مقالات

أسطورة العَود الأبدي – سعيد بنگراد

يُشير ميرسيا إلياد Mircea Eliade في كتابه “أسطورة العود الأبدي”* إلى مبدأ مركزي يفسر جزءًا كبيرًا من سلوك الإنسان البدائي (الإنسان القديم)، فما يصدر عنه من مواقف وممارسات ليس سوى محاولة لاستعادة زمنية مستوحاة من عالم أصل هو وحده الثابت في الوجود. فالرغبة في ” العودة” إلى نقطة البدء خاصية من خاصيات هذا الإنسان؛ فما هو موضوع بين يديه وما يحس به وما يبتغيه مودع بشكل سابق في ذاكرة كلية تستوعب كل ممكنات الفعل عنده. ذلك أن أشياءه وأفعاله ومدنه ومآثره والكثير من الظواهر التي تحيط به لا تستمد “واقعيتها” من نفسها، بل من حاضن قدسي هو حقيقتها المثلى. فهذا القدسي وحده “واقعي”، أما سواه فمجرد أعراض بلا معنى.

وهو ما يعني أن “التكرار” (العود) سمة ملازمة للوجود، فالحياة على الأرض في نظر البدائي هي حاصل برمجة كونية مسبقة وموجهة نحو غاية، ويتحرك الإنسان فيها باعتباره “حالات” خاصة تدل على الحركة والتعاقب ضمن زمنية منتهية تتكرر داخلها أفعال لا تنتهي. وهذه البرمجة هي التي تُشْرط وجود الفعل المتحقق في الأرض بضرورة مطابقته لصورته في السماء من خلال الربط الدائم بين حيوات منفصلة في الحقيقة الواقعية، ولكنها متجاورة في “الـمُثُل”. والحاصل أن الإرادة لاحقة للتسيير عنده، ذلك أن الغاية محددة في الأصل وليست حاصل فعل يقود إليها.

بعبارة أخرى، إن أفعال الأرض ليست حقيقية في ذاتها، بل نسخة من غيرها، إنها صورة أو شكل مستقطع من أصل ثابت موجود خارج الزمن وخارج حالات التبدل والتغير داخله. إنها بذلك تحاكي أفعالا قدسية تنتمي إلى زمنية من طبيعة أخرى. وتلك حالة الأفعال الإنسانية، “فقيمتها ليست مستمدة من مظهرها المادي، بل باعتبارها تكرارا لفعل أولي، أو هي تحيين لنموذج أسطوري” (إلياد). ” فلا يمكن للإنسان البدائي أن يتصور فعلًا صادرًا عنه لم يقم به شخص ليس من جنسه. فما قام به هو سبق أن جربه غيره من قبل، والحاصل أن حياته هي استنساخ لحياة سابقة عليه. لقد وجد هذا الإنسان في السماء قبل وجوده في الأرض” (إلياد). يتعلق الأمر بأحكام تشمل كل شيء في الوجود، وهي الأساس الذي يستند إليه تقويم حياة الفرد وتحديد مردوديتها في زمنية محدودة بحالة الاستنساخ أو بمهمة الاستخلاف.

وقد يشمل الأمر أيضًا مظاهر الوجود وظواهره ومبانيه وأشياءه. وهذا ما تؤكده بعض المعتقدات القديمة، “ففي الكوسمولوجية الفارسية تتطابق كل ظاهرة أرضية، مجردة كانت أم محسوسة، مع حد سماوي متعالي وغير مرئي، أي تتطابق مع فكرة بالمفهوم الأفلاطوني للكلمة، فأرضنا ليست سوى نسخة من أرض سماوية” ( إلياد). وهكذا، فإن الكثير من الأنهار ليست سوى نسخة من أنهار أصلية موجودة في عالم مثالي منه تستقي ماءها وجريانها الذي لا يتوقف. فلم تكن دجلة في معتقدات أهل سومر مجرد نهر يشبه باقي الأنهار، بل هو ساقية كبيرة لها نموذجها في نجمة في السماء.

وهذا ما يصدق على المدن أيضًا، فللقدس نظير في عالم آخر، فقد بُنيت في السماء قبل وجودها في الأرض. ويؤكد الكثير من الفقهاء أن مكة هي مركز الأرض، ولهم في هذا القول نصوص تثبت ذلك، فوسطية الأمة دليل على توسط مكة للأرض، ذلك أن “أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت” (حديث). وتلك حالة المدن الملكية في الهند أيضًا، بما فيها المدن الحديثة، فقد بُنيت، حسب معتقدات أهلها، انطلاقًا من مدينة نموذجية أصلية من طبيعة أسطورية هي التي كان يقطنها الإله الكوني الذي صور العالم في المثل قبل تحققه في الواقع.

وهكذا، فإن الجبال والأنهار ومجموع الأشياء والكائنات موجودة في الأرض لكي تذكر فقط بالأصل، أو هي مجرد نسخة يتعلم الإنسان من خلالها كيف ينتمي إلى محددات قيمية خالدة. ولن يكون التكرار في الطبيعة، حسب هذا التصور أيضًا، مجرد تعاقب دوري منكفئ على نفسه، إنه، على العكس من ذلك، كشاف لحقائق لا تراها العين، أو استعصت على الإدراك المفهومي، أو تسللت في غفلة من الذات إلى دهاليز لاشعور “أنا” لا تعرف موضوعها دائمًا بشكل واع. فالزمنية مرئية في ما يجسدها، أي في ما يكشف عن النمو والتطور فيها، فهي المدى الفاصل بين الأفعال، أو هي ما يمكن من التعرف على الحالات وتحولاتها. إنها ليست دفقا ينساب إلى أمام بلا توقف، بل دورة منكفئة على نفسها.

وقد يكون هو المبدأ ذاته الذي جعل الناس يتحدثون في الجاهلية عن وجود كائنات غير مرئية، قد تكون من الجن في الغالب، هي من يوحي لشعراء الواقع قصائدهم. فقد كان لكل شاعر نظير يمده بما ينشره بين الناس فهو أصل الشعر وسر الإبداع فيه (لولا هبيد، جني، ما كان عبيد، عبيد بن الأبرص، ولاحظ بن لافظ هو صاحب امرئ القيس، وهاذر بن ماهر كان هو الصوت الذي يوحي للنابغة بأشعاره، أما السكران بن جندل فهو صاحب الأعشى). وهو المبدأ ذاته الذي يمكن أن يكون وراء الحنين إلى حضن الأم والحبيبة والوطن أو وراء الرغبة في العودة إلى المنزل القديم.

وعلى هذا الأساس، فإن تنظيم التجربة الإنسانية مستوحى من هذه الدورية أيضًا، فهو يشير إلى توزيع ثابت يستوعب الوظائف والصفات التي تتحقق من خلال طقوس يومية متواترة هي ما يشكل مضمون الحياة وغايتها الفعلية ( النوم والأكل والخروج للعمل والعودة والزواج والطلاق وغيرها من البرامج الحياتية اليومية)؛ يتعلق الأمر بنماذج سلوكية مسكوكة، أو بمواقف عامة يتم وفقها التبادل الاجتماعي، وتتأسس استنادا إليها كل أشكال التواصل. فمن خلال هذه النماذج، التي تتخذ شكل طقوس، نتعرف على “الهوية” الثقافية لمجموعة بشرية ما، ووفقها تُنظم التجربة الفردية وتتحدد العلاقات الاجتماعية أيضًا. إن استمرارنا في الوجود رهين بقدرتنا على تكرار النماذج السابقة.

وهذه الدورة اللامتناهية هي التي التقطها الوعي الإنساني وجعل الدائرة من خلالها دالة، في مضمونها الاستعاري، على الإتقان والكمال المطلق؛ فهي تشير، من الزاوية الدينية، إلى الخلود والسرمدية؛ وتوحي، من الزاوية العملية، بالإتقان والدقة. أو هي الزمنية التي لا نعرف لها بداية ولا نهاية، إنها زمنية العقيدة المنكفئة على نفسها. وضمن هذا الكمال يُصَنف الزمن ويتحقق باعتباره حركة موجهة نحو مركز كلي يستوعب الحياة ضمن عوالم خالية من كل الأزمان.

وتلك هي الطبيعة الأصلية للزمن في تصور البدائي، فلا يمكن تصريف كمياته إلا فيما يقود إلى نقطة قصوى هي مركز الكون والحد الذي تنتهي عنده كل المتناقضات، فهو في الأصل لا يسير إلى أمام دائم كما توهم بذلك الحياة في سيرورتها، بل يدبر، في تفاصيل الحياة الدنيا، كَمًّا زمنيًا معدودًا. وهو ما يؤكد أن التعبير عن مظهري الزمن، في المطلق الوجودي وفي نسبية المعيش اليومي على حد سواء، لا يمكن أن يتم إلا من خلال ما يمكن أن تلتقطه المحكيات وتحتفي به باعتباره مفصلة خاصة للفعل، أو طريقة في توزيع مضمون الحياة في وقائع تستوعبها اللحظات العابرة أو تنتشر في المدد الطويلة. إن الزمن عند البدائي معدود، وما تصفه الحكاية هو تدشين لحادث عارض يُبَشر بعودة إلى ممتد غير قابل للوصف.

وهي صيغة أخرى للقول، إننا أمام طريقة في الإحساس بالزمنية ونمط في تصريفها في الوجود أيضا. فأسطورة العود ليست مجرد تعبير عن حنين إلى ما مضى، بل هي طريقة في تصور الأشياء والمآثر والمدن ومراكز الأرض وتحديد معانيها. فاستنادًا إلى مضمونها الاستعادي يمكن تفسير مجمل الأساطير المؤسسة للدول والأنهار والظواهر، بل هي التي تفسر في الكثير من الحالات قصة الخلق ذاتها، كما تصوغها الأساطير وكما روت تفاصيلها الكثير من الأديان. إنها الرغبة في انتماء إلى سند يبرر الوجود ويمنح حياة الناس معنى.

 

 

 


 

*-Mircea Elide : Le mythe de l’eternel retour

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق