مقالات

نصل فتغنشتاين – فادي حنّا

ليست الغاية من الحديث عن فيلسوفين كفتغنتشاين وأوكام- وهما شخصان متباعدان تمامًا، سواء من الناحية التاريخية والثقافية ففتغنشتاين (1889-1951) أحد أشهر فلاسفة القرن العشرين، أمّا أوكام (1285 -1347) فهو أحد أهم أعلام ومفكري العصر الوسيط – مقارنة أكثر منها مقاربة بين أفكار تعرَّض لها فتغنشتاين الأوّل بتمحيص في “رسالة منطقية فلسفية” تتعلق بمسائل المنطق واللغة، أو “منطق اللغة” بحسب تعبير فتغنشتاين، سبق أن تناولها ويليام الأوكاميّ (قبل حوالي أكثر من خمسة قرون مما يُعرف بالمنعطف اللغوي linguistic turn، وقبل تبلور الذرية المنطقية كما هي عند راسل وفتغنشتاين في مرحلته الفلسفية الأولى)؛ حتى أن البعض قد بالغ عندما عدّ أوكام تحليليًا قبل بزوغ التحليلية أو تشكلها كتيار له موضوعاته ومنهجه الخاص في البلدان الأنجلوسكسونية. غرض هذا المقال ليس تفنيد أو تثبيت ذلك الادعاء الأخير، الذي ينطوي على كثير من المبالغة؛ أجل إن في الإسكولائية كما يقول لايبنتز: “تبرًا مخبوءًا يأنف المحدثون أن ينقبوا عنه”، غير أن المقاربة المطروحة هنا لا تخوض محاولة التنقيب تلك، ولا تتبع جذور إشكالات وأفكار تدور حولها فلسفات معاصرة، بل مُجرَّد تسليط الضوء على اهتمامات مشتركة، تُثير أفكارًا مشتركة عند فيلسوفين تفصلهما فترة زمنية تتجاوز الخمسمائة عام.

  1. مُشكلة الكلُّيّات

في سياق ما يُعرف بمشكلة الكليات problem of universals تلك المشكلة التي كانت أثيرت في العصر الوسيط مع ترجمة بويثيوس Boëthius لكتاب فرفوريوس الصوري إيساغوجي إلى اللاتينية، حيث ظهرت مشكلة تتعلق بالإبستمولوجيا وكذا الأنطولوجيا، ترك اليونانيون إياها دون موقف حاسم تجاهها، كانت في صورة:

“هل للكليات أي الأجناس والأنواع وجود في الخارج، أم أن وجودها في الذهن فحسب؟

إذا كان لها وجود في الخارج، فهل هذا الوجود ماديّ أم غير ماديّ؟

إذا كانت توجد في الخارج، فعلى أي نحو يكون ذلك الوجود، هل توجد وحدها أم توجد متصلة بالأشياء؟”[1]

تفرّع عن هذه المسائل الثلاث لاحقًا سؤالًا رابعًا في نظرية المعرفة:

“هل يمكن إدراك أو معرفة الكليات بشكل مجرد بصرف النظر عن أية معطيات حسية للجزئيات؟”

تجدر الملاحظة أن ظهور هذه المشكلة وليد الزخم الأفلاطونيّ-الأرسطيّ الذي سيطر على ألباب مفكرين العصور الوسطى، ولهذا نجد أن أغلب الاعتراضات على الكليات هي في جوهرها اعتراضات أرسطو على نظرية المثل الأفلاطونية. وهكذا، نشب جدال بين صفوف الإسكولائيين الأوروبيين نتجت عنه تيارات وردود فكرية متباينة تحاول أن تعالج مشكلة الكليات في سياق ديني مسيحيّ، لا ينتقص من العقيدة والوحي والمفاهيم الكنسية. ويُمكن حصر وجهات النظر المتباينة حصرًا تعسفيًا في ثلاثة مواقف أساسية: الواقعية (الأفلاطونية)، الاسمية (الأرسطية)، الموقف التصوريّ (سعيٌ لتجاوز الثنائية بالتوفيق بين طرفيها). ويرتبط عادةً اسم ويليام أوكام بالاسمية، حتى أن البعض لقبّوه بحامل لواء الاسميين، في حين أن يوسف كرم يذهب إلى أن موقف أوكام أقرب إلى التصورية conceptualism منه إلى الاسمية nominalism؛ نظرًا لأنه خالف روسلان الاسميّ في نظرته للمعنى بوصفه “صوتًا في الهواء Flatus vocis”، بل اعترف بمفهوم له في العقل. لكن، ماذا تعني الاسمية؟

  1. النزعة الاسمية والنصل الأوكاميّ

بمعناها الواسع، تشير الاسمية إلى الاعتقاد القائل بأن الكليات في حقيقتها مجرد ألفاظ، وأن اللفظ الكليّ ليس له معنى خارج فئة الأشياء التي ينطبق عليها اللفظ في الواقع. يمكن القول إن للنزعة الاسمية وجهين؛ يتمثل أحدهما في الموقف الرافض للكليات، والآخر في عدم الاعتقاد بوجود الموضوعات المُجرَّدة. فالشخص يبقى اسميًا ما دام يرفض الكليات، بيد أن رفضه هذا لا يرتبط بالضرورة برفض وجود الموضوعات المجردة، والعكس كذلك صحيح. مثال الفيلسوف الأمريكي كواين، فهو يرفض الكليات وبالتالي يكون اسميًا بالمعنى الأول، لكن كواين يقرّ بوجود كيانات ذات طبيعة مُجردة كالمجموعات، أو الفئات sets. تتخذ الاسمية بذلك موقفا ضد النزعة الواقعية الأفلاطونية platonic realism، تلك النزعة التي تقول- في إحدى صورها- بأن للكلي وجود موضوعيّ خارج العقل.

تتبدى اسمية أوكام في سجاله مع دانز سكوت بتطبيقه مبدأه الاقتصادي (النصل)، بجانب تأثره بتجريبية روجر بيكون، وبنزعة الفرنسيسكاني بطرس أوريول الاسمية، وهو الذي نادى بأن معرفة الوجود الفرديّ والمخصوص، أنبل من معرفته بكيفية مجردة وكلية”.

 نصل أوكام

صاغ أوكام مبدأه الشهير والمعروف بالـ”نصل الأوكاميّ” Occam’s razor في عدد من مؤلفاته أهمها مُصنف الخلاصة المنطقية Summa Logicae، وتنصّ أشهر صور المبدأ وأبسطها على أن:

“ينبغي ألا نُكثر الوجودات بغير ضرورة”

“Pluralitas non-est ponenda sine necessitate”

يعني هذا المبدأ ببساطة أننا عند تفسير أي شيء فلا داعي لافتراض جهاز مفاهيميّ ضخم يفوق ما هو مطلوب، فإذا كان هناك تفسير بسيط فمن العبث أن نبحث عن تفسير معقد، ومن العبث أن نستعمل الكثير فيما يمكن أن نستعمل فيه القليل. إذن، فلا داعي لافتراض وجود كيانات واقعية كانت أم مجردة لتفسير أي واقعة. ولهذا المبدأ بصوره المختلفة تطبيقات عدة لدى التجريبيين وفلاسفة العلم. وبتطبيق هذا المبدأ على مشكلة الكليات التي بسطناها آنفًا، يرفض أوكام مسألة وجود الكليات بوصفها متحققة فعليًا، بحجة كونها افتراض زائد عن الحاجة، وأن الكليات ليست محاولة لتفسير الوجودات ووصفها بقدر ما هي مُضاعفة لها. بتقريره وجود الجزئي على حساب الكليّ، لا يعارض أوكام أفلاطون فحسب، بل يعارض أرسطو أيضًا في قوله إن “الكلي هو موضوع العلم الحقيقي”[2].

يؤول فتغنشتاين ذلك المبدأ على اعتبار أن كل ما هو غير ضروري، أو “زائد عن الحاجة” بتعبير أوكام الاقتصاديّ، هو يخلو بالضرورة من المعنى، فهو يقول في رسالته المنطقية-الفلسفية بصدد النصل الأوكامي:

“من الطبيعي ألا يكون نصل أوكام قاعدة متعسفة، كما إنه ليس قاعدة يبررها نجاحها العمليّ.. إنه يقول ببساطة أن العناصر غير الضرورية في جهاز رمزي ما، لا معنى لها. والعلامات الي تخدم غرضًا واحدًا هي علامات متعادلة [مترادفة] منطقيًا، والعلامات التي لا تخدم غرضًا ما، تكون خالية من المعنى من الناحية المنطقية.”

فتغنشتاين، رسالة منطقية فلسفية، (5.47321)

3. المنطق

يتبنى أوكام تقسيمًا بين نوعين من الحدود المنطقية: حدود عامة، وأخرى تركيبية. تُشير الحدود العامة إلى فئة من الحدود التي لها معنى حتى ولو وقفت بذاتها؛ إنها ألفاظ تُمثل معنى ما (دلالة) وتُشير إلى ما صدق في الواقع (مدلول). أمّا الحدود التركيبية، كالأسوار والثوابت المنطقية (مثل: ليس، كل، العطف، الانفصال..) فهي لا يُقابلها في الواقع شيء؛ ولا يمكن أن تدخل باعتبارها موضوعًا أو محمولًا في قضية. إنها خالية من المعنى في ذاتها، وتكتسب المعنى في علاقاتها بالحدود الأخرى العامة داخل القضية. إن نطاق الدلالة التي تحملها تلك الحدود ينحصر داخل الإجراءات المنطقية ذاتها، ولا يمتد إلى ما هو خارج ذلك؛ وهي حدود من القصْد الثاني ذلك أنها لا تُمثل سوى نفسها[3].

والقضية الحملية في نظر أوكام- وأغلب مناطقة عصره- هي تلك التي تتألف من حدّين عاميْن، أحدهما موضوع والآخر محمول، وهي أبسط أشكال القضايا على الإطلاق. تصبح القضية مُركبة لحظة دخول الحدود التركيبية داخل القضية، وبالتالي يمكن تحليل القضية ذات الحدود التركيبية إلى قضايا أبسط، أو قضايا أوليّة elementary بتعبير فتغنشتاين والمناطقة المحدثين، مثال ذلك:

“وحده سقراط هو الحكيم”

تكافئ قضيتين أوليتين:

“سقراط حكيم. ولا يوجد أحد آخر غير سقراط حكيم”

أمّا فتغنشتاين فقد نظر إلى قضايا التحصيل الحاصل tautologies (مثل قضايا المنطق والرياضيات) بوصفها خالية من المعنى في ذاتها؛ ذلك أن اللغة عنده تصوير منطقي لعالم الوقائع، في حين أن قضايا المنطق لا تخبرنا بشيء جديد. فهو يقول: “إن قضايا المنطق لا تقول شيئًا.” (6.11) “إنها جميعًا تقول الشيء نفسه، والمتمثل في أنها لا تقول شيئًا.” (5.43). يرتبط المنطق إذن عند فتغنشتاين المبكر بالعلامات والقواعد فحسب، أي أن حدود معناه تكمن داخل الجهاز المنطقي ذاته لا تتخطاه. إنه لا يخبرنا شيئًا عن طبيعة الأشياء، بل هو نسق من الرموز الاتفاقية التي تعني بصورة الفكر[4]. تجدر الإشارة إلى أن قضايا المنطق عند فتغنشتاين ليست لغوًا ما دامت تستعمل في إطار الجهاز الرمزيّ المستعمل في اللغة، وبذلك فهي تتحصل على جزء من المعنى[5]؛ فهي لها مشروعية داخل اللغة كالصفر في النظام العددي.

4.حدود اللغة والمعنى

من نتائج النزعة الاسمية عند أوكام التي ترتب عليها رفضه للكليات، أن كل لفظة في اللغة لا يُقابلها كيان ما في الواقع؛ مثل هذه الألفاظ تخلو من المعنى في نظر فتغنشتاين الأوّل: “الاسم يعني الشيء، والشيء هو معناه.” (3.203) بحيث يصبح المعنى الحقيقيّ هو تماهي الفكر (أو اللغة، وفتغنشتاين يُماثل في الرسالة بين الاثنين) مع العالم- بحسب النظرية التصويرية للغة – “حدود لغتي هي حدود عالمي.” (5.6). تنشأ مُشكلات فلسفية جمة إذا لم نأخذ وصية كلًا من فتغنشتاين وأوكام بشأن حدود اللغة والمعنى مأخذًا جادًا. قد يقف المرء مثلًا موقفًا واقعيًا تجاه مفردات اللغة، حيث تصبح عملية سك مصطلحات جديدة بمثابة توالد كيانات وماهيات جديدة يتصف كل منها بالواقعية، ويقع المرء ضحية الهذيان الفلسفيّ. يأخذ فتغنشتاين على مثل هذه الأغاليط وقوعها فيما يُسميه بسوء فَهْم منطق اللغة، ما يشكل تحديًا أساسيًا للوظيفة المنوط بها النصل الأوكاميّ. إننا إذا وقعنا في براثن ذلك الضرب من سوء الفهم لمنطق لغتنا نختلق مُشكلات فلسفية لا وجود لها، حينها، ينبغي ألا نندهش إذا كشفنا أن “أعمق المشكلات في الفلسفة، ليست مشكلات على الإطلاق.” (4.003).

اللغة العادية واللغة المثالية

يعرض أوكام في كتاباته المنطقية، تقسيمًا للغة ويميز بها بين: ما هو مكتوب written language، وما هو ملفوظ spoken language، وما هو ذهنيّ mental language. يعتمد الأوّل على الثاني، وكلاهما ليس له وجود دون الاعتماد على اللغة الذهنية؛ فالمكتوب تعبير عما هو ملفوظ، لكن على هيئة رموز، أي تحويل للمسموع إلى مرئي، بينما اللغة الملفوظة في حد ذاتها تعبير عن البنى المنطقية للحالة الذهنية في صورة موجات صوتية تُدرك بالسمع. والبنى المنطقية للذهن (اللغة الذهنية) تتألف من التصورات concepts بوصفها وحدات أولية لها. هذا يعني أن للغة الذهنية أسبقية منطقية، فهي قبلية بالنسبة للنوعين الآخرين، وهي تؤسس لكل خطاب ممكن، سواء كان مسموعًا أم مقروءًا.

يُماثل صنفا اللغة المكتوبة والملفوظة مفهومي اللغة العادية بمعناها الواسع، بشرط أن يكونا- في استعمالهما- معبران عن مقاصد اللغة العادية (مثل التواصل والتعاملات الحياتية الجارية) ومستوفيان لها. وبالمقابل، تُناظر اللغة الذهنية- بمعناها المنطقيّ- مفهوم اللغة المثالية عند المحدثين. وبالتالي فإن محاولة تجسيد هذه اللغة في قالب رمزيّ، مكتوب أو ملفوظ، يرادف محاولة أو مشروع تأسيس لغة مثالية، ذلك المشروع الذي لم يكتمل في النهاية عند المناطقة المحدثين، وأفضى إلى الشكّ في إمكان وجود مثل هذه اللغة أساسًا، مما شأنه أن يجعل مجال هذه اللغة محددًا بحدود الذهن وحسب.

ويُثير التقسيم الأوكاميّ للغة إشكالية أخرى تتعلَّق باللغة المثالية، فهو يخبرنا أن الذهن قادر على التعرف على حدود موضوعاته (التصورات) بشكل طبيعي سيكولوجيّ، بينما الحدود سواء في المكتوب أو الملفوظ أسماء لأشياء، واصطلاحية بالكامل؛ ذلك أنها تتغير من لغة إلى أخرى.  وإذا كانت اللغة الجارية تتضمن ألفاظًا تحمل معاني مختلفة، فهي تتضمن كذلك على مرادفات synonyms، فهل توجد مثل هاتين الخاصيتين المميزتين للغة الجارية في الفكر عند فتغنشتاين أو اللغة الذهنية عند أوكام؟ من الصعب الجزم بأن أي من الفيلسوفين كان محددًا بشأن هذه النقطة.

 


[1] بدوي، فلسفة العصور الوسطى، ص61.

[2] E. Leroux et A. Leroy, La Philosophie Anglaise Classique, 1951, p16.

[3] يطلق الإسكولائيين على صنف العلامات التي تمثل علامات أخرى (وليس أشياء) عبارة “القصد الثاني”. بينما القصد الأول عندهم هو اتجاه الذهن نحو موضوع معين وإدراكه له مباشرة. ومعنى القصد هنا شبيه بالقصدية بمعناها الحديث: اتجاه الذهن نحو موضوعه.

[4] عزمي، إسلام، فتغنشتاين، ص282.

[5] المرجع السابق، ص184.

 

المصادر والمراجع:

  1. إسماعيل، صلاح: فلسفة اللغة، الدار المصرية اللبنانية، مصر، ط1، 2017.
  2. بدوي، عبد الرحمن، فلسفة العصور الوسطى، مكتبة النهضة المصرية، ط2، 1969.
  3. جلسون، إتين، روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 2011.
  4. عزمي، إسلام، لدفيج فتجنشتين، دار المعارف، بدون رقم طبعة أو تاريخ نشر.
  5. كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، مكتبة الأسرة، 2018.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق