مقالات

الفنّ – هنري برغسون

ترجمة عبدالرحيم نورالدين

 هذا النصّ عبارة عن درس في الجماليات، ألقاه الفيلسوف هنري برغسون سنة 1887، في مدينة كليرمان فيران (فرنسا)، عندما كان مدرسًا للفلسفة في الأقسام الثانوية النهائية.

 

الغرض الرئيسي من الفنّ هو إنتاج الجميل. بالفعل فالإنسان قادر على تحقيق الجميل مثله كمثل الطبيعة. – البعض يقول بل بشكلٍ أفضل من الطبيعة. دعونا نسأل أنفسنا ما هو هدف الفنان؟ ثم ما هي الوسائل التي يتوفر عليها. قلنا سابقًا إن الجميل في الطبيعة هو دائمًا تعبير أو تمظهر حسيّ لفكرة، ولشعور أو لمجهود. لكن أبدًا ليس هدف الطبيعة أن تكون جميلة. إنها جميلة فقط عن طريق الصدفة، و مهما كانت جميلة، دائمًا ما يبدو  أن هناك  تفاصيل واكسسوارات تختلط بالتعبير الخالص عن الفكرة أو الشعور، وتغيره وتفسده. يتجاهل الفن هذه الملحقات، ويروم الفنان التعبير عن فكرة أو شعور أو جهد، ولا يستهدف إلا التعبير عن ذلك. جميع أجزاء المنجز تتجمع هكذا في نقطة وحيدة، وبسبب ذلك يمكن القول إن الفنّ يزيّن الطبيعة.

دعنا نطوف في الفنون المختلفة، سوف نرى أنها تروم تمثيل شيء بشري في صورة حسية؛ مشاعر وأفكار ونشاط. وكلما كانت الفكرة المعبّر عنها عامة، كلما كان الشعور كونيًا، وكانت قبضة المنجز مزيدة، لأنها ستكون إنسانية أكثر. يختلف رسم الوجه عن الصورة الفوتوغرافية من حيث كونه يترجم انطباع الرسام وليس الواقع المادي. لقد أمسك الرسام بالفعل بتعبير دائم في الهيئة الجسمانية للنموذج، ومع احترام الخطوط الرئيسية للواقع، فهو ينسّق سائر عناصر رسمه لوجه النموذج مع الفكرة المركزية التي يريد التعبير عنها. سيتعلق الأمر بصفة عامة بشعور، هو الفرح أو الحزن أو التقوى، أو حتى بمزيج معقد جدًا من مشاعر متنوعة.

إن المُشاهد الذي ينظر إلى موناليزا ليوناردو دافنتشي، اعتمادًا على حالته الروحية، يميّز فيها بين مشاعر متنوعة جدًا. لكن ما هو رائع، وما يجعل من هذه اللوحة تحفة، هو أن كل فكر مثقف، سيرى فيها التعبير عن شعور وليس فقط مزيجًا بسيطًا من الألوان. وبالمثل، سوف يضيف الرسام إلى المنظر الطبيعي الذي يرسمه، أو يطرح منه حسب المشاعر أو الحالة الروحية التي يدعي أنها موجودة لدى المُشاهد. في العادة، إنه يدعي رسم الهدوء والراحة. يلاحظ الشيء نفسه في النحت، على الرغم من أن عدد المشاعر والعواطف التي يمكن التعبير عنها هنا محدود للغاية. يكره النحت الانفعالات العنيفة، إنه صديق للتأنق، والمرونة وخفة الحركات،  التي يتم تشكيلها في الموقف الذي يمثله نحّات التماثيل، تغرينا أكثر من تعبير الهيئة الجسمانية نفسه. لا تترجم الموسيقى مشاعر الفنان إلا بكيفية غامضة جدًا. يزعم أتباع الموسيقار فاغنر من دون جدوى، جعل الناس يتعرفون  في سمفونية  ما إلى أريان (Ariane)، وهي ناعسة. عند الاقتضاء، يمكن للموسيقى حينذاك، من خلال هدهدة آذاننا، أن تجعلنا نحلم، ولكنها لن تعبر أبدًا بموضوعية عن فكرة، وعن شعور أو عن واقعة محددة. ومع ذلك، فإن الموسيقى هي ربما الفنّ المعبر أكثر مقارنة بجميع الفنون. ذلك أنها على وجه التحديد، وبسبب الغموض الذي تمكث فيه، توجد فينا أو من الأفضل القول، إنها توقظ بين ذكرياتنا أحاسيس وعواطف تتناسب مع إيقاع وهيئة النغم. وبالتالي فهي تعبر بالنسبة لكل واحد منا عن أشياء مختلفة ولكن بكثافة خارقة.

تشتغل الهندسة المعمارية بالكثل الضخمة. ليس لهذا الفنّ موضوع آخر غير التعبير عن القوة، وجعلنا نفكر في مقاومة ما، وفي صلابة لا حدود لها. ومن هنا غلبة الخطوط العمودية، ومن هنا عنايتنا بالأمر لتجنب أي شيء يمكن أن يعطي انطباعًا بنقص الصلابة. ولكن من بين جميع الفنون، يبقى الفن الأغنى، ذلك الذي يستطيع التعبير عن أشياء كثيرة، هو الشِعر.

يتغنى الشاعر بكلّ مشاعر القلب الإنساني. إنه يمسرح كل العواطف، والعيوب، والسخافات، والتجريدات؛ إنه يمنحها الحياة. كاستشهادٍ على ذلك: لوكريس في عرضه لعقيدة أبيقورس. سنقول إذن إن الغرض من الفنّ هو دائمًا التعبير عن شيء ما ووضع المُشاهد أو المستمع في حالة نفسية محددة. هذا هو ما نعترف به ضمنيًا عندما نقول إن الفنان يصوّر مثلا أعلى، لأن المثل الأعلى ليس سوى الشعور أو الفكرة المحددة التي يحررها من جميع العناصر الغريبة التي تختلط بها عادة في الواقع.

الفنّ الكلاسيكي هو الذي يلبي هذا التعريف. إن ما يميزه هو البساطة، وغياب الزخرفة، والنية الواضحة في عدم إضافة أي شيء إلى التعبير الخالص عن الشعور أو الفكرة. وخصوصًا الميل إلى تمثيل وتكثيف نسخة واحدة، والعديد من الأشياء أو بالأحرى ما هو مشترك لمجموعة من الأفراد، في الفرد الواحد. لهذا السبب، فالفنّ الكلاسيكي هو دائمُ الشباب؛ إنه لا يرسم حقبة واحدة بدلاً من حقبة أخرى، أو على الأقل من خلال تمثيل فترة محددة، فإنه يحرص على اختيار ما هو مستدام فيها، وما ينتمي إلى جميع الأوقات وجميع الأماكن. إنه الفنّ الواقعي. وأولئك الذين يطلقون على أنفسهم واقعيين والذين يدعون التعبير عن الحقيقي عن طريق نسخ الطبيعة، والواقع، لا ينتجون أعمالًا دائمة إلا بشرط استعارة أسلوب الفنانين الكلاسيكيين الخاص.

سوف يدّعي الروائي الواقعي إعادة إنتاج محادثة مثلما تمت، ولكنه في الحقيقة سيختار هذه المحادثة، وسوف يفصل عنها حتى الكلمات ذات التأثير، سوف يفصل عنها كل ما هو معبر، وسيكون كلاسيكيًا دون أن يعرف، أو سيكون مملًا. لأنه، وكما قال فولتير، “إن سرّ الازعاج هو سرّ قول كل شيء”.

لم نُظهر حتى الآن دونية الفنّ الكبرى عن الطبيعة، إنه ليس قادرًا مثلها على منح الحياة. إن ما نصفق له في عمل فني جميل ما، هو نوع من الغزو. إنه الإنسان الذي يصوغ المادة بحيث يجعلها تعبر عن شيء من خلال دمج الفكر والشعور أو الإرادة فيها، لكننا لا نخفي على أنفسنا، حتى عندما نكون في حالة إعجاب، بأننا ننخدع بوهم صبياني بهذا القدر أو ذاك. يجب على الروح استدراك تقصيره بشيء ما؛ إنه يتفوق على الطبيعة، بالإضافة إلى الميزة الأساسية، التي نشير إليها، بميزة مداهنة واحدة من أقوى ميول الروح البشرية. حبّ القياس، والإيقاع، والانتظام، ذلك أن كل ذكاء بشري، كما كررنا كثيرًا، يمتلك غرائز وميول هندسية تكشف عن نفسها في حب التناظر، وفي ذائقة التفكير المنطقي، وهي مصادر لأخطاء كثيرة، وفقا لبيكون؛ والحال أن جميع الفنون، باستثناء التشكيل الصباغي ربما، تفترض عنصرًا هندسيًا. في الشعر، إنه الإيقاع والوزن والقافية التي تحدد الوزن. في الموسيقى، الانتظام كامل: يعلم الجميع أن الأوزان المختلفة متساوية بشكل صارم من حيث المدة، على حد سواء. في الهندسة المعمارية، تكون الأشكال منتظمة وهندسية، ونفس الزخرف يتكرر باستمرار في بناية معينة وخارج الخطوط المستقيمة والمنحنيات البسيطة نسبيًّا، لا يكاد يكون هناك أي هندسة معمارية ممكنة. في النحت، إنها كذلك تناسب الأشكال، وتناسب مختلف أجزاء الجسم التي تداهن غريزتنا الميالة إلى النظام والانتظام. وحده التشكيل الصباغي هو استثناء، إذ أن  التشكيل الصباغي هو الفن الواقعي بامتياز. وعند انعدام هذه العناصر الإيقاعية، فإنه يعطينا تقريبًا وهم الحياة.

لم نتحدث حتى الآن عن الفنّ الخالص الذي هو التعبير عن مثل أعلى، ولكن هناك درجات في الفنّ ويحظى التقليد المحض والبسيط مسبقًا بقيمة فنية. أولًا، لنلاحظ أن الاستنساخ المضبوط للطبيعة ليس في متناول الإنسان. لا يمكن الحصول عليه إلا  بوسائل ميكانيكية، التصوير الضوئي، والفونوغرافيا، الخ.

إن الإنسان، مهما عمل، يؤوّل حتى عندما يعتقد أنه يُعيد الإنتاج. أليس لكل واحد منا طريقته الخاصة في رؤية الألوان، والفروق الدقيقة، وفي سماع الأصوات، إلخ. لذلك نحن نفهم أن التقليد الخالص والبسيط يعجبنا. أولًا، لأننا نعجب بموهبة المقلد، وثانيًا، لأن عنصرًا معبّرًا، وبالتالي فنيًا، متناهي الصغر بهذا القدر أو ذاك، يمتزج دومًا بالعمل.

أخيرًا، نفهم أيضًا الفرق الموجود بين الفن والتخييل. كثير من الناس يخلطون بينهما. التخييل هو شيء آخر غير المزيج من العناصر الواقعية المصنوعة انطلاقًا من تخيّل أو نزوة المؤلف. قد لا تكون تتضمن أي خاصية فنية، إذا لم تكن مستوحاة من شعور أو فكرة، وإذا لم يكن المقصود بها أن تكون معبرة. مثال: حكايات الجنيّات. لذلك فالتقليد المحض والتخييل هما درجتان أقل من الفنّ الخالص، والفنّ الخالص لا يمثل الواقع، ولكن الحقيقة، وفي ذلك اختلاف كبير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق