مقالات

الفكر الصيني القديم وسؤال الفلسفة

رسلان عامر

مقدمة

الصين هي اليوم واحدة من الدول الكبرى في العالم المعاصر، وهي اليوم مرشحة صناعيًا واقتصاديًا لأن تغدو القوة العالمية  الأكبر على هذين الصعيدين خلال العقود القليلة القادمة، والصين هي واحدة من أعرق الحضارات في التاريخ البشري، ولها إنجازات كبيرة عديدة في مجالات حضارية شتى، وبذلك تجمع الصين بين صفتي الحضارة المتميزة ببعديها التاريخي والعالمي العصري. وما لا شك فيها أن للصين إسهامها التاريخي المميز الكبير في المجال الثقافي، وهذا ما نلمسه حتى اليوم في ثقافة الشرق الآسيوي ككل، حيث يبدو التأثير الصيني فيه واضحًا بشكل جلي. مع ذلك فما يزال اهتمامنا العربي قليلًا إلى حد كبير بالثقافة الصينية ومعرفتنا بها شديدة المحدودية مقارنة بالثقافة الغربية القديمة والحديثة. وهذا البحث يتغيا المساهمة في إغناء المعرفة العربية بالثقافة الصينية عبر محتوى يجمع نسبيًا بين الإيجاز والجدة، ولكن ليس بشكل وصفي سردي فقط، بل ضمن إطار يطرح إضافة إلى ذلك سؤال مهمًا حول علاقة الفكر الصيني بالفلسفة، وهو بذلك يهدف إلى طرح السؤال عمّا إذا كان الفكر الصيني القديم قابلًا لاعتباره فلسفة أم لا.

الفلسفة الصينية القديمة وسؤال الشرعية

دار الجدل حول ما إذا كان يمكن اعتبار الأساتذة الصينيين القدامى فلاسفة منذ إدخال الفلسفة كنظام أكاديمي إلى الصين منذ حوالي مئة عام، وتعلقت النقاشات حول شرعية الفلسفة الصينية في المقام الأول بالفلسفة الأصلية للصين، وهي تتراوح في محور تركيزها حول ما إذا كان تخصص «الفلسفة»، موجودًا في الفكر الصيني التقليدي وما إذا كانت الموضوعات والقضايا التي ينطوي عليها المنهج الفلسفي موجودة في الفكر الصيني؛ وما إذا كان المنهج الفلسفي القائم الآن، في الفلسفة الصينية يمكن حقًا اعتباره صينيًا، وقد أدت هذه الخلافات إلى مزيد من الأسئلة حول طبيعة الفلسفة ونظامها، واختلفت المواقف فيها بين من اعتبر أن الفكر الصيني القديم فلسفة ومن لم يعتبره كذلك. والواقع أن طرح مثل هذا السؤال لا يقتصر فقط على الفكر الصيني القديم وحده، وهو يطرح بنفس الشكل تقريبًا إزاء العديد من الحضارات القديمة الأخرى، وفي هذا السياق أيضًا تختلف المواقف بين من يرى أن الفلسفة في العالم القديم كانت محصورة بشكلٍ رئيس في بلاد الإغريق، وبين من يرى أن شعوبًا قديمة أخرى عرفت الفلسفة بالمعنى الدقيق لمصطلح فلسفة، ولكن هذا لا يعني أن فلسفاتها كانت نسخًا مشابهة للفلسفة اليونانية. فهل كانت الفلسفة موجودة في الصين القديمة بالمفهوم الدقيق للفلسفة.. أم لا؟ هذا السؤال ستتم الإجابة عنه بعد عرض أشهر المدارس الفكرية في الصين القديمة.

 نظرة تاريخية على نشأة وتطور الفكر الصيني 

تعود البدايات التاريخية لتشكل الصين كدولة إلى بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث بدأ الحكم في الصين يظهر على شكل سُلطة هرمية استبدادية يتزعمها حاكم فردي، وكان نظام الحكم فيها وراثيًا، وكان الحاكم أو الملك حينها يجمع بين صفتي الملك وكبير الكهنة، وكان يعتبر المالك الوحيد للأرض، وتليه في التراتبية الاجتماعية الطبقة الإقطاعية ثم عامة الناس. في تلك الآونة، كانت الذهنية الدينية هي السائدة في البلاد، وكان قدماء الصينيين يعتقدون أن كل ما هو موجود في العالم هو موجود بتدبير وإرادة «السماء» (tiān)، وكان الحاكم يعتبر بنظر الناس «ابن السماء» (tiānzĭ)، والصين نفسها كانت تسمى «كل ما تحت السماء» (tiānxià)، وكان الإيمان بتأثير الأرواح على حياة الناس قائمًا، لذا كان تقديم القرابين والأضاحي شائعًا لاسترضاء هذه الأرواح.

في فترة لاحقة، وبالأخص بين القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، شهدت الصين تطورات سريعة مختلفة هامة اقتصادية وسياسية واجتماعية، حيث تطور أسلوب الإنتاج الزراعي البدائي السابق، وصارت تستخدم فيه وسائل وطرائق جديدة، وبدأت المُلكيات العقارية بالظهور، وانقسمت البلاد إلى عدة إمارات متصارعة، وأصبح عددها قبيل الألفية الأولى قبل الميلاد 156 إمارة، بعد كانت 24 إمارة، في الفترة السابقة الأكثر قدمًا من تاريخ الصين.

وقد أثّرت كل هذه التطورات على الثقافة والفكر في الصين القديمة وأدت إلى ظهور العديد من المدارس الفكرية والسياسية، التي اختلفت وتنافست وتصارعت بدورها، ولكن بشكل عام رئيس غلب الاهتمام بمسألة تحقيق النظام في المجتمع على توجهات أساتذة الفكر الصينيين، الذين كانت مدارسهم المختلفة بشكل عام من النموذج الفكري-السياسي.  في الفترة الأقدم من تاريخ الصين كان المعلمون أو الحكماء الصينيون الأوائل، يعتقدون أن العالم نشأ من الفوضى الأولية (hundun)، بفضل روحين، هما اليين (المبدأ الأنثوي) (yin)، واليانغ (المبدأ الذكري) (yang)، اللذين قاما بتنظيم هذه الفوضى العديمة الشكل، وكونا العالم منها.

لكن مع بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، صارت الأفكار تأخذ منحىً أكثر طبيعية، وصارت الأرواح السابقة التي كان يعزى إليها التأثير على حياة الناس ينظر إليها كقوى طبيعية، وتم افتراض وجود «جوهر أولي» من النوع الأثيري هو التشي (qi)،  وتحت تأثير اليين واليانغ على هذا الجوهر الأثيري تنشأ الجزيئات الأنثوية الكثيفة (yin-qi)، والجزيئات الذكرية الخفيفة (yang-qi)، التي تولّد العناصر الأولية الخمسة، وهي: الخشب ( مو mù)، والنار (هيو huǒ)، والمعدن (جين jīn)، والتراب (توtǔ)، والماء (شوي shuǐ)، ومن هذه العناصر تتكون كل الموجودات، وإضافة إلى ذلك فقد نمت وتكرست في الفكر الصيني القديم فكرة «التاو» (tao)، وينقل أحيانًا إلى العربية «داو»، أو «طاو»، وهو عبارة عن قوة كونية مركزية غير شخصية تخضع لها كل الموجودات والكائنات والبشر، وأقرب مقابل عربي لكلمة «تاو» الصينية، هو «طريق».

في العام 500 قبل الميلاد، بعد أن ضعفت دولة «جو» (Zhou)، وانتقلت الصين إلى ما تسمى بـ «فترة الربيع والخريف»، وهي فترة امتدت بين تقريبًا من عام 771 إلى عام 476، ق. م (أو 403، ق. م، وفقًا لبعض الآراء)، وتلتها فترة الممالك المتحاربة التي قسّمت فيها الصين إلى ممالك عديدة متصارعة في ما بينها، بدأت الفترة الكلاسيكية أو الذهبية للفلسفة الصينية، وتعرف هذه الفترة باسم «مدرسة» (zhūzǐ bǎijiā)؛ ومن بين العديد من المدارس التي تأسست في هذا الوقت وأثناء فترة الدول المتحاربة اللاحقة، كانت المدارس الأكثر نفوذًا، هي: الكونفوشيوسية، الطاوية، الموهية، القانونية، المنطقية، والزراعية.

الكونفوشيوسية (Confucianism)

وتسمى غربيًا أيضًا، بـ «الروئية» (Ruism)، واسمها بالصينية (Rújiā)، واسمها مشتق من كلمة «rú»، التي تعني بالصينية «الباحث»، أو «المتعلم»، أو «الشخص الراقي»، ومؤسسها هو الحكيم الصيني كونغ تزي (Kong-Zi)، الذي تحول إلى «كونفوشيوس»، في اللفظ الغربي، وقد عاش هذا الحكيم بين عامي 551-479، ق.م، ثمّ جمع تلامذته تعاليمه بعد وفاته، وهكذا نشأت وتطورت لاحقًا، هذه المدرسة، وهي عبارة عن منظومة من الأفكار الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والروحية، وقد كان لها تأثير هائل على تاريخ الصين وفكرها وثقافتها حتى القرن العشرين، وقد امتد نفوذها أيضًا، إلى كوريا واليابان وفيتنام والعديد من الدول الآسيوية الأخرى، وقد اعتبرها بعض الباحثين الغربيين أنها كانت “دين الدولة”، للصين الإمبراطورية،  لكن هذا مفهوم سياسي فقط، ويعني أنها أصبحت المذهب الرسمي للدولة الصينية القديمة، فالكونفوشيوسية لم تكن دينًا بالمعنى الحرفي للكلمة، وكونفوشيوس نفسه لم يدع قطعًا أيّة صفة ربانية أو نبوية، وقدم نفسه فقط كمعلم وحكيم ورجل دولة.

تعرضت الكونفوشيوسية للقمع خلال حكم سلالة تشين (Qin)، القانونية الاستبدادية في الفترة بين عامي 22ّ -206، قبل الميلاد، لكنها تمكنت من النجاة، وخلال عهد أسرة هان (Han)، الذي امتد من عام 202، قبل الميلاد، حتى 220 م، تمّ اعتبارها الأيديولوجية الرسمية للدولة.

وفي أواخر عهد أسرة تانغ (Tang) ،(618-907 م)، بدأ تجديد وتطوير الكونفوشيوسية في وقت كانت تنمو فيه كل من البوذية والطاوية، وأعيدت صياغتها لتصبح «الكونفوشيوسية الجديدة» (Neo-Confucianism).

جوهر الكونفوشيوسية هو إنساني، وهي تتجاوز الانقسام بين الدين والإنسانية، وهي تعتبر الأنشطة العادية للحياة البشرية – وخاصة العلاقات الإنسانية – كتعبير عن المقدس، لأنها تعتبر أن هذه النشاطات تعبير عن الطبيعة الأخلاقية للبشرية (xìng)، التي لها مرسى متسامي في السماء (tiān)، أما الـ «تيان» نفسها فلها بعض الصفات الإلهية، لكنها في الأساس مبدأ مطلق غير شخصي، مثل  التاو.

يرتكز الاهتمام الدنيوي للكونفوشيوسية على الاعتقاد بأن البشر هم في الأساس صالحون، وقابلون للتعلم والتحسن من خلال المساعي الشخصية والمجتمعية، وخاصة التربية الذاتية وتطوير الذات، ويركز الفكر الكونفوشيوسي على تنمية الفضيلة في عالم منظم أخلاقيًا. وتعتبر مفاهيم rén، وyì، وlǐ، وzhì، أهم الأسس الأخلاقية في الكونفوشيوسية. رين (rén)، تعني «الإحسان»، أو «الإنسانية»، أو «المحبّة الإنسانية»، وهي تدل على جوهر الإنسان الإنساني الذي يتجلى في التعاطف؛ يي (yì)، تعني إعلاء شأن البر والاستعداد الأخلاقي لفعل الخير؛ لي (lǐ)، هو نظام من قواعد الطقوس واللياقة التي تحدد كيف يجب أن يتصرف الشخص بشكل صحيح في الحياة اليومية بما يتوافق مع قانون السماء؛ وجي (Zhì)، هو القدرة على رؤية ما هو صحيح ومنصف، أو العكس، في السلوكيات التي يقوم بها الآخرون؛ والكونفوشيوسية  تزدري على حدٍّ سواء  كل أشكال الفشل في دعم القيم الأخلاقية الأساسية.

الطاوية (Taoism)

وتسمى أيضًا، «الدواية» (Daoism)، وهي بالصينية (Dàojià)، واسمها مشتق من التاو أو الداو، وقد نشأت في البداية  كمدرسة فكرية وتحولت لاحقًا أيضًا، إلى دين، وهي تقوم على كتاب «تاو تي تشينغ» (Tao Te Ching)، -أو داو دي جينغ (Dào Dé Jīng)- الذي ينسب إلى الحكيم لاو تزو (Lao Tzu) -أو لاوتزي (Laozi)- الذي تفيد الروايات التاريخية أنه ولد عام 571، ق. م.، ويعني اسمه «المعلم القديم»؛ وكتاب «جوانغ تزي» (Zhuangzi)، وتعني تسميته «المعلم جوانغ»، الذي يُنسب جزئيًا إلى جوانغ زي أو -تشوانغ تزو- (Zhuang Zhou)، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، وكان من دعاة مبدأ «الرجوع إلى الطبيعة»، الذي يعني العيش بشكل متوافق ومنسجم مع الطبيعة.

يعتبر كتابا «تاو تي تشينغ»، و«جوانغ تزي»، النصين الأساسيين في الفلسفة الطاوية، رغم أنهما جمعا معًا تحت اسم «Daojia» أي «طاوية»، فقط خلال عهد أسرة هان، ولاحقًا، تمّ إضافة كتاب «التغيرات» (I Ching)، من قبل  الفيلسوف والسياسي الصيني وانغ بي (Wang Bi)، الذي عاش بين عاميّ 226-246 م، وتمّ إضافة إلى ذلك جمع حوالي 140 نصًا مميزًا معًا كجزء من «كتاب التعاليم الطاوية» (Dàozàng).

في اللغة الصينية يعني هيروغليف «داو» (Dao)، أو «تاو» (Tao)، حرفيًا «المسار»، أو «الطريق»؛ ومع ذلك، فهو في الطاوية يشير في كثير من الأحيان إلى القوة الفيزيائية العلوانية التي تشمل الكون بأسره ولكن لا يمكن وصفها أو الشعور بها، وقد بحثت جميع المدارس الفلسفية الصينية الكبرى في الطريقة الصحيحة  لعيش حياة أخلاقية تتوافق مع التاو، ولكن ذلك  في الطاوية يأخذ المعاني الأكثر تجريدًا، ما أدى إلى تسمية هذه المدرسة باسمها المنسوب إلى التاو، وتدعو الطاوية إلى «اللافعل» (wu wei)، وقوة اللين والعفوية والنسبية، وعلى الرغم من أنها تعتبر المنافس التقليدي للكونفوشيوسية، مدرسة الأخلاق النشطة، في الصين، لكن غالبًا ما يُرى أن «الممارسة الكونفوشيوسية»، موجهة إلى العالم الخارجي، أما الطاوية فهي موجهة إلى داخل الإنسان.

 يعتبر مفهوم «وو وي»، من المفاهيم الهامة في الطاوية، وهو حرفيًا يعني «اللافعل» (non-action)، أو (not acting)،  وهو أحد المفاهيم المركزية في التاو تي تشينغ، ولكنه مفهوم متعدد الأوجه، ويأخذ العديد من المعاني مثل «عدم القيام بأي شيء»، «عدم الإجبار»، «فعل اللاشيء»، «التصرف بشكل عفوي»، «الانسجام  مع اللحظة»، وهو مصطلح يستخدم لشرح الـ «الزيران» (ziran)، أو الانسجام مع التاو، وقد استخدم لاو تزو هذا المصطلح على نطاق واسع، إضافة البساطة والتواضع كفضائل أساسية، بما يدل على النقيض من الفعل الأناني؛ وعلى المستوى السياسي، هو يعني تجنب أمور مثل الحرب، والقوانين القاسية، والضرائب الباهظة؛ ويربط  بعض الطاويين بين ممارسات «وو وي»، والممارسات الباطنية، مثل تمارين «زوُوانغ» (zuowang)، أي «الجلوس في النسيان»، أو «إفراغ العقل من الوعي الحسي والفكر»، الموجودة في كتاب جوانغ تزي.

تركز الطاوية بشكل رئيس على فكرة أن المحاولات البشرية لجعل العالم أفضل تجعل العالم أسوأ في الواقع، لذلك فمن الأفضل السعي لتحقيق الانسجام والتقليل من التدخل الضار المحتمل في الطبيعة أو في الشؤون الإنسانية، وهذه أحد الأفكار الرئيسة التي تعبّر عن معنى «مبدأ اللافعل».

منذ المراحل الأولى للفكر الطاوي، كانت هناك مدارس مختلفة للطاوية، وقد تبادلت هذه المدارس الأفكار وتفاعلت مع التقاليد والمدارس الأخرى مثل الكونفوشيوسية والبوذية وسواهما. تختلف الطاوية عن الكونفوشيوسية بكونها تهتم بشكل أكثر بالتربية الشخصية من خلال التأمل وغيره من الممارسات الروحية، ولكنها  بالمقابل تقلل من الاهتمام بالتنظيم السياسي. ويفصل بعض الباحثين أحيانًا، «الفلسفة الطاوية» (Dàojiā)، عن «الدين الطاوي» (Dàojiào)، لكن آخرون لا يوافقون على مثل هذا الفصل، ويرون أن النصوص الطاوية والأدباء والكهنة الطاويون الذين كتبوا وعلّقوا عليها لم يميزوا أبدًا بين الأفكار «الدينية»، و«الفلسفية»؛ ولاسيما تلك المتعلقة بالميتافيزيقا والأخلاق، كما تقول «موسوعة الإنترنيت الفلسفية».

الموهية (Mohism)

وتسمى أيضًا، «الموئية» (Moism)، وهي بالصينية (Mòjiā)، أي «مدرسة مو»، كانت إحدى المدارس الفكرية الرئيسة الأربع، التي تضم إضافة إليها الكونفوشيوسية والطاوية والقانونية، في الفترة بين 770 – 221، قبل الميلاد، أي خلال «فترة الربيع والخريف»، و«فترة الممالك المتحاربة»، التي تلتها؛ وهي مدرسة صينية قديمة في الأخلاق والمنطق والفكر العقلاني والعلم، طورها مفكرون وباحثون صينيون قدماء تتلمذوا على يد الحكيم مو تزو (Mo Tzu)-  أو مو تزي (Mozi) – الذي عاش بين عاميّ 470 – 391، قبل الميلاد تقريبًا، وتعاليمها الرئيسة مجموعة في كتاب «موتزي» (Mozi)، أي «كتاب الحكيم مو».

من بين مبادئها الأخلاقية الرئيسية، الإيثار والاحترام الشامل غير المتحيز، والاهتمام بجميع الناس بغض النظر عن العلاقات أو الانتماءات، والتركيز على فضائل التقشف والسلوك النافع، وقد تطورت في نفس الوقت تقريبًا مع الكونفوشيوسية والطاوية والقانونية، وخلال ذلك الوقت، كان يُنظر إلى الموهية على أنها منافس رئيس للكونفوشيوسية، لكنها اختفت تقريبًا كمدرسة فكرية مستقلة في أعقاب التحولات الثقافية في عهد أسرة  تشين (Qin)، حوالي 221، قبل الميلاد، ويُعتقد أن العديد من الكلاسيكيات الموهية قد دُمرت عندما قام الإمبراطور «تشين شي هوانغ» (Qin Shi Huang)، أو «شي هوانغ دي» (Shi Huang Di)، بحرق الكتب والقضاء على العلماء الذين ينتمون إلى مدارس غير المدرسة القانونية، وقد تراجعت أهميتها أكثر عندما أصبحت الكونفوشيوسية مدرسة الفكر السائدة خلال عهد أسرة هان، لكن مع ذلك ورغم اختفاء الموهية كمدرسة مستقلة فقد استمر تأثيرها الفكري لاحقًا.

كان مو تزو، يركز على أن جميع الناس متساوون في عيون السماء، وكان يعتقد أن من هم في السُّلطة يجب أن يقوموا على أساس الجدارة، وأن أولئك الذين يستحقون السُّلطة يجب أن يحصلوا على السُّلطة، وقد أكدت تعاليمه على الحبّ الشامل، والنظام الاجتماعي، واحترام إرادة السماء، والمشاركة وتكريم الجدارة.

 تتميز تعاليم مو تزو بمفهوم «الحبّ العالمي اللامشروط»، وقد قام مو تزو بتطوير مفهوم «الحبّ» (Ài)، كرد فعل على الحبّ الخيري في الكونفوشيوسية، وقد حاول بذلك استبدال ما اعتبره الارتباط الصيني المفرط الراسخ منذ فترة طويلة بهياكل الأسرة والعشيرة بمفهوم «الحبّ العالمي» (Jiān’ài)، وقد جادل في هذا مباشرة ضد كونفوشيوس الذي اعتبر أنه من الطبيعي والصحيح أن يهتم الناس بأشخاص مختلفين بدرجات مختلفة. مو تزو، على النقيض من ذلك، كان يعتقد أن الناس من حيث المبدأ يجب أن يهتموا بجميع الناس على قدم المساواة، وكان يشدد على أنه بدلاً من تبني مواقف مختلفة تجاه الأشخاص المختلفين، يجب أن يكون الحبّ غير مشروط ويتم تقديمه للجميع بغض النظر عن المعاملة بالمثل، وليس فقط للعائلة والأقارب والأصدقاء وعلاقات التقارب الاجتماعي الأخرى.

المدرسة القانونية (Legalism)

 تسمى عربيًا أيضًا، «الشرعوية»، واسمها بالصينية هو«Fajia»، أي «مدرسة “فا»، وهو مشتق من كلمة «fa»، التي تعني «قانون»، ويمكن ترجمة اسمها لغويًا بـ «بيت الأساليب الإدارية»، وهي مدرسة فلسفية صينية اكتسبت مكانة بارزة خلال حقبة الدول المتحاربة المضطربة (475-221 قبل الميلاد)، وقد شكلت الأساس الأيديولوجي لأول سلالة إمبراطورية في الصين، أسرة تشين (Qin)، التي حكمت في الفترة ما بين عاميّ 221-207 قبل الميلاد.

تقوم المبادئ الأساسية  للقانونيين على التطبيق الصارم للقوانين التي تمّ نشرها على نطاق واسع، وهم كانوا يعتقدون أن المؤسسات السياسية يجب أن تنظم بشكل يتناسب مع وقائع السلوك البشري، وأن البشر بطبيعتهم أنانيون وقصيرو النظر، وبالتالي، لا يمكن ضمان الانسجام الاجتماعي من خلال اعتراف الناس بفضيلة حاكمهم، ولكن فقط من خلال سيطرة الدولة القوية والطاعة المطلقة للسُّلطة، وقد دعا القانونيون إلى الحكم بواسطة نظام من القوانين ينص بصرامة على العقوبات والمكافآت على سلوكيات معينة، وشددوا على زيادة سُلطة الحاكم والدولة، وقد أدى التنفيذ الوحشي لهذه السياسة من قبل سلالة تشين الاستبدادية إلى الإطاحة بهذه السلالة وتشويه سمعة المدرسة القانونية في الصين، لكن مع ذلك ما تزال آثارها  مستمرة بشكل مؤثر في الإدارة والسياسة والممارسة القانونية في الصين حتى اليوم.

أصول النظام الإداري الصيني لا يمكن إعادته تاريخيًا إلى أي شخص واحد، لكن قد يكون للمسؤول شين بوهاي (Shen Buhai)، الذي عاش في الفترة بين العامين 400 – 337، قبل الميلاد تقريبًا، تأثير أكبر من أي شخص آخر على بناء نظام الجدارة في الصين، وهو برأي بعض علماء الصينيات ربما كان أول عالم سياسي. وقد لعب كل من شانغ يانغ (Shang Yang)، ولي سي (Li Si)، وهان فاي (Han Fei)، أدوارًا مهمة في تطوير المدرسة القانونية ونشر تعاليمها، وقد كان شانغ يانغ، الذي عاش بين العامين 390-338، قبل الميلاد، مصلحًا رائدًا في عصره وكان ذا اهتمام كبير بالابتكار الإداري والاجتماعي السياسي، أما هان فاي، الذي عاش ما بين عاميّ 280-233، قبل الميلاد تقريبًا، فقد جمع الأفكار القانونية في كتابه المسمى «هان فيزي» (Han Feizi)، حوالي عام 240، قبل الميلاد، ويُعتقد عمومًا أنه أهم النصوص «القانونية»، فيما كان رجل الدولة لي سي، الذي عاش بين عامي 280-،208، قبل الميلاد، المستشار الأكبر أو رئيس الوزراء لتشين شي هوانج (Qin Shi Huang)، ملك مملكة تشين الذي أصبح لاحقًا، أول إمبراطور للصين، وابنه تشين إير شي  (Qin Er Shi)، من بعده.

مدرسة الطبيعة (School of Naturalists)

اسمها بالصينية (Yīnyángjiā)، وهو تركيب يجمع بين كلمتي (yin)، و(yang)، الدالتين على قطبيّ الوجود ككل، وقد نشطت هذه المدرسة في حقبة الدول المتحاربة، وجمعت بين مفاهيم  «يين-يانغ» (Yin-yang)، و«وشينغ» (Wuxing)، أو «العناصر الخمسة»؛ ويعتبر المعلم تزو يانZou Yan) ) الذي عاش في الفترة بين عامي 305- 240 ق.م. مؤسس هذه المدرسة، وقد حاولت نظريته تفسير الكون  بناءً على القوى الأساسية في الطبيعة: ظواهر اليين (الظلام، البارد، الأنثوي، السلبي)، وظواهر اليانغ (الضوء، الساخن، الذكر، الإيجابي)، والعناصر الخمسة أو المراحل الخمس (الماء والنار والخشب والمعادن والأرض)؛ في أيامها الأولى ارتبطت هذه النظرية بشكل رئيس بولايتي يان (Yan)، وكي أو تشي (Qi)، القديمتين، لكن في فترات لاحقة، اكتسبت هذه الآراء المعرفية أهمية  لدى المدارس الفكرية وفي الاعتقادات الشائعة، وقد تمّ استيعاب هذه المدرسة في الأبعاد الخيميائية والسحرية للطاوية وكذلك في الإطار الطبي الصيني.

«اليين-يانغ»، هو مفهوم شائع في الفكر الصيني القديم، يصف كيف أن القوى المتعاكسة أو المتناقضة يمكن أن تكون في الواقع متكاملة ومترابطة في العالم الطبيعي، وكيف يمكن أن تؤدي إلى بعضها البعض لأنها مرتبطة ببعضها البعض، ويعتبر فيه أن اليين هو «المبدأ المستقبِل»، فيما يعتبر أن اليانغ هو «المبدأ النشط»، ومن تفاعلهما ينشأ الكون من الفوضى البدئية وينتظم في دورات يين-يانغ، وتتشكل فيه الأشياء والأحياء، وتنشأ فيه كل أشكال التغير والاختلاف مثل دورة الشتاء والصيف السنوية واقتران الضوء والظل في المناظر الطبيعية وتكوين البشر كذكر وأنثى والاقتران الجنسي بينهما، وتواجد الاضطراب والنظام في التاريخ السياسي الاجتماعي وهكذا دواليك.

أما نظرية «ووشينغ»، أو نظرية المراحل الخمس فهي في المنظور الكوني الصيني تشرح التغيير في الكون، ويُعتقد فيها أن تلك المراحل أو العناصر (الأرض، والخشب، والمعدن، والنار، والماء)، تتغلب على بعضها البعض وتتعاقب في دورات  ثابتة، وهذا ما ينعكس في الاتجاهات السماوية (cardinal direction)، والمواسم والألوان والنغمات الموسيقية وأعضاء الجسم؛ وقد  كانت دورة ووشينغ بمثابة مبدأ توضيحي واسع النطاق في تاريخ الصين وفلسفتها وطبها.

المدرسة المنطقية أو مدرسة الأسماء (School of Names)

وتسمى أيضًا، «مدرسة الأسماء والنماذج»، واسمها بالصينية (Míngjiā)، وهو مشتق من كلمة «مينغ» (Míng)، التي تعني «اسم»، وقد ظهرت خلال فترة الممالك المتحاربة في 479-221، قبل الميلاد، وكان يُطلق على أتباعها أحيانًا، اسم «المنطقيين»، أو «المجادلين»، وقد عمل العديد منهم كمستشارين سياسيين متجولين للحكام الإقليميين في فترة الممالك المتحاربة، وغالبًا ما تُعتبر اليوم فلسفة المنطقيين الصينيين شبيهة بفلسفة السفسطائيين أو الديالكتيكيين اليونانيين والغربيين.

معظم النتاج الفكري  لهذه المدرسة ضاع باستثناء كتاب «Gongsun Longzi»، المحفوظ جزئيًا، والذي فُقد القسم الأكبر منه بدوره، وقد حفظ أيضًا، الجزء المسمى بـ «المفارقات»، في الفصل 33 من كتاب «Zhuangzi»، الآنف الذكر، وبرأي العالم والمؤرخ والمختصّ في علم الصينيات البريطاني جوزيف نيدهايم (Joseph Needham)، اختفاء الجزء الأكبر من كتاب Gongsun Longzi  هو أحد أسوأ الخسائر في الكتب الصينية القديمة، وما تبقى منه يصل إلى أعلى نقطة في الكتابة الفلسفية الصينية القديمة.

تسمية «مدرسة الأسماء»، كما تقول موسوعة ستانفورد الفلسفية، أطلقها مؤرخوّ أسرة هان على مجموعة من المفكرين المختلفين الذين لم يشكلوا دائرة أو حركة محددة مكرسة لأي عقيدة أو أسلوب حياة معين، ولكنهم  اشتركوا  في الاهتمام باللغة والجدال، واشتهروا بالاجتزاءات المنطقية، والألغاز المفاهيمية، والمفارقات، لأن التفكير في اللغة في الصينية القديمة كان يركز على «الأسماء»، أو «الكلمات»، وعلاقتها بـ «الأشياء» (أشياء، أحداث، مواقف)، وقد كان المفكرون الصينيون في تلك الفترة يهتمون باستخدام المصطلحات لتحديد وتصنيف الأشياء والأحداث والمواقف بشكل صحيح، وقد رأى المعلمون المرتبطون بمدرسة الأسماء أن المعايير المستخدمة لتمييز نوع ما عن الآخر كانت مصطنعة وتعسفية، لذا أوجدوا مفارقات ومغالطات غيّرت أو عكست أو رفضت الفروق التقليدية.

ازدهرت «مدرسة الأسماء»، لما يقرب من 150عامًا، حتى وحد الإمبراطور شي هوانغ دي، الصين تحت حكم أسرة تشين عام 221، قبل الميلاد، وفرض حكومة مركزية بقوة على أساس «المدرسة القانونية»، وأعدم أو نفى جميع العلماء المعارضين. تلاشت استقصاءات مدرسة الأسماء، التي كانت تحتوي على بدايات المنطق الحديث، ولم يتمكن المنطق من أن يصبح نظامًا فكريًا مستقلاً في الصين.

المدرسة الزراعية (Agriculturalism أوAgrarianism)

وتسمى أيضًا، «مدرسة الزراعيين»، واسمها بالصينية «Nongjia»، وهو مشتق من كلمة «Nóng»، التي تعني «زراعة»، وقد كانت هذه المدرسة عبارة عن رؤية صينية زراعية مبكرة دعت إلى إقامة مجتمعات فلاحية طوباوية تقوم على المساواة والمشاركة؛ وقد اعتقد الزراعيون أنه يجب تشكيل المجتمع الصيني على غرار مجتمع الملك الحكيم المبكر شينونج (Shennong)، وهو بطل شعبي تمّ تصويره في الأدب الصيني على أنه «يعمل في الحقول، جنبًا إلى جنب مع أي شخص آخر، ويتشاور مع أي شخص آخر عندما يتعين اتخاذ أي قرار».

تمّ قمع مدرسة الزراعة خلال عهد أسرة تشين، وفُقدت عندها معظم نصوصها الأصلية، ومع ذلك، فقد أثّرت المفاهيم المرتبطة بالزراعة في الأصل على الكونفوشيوسية والشرعوية، وكذلك الفلسفة الصينية ككل، وكان يُنظر إلى الزراعة أحيانًا، على أنها جوهر الهوية الصينية.

المدرسة الباطنية (Mystic Learning)

أو «مدرسة الأسرار»، أو «التعليم الصوفي»، واسمها بالصينية (Xuanxue)، وهو مركب من كلمتين «xuán»، وتعني «غامض»، و«xue»، وتعني «تعليم».

 هذه المدرسة هي مدرسة صينية ما بعد الكلاسيكية، من عصر السلالات الست (Liù Cháo بالصينية)، الذي امتد من عام 220، أو 222 إلى عام 589 م، وتجمع تعاليمها بين المعتقدات الطاوية والكونفوشيوسية، وقد وجدت  هذه الحركة أساسها الكتابي في كل من المصادر الطاوية، والمصادر الكونفوشيوسية المعاد تفسيرها بشكل جذري، وقد احتلت  تعاليم هذه المدرسة الصدارة في الأوساط الثقافية، وخاصة في مدينة جيانكانغ (Jiankang)، خلال فترة الانقسام.

 تمثّل تعاليم هذه المدرسة الاتجاه الأكثر تجريدًا وغير الدنيوي والمثالي في الفكر الصيني المبكر في العصور الوسطى،  وقد جمع فلاسفتها بين عناصر الكونفوشيوسية، والطاوية لإعادة تفسير كتب «إي جينغ» (I Ching)، و«تاو تي تشينغ» (Daodejing)، و«جوانغ تزي» (Zhuangzi).

البوذية الصينية (Chinese Buddhism)

وتعرف أيضًا، باسم «بوذية هان» (Han Buddhism). تمّ إدخال البوذية إلى الصين لأول مرّة خلال عهد أسرة هان، حيث تمت ترجمة مجموعة كبيرة من الكتب المقدسة البوذية الهندية إلى اللغة الصينية، وتمّ إدراج هذه الترجمات (جنبًا إلى جنب مع الأعمال الطاوية والكونفوشيوسية)،  في كتاب مرجعي للتعاليم البوذية (الصينية (Chinese Buddhist canon)، كان له لاحقًا، آثار بعيدة المدى على نشر البوذية في جميع أنحاء شرق آسيا، بما في ذلك كوريا واليابان وفيتنام.

حتى القرن الرابع الميلادي كان للبوذية تأثير محدود على الصين، ولكن في القرن الرابع تمّ تهجين تعاليمها مع تعاليم الطاوية، ونظرًا لأن الفكر التقليدي الصيني يركز بشكل أكبر على الأخلاق أكثر من الميتافيزيقيا، فقد أدى دمج المفاهيم البوذية والطاوية إلى تطوير العديد من المدارس المتميزة عن المدارس البوذية الهندية الأصلية، فقد طورت البوذية الصينية العديد من التقاليد الفريدة للفكر والممارسة البوذية، ومن ذلك مدرسة تيانتاى (Tiantai)، أو «مدرسة اللوتس»، كما تسمى أحيانًا، ومدرسة هوايان (Huayan)، أو «إكليل الزهر»، ومدرسة سانلون (Sānlùn)، أو «بوذية الأطروحات الثلاث أو مدرسة الفراغ»، و«بوذية الأرض الطاهرة»، أو «الأميدية» (Amidism)، و«بوذية تشان» (Chán)، التي تعرف أيضًا، باسم الزن (Zen)، أو «بوذية الزن»،  وهذه المدارس تبحث بشكل عام في الوعي، ومستويات الحقيقة، وكيف يتمّ تحقيق التنوير.

كذلك أيضًا، فقد تكامل الجانب الروحي للبوذية مع عمل الكونفوشيوسية الجديدة، حيث يهتم الكونفوشيوسيون الجدد البارزون بأشكال معينة من التأمل.

أثّرت البوذية الصينية على الثقافة الصينية في مجموعة متنوعة من المجالات، بما في ذلك الفن والسياسة والأدب، الفلسفة والطب والثقافة المادية، وهي أكبر ديانة في البرّ الرئيسي للصين، وهي أيضًا، ديانة رئيسة في تايوان وبين الصينيين خارج الصين.

الكونفوشيوسية الجديدة (Neo-Confucianism)

واسمها المختصر بالصينية هو «Lǐxué»، ويعني «مدرسة المبدأ»، وهي حركة إحياء للفكر الكونفوشيوسي الديني والاجتماعي والأخلاقي، سيطرت في المحصلة على الثقافة الرسمية الصينية من القرن الثالث عشر حتى القرن التاسع عشر، لكن هذه العملية بدأت في وقت مبكر من القرن التاسع، حيث ظهر اهتمام متجدد بالكونفوشيوسية، وقد ركزت الكونفوشيوسية الجديدة في جوهرها على أعمال التقليد الكونفوشيوسي الكلاسيكي كوسيلة لتنظيم المجتمع البشري، كما تمّ فيها إضافة عناصر ميتافيزيقية من البوذية، وقد طور الكونفوشيوسيون الجدد أنظمة اجتماعية وسياسية وفلسفية متكاملة، وأكدوا على أهمية التزام الفرد في إيجاد الدور المناسب داخل هذه الأنظمة المتداخلة، وبالتالي المساهمة في الانسجام العالمي، ووفقًا لهم، فمن خلال عملية التطور الذاتي، يمكن المرء أن يصبح حكيمًا، أي نموذجًا أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا.

تمّ تطوير الأفكار الكونفوشيوسية الأساسية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، من قبل عدد من المفكرين المختلفين، وكان هناك اختيارات متباينة من النصوص الأساسية للدراسة، وتفسيرات متنافسة للنصوص الكونفوشيوسية الكلاسيكية، ومناقشات واسعة النطاق حول دور الكونفوشيوسيين الجدد في المجتمع والسياسة، وفي القرن الثاني عشر، قام تشو تشي  (Zhu Xi)، بتبسيط التقليد، وهو يعتبر الصائغ الأكبر للفكر الكونفوشيوسي الجديد، وصارت رؤيته للتقاليد الكونفوشيوسية في النهاية إيديولوجية الدولة الرسمية في القرن الثالث عشر، وكان على من يريد أن يصبح موظفًا رسميًا مؤهلًا حينها أن يقضي سنوات في دراسة وحفظ النصوص والتعليقات الأساسية كما جمعها وكتبها تشو تشي، لكن في فترات لاحقة، ظهرت تحديات لعقيدته، ولاسيما في عهد أسرة مينغ (Ming)؛ ولكن لم يظهر بديل يحلّ تمامًا مكانها، وفي عام 1905، تمّ فصل الكونفوشيوسية الجديدة عن نظام الفحص الحكومي، وفي في حملة القرن العشرين للتحديث، انتقد الكثيرون الكونفوشيوسية الجديدة كقوة أعاقت تقدم الصين، ومع ذلك، استمر آخرون، ولاسيما خارج جمهورية الصين الشعبية  في رؤية القيمة في تقاليد «الكونفوشيوسية الجديدة»، وطوروها، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي، انتعش الاهتمام بالكونفوشيوسية في جمهورية الصين الشعبية أيضًا.

 هل عرفت الصين الفلسفة؟

 بعد ما تقدّم من عرض نعود إلى هذا السؤال الذي تمّ طرحه في بداية البحث، والذي يدور حول مدى «فلسفية»، الفكر الصيني. وكما سلف القول ثمّة من يجيب بالنفي عن هذا السؤال ويرى أن الفكر الصيني القديم لم يكن فلسفة بالمعنى الدقيق للمصطلح، فيما يجيب سواه بالإيجاب ويرى أن هذا الفكر كان فلسفة ولكن من نمطٍ مختلف عن الفلسفة اليونانية القديمة والغربية الحديثة، وكل من الفريقين لديه حججه.

ومن الأسئلة الرئيسة التي يُسعى للإجابة عنها في هذا السياق والتي تركز على الفكر الصيني، السؤال عن طبيعة وجودة النصوص الرئيسية الصينية المبكرة وهل تحقق شروط الفلسفة؟ وكيف يمكن البحث الحالي في أقسام الفلسفة الصينية  وكيف ينبغي دراسة التراث الفكري الصيني؟ وهل هو مثير للاهتمام من الناحية الفلسفية؟ في العادة غالبًا، ما يتم طرح هذه الأسئلة من قبل فلاسفة غربيين ويقع الجواب على عاتق الصينيين، وهنا يسود رأي غربي مسبق يتماشى مع نزعة المركزية الأوروبية الغربية التي تعتبر أوروبا مركزًا للحضارة العالمية، وتعطي لمعايير وصفات الحضارة الأوروبية أبعادًا عالمية لتلزم بها كل الأمم الأخرى، وفي ذلك تصبح الفلسفة وكأنها ميدان مقترن بأوروبا، وتوضع الفلسفة الغربية معيارًا، وتغدو الفلسفة الصينية بموجبه مضطرة لإثبات أنها متوافقة مع شروطه كمعيار لتحظى بالاعتراف بأنها فلسفة، ولذا فكثيرًا ما يتمّ إسقاط صفة الفلسفة عن المعلمين الصينيين القدماء.

هذا الأسلوب في التعامل مع الفكر الصيني وسواه من نماذج الفكر غير الأوربي، ينتقده العديد من العلماء والفلاسفة والباحثين الغربيين أنفسهم، ومنهم إريك نيلسون (Eric Nelson)، الأستاذ المشارك في العلوم الإنسانية بجامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجيا بهونج كونج، الذي يرى أن الفلسفة كانت دائمًا مقارنة ومتعددة الثقافات، وهو أمر كان الإغريق القدماء على دراية به تمامًا، ويرى نيلسون أن ارتباط الفلسفة بأوروبا في حدّ ذاته هو نتيجة حديثة للتفاعل الثقافي، وبذلك يحاول نيلسون تحرير أوروبا من ادعاءاتها العالمية من خلال منحها درجة من الإقليمية، وبنفس الوقت، هو يأمل تحرير أجزاء أخرى من العالم – كآسيا – من الانتقاص المستمر من قبل الغربيين المتطرفين، وفي الشأن الصيني يرى نيلسون أن بعض مزاعم الفلاسفة الغربيين مهينة أو عنصرية بشكل ملحوظ، ولا تكاد تدعمها أي معرفة بالمعلمين الصينيين، وأن بعض هؤلاء الفلاسفة هم مجموعات معقدة من التعصب العرقي المتشدد، وهو يركز بشكل نقدي على الآراء التي تقدّر الفلسفة الصينية ويقيّم إمكاناتها للحوار في المستقبل.

وبدوره ينتقد لي ك. جينكو (Leigh K. Jenco)، أستاذ قسم الحكومة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في لندن في المملكة المتحدة، الاستدعاءات المعاصرة لـ «الفلسفة الصينية»، التي غالبًا ما تكون غير قادرة على فهم رهانات عديدة من قبل المشاركين الصينيين في النقاشات حول الفلسفة الصينية، الذين يربطون النقاش بالأسئلة الدائمة حول قدرة المصطلحات الأكاديمية الصينية الأصلية على التنافس بنجاح مع المصطلحات الأوروبية والأمريكية.

وكما نرى هناك عسف مزدوج في ما يحدث، فعدا الجهل والتعصب من قبل بعض المختصين الغربيين هناك أيضًا، خطأ معرفي يتمثّل بعدم تمييزهم بين ما هو عام أو عالمي، وما هو خاص أو محلي في تجربتهم الفلسفية الحديثة التي يسقطون بشكل كلي معاييرها على الثقافات الأخرى، وهناك بالمقابل ردة فعل استلابية من قبل أبناء هذه الثقافات تتمثّل بسعيهم لإعطاء المفاهيم والمقولات الفلسفية الموجودة في ثقافاتهم لبوسًا غربية بغية موافقة المعايير الغربية المفروضة عليها للاعتراف بها كفلسفة.

العام أو العالمي في الفلسفة الغربية الحديثة، هو في  اليوم مثل العلم الحديث قد بلغت مستوى أكاديميًا رفيعًا عالمي الطابع ولا يرتبط ببلد أو منطقة أو أمة، وبالتالي فعلى هذا المستوى من الأكاديمية ليس هناك علم أو فلسفة خاصين بقومية أو إقليم أو دولة، ولهما هوية محلية؛ أما الخاص في هذه التجربة فهو أنه كما تختلف العقول العلمية في نتاجاتها العلمية بسبب عوامل ذاتية أو موضوعية، فكذلك أيضًا، تختف النتاجات الفلسفية، بل وتختلف أكثر من ذلك لأن دور العامل الذاتي فيها أكبر منه مما هو في العلم، ولذلك نجد في الغرب الحديث نفسه العديد من المدارس والتوجهات الفلسفية الحديثة المختلفة عن بعضها البعض، ولكن التي لا يمكن تعميم حيثيات وخصوصيات أيًّا منها وجعلها مقياسًا لسواها.

والأمر مشابه في العلاقة بين الفلسفة الحديثة في الغرب وسواها من المدارس الفلسفية في العالم القديم، فرغم مستوى الفلسفة الحديثة الأكاديمي العالي، الذي لم يكن بمستطاع الفلسفات القديمة بلوغه موضوعيًا، إلا أن كل هذه الفلسفات تشترك بأن فيها جميعًا من النتاج العقلي ما هو عام وما هو خاص، ولا يجوز الحكم على أية مدرسة منها وفقًا لخصوصيات أخرى. وبالتالي يجب التنبه إلى أن هناك خصوصيات فلسفية غربية حديثة ذات طابع محلي في الفلسفة الغربية الحديثة، ويجب إبعادها عن المقارنة مع أيّة فلسفة  قديمة أو حديثة أخرى، أما المعايير الأكاديمية الفلسفية الحديثة، فرغم عالميتها لا يجوز إسقاطها بشكل ميكانيكي على التجارب القديمة، وإلا فلن يبقى عندها أيّة تجربة قديمة يمكن وصفها بالفلسفة، ومعيار الحكم على مدى فلسفية أيّة تجربة فكرية يجب أن يقوم على المبدأ الذي تقوم عليه هذه التجربة، فإن كانت تقوم على أساس العقل الحُرّ الذي يعمل باستقلالية بأدواته الخاصة كعقل، وبشكل منظم ومتناسق ومستقر لفهم العالم وتنظيم حياة الإنسان، فهذه التجربة هي فلسفة وإن كان مستواها الأكاديمي بعيدًا عن مستوى أكاديمية الفلسفة الحديثة، وهي فلسفة بمبدئها وطبيعتها الفكريين، وبناءً على ذلك يمكن القول أن الفلسفة الصينية القديمة وما استمر وتطور منها من أشكال إلى اليوم هي فلسفة حقيقية، فلسفة سعى فيها العقل الصيني القديم بأدواته كعقل لفهم وتفسير العالم وتنظيم حياة الناس وبناء المجتمع الأفضل، أيّة بدائية في هذا الأمر لا تنفي فلسفية هذا المسعى كما لا تنفي بدائية العالم القديم صفة العالم عنه.

خاتمة

بناءً على ما تقدم، يمكن القول أن الصين القديمة كان لها مساهمتها الغنية الحقيقية في الميدان الفلسفي، وقد لعب الفكر والفلسفة الصينيين القديمين دورًا كبيرًا في تطوير الثقافة الشرق آسيوية والتأثير عليها، بشكل لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبته الفلسفية اليونانية في تطوير الفكر والثقافة في الحضارات اليونانية والهلنستية والرومانية والعربية الإسلامية والغربية الحديثة، ونكران ما للصين من دور في هذا المجال أو نكران أدوار الأمم الأخرى الهنود والعرب وغيرهم، هو مسعىً باطل غالبًا، ما تكون وراءه العصبية الغربية المتطرفة، التي لا تكتفي عادةً بالسعي لاحتكار الامتياز الفلسفي وحده، بل وتحاول أيضًا، احتكار الفضل الحضاري كله.

واليوم، في الوقت الذي تتسارع فيه التغيرات الاجتماعية في معظم أنحاء العالم، وتتسارع معه بقوة عملية الانفتاح العالمي للثقافات على بعضها، وتتزايد وتشتد فيها التفاعلات بين هذه الثقافات، فالصين الحديثة التي تشهد بدورها نهضة سريعة ثابتة الخطى مرشحة بقوة لعودة فلسفية تلعب من خلالها دورًا هامًا في إثراء الفلسفة في العالم الحديث كما باتت تثري العلم والتكنولوجيا والصناعة، وهي بالطبع ليست الوحيدة المؤهلة لذلك، سواءً في ميدان الفلسفة وغيره من الميادين.

وختامًا، تجدر الإشارة إلى صعوبة جدية تواجه الباحث العربي عند نقله للأسماء والمصطلحات الصينية، فهذه الأسماء والمصلحات ليس لها صيغة موحدة حتى في الغرب الحديث المعاصر، وما يزيد من صعوبة هذا الأمر هو عدم وجود نظام «عوربة» (transliteration)، لنقل المسميات الصينية إلى العربية كما هو الحال في لغات الدول الغربية المتقدمة، وهذا النقص لا يقتصر على اللغة الصينية، فالعوربة، أي أنظمة كتابة المسميات الغربية بحروف عربية بشكل ممنهج ومنظم، ما تزال غير موجودة عربيًا، وهذا نقص يجب على المعنيين العرب من مسؤولين ومختصيّ العمل على تلافيه.


المراجع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى