مقالات

الطيب، والشرير، ومَنْ بينهما (عن المثلث الذهبي: باخ، وموتسارت، وبيتهوفن) – كريم الصيّاد

يقول الموسيقار الأمريكي روبرت إستْرِن Robert Estrin (1942- ؟) أن الفارق الأساسي بين موتسارت، بيتهوفن، هو أن الأول يصل بك دائمًا حيث تتوقع بالضبط، أما الثاني فيمنحك ما لا تتوقعه كل مرة. ولكن هل هذا هو الفارق الأساسي فعلاً؟ هل كانت كل مهمة بيتهوفن، بشكل أساسي على الأقل، أن يفاجئ مستمعيه؟ ألا نجد كذلك لدى بيتهوفن ذلك التناظر، والتكامل، البنائيين، اللذين يجعلاننا في كل مرة نشعر بذلك التوافق، والتكامل، والالتئام؟ وإذا فرضنا أن ذلك صحيح، فما الفارق الجوهري إذن؟

أغلب الظن أنه لا يمكن لنا الوقوف على طبيعة هذا الفارق بشكل دقيق، إلا بالرجوع إلى الأب، والمعلم الأول في الموسيقى. لا نقصد هايدن، الذي تتلمذ كل منهما على يديه، والذي كان موتسارت يطلِق عليه “بابا هايدن”، بل نعني مَن كان يطلِق عليه بيتهوفن “الأب الحقيقي للهارموني”،[1] نعني يوهان سيباستيان باخ.

وإذا كان باخ بمنزلة الأب بالنسبة لبيتهوفن في مجال الهارموني، فكيف بدا في عين موتسارت؟ وهو سؤال وجيه لعدة أسباب، من بينها أنه لم يطرَح بجدية غالبًا؛ فأبو موتسارت البيولوجي هو أبوه الحقيقي، الموسيقار يوهان جيورج ليوبولد موتسارت Johann Georg Leopold Mozart (1719-1787)، الذي تعهده فنيًا أفضل تعهد، وأنشأه ليدخل التاريخ! أما أبوه التعليمي فهو هايدن كما هو معروف. ولكن على مستوى غير تاريخي، على مستوى البناء الفني، والأسلوبي. هل هناك علاقة أساسية بين باخ وموتسارت، وكيف تفيدنا في فهم بيتهوفن، وفي فهم علاقة موتسارت ببيتهوفن؟

إن موتسارت هو أصفى ما في تاريخ الموسيقى المعروف، بمجموع مؤلفاته، وبكل حياته منذ بدأ التأليف في سن الخامسة. ولا مبالغة في القول بأنه غيَّر تاريخ الموسيقى إلى الأبد. أما باخ فهو على العكس. يمكن القول كذلك أن باخ هو أعقد ما في تاريخ الموسيقى بشكل ما. لا يمكننا إطلاق هذا القول دون قدر من تأنيب الضمير؛ ففي القرن العشرين ظهرت أسماء مهمة، وصلت بالبناء الموسيقي إلى حد بالغ من التعقيد، وربما كان أهمهم من جهة السيطرة شبه الكاملة على البناء، والتلاعب الحر به، هو شوستاكوفيتش. ولكن حتى شوستاكوفيتش قد ضحّى باللحن في سبيل البناء، وصارت أعماله أقرب إلى الشكلانية الخالصة، التي لها عبقريتها، ومعجزتها (الصياد، 2017).[2] وكما قلنا من قبل في أكثر من مقام: “لكل موسيقار كلاسيكي معجزة، أو أكثر“. ومعجزة باخ أنه حوّلَ الشكل الموسيقيَّ إلى وحش حقيقي، وأطلق شيطان الموسيقى ربما للمرة الأولى بصورته المكتملة، دون أن يضحي بلحن واحد، مع الألوان الباذخة، والهارمونية المُدَوِّخَة، ليصير أبًا فنيًا للجميع، ليس فقط بالنسبة للهارموني، وإنما كذلك فن الفوجه، فوجات باخ، التي اشتهر بيتهوفن في بداية حياته بعزفها كاملة ببراعة، ثم أخذ يُفوِّج ألحانه كأسلوب من أساليب الإنماء مستفيدًا من باخ، كما نجد في الحركتين الأولى والثانية من تاسعته، والحركة الرابعة من ثالثته، وغيرها. باختصار فقد أطلق باخ كل قدرات الآلة الصولو الممكنة، وبخاصة الأرغن، مع تعقيد هائل في الشكل، ليس مصدره التلاعب بالصيغة كما فعل شوستاكوفيتش بعده بثلاثة قرون، بل بالزخارف، والتآلف، حتى صار مرجعًا لا غنى عنه، ولا يمكن تجاوزه في التأليف. وكما قال عنه ذات مرة الناقد الإنجليزي بيتر جاموند Peter Gammond (+ 2019)، فهو أقرب إلى ديانة منه إلى موسيقى. وإذا كان موتسارت قد أبدل تاريخ الموسيقى بصفاء موسيقاه من حيث التوزيع، ووضوح فكرته، وشفافيتها، وتكاملها الرياضي، كما ينبغي للكلاسيك أن يكونه، فإن باخ هو تقريبًا الذي صنع تاريخ الموسيقى التالي عليه.

لقد كان هايدن، ومن بعده موتسارت، نقيض أطروحة، رد فعل، على باخ. ففي مقابل الزخارف الثرية، التي قد تحجب وضوح الفكرة، نقَّى موتسارت الهيكل مِن كل ما يكسوه من جسد، ثم نقّى الروح نفسها حتى من الهيكل المجرد. حتى إننا، ونحن نسمعه، نشعر أننا بإزاء فكرة مجردة سابحة في العدم، عدم الزمان، وعدم المكان. ولإيضاح فكرتنا أكثر: فقد كان هناك ذلك الصراع المذهبي، شبه-الديني، بين عنصرين في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، الممتدة منذ أواخر القرن السادس عشر تقريبًا حتى سبعينات القرن العشرين، بعد وفاة شوستاكوفيتش وسترافنسكي، عنصري الجروتسك، والكلاسيك.

العنصر الجروتسكي هو الذي يعني في الفن جماليات القبح، والبشاعة، والخروج السافر على جماليات الكلاسيكية القديمة، المتمثلة في التناظر الرياضي، والنقاء الذهني، والتي نجدها في تماثيل الإغريق، وكتاباتهم، وربما فلسفاتهم، التي يستطيع المرء، حتى بدون تخصص فلسفي، فهمها إلى حد كبير. هذا بعكس الفلسفة الألمانية، التي ترهق حتى المختصين، ويظل المختص في حال الشك، حتى بعد عقود من دراستها، وكذلك جاءت موسيقى الألمان في البداية الحقيقية لها مع باخ. إنها ليست موسيقى مشوهة، أو تستهدف التعبير عن التشوه، أو القبح، كما تشير إلى ذلك لفظة جروتسك، ولكنها مع ذلك، في نتاجها النهائي، شاذة، وعنيفة، ومعقدة، وتكاد تنسف الجماليات الكلاسيكية القديمة نسفًا. وحين تحولت هذه الجماليات الجديدة الطَموحة إلى شبه ديانة، قامت في وجهها ثورة، وكل ديانة تتبعها فتنة وخيانة. نهض موسيقيو الكلاسيك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر: جلوك، وسالييري، وهايدن، وموتسارت؛ ليواجهوا طغيان الوحش الجروتسكي بنظام رياضي محكَم، أقرب إلى رياضيات متحركة، تستعمل الحد الأدنى الكافي فقط من الصوت، وتوحي بالبقية. ووصل تجسد هذا العنصر الكلاسيكي، القائم على التناسب، والسيمترية، والتكامل، إلى حده الأقصى مع موتسارت، الذي كان بحق خلاصة من تقدم عليه في بلورة هذا العنصر.

والفرق بيّن بذاته، حين نقارن بين فوجه مصنف رقم 565 لباخ، مع السيمفونية رقم 40 مثلاً لموتسارت. تبدأ الفوجه بالجملة الشهيرة، التي تذكرنا نوعًا بافتتاح خامسة بيتهوفن، التي سنتوقف عندها بعد قليل. بعد الافتتاح صمت مهيب، درامي، في الحقيقة غريب إلى حد ما على باخ، ولهذا فهناك شك في نسبة العمل له، ولكن ما يرجح صحة هذه النسبة أن باخ وحده هو القدير على تأليف مثل هذا الروح للأرغن. كل معاصريه العمالقة، أنطونيو فيفالدي، وجيورج فردريك هيندل، وكلاوديو مُونْتِفردي، لا يمكنهم تأليف مثل هذا الشيء العظيم غير المفهوم، ولو اجتمعوا له. لكن المذهل، المذهل الدائم، الذي لا ينتهي أثره على كل العقول، هو ضربات التآلفات، التي تدوي كانفجارات متزامنة على مفاتيح الأرغن، لكنها –بخلاف الانفجار- قادرة على التناسل، والتداخل، لتصنع لوحة ملونة صاخبة، لكنها كذلك، حين تحيا معها، تصيبك بذلك الاختلال في ضربات القلب. إنها ضربات باخ، أفئدة يوهان سيباستيان باخ.

ليست هذه الفوجة من قبيل الموسيقى الموضوعية، أي أننا لا نعلم المقصود بها، أو الموضوع الذي تعبر عنه، ولكن تأثيرها وبناءها هو ما يبقى. وأعظم ما يبقى منها هي التوكاتا، التي تسبقها مباشرة. هي في أصلها توكاتا وفوجه. التوكاتا مقطوعة لإظهار مهارة العازف بطريقة معينة، والفوجة جملة لحنية قصيرة، يسهل تذكّرها، وتتبّعها، وتهرب من بين أصابعك على الأرغن أو البيانو على مقامات مختلفة، وأوكتافات متفاوتة. صحيح أنه لا يوجد موضوع محدد لها، وأن باخ لم يحدد مضمونًا لها، ولكن تلك النبضة الممطوطة المخيفة، المتبوعة بحالة من الهروب، تصنع لنا موضوعًا متعاليًا، أقرب إلى الفرار من قصف شديد مستمر، ومقصود.

ولكن اسمع موتسارت بعدها مباشرة؛ لتدرك الفارق الهائل. ليس ذلك لأنها موسيقاه أجمل، أو الأجمل، أو الأكمل، بل لأنها تعيد تعريفنا للموسيقى من الأساس كأعمال موتسارت عمومًا. لقد أُنهِكَتْ هذه السيمفونية تحليلاً، وتشريحًا، وتفكيكًا، برغم ذلك فهذا العمل ككل لا يمكن أن ننتهي أبدًا وتقريبًا من الكتابة عنه؛ فهو عمل كامل بحق، وجميل بشكل متفرد، حتى وسط جواهر موتسارت البارقة الكثيرة، يتمتع بجمل موسيقية، ليست جميلة فحسب؛ فهذا (الجمال)، الذي شببه البعض بفتح زجاجة شمبانيا في احتفال بيتوتي صغير جميل منعش، يمكننا أن نجده في أوبراته المتأخرة، وسيمفونيتيه رقم 39، و41، وكونشرتواته للبيانو من 18 إلى 27، وغيرها، لكنها مجرد جمل (جميلة)، قد تروق لصوفي متأمِّل كبير مثل أفلوطين؛ باعتباره الجمال، الذي يوصلنا إلى الحضرة الإلهية، عن طريق الجمال فقط، لا الخير بالضرورة، ولا الحقيقة. كانت هذه فكرة أفلوطين فعلاً عن الموسيقى، ولكن موتسارت تجاوز ذلك؛ فإن ألحان السيمفونية رقم 40 شيء مختلف، أظهر صفاتها المتفردة هي قطعيتها، وصرامتها الحادة. لو قارنّاها مثلاً بألحان السيمفونية رقم 39، لوجدنا الأخيرة ذات جمل مكتملة البلورة، ناضجة، جديدة، جميلة، غنائية؛ فقد كان أحد كبار بلاط الأوبرا، لكنها ليست ذلك العالَم المفارق، الذي تنقلنا إليه السيمفونية 40 مباشرة، بمجرد أن تبدأ. ليست بهذه الدرجة من الإحكام، وروعة الألحان، وشفافية البناء.

هكذا كان باخ المعبّر الأول عن الجروتسك، في مواجهة موتسارت، الساحر الكلاسيكي. مواجهة عنيفة هي بين وحش مركّب، محيِّر، غامض، جريء، ومخيف، وبين بناء رياضي صارم، ومتكامل، لا يجد فيه الوحشُ ثغرةً واحدة. وهما عنصران متناقضان، وعملان متباينان إلى حد صعوبة المقارنة بينهما. وكان مقدرًا لتاريخ الموسيقى أن يقفز قفزة أخرى مع موسيقار جديد، مع تلميذ لكل منهما، قال عنه موتسارت: “سوف يمنح التاريخَ ما يتحدث عنه”، وقال هو عن باخ أنه الأب الشرعي للهارموني، كان عليه أن يروّض الوحش الجروتسكي، وأن يُسكنه الصيغة الكلاسيكية المجردة المغلقة، عنوة، وبعد صراع طويل مع الأسلوب، والتقنية، والفقر، والمرض، ومدافع بونابرت تدوّي حرفيًا فوق سقف بيته في فيينا، كان عليه أن يكون أقوَى من الوحش، وأكبر من الرياضيات نفسها، كان عليه أن يكون بيتهوفن، ولا أحد سواه.

استطاع بيتهوفن صياغة حل المعادلة بين هذين الطرفين المتناقضين المتباعدين، وذلك بالحفاظ على أسس الشكل الكلاسيكي الصارمة، ولكن مع تطويعها لتخدم التعبير، ومع توظيف العنصر الجروتسكي؛ ليعبّر عن روحه الحائرة المتمردة دومًا، ومزاجه الناري العنيف، وطموحاته البطولية النابوليونية. ولنستمع هنا إلى الحركة الأولى من سيمفونيته الخامسة، شُهرَى سيمفونياته، وربما أشهر ألحان الموسيقى الكلاسيكية عمومًا. ولنسأل أنفسنا: هل هي جميلة؟ عند هذا السؤال نكتشف أن السؤال نفسه خارج الموضوع؛ فهذا العمل لا يستهدف الجمال، وإنما تفجير المشاعر: التجهم، والغضب، والخوف، والشكّ، والصرَع، والفزَع، ثم النهوض، والتحدي، والنصر الهائل. هو لا يستهدف مطابقة نموذج مسبَق، أو مجرد التكامل الرياضي، ولا الاستعراض المهاري. ومن هنا نقل بيتهوفن الموسيقى من خشبة المسرح إلى الجمهور، وأسقط الحائط َالرابع. لم نعد نرى وحشًا طليقًا يجوّل أمامنا بحثًا عن فريسة، أو هيكلاً متينًا مجردًا شفافًا يذهلنا ببساطته، وإنما صرنا نرى هذا الوحش في أنفسنا، وصرنا نعرف كيف نسيطر عليه ببساطة أرواحنا. علمنا بيتهوفن أن الغضب يقتل الخوف، وأن الحرب هي الطريق الوحيد للنصر، وأن الإنسان هو من يقف بين الإله الإغريقي الكلاسيكي الطيب، وبين الشيطان الباروكي الجروتسكي الشرير. والسبب أن بيتهوفن رأى فعلاً الوحش بنفسه قائمًا، ومتحركًا، في التاريخ.

لم يكن بونابرت أقل من وحش، وهو يُنهي بورقة واحدة وجود إمبراطورية كاملة، هي الرايخ الأول، الذي استمر ألف عام، “الإمبراطورية الرومانية المقدسة”. صحيح أن فولتير قد قال عنها يومًا: “هي ليست مقدسة، وليست رومانية، وليست إمبراطورية”، مشيرًا بالجملة الأخيرة إلى انقسامها الداخلي، ولكنها كانت قوة كبرى، شاركت منذ قرون في الحملة الصليبية الكبرى الثالثة، مع ريتشارد قلب الأسد، وفيليب ملك فرنسا، وبعد قتال دامٍ رهيب، انسحبت، بعد أن استردت بعض المدن، دون أن تحقق هدفها: القدس. صحيح أنها كانت منقسمة، ولكن أحدًا لم يجرؤ قبل بونابرت على الطموح الواقعي إلى حلها، والقضاء عليها إلى الأبد. ولم يكن طريق بونابرت سهلاً؛ فقد بذل من الجهد، والتخطيط، والمناورة، ما هزم به –حتى حينه- جميع أعداءه، وكل التحالفات التي قامت ضده بين قوى كبرى عظمى، حتى يصل في النهاية إلى إسقاطها من على الخريطة بجرة قلم، بذل فيها كل ما سال من ضربة السيف.

هكذا بدا بونابرت لبيتهوفن بطلاً عنيدًا، هزم أعداء الثورة الفرنسية في عقر دارهم، وأذلهم، وزلزل العروش الراسخة، وهو بعد في سن الثلاثين ونيف، السن التي ألف فيها بيتهوفن كذلك سيمفونيته البطولية (إيرويكا) مقام مي بيمول الصغير، مصنف 55، وكان اسمها في الأصل “بونابرت”، كما هو معروف. بدا نابليون وحشًا حقيقيًا واقعيًا، ربما لم يخطر على باخ في لُبّ أو قلب. وحش يصارع وحوشًا، ويهزمهم وحيدًا، كذا بدا، وكذا كان. ومن هنا اندلعت شرارة الإلهام في عقل الموسيقار الفائر، المائر، المتعطش للانتقام من عالمه، الذي ظلمه، وأفقره، وأمرضه، وهمشه، حتى مع تطور علة الصمم لديه، والتي بدأت في سن 25 حسب أحدث التقديرات. ومن هنا (ظهرت) إيرويكا فجأة، بعد عامين فقط من العمل عليها، لتكون –في رأي بيتهوفن- أعظم من تاسعته، التي قضى في تركيبها اثنتي عشرة سنة تقريبًا. كان بونابرت التاريخي جسدًا لكلمة إيرويكا. كان الوحش الدموي المرعب، الكارثة التي هوت فوق رءوس ملوك أوروبا، ونبلائها، وباباواتها، ولكنه كان في الوقت نفسه استراتيجيًا بارعًا، يمكنه أن يصنع نظامًا كاملاً من أية فوضى كاملة. وبهذه الموهبة حقق ذاته، وانتصاراته. وتوصل بيتهوفن إلى حل المعادلة السابق ذكرها: الروح الشفيف الكامل، في الجسد الغاضب الفائر. وصار هارمونية الخير والشر، معًا! بين الطيب موتسارت، وبين الشرير باخ، وقف بيتهوفن القبيح، ربع الجسد، قصير القامة، منكوش الشعر، مقرّح الوجه، معتل السمع، وضيع الأصل، الطفل المعذّب بأبٍ مرعِب، الذي هذّبه الألم، ففتح البلاد، وحرّرَ الأُمَم.

كذا كان القبح، والغضب، والعذاب، والثورة، هو ما وراء الخير والشر من موسيقى لا تقبل التقييم الجمالي، أو الخُلُقي؛ لأنها لم توضَع لذلك. هي ليست نَصًّا، ليست عملاً باقيًا، بقدر ما هي فِعل تاريخي، أراد به المؤلف تبديل الروح الإنساني نفسه، لا تأسيس موسيقى، ولا تبديل موسيقى. وككل حدث تاريخي عظيم، كقيام إمبراطورية، أو انهيارها، أو حرب عالمية، أو اكتشاف مهول، فقد أبدلت أعماله شيئًا في نفوسنا، لن يعود إلى سابق عهدة أبدًا.

وفي النهاية: أي الموسيقيين الثلاثة أعظم؛ الطيب، أم الشرير، أم القبيح؟ في الواقع، وإذا كان لا بد من عقد هذه المقارنة، ففي رأيي يَخرج منها بيتهوفن تمامًا، أولاً لأن القبح لا يقارن بالخير أو الشر، وثانيًا لأنه كان حدثًا تاريخيًا، كالبراكين، والفيضانات، والأمطار التي تهطل بعد طول انتظار، لا يمكننا وصفها بالخير أو الشر. كان هذا هو حلم الفيلسوف الألماني كانط: أن يصير العمل الفني كالطبيعة، وقد صار ما تمنّى، وربما –وهو المتوفي عام 1804 قبل العرض الأول لإيرويكا بسنة واحدة- إذا سمعها، لتراجع عن حلمه، بعد أن صار فعلاً واقعًا.

 

 


[1]  تآلُف أو هارموني Harmony: تزامُن صوتين أو أكثر في العزف، وينقسم إلى عدة نُظُم، أهمها التآلف الثلاثي triad، المكون من ثلاث نغمات، والذي ينقسم بدوره إلى: كبير major، وصغير minor، ومتناقِص (أو ناقص) diminished، وزائد (أو ناشز) augmented (Wylde,  47). ويمكن القول أن اللحن هو التأليف الأفقي، أما التآلف فهو نظيره الرأسي (Jamini, 37). انظر المراجع في نهاية المقال.

[2]  الصياد، كريم: ما وراء الموسيقى- المشروع التأليفي عند شوستاكوفيتش، معازف، لندن، 2017.

 

المراجع:

  1. Jamini, Deborah, (2005), Harmony and Composition, Trafford.
  2. Wylde, Henry, (1871), Harmony and the Science of Music: Complete in One Volume, no publisher, London.
  3. الصياد، كريم: ما وراء الموسيقى- المشروع التأليفي عند شوستاكوفيتش، معازف، لندن، 2017.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق