مقالات

ﺟﺎك درﯾﺪا واﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺆﺟّﻞ – وﻓﯿﻘﺔ اﻟﻤﺼﺮي

ﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أنّ اﻟﻤﺪارس اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ اﻟﺘﻘﻠﯿﺪﯾﺔ ﻛﺎﻟﺘﺸﻜﯿﻠﯿﺔ واﻟﺒﻨﯿﻮﯾﺔ ﻗﺪ ﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﻠﻰ أدﺑﯿﺔ اﻟﻨﺺ، وﺟﻌﻠﺖ ﻟﻠﻨﻘﺪ اﻷدﺑﻲ ﻗﻮاﻋﺪ وﻣﻌﺎﯾﯿﺮ ﻣﺤﺪودة ﺑﻠﻐﺔ اﻟﻨﺺ وأدواﺗﻪ، ﻓﺈن ﻇﻬﻮر اﻟﻌﺪﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ ﻛﺎﻟﻤﺎرﻛﺴﯿﺔ واﻟﻨﺴﻮﯾﺔ واﻟﺤﺪاﺛﺔ وﻣﺎ ﺑﻌﺪﻫﺎ أﯾﻘﻆ اﻟﻮﺣﺶ اﻟﻨﺎﺋﻢ ﻓﻲ ﺧﺰاﻧﺔ اﻟﻨﻘﺪ وﺟﻌﻞ اﻟﻨﺺ اﻷدﺑﻲ ﻣﻔﺘوحًا ﻋﻠﻰ ﺗﺄوﯾﻼت ﻣﺘﻌﺪدة. ﯾﻘﻮل إﻣﺒﺮﺗﻮ إﯾﻜﻮ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﺿﺮة ألقاها ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻛﺎﻣﺒﺮدج ﻋﺎم :1990 “ﺑﯿﻦ ﻧﯿﺔ اﻟﻤﺆﻟﻒ وﻧﯿﺔ المُفسِّر ﺛﻤﺔ اﺣﺘﻤﺎﻟﯿﺔ ﺛﺎﻟﺜﺔ وﻫﻲ ﻧﯿﺔ اﻟﻨﺺ ﻧﻔﺴﻪ”[1]. ﻓﻬﻞ ﺗُﺪرَك ﻧﯿﺔ اﻟﻨﺺ ﺑﺎﻟﺤﯿﺎد ﻋﻨﻪ أم ﺑﺎﻟﻌﻮدة إﻟﯿﻪ؟ ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻘﺎل ﺳﺄﺳﺘﻌﺮض ﺣﯿﺜﯿﺎت اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ وإﻟﻰ أي ﻣﺪى ﺗﺆﺛﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺄوﯾﻞ اﻷدﺑﻲ، وذﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻗﺮاءﺗﻲ ﻟﻤﻘﺎل ﺟﺎك درﯾﺪا اﻟﻤﻠﺤﻖ اﻟﺨﻄﯿﺮ[2].

يجادل درﯾﺪا ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻟﻪ، استنادًا إﻟﻰ أﻓﻜﺎر روﺳﻮ ﻓﻲ ﻣﻘﺎل ﻋﻦ أﺻﻞ اﻟﻠﻐﺔ [3]، أنّ ﻋﻠّﺔ اﻟﻜﻼم ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ زﻣﻨﯿﺘﻪ وﻋﺪم ﻗﺪرﺗﻪ ﻋﻠﻰ أن ﯾﻜﻮن حاضرًا ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺴﺘﻤﺮ، رﻏﻢ أﻧﻪ أﻛﺜﺮ ﻃﺮق اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ واﻹﻗﻨﺎع ﺗﻠﻘﺎﺋﯿﺔ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻠﻐﺔ. وﻫﻜﺬا ﻓﺈن أي ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻟﻠﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻜﻼم أو اﺳﺘﻌﺎدﺗﻪ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺑﺘﺤﻮﯾﻠﻪ إﻟﻰ ﻧﺺ ﺳﻮاء ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﺘﺴﺠﯿﻞ أو اﻟﺘﺪوﯾﻦ، وﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﻨﻄﻠﻖ ﯾﻌﺘﻘﺪ درﯾﺪا أن اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺗﺼﯿﺮ ﻣﻠﺤﻘًﺎ خطيرًا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺄﺧﺬ ﻣﺤﻞ اﻟﻜﻼم وﺗﺠﻌﻠﻪ مفتقرًا إﻟﯿﻬﺎ وﻟﯿﺲ قائمًا ﺑﺤﺪ ذاﺗﻪ. وﻛﻤﺎ ﯾﺮى درﯾﺪا ﻓﺈن ﻫﻨﺎك ﺳﻠﺴﻠﺔ ﻣﻦ اﻹﺿﺎﻓﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪث ﻣﻨﺬ ﺑﺪاﯾﺔ  ﻋﻤﻠﯿﺔ اﻟﺘﻔﻜﯿﺮ وﺻﻮلًا إﻟﻰ ﻃﺮﯾﻘﺔ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ؛ أي أن اﻟﻜﻼم ﯾﺤﻞ ﻣﺤﻞ اﻟﻔﻜﺮ، واﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﺗﺤﻞ ﻣﺤﻞ اﻟﻜﻼم. إذا ﻣﺎ اﻋﺘﺒﺮﻧﺎ أن اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﺗﺤﻞ محلّ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﺳﻠﺴﻠﺔ أﺧﺮى، ﻓﺈﻟﻰ أي ﻣﺪى ﯾﺘﻄﺎﺑﻖ اﻟﻔﻜﺮ اﻷﺻﻠﻲ ﻣﻊ اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻨﻬﺎﯾﺔ؟

ﯾﺼﻒ درﯾﺪا ﻧﻮعًا ﻣﻦ اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﻫﺪﻓﻬﺎ ” إﻧﺸﺎء ﻋﻼﻗﺔ، ﻻ ﯾﺸﻌﺮ ﺑﻬﺎ اﻟﻜﺎﺗﺐ، ﺑﯿﻦ أﺳﺎﻟﯿﺐ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺴﯿﻄﺮ ﻋﻠﯿﻬﺎ وﺗﻠﻚ اﻟﺘﻲ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ اﻟﺴﯿﻄﺮة ﻋﻠﯿﻬﺎ” معتبرًا أن ﻫﺬه اﻟﻌﻼﻗﺔ ﻫﻲ “اﻟﺒﻨﺎء اﻟﺪﻻﻟﻲ اﻟﺬي ﯾﺘﻮﺟﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ إﻧﺘﺎﺟﻪ”. وﻣﻦ ﺧﻼل ﻫﺬه اﻟﻌﻼﻗﺔ، ﯾﺮى درﯾﺪا أن اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﻻ ﯾﻨﺒﻐﻲ أن ﺗﻜﻮن ﻣﻄﺎﺑﻘﺔ ﻟﻠﻨﺺ أو ﻣﺠﺮد إﻋﺎدة ﺻﯿﺎﻏﺔ ﻷﻓﻜﺎره اﻷﺻﻠﯿﺔ. وﻋﻠﻰ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن اﻟﻜﺎﺗﺐ واﻗﻊ ﺑﯿﻦ أﺳﻠﻮب ﯾﺨﺘﺎره وآﺧﺮ ﯾﺘﺄﺛﺮ ﺑﻪ، إﻻ أﻧﻨﺎ ﯾﺠﺐ أن ﻧﺄﺧﺬ ﻓﻲ ﻋﯿﻦ اﻻﻋﺘﺒﺎر أﻧﻪ ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﯾﺴﯿﻄﺮ تمامًا ﻋﻠﻰ أﻧﻤﺎط اﻟﻠﻐﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺘﺨﺪﻣﻬﺎ، ﻓﻬﻲ ﻓﻲ اﻟﻨﻬﺎﯾﺔ ﺟﺰء ﻣﻦ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻟﻐﻮﯾﺔ ﺗﺠﺒﺮ ﻛﻞ ﻣﻦ ﯾﻜﺘﺐ ﻋﻠﻰ أن ﯾﻈﻞ ﻓﻲ ﻧﻄﺎﻗﻬﺎ. ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﻨﻄﻠﻖ، ارﺗﺄى رواد اﻟﻤﺪاراس اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ اﻟﺘﻘﻠﯿﺪﯾﺔ اﻻﻋﺘﻤﺎد ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ اﻷدﺑﯿﺔ واﻟﻠﻐﻮﯾﺔ (اﻟﺪالّ/ة) ﻟﻠﺘﻮﺻﻞ إﻟﻰ اﻟﻤﻌﻨﻰ (اﻟﻤﺪﻟﻮل)[4]، إﻻ أنّ ﺗﻠﻚ اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﻣﻦ وﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ درﯾﺪا أﺑﻘﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ وﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﻠﯿﻪ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ،  ﺑﺪًﻻ ﻣﻦ أن ﺗﺠﻌﻠﻪ مفتوحًا ﻟﻠﻘﺮاءة.

اﻟﺴﺆال ﻫﻮ ﻟﻤﺎذا ﯾُﻘﺮأ اﻟﻨﺺ ﻗﺮاءة ﻧﻘﺪﯾﺔ؟ ارﺗﺄى اﻟﺒﻌﺾ أن ﻗﺼﺪ اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻛﺎﻣﻦ ﻫﻨﺎك ﻓﻲ اﻟﻨﺺ، وﻋﻠﯿﻪ ﻓﺈن اﻟﻐﺮض اﻷﺳﺎﺳﻲ وراء اﻟﻘﺮاءة ﻫﻮ ﻛﺸﻒ اﻟﺴﺘﺎر ﻋﻦ اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤُﺨﺒّﺄ وراء ﻛﻠﻤﺎﺗﻪ وﻣﺎ ﺑﯿﻦ ﺳﻄﻮره، ﺑﻤﺎ ﯾﻌﺮف ﺑـ «اﻟﻤﻐﺎﻟﻄﺔ اﻟﻘﺼﺪﯾﺔ»[5]، أي الاعتماد ﻋﻠﻰ ﻗﺼﺪ اﻟﻜﺎﺗﺐ ﻟﺘﺄوﯾﻞ اﻟﻨﺺ اﻷدﺑﻲ بدلًا ﻣﻦ اﻻﻋﺘﻤﺎد ﻋﻠﻰ اﻧﻄﺒﺎع اﻟﻘﺎرىء أو اﺳﺘﺠﺎﺑﺘﻪ اﻟﻔﺮﯾﺪة ﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻗﺮاءة نص ما. وﻟﻜﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺘﻐﻠّﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺸﺎﻛﻞ اﻟﻨﺎﺟﻤﺔ ﻣﻦ ﻗﺮاءة اﻟﻨﺼﻮص وﺗﺤﻠﯿﻠﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻐﺮﻓﺔ اﻟﺼﻔﯿﺔ، ﯾﻤﯿﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﻨّﻘﺎد الأكاديميين إلى ﺗﻤﺮﯾﻦ ﻃﻼﺑﻬﻢ ﻋﻠﻰ «اﻟﻘﺮاءة اﻟﻌﺮﺿﯿﺔ»[6]، واﻟﺘﻲ ﺗُﻌﻨﻰ ﺑﺎﻟﻐﻮص ﻋﻤﯿﻘًﺎ ﻓﯿﻤﺎ وراء اﻟﻨﺺ ﺑﻐﯿﺔ ﻓﻚ ﺷﯿﻔﺮﺗﻪ ورموزه. ﯾﺮى اﻟﻔﯿﻠﺴﻮف وﻋﺎﻟﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎع اﻟﺴﻠﻮﻓﯿﻨﻲ ﺳﻼﻓﻮي ﺟﯿﺠﻚ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻣﻮﺿﻮع اﻻﯾﺪﯾﻮﻟﻮﺟﯿﺎ اﻟﺮﻓﯿﻊ ﻋﺎم 1989 أن أﺛﺮ اﻟﻘﺮاءة اﻟﻌﺮﺿﯿﺔ ﯾﺮﺟﻊ إﻟﻰ ﺗﺤﻠﯿﻞ ﻣﺎرﻛﺲ ﻟﻠﺴﻠﻌﺔ و ﺗﺤﻠﯿﻞ ﻓﺮوﯾﺪ ﻟﻸﺣﻼم ﻣوضحًا أنّ ” اﻟﺴﺮ اﻟﺬي ﯾﺴﻌﻰ اﻟﺘﺤﻠﯿﻞ إﻟﻰ ﻛﺸﻔﻪ ﻻ ﯾﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺤﺘﻮى اﻟﻤﺨﺒّﺄ داﺧﻞ اﻟﺘﺮﻛﯿﺐ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﺳﺮ اﻟﺘﺮﻛﯿﺐ ذاﺗﻪ”[7]. إن اﻟﻘﯿﻤﺔ اﻟﻤﺨﻔﯿﺔ ﻟﻠﺴﻠﻌﺔ اﻟﺘﺠﺎرﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﺘﺤﺪث ﻋﻨﻬﺎ ﻣﺎرﻛﺲ أو اﻟﺮﻏﺒﺎت اﻟﻤﻜﺒﻮﺗﺔ ﻓﻲ اﻷﺣﻼم اﻟﺘﻲ ﺗﻮﺻﻞ إﻟﯿﻬﺎ ﻓﺮوﯾﺪ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺨﺘﺒﻰء ﻓﻲ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻼواﻋﻲ، وﺑﻨﺎء ﻋﻠﯿﻪ ﻓﺈن ﻏﺮض اﻟﻘﺮاءة اﻟﻌﺮﺿﯿﺔ ﻫﻮ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﻷﻋﺮاض اﻟﻤﺨﺘﺒﺌﺔ ﻓﻲ ﻋﻘﻞ اﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﻼواﻋﻲ وﺗﻔﺴﯿﺮﻫﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﻮﺻﻮل إﻟﻰ اﻟﻤﻌﻨﻰ. إن ﻫﺬا اﻟﻨﻮع ﻣﻦ اﻟﻘﺮاءة ﻛﻤﺎ ﯾﺸﯿﺮ درﯾﺪا: “اﻷﻛﺜﺮ ﺗﻔﺎﻫﺔ وﺳﺬاﺟﺔ وأﻛﺎدﯾﻤﯿﺔ” [8]، ﻷن اﻻرﺗﻜﺎز ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ اﻷﻋﺮاض اﻟﺨﺒﯿﺌﺔ ﯾﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻟﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ ﻗﺮاءة ﻋﻤﯿﺎء. ﻓﻤﺎ اﻟﺬي ﯾُﺮﺟﻊ اﻟﺒﺼﺮ ﻟﻠﻘﺮاءة اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ إذن؟

ﻓﻲ ﻣﻘﺎل ﺑﻌﻨﻮان ﻣﻘﺪﻣﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﺮاءة اﻟﺴﻄﺤﯿﺔ ﯾﻘﻮل ﺳﺘﯿﻔﺎن ﺑﯿﺴﺖ وﺷﺎرون ﻣﺎرﻛﻮس إن اﻟﺴﻄﺢ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺴﯿﺎق ” ﻟﯿﺲ ﺳﻄﺢ اﻟﻨﺺ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺤﺮﻓﻲ وﻟﯿﺲ اﻟﻄﺒﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺨﻔﻲ ﻣﺎ وراءﻫﺎ، وﻟﻜﻨﻪ ﻣﺎ ﻇﻬﺮ ﻣﻦ النص، ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻠﻤﻮس وﯾﻤﻜﻦ إدراﻛﻪ ﻓﻲ اﻟﻨﺺ، وﻟﯿﺲ ﻣﺎ ﺧﺒﱢﻰء ﻓﯿﻪ أو اﺧﺘﺒﺄ؛ ﺑﻞ ﻣﺎ ﯾﺪﻓﻌﻨﺎ ﻟﻠﻨﻈﺮ إﻟﯿﻪ بدلًا ﻣﻦ ﺗﻤﺮﯾﻦ أﻧﻔﺴﻨﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻈﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ” [9]. وﻋﻠﯿﻪ، ﯾﺘﺒﯿّﻦ ﻣﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻘﺮاءة اﻟﺴﻄﺤﯿﺔ أنّ اﻟﻨﺺ ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ ﻛﺸﻒ ﺣﻘﯿﻘﺘﻪ ﻣﻦ ﺗﻠﻘﺎء ﻧﻔﺴﻪ، ﻣﻤﺎ يحصر ﻣﻬﻤﺔ اﻟﻨﺎﻗﺪ ﻓﻲ اﻹﺷﺎرة واﻟﺘﻨﺒﯿﻪ إﻟﻰ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻮﺟﻮد هناك ﻓﻲ اﻟﻨﺺ. أﯾﻤﻜﻦ اﻟﻘﻮل إذن إن دور اﻟﻨﺎﻗﺪ ﯾﻤﻜﻦ اﻻﺳﺘﻐﻨﺎء ﻋﻨﻪ ﻓﻲ هذه اﻟﺤﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﻣﻨﻄﻠﻖ أن ﺗﻠﻚ اﻟﻘﺮاءة ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أن ﯾﻄﺒّﻘﻬﺎ ﻗﺎرىء متمرّس أيضًا؟ إذا ﻣﺎ ﻛﺎن اﻟﻨﺺ ﻗﺎدر ﻋﻠﻰ أن ﯾﻘﻒ ﻣﻦ ﺗﻠﻘﺎء ﻧﻔﺴﻪ بعيدًا ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺮﯾﺎت اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ، ﻓﻤﺎ اﻟﺬي ﯾﻤﻨﻊ اﻟﻘﺎرىء ﻣﻦ أن ﯾﻜﻮن ﻣﺴﺘﻘًﻼ ﻋﻨﻬﺎ ﻛﺬﻟﻚ؟

وﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﯾﺒﺪو ﻓﺈن اﻟﻜﺜﯿﺮﯾﻦ ﻣﻦ ﻧﻘّﺎد اﻟﺤﺪاﺛﺔ وﻣﺎ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﯾﺘﻤﺴﻜﻮن ﺑﻔﻜﺮة اﻟﻜﺸﻒ وإﻇﻬﺎر اﻟﻤﻌﻨﻰ، ﺣﺘﻰ وإن ﻟﻢ ﯾﻜﻦ هناك ﻣﺎ ﯾﺴﺘﺪﻋﻲ ذﻟﻚ. ﺗﻮﺿّﺢ ﺳﻮزان ﺳﻮﻧﺘﺎغ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻟﻬﺎ ﺿﺪ اﻟﺘﺄوﯾﻞ اﻟﻔﺮق ﺑﯿﻦ أﺳﻠﻮب اﻟﻤﺪارس اﻟﺘﻘﻠﯿﺪﯾﺔ اﻟﻠﺤﻮح – وﻟﻜﻦ ﺑﻄﺮﯾﻘﺔ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺄوﯾﻞ – وﺑﯿﻦ اﻟﻤﺪارس اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ  اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ذات «اﻟﻌﺪواﻧﯿﺔ اﻟﻤﻔﺘﻮﺣﺔ» ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ و «اﻻﺣﺘﻘﺎر اﻟﻌﻠﻨﻲ ﻟﻠﻤﻈﺎهر»[10]. إن اﻟﻌﺪواﻧﯿﺔ اﻟﺘﻲ وﺻﻔﺘﻬﺎ ﺳﻮﻧﺘﺎغ ﻻ ﺗُﻤﺎرس ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ وﺣﺪه ﻓﻲ اﻋﺘﻘﺎدي ﺑﻞ ﺗﻤﺘﺪ ﻟﺘﺼﻞ اﻟﻘﺎرىء اﻟﻌﺎدي، ﺣﯿﺚ إن ﻋﻨﺠﻬﯿﺔ اﻟﻨﺎﻗﺪ اﻟﻤﺜﻘﻒ اﻟﺬي ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ ﻇﺎﻫﺮ اﻟﻨﺺ ﺑﺪوﻧﯿﺔ، مستنكرًا ﻗﺪرﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ ﻣﺤﺘﻮاه ﺗﺠﺒﺮ اﻟﻘﺎرىء أن ﯾﺸﻚ ﻓﻲ ﻗﺪرﺗﻪ ﻋﻠﻰ إﻧﺘﺎج ﻗﺮاءة ﻓﺮدﯾﺔ وﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻓﻲ اﻧﻄﺒﺎﻋﺎﺗﻬﺎ.

إن اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺄن ﻛﻞ ﺷﻲء ﻓﻲ اﻟﻨﺺ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻗﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﺄوﯾﻞ اﺣﺘﻤﺎل ﯾﺪﻓﻊ اﻟﻨّﻘﺎد ﻟﻠﺘﻬﺎﻓﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ ﺑﻼ ﻗﯿﻮد وإﺳﺒﺎغ ﻗﺮاءات ﻧﻬﺎﺋﯿﺔ وﻣﻮﺻﺪة، ﻣﺘﻨﺎﺳﯿﻦ أن ﯾﺼﻐﻮا ﻟﺼﻮت اﻟﻨص اﻟﺪاﺧﻠﻲ ﻓﻲ ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻷﺣﯿﺎن.

إن دور اﻟﻨﺎﻗﺪ ﻻ ﯾﻨﺤﺼﺮ ﻓﻲ ﺗﺄوﯾﻞ ﻣﺎ ﯾﻜﻤﻦ أن ﯾﺆوّﻟﻪ اﻟﻘﺎرىء ﺑﺤﺮﯾﺔ ﺑﻞ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺘﻌّﺪى ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ قائدًا إﯾﺎه إﻟﻰ ﺗﻠﻚ «اﻟﻨﻘﺎط اﻟﻌﻤﯿﺎء» ﻓﻲ اﻟﻨﺺ، اﻟﺘﻲ ﯾﺼﻔﻬﺎ درﯾﺪا ﺑﺄﻧﻬﺎ ” اﻟﻨﻘﺎط اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗُﺮى وﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﻔﺘﺢ وﺗﺤﺪّ ﻣﻦ اﻟﺮؤﯾﺔ” ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﻮﻗﺖ. وﻗﺘﻬﺎ ﺗﺼﯿﺮ ﺗﻠﻚ اﻟﻘﺮاءة ﻗﺎدرة ﻋﻠﻰ إﻧﺘﺎج ﻗﺮاءة ﻧﻘﺪﯾﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ وﻟﻠﻘﺎرىء وﺣﺪه أن ﯾﺨﺘﺎر ﻧﻘﻄﺔ اﻻﻧﻄﻼق ﺑﻌﺪﻫﺎ ، ﻓﺎﻟﻨﺺ ﻛﻤﺎ ﯾﺮاه درﯾﺪا  “ﻟﯿﺲ ﻓﯿﻪ ﻧﻘﻄﺔ اﻧﻄﻼق ﻣﻌﯿﻨﺔ” وﻧﻘﻄﺔ اﻟﺒﺪاﯾﺔ ﻫﻲ “ﺣﯿﺜﻤﺎ ﻛﻨّﺎ: ﻓﻲ اﻟﻨﺺ ﺣﯿﺜﻤﺎ ﻧﻌﺘﻘﺪ أﻧﻨﺎ ﯾﺠﺐ أن ﻧﻜﻮن”.

ﻛﻞ ﻧﺺ ﻫﻮ ﺣﺎﻟﺔ ﺧﺎﺻﺔ، وﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎرىء أن ﯾﺪﺧﻞ إﻟﯿﻪ ﺻﺎﻓﻲ اﻟﻨﯿﺔ واﻟﺒﺎل دون أي اﻧﻄﺒﺎﻋﺎت ﻣﺴﺒﻘﺔ أو ﻧﻈﺮﯾﺎت ﻣﻔﺮوﺿﺔ، ﻋﻨﺪﻫﺎ يغدو ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ «اﻟﻨﻘﺎط اﻟﻌﻤﯿﺎء» بعيدًا ﻋﻦ اﻟﻀﺠﺔ، وﺑﺼﺮف اﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ اﻷداة اﻟﺘﻲ ﯾﺴﺘﻌﻤﻠﻬﺎ اﻟﻘﺎرىء/ اﻟﻨﺎﻗﺪ. ﻗﺪ ﯾﻜﻮن إﻧﺘﺎج ﻫﺬه اﻟﻘﺮاءات اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ اﻟﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﻣﻔﺘﺎحًا ﻟﻠﻌﺜﻮر ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻓﻲ اﻟﻨﺺ، وﻟﻜﻦ إﯾﺠﺎد اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻣﻬﻤﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻧﻬﺎﺋﯿﺔ وﻣﻀﻤﻮﻧﺔ ﻋﻠﻰ اﻹﻃﻼق، ﻓﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﻛﻤﺎ ﯾﺮاه درﯾﺪا دائمًا ﻣؤجل. وﻓﻲ اﻟﻘﺪر اﻟﺬي ﻧﺤﺘﺎج ﻓﯿﻪ إﻟﻰ ﻗﺮاء ﻣﺴﺘﻘﻠﯿﻦ ﯾﻘﺒﻠﻮن ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺼﻮص ﺑﻨﻮاﯾﺎ ﺻﺎﻓﯿﺔ ودوﻧﻤﺎ ﺧﻮف ﻣﻦ اﻷﻋﻤﺎل اﻷدﺑﯿﺔ اﻟﻌﻤﻼﻗﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺄﺗﯿﻨﺎ ﻣﻘﺮوءة وﺟﺎﻫﺰة، ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ أيضًا إﻟﻰ ﻧﻘّﺎد ﻣﺮﻧﯿﻦ، ﯾﺘﻨﻘﻠﻮن ﻓﻲ اﻟﻨﺺ ﺑﺤﺜًﺎ ﻋﻦ ﻧﻘﺎط ﺗﻔﺘﺢ ﻗﺮاءة ﻣﺎ، راﻓﻀﯿﻦ اﻟﺘﻤﺮﻛﺰ واﻟﻬﯿﻤﻨﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺺ ﺑﺴﻼح اﻟﻨﻈﺮﯾﺔ، ﯾﻐﯿّﺮون ﻣﻨﺎﻫﺠﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﻘﺮاءة، ﺳﻮاء أﻛﺎن ذﻟﻚ ﯾﺘﻄﻠّﺐ اﻟﻐﻮص عميقًا ﻓﻲ اﻟﻨﺺ أم  الطفو ﻋﻠﻰ سطحة إن اقتضت الضرورة.

 

 

 


[1] Tanner Lectures on Human Value. See https://tannerlectures.utah.edu/lecture-library.php

Eco, Umberto. Interpretation and Overinterpretation: World, History, Texts, edited by Stefan Collini

[2] Derrida, Jacques. “That Dangerous Supplement”. Literary Theory: An Anthology. Pp. 496 – 515.

[3] Rousseau, Jean-Jacques. “Essay on the Origin of Language.”

[4] The Signifier and the signified. انظركتاب رولان بارت /مبادىء في علم الدلالة

[5] Intentional Fallacy.

[6] Symptomatic Reading.

[7] Žižek, Slavoj. The Sublime Object of Ideoalgy . P. 3.

[8] Derrida, Jacques. “That Dangerous Supplement”. Literary Theory: An Anthology. Pp. 496 – 515.

[9] Best Stephen and Sharon Marcus. “Surface Reading: An Introduction”. Representations, vol. 108, 2009, p. 9.

[10] Sontag, Sontag. “Against Interpretations”. Against Interpretations and Other Essays, Penguin Classics, 2009, p. 6.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق