مقالات

المجتمعات ومقاومة التأثير – هشام الخالدي

عادة ما يكون الحديثُ عن تشكيل الوعي وبناءِ الصورة الذهنية المستهدفة مرتبطًا بعوامل التوجيه وأدواته التي تقوم عليها عملية التأثير؛ وبالتالي الوصول إلى نتائج متوقعة يظهر أثرها فعليًّا في وعي المتلقي وسلوكه. يُمثِّل هذا الحديث جانبًا كبيرًا في نظريات التواصل والتأثير في الجماهير، باعتبار ذلك علاقةً ثنائية بين طرف مؤثر وآخر متأثر، تركز في غالبها على عملية التأثير بصفته أداةً لتحقيق مصالح تطغى عليها الماديةُ أو تغيير سلوكيات في أنشطة ومجالات متعددة منها الثقافية والاقتصادية بشكل عام، وحيث إن أدوات التأثير في تحديث مستمر ويستخدمها أيُّ طرف في ظل اختلاف التوجهات والسعي العالمي الحثيث في تحقيق المكاسب بشتى صورها النفعية والانتهازية؛ ظهرت الحاجة إلى تسليط الضوء على أهمية تناول وجودِ حدٍّ أدنى من وجود مقاومة ذاتية لهذا التأثير على مستويات عدة، ليس الغاية منها الرفض والقطيعة بشكلها الأولي، بقدر ما هي محاولةُ كشفٍ لحقائق الأشياء وعدم الانسياق خلف أغراض وأهداف غير معلنة يُراد تمريرها على المتلقي دون أن ينتبه لها؛ وبالتالي تُستغَلُّ بطريقة غير مباشرة وغير أخلاقية تخالف مصالحه وقناعاته التي يتمسك بها. إن تضليل عقول البشر على حد قول المفكر البرازيلي باولو فريري “أداةُ قهرٍ” تمثل إحدى الأدوات التي يُسعى من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهداف خاصة. وفي مقابل موجات السيطرة والتأثير التي تجتاح العالم؛ فإن هناك موجات موازية لها تشكل واقعًا مزيفًا هو الإنكار المستمر لوجود هذا النوع من التأثير أو السيطرة على المجتمعات(1).

التغيير والتأثير:

مفهوم التغيير هو انتقال من حال إلى حال، وقد يكون هذا الانتقال كليًّا أو جزئيًّا، وقد يستغرق هذا التحول أزمنة طويلة أو قصيرة، وهو سنّة كونية تشمل الأفراد والمجتمعات. يقول ابن خلدون في مقدمته: “إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو الاختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأبصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت”(2). وهذا التغير الذي يمر بالمجتمعات هو نتيجة طبيعية لعلاقة كونية مطردة أساسها أسبابٌ وأحداثٌ كان لها أثرٌ فاعل في التحول والانتقال من حال سابقة إلى حال لاحقة مختلفة؛ تهدف من حيث المبدأ إلى الحماية والتأقلم مع الأوضاع الجديدة، وقد يكون مصدرها عواملَ من داخل البيئة أو من خارجها، وغالبًا ما تكون الحالةُ التي انتقل منها المجتمع حالةَ استقرار وثبات نسبي بغض النظر عن طبيعة هذا الاستقرار، وهذا ما يجعل المجتمعات أشبه بالمرآة التي تنعكس عليها التغيرات كلها التي تحدث في المجالات الأخرى المرتبطة بها. ويتضح في بعض جوانب هذه المعادلة أن التغير يكون قابلًا للتشكيل ومحاولة التوجيه بأدوات فاعلة ترمي إلى إحداث تغيير محدد في بيئة معينة أو شريحة مستهدفة، فينشأ لدينا على إثر ذلك “التغيير” الفعل و”التغير” النتيجة(3).

وقد ارتبط مفهوم التغيير بالتنمية في مجالات عدة، فكان الحديث حول مكانة الثقافة والمجتمع من صناعة هذا المفهوم ودورهما في خلق تغيير جديد يرتبط بالتنمية الإنسانية، وعلى إثر ذلك جاءت محاولات جادة لتيارات فكرية في تفكيك العناصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها، والتأمل في تأثيرها الذي يعوق تسارع حركة تغيير المجتمعات، فحركة التنمية في مخرجاتها هي في حقيقتها تعبير عن الرؤية الثقافية والاجتماعية التي تدفع حركة التغيير على أرض الواقع. ثم تطور مفهوم التغيير المرتبط بالتنمية حتى ظهر ما سُمي بنظرية التسويق الاجتماعي، وفيه أخذ مفهوم التغيير بُعدًا جديدًا تمثل في أهمية تسويق الوعي عبر وسائل الإعلام، وتكون من مرحلتين: الأولى- الإعلان الاجتماعي؛ حيث برز استخدام الإعلان لتغيير الاتجاهات العامة والسلوك من قبل منظمات تنظيم الأسرة في بعض الدول، والأخرى- التحول إلى منهج الاتصالات الاجتماعية من خلال التركيز على وسائل البيع الشخصي والنشر بالإضافة إلى الإعلان. ثم جاء ستانلي ودنس ووضع الملامح الرئيسة لنظرية التسويق الاجتماعي التي تتلخص في كيفية ترويج الأفكار التي تعتنقها النخبة في المجتمع؛ لتصبح ذات قيمة اجتماعية معترف بها(4).

وهنا نتناول مصطلح التأثير وارتباطه بمصطلح التغيير والفارق بينهما، فهل كل تأثير هو في حقيقته تغيير؟!

التأثير في حقيقته نوع من النفوذ، ويقصد به: محاولة إحداث أثر محدد بأدوات ووسائل فاعلة يُستجاب لها بانفعالات شعورية أو غير شعورية تدفع نحو أثر مقصود. وبالنظر في عناصر هذا الاصطلاح نجد أن التأثير مركَّبٌ من مجموعة عوامل ومحاولات يتميز بعضها عن بعض في الشكل والمضمون، فهي في أساسها أجزاء من مشروع واحد هدفه التغيير سواءً على المستوى الإيجابي أو السلبي. كما نجد أن التأثير في بعض استعمالاته قد يستهدف حصول أمرٍ محدد قصير المدى لهدف معين، دون أن يستهدف إحداث تغيير فعلي له آثار ممتدة في وعي المتلقي وسلوكه.

وعليه إن كانت هناك تقاطعات مشتركة بينهما فإن مقاومة التأثير ليست هي مقاومة التغيير، فمقاومة التأثير هي محاولة أولية للنظر والتفكير حول ما تضمنته وسائل التأثير من معلومات أو بيانات دون أن تأخذ حكمًا سابقًا يُستدعى لمعارضة محتوياتها أو تأييدها، وهذا ما يمكن تسميته في النشاط العلمي بمرحلة الفحص والاختبار، ويستلزم منا بيان هذه العملية القول إنها ليست مدار الحديث في حال تم تجاوز هذه المرحلة إلى المرحلة التي تليها، وهي مرحلة التغيير المباشر المبني على المواجهة غير المقبولة، ابتداءً بالطرف الآخر والتي تسلبه الحق في عملية الاختيار.

دوافع مقاومة التأثير:

كجزء مهم من تناول موضوع مقاومة التأثير؛ فإن الأمر يتطلب نظرًا وتأملًا في الدوافع التي يمكن من خلالها الوصول إلى تصور واضح لطبيعة هذا الفعل الذي يتسم بارتباطه الكبير بالخوف وأبعاده المختلفة، ومعرفة السياق الذي يمكن أن تتحرك مقاومة التأثير من خلاله، وسنتناول ذلك في أربعة دوافع، وهي:

1- العقائد والأديان:

الدين هو تلك القوة الروحية الأولى التي تحجز الإنسان والمجتمعات عن الخروج من تعاليمها، وتجعل في مخالفتها التعرض للعقوبة الأخروية، وباعث الزجر الداخلي من ذات الإنسان، وذلك أن طبيعة الأديان كما يصفها د. محمد دراز: “قائمة على فكرة التمجيد لقوة لها صلة بالحوادث اليومية، ولها عناية دائمة بالكائنات، لا تنفك عن إمدادها وتدبيرها، وذلك هو أصل فكرة العبادة التي لا يتحقق اسم الديانة دونها”؛ لذا نلحظ أن التغير الحادث على الشرائع السماوية والديانات الأرضية يكون مدى تأثره مرتبطًا بعامل الزمن، لميل الديانات بعد تأسيسها إلى الثبات والاستقرار(5)، وعليه تكون الاستجابة للتغيرات الحادثة بطيئة جدًّا كلما كان العهد قريبًا من الأصل الأول، وهذا ما يجعل دعوات التجديد لهذه الأديان تَلقى مناهضةً شديدة بشكل مضاد ثم ما تلبث أن تخفَّ هذه المناهضة بابتعاد خطها الزمني. ومن الأمثلة الحديثة التي يتمثل فيها حضور الدين وأثره في إبداء الرغبة في حمايته ومواجهة أي تأثير يتعرض له، هي المقاومة التي ظهرت في مواجهة التشريعات القانونية الأجنبية التي وردت للدول العربية مع الاستعمار الأجنبي في أواخر الخلافة العثمانية، والذي كان منه ما يتضمن تشريعات قانونية تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، وتخالف مبادئ العدالة في أحكام موادّ هذه القوانين المستوردة؛ فظهرت الدعوات والفتاوى لرفض أي تشريعات قانونية تخالف الشريعة الإسلامية، وأي تحديثات أخرى تكون متصلة بها قطعًا لطريق تأثيرها في التشريعات والمحاكم القضائية، وهو مثل ما حصل من إحداث المحاكم التجارية الخاصة بالتجار الأوروبيين في مصر. واصطدمت موجاتُ التأثير المتتابعةُ لتحديث التشريعات القانونية في الدول العربية بهذا الحدث التاريخي الذي وقعت فيه المصادمة؛ فكان من العسير قبول أي تحديثات قانونية أجنبية في الدول العربية والإسلامية.

2- العادات والتقاليد الراسخة:

دائمًا ما تكون العادات والتقاليد الراسخة حاجزًا منيعًا لدى المجتمعات، تحفظ به هُويتها عبر رابطة قوية ومتينة، يتواصى أفرادُها على الحفاظ عليها بشكل يعزز الانسجام والهوية المجتمعية؛ مما يولد حولها عقوبات اجتماعية رادعة حال مخالفتها. ويُلقي هذا الرسوخ بظلاله على تناول المؤثرات التي تَرِد من خارج البيئة الاجتماعية، ويكون فيه من السهل وبشكل سريع الرفضُ وعدم الاستجابة لها، وحتى إمكانية الإمعان فيها قبل إبداء الرفض من عدمه. ويبين هذا مدى سطوة هذ العادات والتقاليد على الأفراد المنتمين لهذه المجتمعات أيًّا كانت طبيعة هذه السطوة فعليةً أم متخيلةً، وهذا ما جعل عالم النفس الاجتماعي الأمريكي هربرت كيلمان يصنف قوةَ هذا التأثير على ثلاث مستويات: الأول- الاستسلام أو الخضوع (الطمع في قبول الجماعة). الثاني- تحديد الهوية (قبول الفرد بالتأثر بالآخرين). الثالث: التماهي (الانتماء للمجموعة)(6).

وبطبيعة الحال يتبين لنا نتيجةً لذلك الأثرَ السلبي في سير حركة التغيير والتفاعل مع المؤثرات والتفاعلات الخارجية في مختلف المجالات. وهذه العادات والتقاليد وإن كانت تتميز بالثبات وعدم المرونة لما تحمله من معاني وقيم تحمل أبعادًا تاريخية؛ فإنها تتهاوى أمام تنامي وتغير احتياجات الأجيال اللاحقة واهتماماتهم، إضافة إلى انتقال وتحول هذه المعاني والقيم بشكل نسبي إلى سياقات وأغراض متعددة تتوافق مع الأحوال المستجدة بطبيعتها المختلفة.

وعلى سبيل المثال نجد البيئة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد نشأتها في صورتها الحديثة انفكت عن كثير من العادات والتقاليد التي كان يحملها المهاجرون من الدول الأوربية، والتي ما بقيت تحتفظ بعادات وتقاليد متوارثة من زمن طويل، ونتج عن هذا سرعة تفاعل المجتمع الأمريكي بمختلف أطيافه مع المتغيرات والمؤثرات الحاصلة من بداية ذلك التاريخ إلى ظهور تفاعلاتها المذهلة في وقتنا الحالي، وأثر ذلك في تنامي حضور الثقافة الأمريكية وتأثيرها على مستوى العالم.

3- نزعة التملك:

قد يكون التأثير أحيانًا استجابةً لباعث داخلي يبحث عن القوة والنفوذ في سبيل إشباع غريزة التملك والحماية، والرغبة العارمة في تحقيقِ مصالحَ تتضمن إيجادَ الانقياد وعدم المخالفة من الآخر، وعليه يتضح أن فكرة المحافظة على التملك – كونها غريزةً بشرية – قد تظهر هي الأخرى على شكل مقاومة أي تأثير من قِبَل مَن يمتلك أي نفوذ أو قوة يخشى عليها من الفقدان، ونتيجة لهذه النزعة وأثرها في الواقع الاجتماعي يذهب هربرت شيللر إلى أن نشأة تقسيم ثابت للمجتمع إلى فئتين من الرابحين والخاسرين وتوافر عوامل استمراره هو نتيجة للحفاظ على نظام التملك الخاص للملكيات المنتجة والاعتراف بهذا النظام، وأن مبدأ التملك الخاص امتد لجميع أوجه الوجود الإنساني الأخرى. وممن أشار إلى هذا المعنى ابن حزم الظاهري بقوله: “تأملت كل ما دون السماء، وطالت فيه فكرتي، فوجدت كل شيء فيه من حي وغير حي من طبعه إن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته.. وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له”(7). وتقتضي هذه الرغبةُ التي أشار إليها ابن حزم في تغيير الآخرين بما يوافق رغبة المتغلب القوي العملَ على عدم تغيير وضعه السائد، ومنع أي تغيير أو تأثير يتعرض له.

4- التحولات الاقتصادية:

إن الانفتاحَ الكبير الذي شهده العالم والمظاهر التي صاحبت هذا الانفتاح يعد عاملًا مؤثرًا وذا آثار كبيرة وعميقة في تعاطي الشعوب مع المجتمعات الأخرى، ويرتبط التعاطي مع التحولات الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بتحقيق رفع دخل الأفراد والشركات، ورفع مستوى الرفاهية والاستهلاك لشرائح المجتمع؛ لذا تختلف درجة مقاومة التأثيرات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية بقدر مدى الانتفاع منها، وهذا عائد إلى التحيز للملكية القومية ومدى إمكانية مشاركة الآخر لهذه المنفعة والاستفادة منها؛ لذا كانت العولمة الاقتصادية في وقت نمو التجارة الدولية موضعَ قبول لدى الكثير نظيرَ عائد المنفعة الاقتصادية المتوقعة من هذا النمط الاقتصادي حول العالم، ثم في مرحلة لاحقة تأثرت فيه العوائد الاقتصادية بشكل سلبي، ظهرت بعدها دعوات تنادي بتقليص التعاون التجاري العالمي وضرورة الحفاظ على توازنات الأسواق المحلية، والحفاظ على الوظائف بمقاومة موجات هجرة الأيدي العاملة.

وعند التأمل في دوافع مقاومة التأثير ومناقشة أبعاده، يحسن الإشارة إلى ملاحظتين في هذا السياق، وهما:

الأولى– من خصائص دراسة الحالات التي تندرج تحت العلوم الإنسانية أنها: فريدة: فلا تتكرر بالخصائص والسمات ذاتها في حالات أخرى. خفية: فلا يمكن إدراكها بيقين، وإنما تدرك بغلبة الظن. معقدة: وذلك بارتفاع درجة تأثرها بالعناصر المنفصلة عنها، نتيجة قوة ارتباطها واتصالها بها. وإن من آيات الله وسننه في خلقه سنة الاختلاف، وهي سنة عظيمة تظهر آثارها على الأفراد والمجتمعات في صور شتّى، ومن صور هذا الاختلاف: اختلاف الأفراد والمجتمعات بشكل عام وكلي في درجة تفاعلهم وشدته لمؤثر واحد يتعرضون له جميعًا في الوقت ذاته، فتجد تفاوتًا في سرعة الاستجابة واختلافًا في درجات مستوى المقاومة له من عدمها، ويرجع هذا الاختلاف بشكل عام إلى عوامل، وهي: 1- تفاوت القدرات العقلية والذهنية، 2- تفاوت الاحتياجات الجسدية والنفسية، 3- تفاوت المصالح والقدرات الشخصية. فنجد أن هذه العوامل في تفاعلها مع المؤثر ترتبط بأمرين لدى المتلقي: الأول- القابلية في التعامل مع هذا المؤثر وكيفية الفهم المتوقع له وانسجامه مع القناعات الخاصة. الآخر- المنفعة المتوقع حصولها نتيجة الاستجابة لهذا المؤثر. ومن هذا الاختلاف المتأصل في المجتمعات والأفراد المبني على قدرٍ كونيٍّ جاء اختلافُ وتنوع أدوات التأثير ووسائله.

الثانية- من الملاحظات الفارقة التي تمثّل حجرَ زاوية في قياس قابلية المجتمعات والأفراد للاستجابة للمؤثرات هي الثقة، وبغض النظر عن محتوى ومضمون الهدف والغاية، نجد أنه كلما زادت الثقة بمصدر المؤثر زادت نسبة الاستجابة وقلّت نسبة المقاومة؛ مما يعني انتقالًا سريعًا في مرحلة التفاعل وتحقيق الأثر المتوقع، واحتياجًا أقل لأي دعم آخر مساند لعملية التأثير. كما يُلاحظ أن هذه الثقة تسمح بمجال أكبر لمرور رسائل وأهداف يمكن أن تحتمل الخطأ، أو تخالف قناعات المتلقي أو توقعاته دون أن تكون هناك زيادةٌ في نسبة المقاومة. في المقابل نجد أن فقدان الثقة يؤثر بشكل كبير جدًّا في قياس قابلية المجتمعات والأفراد للاستجابة للمؤثرات، ويزيد من نسبة المقاومة أيضًا بشكل مبالغ فيه، والإشكالية هنا أن هذا الأثر الذي يولده فقدان الثقة يُوجد اختلالًا في موازين الفحص والنظر المنطقي في هذه المؤثرات؛ مما يؤدي إلى عدم قياس الأمور بشكل صحيح وتفويت مصالح مرتبطة بها. ولعل منشأ هذه الملاحظة أن تتصل الثقة بموضوع الحس والمشاهدة؛ مما يجعل الأمر أسهل في تخفيف الحمل والعبء على المتلقي وأسرع في عملية الاستجابة؛ لذا يحكي المفكر القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري في يومياته ومشاهداته في باريس عام 1923م معلقًا: “أرى أن الإخلاص للأفكار والمبادئ غير المجسمة أصعبُ من الإخلاص للأشخاص المجسمة الملموسة، أقول هذا بمناسبة اجتماع الحزب الملكي الفرنسي الذي حضرْته الليلة ورأيت الخطباءَ تعاقبت لتتكلم في ضرورة وجود نظام قوي في فرنسا يمثل الأمةَ في جميع أدوار التاريخ، فما كانت هذه الفكرة وهي مجرد فكرة خالية من المادة المحسوسة لتؤثر في النفوس كما أثَّر ذكرُ اسم (دوق أوليان) وهو المطالب بعرش فرنسا اليوم. هنا شعرت أن الحاضرين رسموا في أذهانهم لا فكرةَ ولا مبدأَ؛ بل رجلٌ من لحم ودم لا نزاع في وجوده وهو يعيش حيًّا على مقربة منهم. وهنا فهمت لماذا يميل الإنسان إلى عبادة البطولة والأبطال وأن المبدأ الراقي إذا لم يتجسم في بطل فتأثيره ضئيل في النفوس”.

مقاومة التأثير:

يتضح مما سبق أن عملية التأثير والتأثر عمليةٌ كونية لا يمكن أن تنتهي أو تتوقف، وأنها بإطارها العام تُدَاوَل داخل منظومة الثقافة لكل مجتمع بأبعادها كلِّها التي تشمل المعارف العلمية أو العادات والتقاليد المستقرة، وأن هذه المنظومة تحوي مجموعةً من المؤثرات التي تتباين وتتفاوت في درجة تأثيرها بحسب الزمان والمكان والسياقات التي تُستدعى فيها. وفي الوقت الحاضر الذي زاد فيه زخم التأثير ودوافعه التي تنشد تحقيق المصالح بشتى طرقها لا يمكن تحديد أدوات تقابل مؤثرات بعينها لسبب بسيط، وهو أن المصالح في هذا العالم متغيرة بشكل سريع ومخيف؛ وتبعًا لذلك تتغير معه خارطة التأثير التي تستهدف المجتمعات والأفراد.

إن الأمر الأمثل في مواجهة موجات التأثير ومقاومتها، والذي نهدف من خلاله إلى إيجاد ذلك الحد الأدنى من النظر والفحص يتمثل في رفع مستوى كفاءة تداول المعرفة في أوسع نطاق، ومد مساحة نفوذها إلى ميادين العلاقات التي تتقاطع فيها مصالح المجتمعات والأفراد، بما يشمل ذلك من علاقات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية.

إن رفع مستوى كفاءة تداول المعرفة وتسهيل الوصول إليها من جميع الأطراف يُمكّن من زيادة نسبة تحقيق العدالة لصالح أكبر قدرٍ ممكن من المتعرضين لموجات التأثير في إطار متوازن يحفظ قناعات أصحابها ومصالحهم، كما يهدف ذلك إلى تضييق الخناق على بعض الممارسات التي تتضمن تعارضًا للمصالح وتُستغَل بطرقٍ غير أخلاقية، ويترتب عليها الإضرار بالآخرين على المدى البعيد.

في هذا السياق سنتناول ثلاثَ أدوات تُعزز من رفع مستوى تداول المعرفة بكفاءة في المجتمعات على مستويات عدة، يُسهم انعكاس أثرها على الأفراد والمؤسسات في سهولة الوصول إليها في إطار تكاملي وتراكمي، ويُستفاد منه في مجالات مختلفة، تتوافق مع التطورات السريعة وغير المتوقعة مستقبلًا، وهي:

العقلية الناقدة: إن فحص الفكرة أو المعلومة الأولى عمليةُ مدافعةٍ عقلية، تهدف إلى تحرير العقل من هيمنة تسلل الأفكار المزيفة التي يمكن أن تستحوذ على متلقيها بشكل تدريجيٍّ في حال إهمالها، كما يعبر عن ذلك د. عائض الدوسري(8)، وهذا ما يجعل من مسؤولية الفرد المتلقي في القيام بهذه المهمة وعدم تراكمها تأخذ أهميتَها وخطورتها البالغة في الوقت ذاته، وهذا ما نبه عليه  الفيلسوف والمنظر السياسي البريطاني إيزايا برلين من أن “إهمال الأفكار من غير تبني نظرةٍ ناقدة للأفكار قد يؤدي أحيانًا إلى اكتسابها قوة كاسحة، لا يمكن مقاومتها أو كبحها”، وهذا يعني بالضرورة بذلَ مزيدٍ من الجهد في البحث في مصادر المعلومات والقيام بعملية الفحص والنقد التي ستصطدم بركام هائل من العيوب التي تؤثر في قيمتها المعرفية من نقص أو تزييف.

ولذا فإن من المبادئ التي تحاول المؤسسات المعرفية الحديثة النهوض بها هو استمرار نماء المعرفة البشرية ومنح القدرة على التنبُّؤِ والتصرف برشدٍ بطريقة ذاتية، وذلك من خلال إمكانية الوصول الحر إلى المعرفة وتداولها، ونرى أن اتحاد المكتبات الأمريكي في وثيقة له تحمل عنوان (إعلان المكتبة للحقوق) يُلزم القيّمين على المكتبات بتقديم صورة متوازنة وغير متحيزة للقضايا في مقتنيات الكتب التي يحوزونها في المكتبات، من أجل تهيئة القارئ لاتخاذ قرارٍ مستقل بأكبر قدر ممكن(9).

الكيانات المؤسسية: يعد تظافر الجهود والخبرات العلمية وتراكمها في الكيانات المؤسسية نقطةَ انطلاقٍ وفتوحات هائلة في تطور مسيرة الأمم في التاريخ المعاصر، وتعكس هذه الكياناتُ التي تشكلت من مراكز بحوث ودراسات وبيوت خبرة ونقابات مهنية حلولًا وبرامجَ لمشاريع قابلة للتنفيذ تعمل عليها الحكومات والشركات حول العالم، ولهذه الكيانات المؤسسية بما تحتويه من خبرات بشرية، ومعرفة علمية متراكمة أثرٌ كبير في إنارة المجتمعات ودفعها للتطور وتجاوز التحديات التي تحيط بها، ويتضح في نموذجِ عملِها المؤسسيِّ قوةً بالغة في الإنتاج المعرفي الذي لم يتحقق لولا قيام هذا النموذج وتطوره باستمرار.

إن الذي يدعونا للحديث عن هذه الكيانات وأهميتها أنها تشكل علامةً فارقة في إنتاج المعرفة البشرية وترجمة تجاربها التاريخية على أصعدة مختلفة، وتمنح مساحةً لنمو الازدهار الاجتماعي والاقتصادي، واستمرار تطورها وتفاعلها بشكل إيجابي يمنحها ثقةً كبيرة لدى المتابعين لها، في حين لا يمكن الوصول إلى ما وصلت إليه لو بقي مسارُ البحث والنقد والتحليل مقصورًا على فئات بحثية وعلمية أو مجموعات مهنية تتسم بالفردانية أو الدوائر الضيقة التي لا تستطيع بالتالي القيام بأعباء الجهود اللازمة، أو ضعف التواصل المعرفي فيما بينها، إضافة إلى ضعف إمكانات تفعيل نتائج المعرفة والخبرات كونها محصورةً في بقع جغرافية صغيرة.

وعلى ما يعتري نموذج عمل هذه الكيانات المؤسسية من ضعف استقلاليتها أو تعارض المصالح الذي تتعرض له في أثناء أداء عملها، سواء عن طريق الخضوع لتنظيمات سياسية أو تمويلات مالية من كيانات تجارية أو حملات إعلامية من جماعات ضغط سياسية؛ فإن الخيار الأمثل الذي يمكن أن يُقدمه هذا النموذجُ ويُتعاطَى معه هو في تنوع المعرفة والتحليلات وترجمة التجارب التي تقدمها هذه الكيانات، بما في ذلك اختلاف تطلعاتها وإستراتيجياتها على مستويات عدة، وسيكون الدافعُ لها بالتأكيد اختلافَ المصالح والتوجهات التي يغلب عليها طابعَ النفعية والسيطرة، وسيتيح هذا التنوعُ والاختلاف في المعرفة المتداولة وسهولة الوصول إليها الاستفادةَ من بياناتها الضخمة وتحليلاتها المختلفة لأطراف عدة من مجتمعات وكيانات على مستوى العالم، وعليه سيساعدها بطريق مباشر وغير مباشر على اتخاذ الموقف الذي يتناسب مع مصالحها ولا يتقاطع مع معتقداتها.

المستقلون: إن الكتابة المستقلة تعد أداةً من أدوات مواجهة التأثير ومقاومته، وذلك أن الأفكار والتحليلات التي تطرحها الكتابةُ المستقلة تنبعُ من عقول أصحابها، دون أن يكون للباحث أو الكاتب المستقل فيما يطرحه أيُّ انتماءات يدافع عنها أو مصالح يبحث عن تحقيقها، وأكثر ما يجعل طرح الباحث أو الكاتب المستقل جاذبًا للمهتمين هو إيمان أصحابها بالقضايا التي تتقاطع مع قضايا الآخرين والدفاع عنها، والثبات أمام الإغراءات التي تنهال عليهم لقاء استقطاب مواقفهم المناوئة، وهذا ما يجعل من ممارسة هذا العمل محلَّ تقديرٍ واحترامٍ من أطراف مختلفة لا يجمعها تحيز واحد.

تكمن أهميةُ إثراء المعرفة بالباحثين والكتاب المستقلين وتداول ما يطرحونه في إمكانية عرض وجهات النظر المختلفة من زوايا عديدة، قد لا ينتبه لها الآخرون، أو يتعمد بعضهم إخفاءَها بقصد إخفاق أطراف أخرى في تقدير الوضع المثالي أو عدم تمكينه من ذلك. ومن اللافت للنظر في حالة الباحثين أو الكتّاب المستقلين أنه لا يمكن توقع أو تقدير مواقفهم في القضايا والمواقف المستقبلية، وهذا يعطي جانبَ قوة في عدم الوقوع في التحيزات أو التصورات المسبقة التي لا تعكس وثوقيةً في الأداء المهني لهذا الاستقلال.

وأخيرًا.. فإن السيلَ العارم من الأفكار والسلوكيات والخيارات المادية التي توحي بها الحياة المعاصرة، يجعلُ من التأمل والنظر فيها بعين فاحصة ومقارنة ضرورةً ملحةً، باعثها حفظ إنسانية الإنسان وطمأنينته، والسعي في توازن معيشته، وإمداده بالمعرفة التي تعينه في تقدير المواقف واجتناب العواقب.

 

 


أبرز المراجع:

المتلاعبون بالعقول: هربرت أ. شيللر، ترجمة عبد السلام رضوان، نشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب دولة الكويت: (5)، (16).

مقدمة ابن خلدون: (28/1).

الفرق بين التغير والتغيير، د. أحمد إبراهيم خضر.

التغيير وتأثير وسائل الاعلام، د. محمد الخرعان.

الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، د. محمد عبد الله دراز، دار القلم: (61)، (67).

ما معنى أن تكون تابعًا؟ شاول مكلويد، ترجمة: مريم الدوسري، نشر: أثارة؛ فقه تدبير المعرفة.

الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ابن حزم الظاهري.

في نقد الأفكار وفحص المعلومات الجديدة، د. عائض الدوسري، نشر: أثارة؛ فقه تدبير المعرفة.

إبادة الكتب تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين، تأليف: ربيكا نوث، ترجمة: عاطف سيد عثمان، نشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب دولة الكويت: (60).

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق