مقالات

تفاعلات الفن مع الوباء الجديد – سارة عابدين

    ” إن تاريخ التفاعل بين الشعوب المتباينة هو ما شكّل العالم الحديث، من خلال الغزو والأوبئة، والإبادة الجماعية. أحدثت تلك التصادمات صدى لم يهدأ بعد. قرون عديدة، وهي مستمرة بنشاط في أكثر مناطق العالم اضطرابًا”.

 أسلحة وجراثيم وفولاذ – جارد دايموند

 

 

وجود الفن قديمٌ قِدم وجود الإنسان على الأرض، وكان دائمًا وسيلةً لتوثيق الأحداث أو تفكيك ألغاز الطبيعة. أنتج البشرُ الفنَّ على جدران الكهوف، وجمّلوا أدواتهم اليومية بزخارف محلية تبعًا لثقافة كل جماعة؛ لأن هناك حاجة فطرية إلى الفنّ بأهدافه التوثيقية والجمالية كلها، كما يتعلق الأمر بمحاولة نقل تجربة الشخص ومشاركتها مع الآخرين، أو إنشاء تجارب جماعية في طقوس كلاسيكية. ويحاول بعضهم الترويج لفكرة أن الفنّ ليس احتياجًا إنسانيًّا أساسيًّا؛ لكنَّ التجارب الإنسانية تؤكد أن الفن احتياجٌ إنساني يجب أن يُلبَّى ويُشبَعَ تبعًا للطرق المتاحة.

في وقتنا الحالي ومع انتشار فيروس كورونا في أنحاء العالم كلها، ومع تزايد أخبار الوفيات وبَدء الشعور الفعلي بمحدودية الموارد، التي طالما سمعنا عنها في البرامج الحوارية، والأفلام الوثائقية، انغلق كل بلد على نفسه، وكل مدينة، وكل شارع، وكل منزل.

ضاقت الحياة في الخارج، فانسحب الجميع إلى المساحات الواسعة التي طالما تجاهلناها في أفكارنا ومشاعرنا وخيالنا، والفنانون من أكثر البشر قدرة على مراقبة مشاعرهم ومخاوفهم وتحويلها إلى عمل فني يوثق أو يعبر، ويساعد الفنان أكثر على معرفة نفسه وتفكيك العالم المحيط به، في ظل تلك التحولات الدراماتيكية كلها، بعد أن أصبح المنزل هو المدرسة وصالة الرياضة، ومكان الترفيه، ومساحة العمل.

الفن والحرية:

كان للفن دائمًا دور أكثر أهمية مما يعتقد بعضنا في الأوقات الصعبة من تاريخ البشرية، فهو يُسهم في خلق مساحة من الحرية والاتساع في خضم الوحدة والعزلة. الحرية التي تتيحها المساحة البيضاء، أو تشكيل الطين أو تجميع المتناقضات في عمل فني تركيبي، ويدرك أهميتها الفنان نفسه. يتيح الفن التنقل في العالم بحرية لا يتيحها الواقع في الوقت الحالي، ويهمس الفن للفنان أن كل شيء ممكن، وأننا ما زلنا نملك السيطرة على عالمنا الخاص وصفحتنا البيضاء.

يمكن أن يتساءل بعضنا عن جدوى الفن في ذلك الوقت العصيب، ماذا يفعل الفن؟ هل يحمينا الفن؟ الإجابة هي نعم. يفعل الفن ذلك بشكل غير مباشر، الحرية التي يمنحها الفن هي الفضاء الأوسع للفنان، والشكل الأصدق لحرية التعبير. شكل يتجاوز الحدود والثقافة واللغة، واكتشاف معنى أن تكون إنسانًا. يمكن للفن في ظل وباء كورونا أن يكون معقدًا أو بسيطًا، فن تعبيري أو تجريدي، أو حتى رسوم توضيحية للفيروس؛ لكن يبقى الفن في النهاية هو الطريقة الأصدق التي تتلامس مع الناس، وتحول الشخصي إلى عام، وتدفع الناس للتفاعل بطريقة مختلفة مع كل ما يحدث في العالم.

تفاعلات الفنانين حول العالم مع فيروس كورونا:

يبدو من أغلب تفاعلات الفنانين حول العالم مع فيروس كورونا، أنهم تعاملوا بفكر الفن المعاصر، بعيدًا عن فكرة الخلود في الفن، بعد أن أصبحت الفكرة هي الأهم في الفن، ولم يعد الأمر قائمًا كما كان في السابق على الحرفة والمهارة فقط. أدرك الفنانون في وقتنا العصيب خاصة بعد غلق قاعات العرض والمتاحف أن الأعمال الفنية يجب أن تصل للجماهير عبر وسائل مبتكرة؛ لأن الجماهير لن يتمكنوا من الذهاب إليها، فبدأ الفنانون بعرض أعمالهم على المواقع الفنية، وشبكات التواصل الاجتماعي، وعلى جدران البنايات في الشوارع؛ لتوثيق الأحداث، أو التوعية ضد الفيروس التاجي الجديد، خاصة مع اتساع مفهوم الجمهور من حيث الأفراد ومساحات العرض في وقتنا الحالي.

رسم على الأسفلت “ابق في المنزل” – براجستان الهند
رسم جداري للفنان أنتوني كيهورو – نيروبي كينيا
رسم لفيروس كورونا على شاطئ مهجور في مدينة ميامي الأميركية – للفنان “شون يورو”
لوحة جدارية في أحد شوارع ولاية بروكلين تشبّه الفيروس التاجي بشيطان أخضر، مع رسم ذاتي للفنان يرتدي كمامة سوداء.
لوحة جدارية للفيروس التاجي – ديبوك إندونسيا
لوحة لبطل من فيلم كرتوني يحمل لفة من ورق التواليت – برلين ألمانيا

 

الفن افتراضيًّا:

مع استمرار الإغلاق حاول عالم الفن ابتكار طرق جديدة للتواصل، وبدأت المتاحف وقاعات العرض بخلق جولات افتراضية بين اللوحات، وبدأ الفنانون بالتفاعل أكثر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ورفع أعمالهم الفنية التي يعملون عليها في مراسمهم خلال تلك الفترة العصيبة، بينما حافظ بعضهم على الطريقة القديمة، واحتفظ بلوحاته أملًا في عرضها في قاعات العرض بعد انتهاء أزمة كورونا، وعودة الحياة لشكلها الأصلي مجددًا.

في سابقة جديدة تمامًا طلبت المتاحف مثل متحف جيتي بكاليفورنيا، ومتحف ريجكس بأمستردام، من الجماهير إعادة تمثيل اللوحات الكلاسيكية من جديد؛ لكن بتمثيلات معاصرة، باستعمال الأدوات والأشياء الموجودة داخل المنزل، وقد نفّذت الجماهير بمكونات بعيدة تمامًا عن الفكرة المتداولة عن الفن؛ ليظهر هذا الشكل المكثف من التعبير، عالم جديد كليًّا من العمل الإبداعي، في خضم حالة من عدم اليقين العالمي من وقت انتهاء تلك الأزمة.

يبدو من تلك الطريقة في التفاعل، أن الدافع البشري للإبداع تجلى بطرق بديلة، كطريقة للتعبير عن النفس والتواصل مع الآخرين، وكسر الشعور بالملل والانزعاج، كما أن للفن جانبًا علاجيًّا؛ لذلك يجب الحفاظ عليه في ظروف الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي تحديدًا.

بالإضافة إلى اللوحات، بدأ المصورون الفوتوغرافيون بتصوير الشقق المزدحمة، والحيوانات الأليفة، ومشاهد الشوارع المهجورة، ثم تحول الجمهور العادي إلى توثيق حياته اليومية عن طريق التصوير، ورفع الصور على موقع انستغرام.

صورت أغلب الصور بهواتف وكاميرات غير متخصصة؛ لكن كان لهذا المنتج الإبداعي كله أثر كبير في تخفيف وطأة الخوف والعزلة؛ حيث شعر الجميع أنهم معًا في هذا المصير المجهول.

يدفعنا المصير المجهول إلى إدراك أهمية الفن في تحويل الخوف والألم إلى جمال، فيمكن للمرء من خلال الفن تصور المجهول والتعامل معه ليصبح أقل تهديدًا وغموضًا. في اللوحات القديمة التي تناولت مرض الطاعون القاتل، كان الطاعون يُصوَّر بتصورات خيالية مستمدة من صور الموت في الأساطير القديمة، أو من صورة قناع أطباء الطاعون الشهير، بينما في وقتنا الحالي وبسبب تطور العلم، وانتشار الصورة، والإعلانات التليفزيونية، أتيح لنا معرفة شكل الفيروس التاجي تحت المجهر؛ فتناول الفنانون شكله بوسائط مختلفة، ولم يتعاملوا معه بشكل ما ورائي، كما فعل فنانو العصور القديمة مع الطاعون، فهو ليس نهاية العالم، ولا هو الطريق إلى فناء البشرية، كما قيل عن الطاعون سابقًا؛ إذ تعامل فنانو الصورة المعاصرون مع فيروس كورونا بشكل أكثر واقعية وفككوه بصريًّا، ولم يتحول لأسطورة خيالية في اللوحات كما حدث مع الطاعون.

دور الإنترنت في صناعة الفن وتسويقه في زمن فيروس كورونا:

لا يمكن نفي التأثير السلبي لفيروس كورونا في سوق الفن العالمي؛ حيث أغلقت أكبر قاعات العرض ودور المزادات مثل كريستي وكوثبيز، مع تأجيل مزادات البيع كلها تقريبًا، وبدأ الموظفون جميعهم بالعمل عن بعد، وهو أمر لم يكن من الممكن التفكير فيه مسبقًا؛ ما تسبب بالفعل في تباطؤ إيقاع سوق الفن. ولا يمكن التيقن حتى الآن بالخسارة الاقتصادية في سوق الفن على مستوى العالم؛ لكن بالتأكيد ستكون 2020 سنة صعبة للغاية؛ لأن وجود الفيروس التاجي، سيغير تغيرات جوهرية في الحياة، وهي تغيرات لا تتعلق فقط بالاقتصاد أو القدرة على الشراء مثل أغلب الأزمات الاقتصادية السابقة؛ لأنه عندما يكون الإنسان قلقًا بشأن حياته وصحته ويشعر أن وجوده مهدد طوال الوقت؛ فمن الصعب عليه أن يفكر في شراء اللوحات أو المنتجات الفنية والجمالية.

ربما لا تكون تجربة العروض الفنية، أو عرض اللوحات عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي هي التجربة الأفضل للتواصل؛ لكنها طريقة ملائمة تمامًا للأحداث العصيبة التي نمر بها. يوفر العرض عبر الإنترنت الوقت والمساحة بعيدًا عن الحشد، ويساعد على التفكير واتخاذ القرارات ببطء بشأن العمل الفني، وستعيد تلك الفترة العصيبة تصميم طرق جديدة للتعامل في عالم الفن، سواء في عرض المنتج الفني أو استقباله أو بيعه، كما سيتيح صعودًا أكثر للمنصات الثقافية والفنية عبر الإنترنت، بالإضافة إلى أنه سيبعد شبح النخبوية عن المنتج الفني؛ حيث يمكن للجميع الوصول إلى الفن، دون قلق من الجو الفاتر الموجود في صالات وقاعات عرض الفن.

ربما يعيد الإنترنت الاعتبار إلى الصورة باعتبارها منتجًا فنيًّا، الصورة بمعناها الكلاسيكي، حتى مع تعدد المحتوى “تجريدي أو تعبيري، أو صورة فوتوغرافية” بعيدًا عن ألعاب الفن المفاهيمي التي تكون بعيدة عن معنى الفن في أوقات كثيرة، خاصة بعد الانفتاح الكبير في مفهوم الفن في السنوات الأخيرة، حتى أنه اتسع ليصبح بلا مفهوم.

ظهر بعد العزل المنزلي توجه كبير نحو تعلم الفن المعاصر، وتاريخ الفن بموازاة العروض الفنية في المتاحف، وهي فرصة كبيرة للباحثين في الفن مع ندرة معلومات تاريخ الفن وندرة أماكن دراسته، كما فتح الإنترنت مجالًا كبيرًا لإشراك أشخاص جدد في صنع الفن، أشخاص اكتشفوا قدراتهم الفنية بالصدفة في أثناء العزل المنزلي الطويل، أو في أثناء توثيق تجاربهم اليومية العادية، بالإضافة إلى ظهور جمهور جديد يتابع الفنون الرقمية، جمهور ربما لم يكن متابعًا للفن من قبل، حتى إنه من السابق للأوان التنبؤ بالتغيرات كلها التي ستطرأ على الفن وطرق ممارسته بسبب التفشي العالمي للوباء.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق