مقالات

ما الذي يريد الأعمى قوله في سيرته؟ – رائد العيد

حضرتُ لقاءً عن الترجمة، وكان أحد المتحدثين بروفيسور سعوديٌّ أعمى، يُمسك له المتحدث الذي بجواره المايكروفون ليتحدث عن تجاربه العديدة في السفر، والمقارنة بين النصوص، والعمل في المنظمات الدولية مترجمًا قانونيًّا، وأنا مندهش من قدرته على كل ذلك وهو ضرير العين.

كنت قد قرأت أيام طه حسين بأجزائها الثلاث، وبدأت أستذكر بعضًا منها حتى ذُهلت عن الترجمة وأخبارها، تمنّيت لو أن عصر الصورة يُتيح لنا حياة الأعمى بكل دقائقها، فهل يا ترى ستقلّ الدهشة -كعادة ما يزال عنه الحُجُب- أم تزيد؟

مشكلة التفاهم المتبادل هي أحد المعضلات بين البشر، كيف يمكن للمكفوفين والمبصرين أن يفهموا بعضهم البعض؟ كيف يمكن للرجال فهم النساء؟ كيف يمكن للأثرياء فهم الفقراء؟ كيف يمكن لكبار السن فهم الشباب؟ أيمكن أن يكون لدينا بصيرةً للأشخاص الآخرين؟ هذا هو السؤال العظيم حول ما تتعلق عليه وحدتنا الإنسانية، كما يقول جون هول.

***

في عصرنا الحديث تزايدت أعداد العميان لأسباب مختلفة واستدعت الحاجة إلى توسّع مجال أدب العميان ليشمل السير الذاتية لمشاهير العميان من الأدباء والمفكرين ليستفيد منها أقرانهم من المكفوفين وعامة المجتمع في الوقت الذي تراجع فيه اهتمام الكتاب والأدباء العرب بهذا المجال، وبروز عديد من الكتاب والأدباء والفلاسفة الغربيون من المكفوفين وإثرائهم للساحة الأدبية بكتابة سيرهم الذاتية وتجاربهم مع فقدان البصر بزوايا مختلفة ساهمت في تنمية وتطوير خدمات المكفوفين في الغرب مثل «هيلين كيلر» الكفيفة الصماء الملقبة بـ «معجزة الإنسانية» بمؤلفاتها «العالم الذي أعيش فيه»، «الخروج من الظلام»، «هيلن كيلر في اسكتلندا»، «أضواء في ظلامي»، «قصة حياتي» وغيرها، والأديب العالمي «خورخي لويس بورخيس» الذي فقَد بصره في منتصف العمر وألَّف العديد من الكتب منها «سيرته الذاتيّة»، «المرايا والمتاهات»، «الصانع»، والمؤلّف الفرنسي «جاك لوسيران» الذي فقد بصره في سن السابعة حين أصيبت عيناه خلال الحرب العالمية الثانية، وأمضى سنة في معسكرات الاعتقال لينجو من التجربة ويؤلّف عدّة كتب منها «ومن ثمة هناك ضوء» عن تجاربه منذ طفولته المبكّرة إلى حين تحرره من معسكر الاعتقال، والمؤلف «توم سوليفان» الذي سرد سيرة حياته ومنجزاته في كتابه «لو كان بإمكانك رؤية ما أسمع». المؤلّف «ستيفن كوسيستو» الذي ألف كتاب «كوكب العميان» ومذكراته «التنصّت: حياة بالأذن». والمحاضر الجامعي «جون هول» الذي سجّل ملاحظاته عن العمى على جهاز تسجيل ثم فُرِّغت في كتاب بعنوان «لمس الصخور: تجربة في العمى»، والرسّام الأعمى «جون برامبليت» كتب مذكراته ونشرها تحت عنوان «الصراخ في الظلام»، و «بورغيلد دال» كتبت سيرتها مع فقدان البصر وعودته في «أردت أن أُبصر». وفي الأدب العربي لا تغيب أهم سيرة عربية -وأولها عن بعض النقّاد- «الأيام» لطه حسين، وسيرة محمد توفيق بلو التي عنونها بعنوان رائع «حصاد الظلام».

***

أصاب العمى طه حسين منذ طفولته بعد تجربة علاج شعبي أثّر سلبًا عليه، وتشوّهت إحدى عيني بورغيلد دال منذ طفولتها وكانت عينها الأخرى تضعف رؤيتها بشكل متدرج حتى فقدته تمامًا في أواخر حياتها، واستعادته بعد عملية جراحية. أما هيلين كيلر فتعرّضت وهي في الشهر الخامس من عمرها لمرض حرمَها من بصرها وسمعها، ومنعها من الكلام أيضًا! مما جعلها أعجوبة حفرت اسمها في سِفر التاريخ بحروف من نور.

كتبت هيلين بيد معلمتها ثمانية عشر كتابًا، تُرجمت إلى العديد من اللغات حتى نالت جائزة نوبل في الآداب لعام 1979م، وكتب طه حسين بيد زوجته وطلابه الكثير من الكتب والدراسات حتى أخذ الدكتوراه من السوربون وصار وزيرًا للمعارف المصرية، وسطّرت بورغيلد دال بيدها الكثير من الأوراق البحثية والنضالية للمرأة أهّلتها لتكون محاضرة جامعية، لتكتب أخيرًا سيرتها الملهمة التي نتحدث عنها هنا.

محمد توفيق بلو أُصيبت عينه في شبابه، وبدأت في التخلّي عن قدرتها على الإبصار تدريجيًّا مع إهمال منه في البحث عن علاج لها أملًا في الشفاء الربّاني، وانهماكًا في عمله كمضيف جوي، حتى أثّر ذلك على حياته الأسرية والمهنية، وأُحيل للتقاعد المبكر، مما سبَّب له صدمة نفسية كادت تقضي على طموحاته لولا علوّ همته وسعة أفقه، وبإعلان فوز فكرته التي قدمها للخطوط بعدة جوائز عالمية اشتعل حماسه للانطلاق من جديد لمُقاومة اليأس والإحباط، فتابع سيره في الظَّلام الذي كان يتفاقم يومًا بعد يوم حتى أصبح أشبه بليل لا يدرك صُبحه، ومع ذلك تمسَّك بخيط الأمل برحلات إلى الولايات المتحدة الأمريكية والالتحاق ببرامج تدريب وإعادة تأهيل غيَّرت مجرى حياته وأصبح يمارس حياته اليوميَّة بصورة طبيعيَّة.

«جون برامبليت» رسّام أعمى وجد في الفن شغلًا له عن آلامه التي عاشها خلال طفولةٍ قضى غالبيتها في المستشفى بسبب داء الصرع، الذي أصابه عندما كان في الثانية من العمر، وتفاقم مع مرور السنوات. حتى استُئصلت كليته اليسرى في سن السابعة بعد اعتقاد الأطباء بأن الفشل الكلوي كان السبب وراء نوباته، لكن لم يؤثر هذا على حدة النوبات. وبعد قرابة الأربعة أعوام، شُخّص جون بداءٍ أدى إلى زيادة حدّة النوبات إلى درجة أن قلبه وتنفسه كانا يتوقفان مع كل نوبة، إلى جانب فقدان السمع والبصر مؤقتًا. لكن ومع كلّ نوبة، كان بصر جون يضعف شيئًا فشيئًا، إلى أن فقد النظر كليًّا. ومع نهاية سن المراهقة، انضم جون إلى الجامعة، حيث درس الأدب الإنكليزي، إلى أن أجبره تكرر النوبات على الغياب المتكرر عن المحاضرات، ما جعله يترك الجامعة. وعندما أصبح جون في منتصف العشرينات، أعاد التسجيل في الجامعة، بعد أن فقد البصر بالكامل، ووجد نفسه مجبرًا على التأقلم بسرعة من خلال تعلّم لغة برايل، وإيجاد طرق للاعتماد على نفسه والمشي والطبخ بدون مساعدة. يقول جون: “في داخلي كنت مكتئبًا وغاضبًا، ورغم أنني كنت محاطًا بأشخاص عرفتهم طوال حياتي، إلا أنهم لم يفهموا الطريقة التي أتواصل فيها مع العالم، ولم يعودوا يعرفون كيفية التواصل معي… إنه أمر مخيف ويُشعر المرء بالعزلة.”

***

ما إن طلّ طه حسين على الحياة حتى “حالت الطبيعة بينه وبين كثيرٍ من نِعم الحياة”. فانطفأت عيناه منذ نعومة أظفاره وبات “يحمل في نفسه ينبوعًا من ينابيع الشقاء هو هذه الآفة”، يغلبها مرة وتغلبه مرات، وتكمن له في عديدٍ من مفترقات الطرق في حياته كأنها “الشيطان الماكر المسرف في الدهاء”، وبات يردد كلما ضاقت به الحياة قولين حفظهما عن رفيق مرضه وأستاذه في العمى أبي العلاء المعري هما: “إن العمى عورة”، و”إنه رجلٌ مستطيعٌ بغيره”.

كان من أول أمره طُلعةً لا يحفل بما يلقى في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم. وكان ذلك يكلّفه كثيرًا من الألم والعناء. ولكنّ حادثةً واحدةً حدّت مَيله إلى الاستطلاع، وملأت قلبه حياءً لم يفارقه طيلة حياته. كان جالسًا إلى العشاء بين إخوته وأبيه، وكانت أمه كعادتها تُشرف على حفلة الطعام، تُرشد الخادم وترشد أخواته اللائي كُنّ يُشاركن الخادم في القيام بما يحتاج إليه الطاعمون. وكان يأكل كما يأكل الناس. ولكن لأمر ما خطر له خاطرٌ غريب! ما الذي يقع لو أنه أخذ اللقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها كعادته بيد واحدة؟ وما الذي يمنعه من هذه التجربة؟ لا شيء. وإذن فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبق المشترك ثم رفعها إلى فمه. فأما إخوته فأغرقوا في الضحك، وأما أمه فأجهشت بالبكاء، وأما أبوه فقال بصوت هادئ حزين: ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني. وأما هو فلم يعرف كيف قضى ليلته.

يتعاطف الإنسان مع من يُشاركه أحزانه وآلامه أكثر من تعاطفه مع من يشاركه أفراحه وإنجازاته. كل إنسان -وخاصة القارئ- ما إن تُصيبه جائحة في حياته إلا ويهرع للكتب يبحث عمّن سبقه في هذه المصيبة ليتصبّر بمصابه كما لو أن حِمل المشكلة يتوزّع بينهم. وهذا ما فعله طه حسين منذ بداياته، فبعد الحادثة التي اكتشف بها عماه، استشهد بما وقع للمعرّي حين أكل دبسًا فسال على ملابسه، وبعدما خرج للشارع قال له الناس: هل أكلت دبسًا؟ قال: نعم قاتل الله الشرَه. فطه حسين انجذب بقوة إلى بعض الشخصيات التي شاطرته نقمة العمى ونعمة التفكير؛ لأنها كانت تذكِّره بمأساته وكيف يقهر مأساته كأوديب وهوميروس وخصوصًا المعري، حتى قالت زوجته سوزان: “كان طه أبا علاء آخر وإن برأ من تشاؤمه”، كان يجد السلوى في النظر إليهم ويستمد العزاء من حياتهم “إنه كأبي العلاء إنسي الولادة وحشيّ الغريزة، وحياة أبي العلاء هي الحياة التي يجب أن يحياها”. أما بورغيلد دال فكانت تتصبّر بهيلين كيلر الحائزة على نوبل، فبعد اشتداد ألم دال المعنوي، وضعف معنوياتها، بدأت تراودها أفكار الانتحار؛ هربًا من سخرية أهلها ومن الحياة، وما منعها من هذا إلا استحضار هيلين كيلر وآلامها الأكثر منها، ومع ذلك كافحت وناضلت في هذه الحياة، تقول: “تذكرت ما الذي كنت أحاول فعله، وصرختُ من الخوف. وحدهم الجبناء يستسلمون على هذا النحو. ماذا عن هیلین کیلر؟ إذا قارنت وضعي بوضعها فإن إعاقتي ليست شيئًا أمام إعاقتها. لكنها لم تعترف بالهزيمة. انهمرت الدموع من جديد، لكنها دموع الخزي عوضًا عن الإشفاق على الذات، من فكرة ما كانت هيلين قد حققته”.

***

صاحبُ العاهة يخجل من الحديث عن عاهته عادةً، ومهما جاوز عقدة النقص بها إلا أنَّ كل حديث يُذكّره بها يهرب منه، فالحس المرهف يزداد مع الإصابات الدائمة، “فكان يستحي أن يتحدث عن آفته إلى الناس ويؤذيه أن يتحدث الناس عنها إليه”. وهو ذات الأمر الذي كانت تخجل منه بورغيلد دال فجعلها تبذل قصارى جهدها من أجل ألا يلاحظ عينها المصابة أحد فيتحدث عنها، حتى بعد أن عملت لها عملية تجميلية لم يزل خوفها من اكتشاف أحدهم لعينها. وكان جون هول يتضايق كثيرًا من شعوره بعدم فائدته لابنته التي وُلدت يوم إصابته بالعمى -فكان يؤرخ لإصابته بعمر طفلته-، فترعرعت وهي تتساءل: هل ستستمر أعمى يا أبي؟ وصوته الداخلي يؤرقه: “الاكتشاف أنك بدون فائدة ليس اكتشافًا لطيفًا بالنسبة لأي والد”. وكتب الأديب البريطاني ديفيد هربرت لورانس قصة قصيرة بعنوان «الرجل الأعمى»، تحكي قصة ميرسي الذي عاد من الحرب منذ عام وقد فقد بصره، بينما تساعده زوجته التي تنتظر طفلهم الأول في التكيف مع فقدان بصره.

ثمة اعتقاد شائع أن فقدان حاسّة من الحواس يعني تعويضًا في غيرها من الحواس الباقية، فإذا أخذ البصر زيِد في قوة السمع، وإن فُقِد السمع زادت حدة البصر، وهكذا. وإن كان الأمر غير قابل للتعميم التام، إلا أن ملاحظة كثرة النماذج تعزز وجوده وصحته، وقد يكون التعويض بالحواس الداخلية والمشاعر المرهفة، وليس بالضرورة في الحواس الخارجية. ويمكن أخذ قول حبر الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- حينما أُصيب بالعمى مثالًا على هذا حين قال:

إنْ يأخُذِ اللَّهُ من عينيَّ نُورَهُما                     ففِي لِسانِي وقلبي مِنْهُما نورُ

قلبي ذَكيٌّ وعَقلي غَيْرُ ذي دَخلٍ                وفي فمِي صارمٌ كالسَّيفِ مأثورُ

 

***

كانت عاهة العمى آفةً ومولّدًا للمرارة لا يسكن، ومعينًا للآلام لا ينضب، وكان الوعي بها كالمدية تداعب الجرح ولمّا يندمل، حتى غدت نوعًا من الهوس أو شبحًا في الذهن يُسيطر على الفكر ويهيمن على الأعصاب ويستبد بالخيال، ولذا تجد هذه العاهة هي السلك الناظم في هذه السير الذاتية، وإن سُميّت بعيدًا عنها، أو توارت خلف ضمير الغائب وحلّ الراوي محلّه.

من المشتركات بين أصحاب هذه السير: الفضول وقوة الحساسية إلى درجة الحدَّة. هذان المقوّمان هما العمودان القارّان اللذان تنفعل السير بوقعهما، إذ يمثلان الطاقات الباطنة في الذات، المحركة لانفعالاتها. أما أهم حوافز تحريك هذين المقوّمين، فهي آفة العمى. فقد كان للعمى أثر عميق في طبع الذات بسماتها. “إن عاهة العمى قد جاءت في شريط “الأيام” بمثابة السلك الرابط بين كل أنسجته وبناه، حتى لتخالها البطل الخفي” كما يقول الدكتور عبدالسلام المسدّي. ثم يتقصى أثر هذا المحفز في أسلوب طه حسين، فيرصده في “التصوير” الذي تجاذبه قطبان رئيسان: السعادة والشقاء، فكان التصوير بذلك قناة التوصيل الرئيسة بين الكاتب وقارئه. وتجد حرص بورغيلد دال على الوصف الدقيق وكأنه تعويض لها عن لحظات فقدها للرؤية حماية للعميان غيرها، وحرصها الأكبر هي ومحمد توفيق بلو على استخلاص الفوائد والرسائل من حوادث حياتهم، خلافًا لطه حسين الذي اكتفى بالسرد بعيدًا عن التوجيه المباشر.

في أحد الأفلام السعودية القصيرة شُخِّص البطل بقرب عماه، وأن أمامه أسابيع معدودة قبل الفقدان التام لبصره، فقرر الاستفادة من كل ثانية في أيامه بمختلف مصادر المعرفة فغرق بين الكتب ومشاهدة الوثائقيات والأفلام والسفر حول مزارات العالم، مما جعله يحظى في أيامه القليلة زخمًا معرفيًّا فاق ما أدركه طوال أعوامه السابقة. وهذا هو عين ما تؤمله هيلين كيلر في مقالها الرائع «لو أبصرت ثلاثة أيام»، وسطّرت جدول هذه الأيام بدقة. وهو أيضًا ما كان يُسوّف البحث عن العلاج من أجله محمد توفيق بلو.

في أسلوب هذه السير روح خطابية يمتاز بها من فقد بصره. ومن أسباب التكرار في سيرة طه حسين أنه كان يملي مقالاته كما يملي دروسه في الجامعة، وإن فقده لبصره جعله لا يستطيع أن يتعرّف على وجوه طلابه مقدار فهمهم لدروسه مما يضطره إلى الإعادة لفظًا ومعنىً. وهذا ما كان يعاني منه الأديب المصري أحمد أمين لأنه لم يعتد على العمى والإملاء، “فكثير من المعاني التفصيلية تأتي وأنا أكتب لا وأنا أفكر قبل أن أكتب، ولهذا لما أصبت في عيني ونهاني الأطباء عن الكتابة زمان صعُب عليّ الإملاء، ولم أجد من غزارة المعاني ما كنت أجد عند مزاولة الكتابة بنفسي”.

فقدان الرؤية يُضعف أثر المرئيات في نفس الشخص، ولا تصبح الكلمة الواحدة تغني في استحضار الصورة المقصودة إلى الذهن بسرعة والقوة الكافيتين، فلا يسعه إلى الإسهاب في محاولة للإحاطة بالمراد واستقصاء المطلوب. ولهذا تجد حرص طه حسين وبورغيلد دال على الوصف الدقيق الذي قد يصعب على الرائين أن يتقنوه. والسمع، الحاسة المفضّلة للأعمى، تزداد دقة مع ازدياد رهافة حسّه، بل تُصبح تجارب السمع المتجاهلة في السابق أكثر متعة وجمالًا في الوقت الحالي، وخير معينٍ لتمرين الأذن على التقاط الأصوات من حولك هي الكتب التي تحكي قصص العميان. ومن أجملها ما خطّه الروائي الروسي ف.كورلنكو في روايته «الموسيقي الأعمى»؛ إذ تضج الصفحات بالأصوات،  فتصف تجربة شخص أعمى منذ الولادة وحتى الكبر، في تعرفه على واقعه وعلى الواقع الخارجي من حوله وفي تلمسه الأشياء وتعرفه عليها (من أصواتها وفقط)، حتى يشكّ القارئ كيف استطاع الروائي معرفة كل هذه التفاصيل إن لم يكن الأعمى؟ ويصف محمد شكري في الجزء الثاني من سيرته الذاتية «زمن الأخطاء» إحدى الشخصيات التي قابلها في مراهقته بأنه يعرف المسالك والأرصفة التي يمر بها، ويلتفت يمينًا وشمالًا قبل أن يعبر الطرقات رغم أنه أعمى لا يرى شيئًا، لكنه “يرى بسمعه”.

الحاجة أُمُّ الاختراع، عبارة تقليدية لكنها صادقة، وتجد صدقها لدى العميان الذين يستطيعون ابتكار الحلول لمشاكلهم، حتى يستفيد منه المبصرون! ومنها ما فعله جون برامبليت عندما واجه مشكلة في تحديد إيقاف حركة يده قبل أن تخرج عن الورقة. ووجد الحل من خلال استخدام طلاء الأقمشة، الذي يُشكّل حدوداً بارزة عندما يجف. وباستخدام هذا الطلاء، بدأ بالرسم، ومن ثم التلوين باستخدام الألوان الزيتية، التي كان يميز بينها عن طريق اختلاف ملمسها وسماكتها. وفي سبيل عدم اكتشاف طلاب بورغيلد دال عمى عينيها ولا تضطر لأن تُقرّب الكتاب حتى يلامس رمشيها فتقرا منه، كانت تحفظ مقررات الدراسة بالكامل، وتحفظ أسماء جميع الطلاب الذين تدرسهم وأماكنهم! وحتى لا يتوقف جون هول عن التدريس الجامعي كانت أولى طلباته من طلابه تسجيل المقررات والكتب المركزية في تخصصه على أشرطة ليستمع لها.

***

المولود أعمى أقل وطأة على المصاب بالعمى، والمصاب بالعمى صغيرًا أقل مرارة ممن أصيب في عينيه كبيرًا، ومَن أصابه العمى بعد تمهيد واستعداد وتوقّع -من وراثة أو تشخيص طبيب- أهون ممن فوجئ بالسواد يملأ عينيه، لكن هل ما يراه الأعمى سوادًا؟ نعم سيعتاد على العمى أو يضطر إلى اعتياده، إذ إن عدم القبول يبدو عقيمًا، لأن ما يُرفض هنا هو واقع، فعليه مواجهته ولا مهرب منه، لكنها ستختلف المدة في كل حالة.

هوّن على طه حسين عماه حبيبته الفرنسية سوزان، التي كانت تقرأ له وهو يدرس الدكتوراة في السوربون حتى تزوجها فباتت عيناه، وتصبّر محمد توفيق بلو بزوجةٍ شقراء تعرّف عليها في إحدى رحلاته المتكررة بين البلدان مع عمله في الطيران، ولم تتوانَ زوجة جون هول من رعايته وتقويته في لحظات ضعفه، إلا أن سيرة بورغيلد دال تخلو من أي إشارة لحبيب أو زوج، مكتفية بالانهماك في التدريس ومواساة صديقاتها وأخواتها لها وخالها وزوجته.

***

الأفكار نتاج تأمل، والمعلومات أولاد قراءة. وإنما يحصل التمايز بين الناس بقدر استحواذهم على الأفكار الخاصة لا المعلومات العامة، فلا شأن للمعلومات إلا بقدر ما يمدها به العقل من إدراكه وتأمله، وقليلٌ من العلم مع تأمل وتفهّم خيرٌ من كثير لا يُقلِّبه المرء على صفائح عقله وتأمله.

وانغلاق المدخلات المرئية يزيد من الوقت المتاح للمعالجة العقلية للمدخلات السابقة، لدرجة أن جون هول يشعر بأن عقله يكاد ينفجر بالأفكار الجديدة والآفاق الجديدة، المتولّدة من زيادة الروابط في ذهنه بين الأشياء المتنوعة التي قرأها وتعلّمها طوال حياته. مما يعطيه وضوحًا أكبر، وحماسًا أكثر، وأكثر مغامرة وثقةً فكريًّا من أي وقت سابق في حياته. والذي أسعفه -كما يقول- وكان من حسن حظه في هذا هو وجود نواة مركزية ومدخلات كثيرة، مكَّنته من إعادة خلق حياةٍ حولها. ولعل هذه النقطة تُفسّر جرأة العميان في طرح أفكارهم ومخالفتهم للسائد في مجتمعاتهم، وطه حسين خير مثال.

***

رسالة العميان لخّصتها هيلين كيلر في مقالتها المُشار إليها سابقًا بقولها: استفيدوا من عيونكم كما لو كنتم مهددين غدًا بفقد هذه النعمة، وإن النصح نفسه ينبغي تطبيقه على سائر الحواس الأخرى: استمعوا إلى الصوت الجميل كما لو كنتم غدًا ستصابون بالصمم، المسوا كل ما يستحق منكم اللمس، تنسمّوا أريج الزهور وعبير العطور، تذوّقوا لذة كل طعام سائغ لذيذ تتناولونه كما لو أنكم ستفقدون غدًا حاستّي الشم والذوق. تمتعوا بكل حاسة من حواسكم، استمتعوا بكل اللذائذ، وانعموا بكل مظاهر الجمال التي تتفتح أمامكم في هذه الدنيا بشتى الأشكال ومختلف الطرائق التي تتقدم إليكم بها الطبيعة الخلابة.

وختم جون هول مذكراته بقوله: “لاستكمال إنسانيَّتنا؛ يحتاج المكفوفين والمبصرين بعضهم بعضًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق