2021.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق