مراجعات

بعيدًا عن الوطن: مراجعة لديوان «بعد غدٍ تختفي الأيام، لحسن سيجزي»

سعودميني ديو - ترجمة: عبير حمّاد

 

«لخوفي من أن تقتلني اللوعةُ والحزن

انفصلتُ عن الحزنِ، عن النجومِ، وعن الزمان.

انظر لحسن: بعيدٌ عن محبوبتِه،

غافلٌ عن قلبهِ، بعيدٌ عن موطنِه.»

شهِد العالمُ في السنوات القليلة المنصرمة واحدةً من أحلك الأزمات الإنسانية، أزمة ما زالت مستمرةً حتى اليوم؛ والأغلب أنها ستستمر -أيضًا- لسنواتٍ أخرى عديدة طويلة حتى بعد اختفاء العناوين الرئيسة من على صفحات الصحف. وفقًا لتقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بلغ عدد النازحين قسرًا حول العالم بنهاية سنة 2014 أعلى رقمًا سُجِّل منذ الحرب العالمية الثانية، ففي محاولةٍ للهروب من العنف المتزايد، التزعزع السياسي، التطرف الديني، والفقر في مواطنهم الأصلية مات الآلاف في البحر المتوسط خلال محاولاتهم للوصولِ إلى شواطئ أوروبا الأكثر أمانًا؛ وطيلة هذا الوقت تناقش الدول الأوروبية «أزمة الهجرة» من منظورٍ سياسيّ بحت، متحدثين عن اللاجئين والمهاجرين بأرقامٍ مطلقة. يسهل في ظل الأرقام التي بلغت الآلاف والملايين أن يحيد البصر ويغفل عن الرقم الأهم: الواحد. كتبت «فيسوافا شيمبورسكا» في إحدى قصائدها بعنوان: «مخيم الجوع في مدينة ياسلو»:

«يعد ّالتاريخ هياكله العظيمة بالأرقام ِالصحيحة

ألف، ويظل الواحد ألفًا

كما لو أن الواحد لم يوجد قبلًا.»

ينحدر «حسن سيجزي دلهي» (1253-1330) -كما يُعرف اليوم- من سلالةِ المهاجرين الذين قدِموا إلى جنوب آسيا أثناء فِرارهم من غزو المغول؛ ليختاروا دلهي مكانًا لإقامتهم واستقرارهم الجديد، نظرًا للفرصِ والوجود الآمن المعروض عليهم؛ حيث كانت دلهي آنذاك في حكمِ سلطنة دلهي التي أسستها سلالة الغوريين (الناشئة فيما يُسمى حديثًا بأفغانستان). أما اسم «سيجزي» الكامل فهو: أمير نجم الدين حسن دلهي، ابن خواجة علاء الدين السيستاني، مما يعني أن والده كان من «سيستان» وهي منطقة تشمل شرقي إيران وجنوبي أفغانستان. بدأ «حسن سيجزي» بكتابة الشعر في عمر الثالثة عشر متأثرًا تأثرًا شديدًا بشعراء فارس في العصور الوسطى: سعدي الشيرازي، أحد رواد شعر الغزل، وأبو سعيد أبو الخير، مؤلف الرباعيات الصوفية. ويمثّل ديوان حسن سيجزي «بعد غدٍ تختفي الأيام» أولَ ظهورٍ مستفيض له في الإنجليزية بترجمةٍ حاذقة لـ«ريبكّا غولد».

كتبت «ريبكّا غولد» في مقدمتها للكتاب: «دخل حسن سيجزي العالم في اللحظة التي كانت فيها الثقافة الفارسية على وشك أن تُصبح الثقافة الهندية الفارسية (هندو فارسية) بالمعنى المفهوم اليوم … بالرغم من أن النوع الأدبي، المُسمى بالغزل، كان له باعًا طويلًا في الأدب العربي والفارسي، والذي كان على وشك أن يترك أثرًا عميقًا على شبه القارة الهندية». يسهل التعرف على الغزل فورًا في أي لغةٍ كانت؛ لاستخدامه للرديف أو ما يُعرف بالإنجليزية باللازمة. والرديف هو العنصر الأبرز والأهم في الشعر الفارسي، وهو كلمةٌ أو عبارة قصيرة تتكرر نهاية كل بيت بعد قافية معينة (منذ القرن العاشر وما بعده وفي الشعر المُصاغ على الوزن الفارسي لاحقًا). لاحظت «غولد» أن مهمة الرديف هي أكثر من مجرد التكرار ببساطة، فتكراره يخلق تنوعًا إيقاعيًا في المعنى؛ ومتى ما وجد، فإن الرديف يظهر مرتين في المقطع، وثم مرة على الأقل نهاية كل مقطع. تتجلى الإمكانات الأدبية والتعقيدات المتعددة للرديف في عددٍ من مقاطعِ الغزل الموجودة في الكتاب. فلنأخذ على سبيل المثال مقتطفًا من القصيدة غزل 22 المستخدم فيه الرديف «ديغار» (1) في الترجمة الإنجليزية اُستخدِمَتِ العديد من الكلمات والعبارات لتبين المعاني العديدة لهذه الكلمة الفارسية الواحدة: (لا تغادر المكان حيث أنت، شيء آخر، لا شيء، عدا عن):

«لا تغادر من حيث أنت لأني غير قادر على تركك

أنا عبدٌ لوجهك. لا تفكر بأحدٍ آخر.

كل من نظر لوجهك رأى نباتاتٍ وورود

لا يحتاج ساكنو الفردوس شيئًا آخر.

عدا عن حزنك لا أحزان أخرى في قلبي.

عدا عن حبك لا فوضى في المدينة.»

في القصيدة الأصلية بالفارسية تخلق كلمة «ديغار» رنينًا موسيقيًا وقافيةً مضبوطة بدقة؛ بينما تتنقل بين معانيها المتعددة وتعرب عنها؛ فلعل إجادة الرديف أصعب من إجادة القافية الإنجليزية؛ لاحتياجاته الشكلية والحاجة لضبط الوزن الدلالي. فقد لوحظت هذه الصعوبة في الأطروحة المنشورة في القرن الثاني عشرة للناقد الفارسي «رشيد الدين الوطواط» المعنونة بـ(حدائق السحر في دقائق الشعر) التي كتب فيها: إن استخدام هذه الأداة معيارٌ مناسب وملائم لإثبات موهبة الشاعر وبراعته.

بالإضافة إلى الرديف ضَمن «حسن سيجزي» أبياته الحرف والقافية. فالقصيدة غزل 40 تستخدم الحرف الفارسي النون(2)  في إدراجه في القصيدة في كل جزء منها ما عدا نهايات أبياتها. لاحظت «غولد» أن هذه القصيدة، تحديدًا، تستخدم الكلمات التي تنتهي بالنون خلالها في الكلمات: «(قانون) التي وردت مرتين في القسم الثاني وفي مطلع القسم الثالث، وكلماتٍ مُقفاة أخرى مثل (الآن، كامن ودفين، ومجنون، مجنون ليلى)». واستخدام كلمة (مجنون) ملفت للنظر ومدهش: ففي القصة التي دخلت القصيدة من التراث العربي المحكي، والتي تنقلت شرقًا وغربًا على مر العصور كان المجنون هو عاشق ليلا الشهير (أو ليلى بلغة جنوب آسيا)، العاشق الذي هام بها ليس لدرجة أنه جنّ فحسب؛ بل وأصبح مرادفًا للجنون نفسه:

«يا ليلى، تقودين جِـمال أتباعكِ صوبَ الكعبة

رأيتِ حرس الكعبة مجانين أكثر من المجنون نفسه»

لربما قصد الشاعرُ بادعائهِ أن «حرس الكعبة مجانين أكثر من المجنون نفسه» في أنّ انجذابًا كهذا يمكن أن يفسد النظام الاجتماعي؛ لكن في النهاية كتب «سيجزي»: إنه وفي خضم كل هذه الفوضى ما زال هادئًا، وفي قلبهِ «رغبة هي كالباب الخفي» حتى الأبدية، للمعرفة العظيمة المترفعة عن كل الرغبات الدنيوية.

تضعنا رغبةُ الشاعر بالمعرفةِ الأبدية «الباب الخفي» أمامَ جانبٍ مهم آخر من شعر «سيجزي» ألا وهو: «الفكر الصوفي حول وحدة الباطن». دخل الإسلام شبه القارة الهندية في أوائل القرن الثامن بدخول المهاجرين واللاجئين، والذين شكّل تفاعلهم واختلاطهم بالثقافةِ الأُم للمنطقةِ جزءًا كبيرًا من الثقافة الموجودة هناك اليوم؛ المعروفة بأشكالها المتعددة وأنماطها المختلفة في التفكير والفهم؛ لكن تأثيرَ الصوفية كان واضحًا فقط خلال حكم سلطنة دلهي في القرن العاشر والحادي عشر؛ ولم يكن «سيجزي» يكتب فقط في تلك الفترة بل وقضى أيضًا معظم سنوات نضجه في دلهي، والأهم من هذا كله أنه كان من مريدي أحد أشهر شيوخ الصوفية «الجشتية» آنذاك؛ ألا وهو نظام الدين أولياء (كان أحد أشهر المريدين أيضًا «أمير خسرو» الذي كان رفيقًا ومنافسًا لسيجزي، وكذلك مساهمًا عظيمًا في الفكر والثقافة الهندوفارسية والهندوستانية). وفقًا للفلسفة الصوفية فإن للعشق نوعين: العشق المجازي، وهو حب الواحد لخلق الله، وهو ما يدل عادةً على طبيعة الحب الرومنسي الوهمية الخداعة، لكنه يتضمن أيضًا حب مخلوقٍ آخر، حب هذا العالم، وحب الماديات. أما النوع الثاني من العشق، وهو النوع السامي، الحب الحقيقي، الحب الإلهي المقدس وهو: العشق الحقيقي، وهو حب الواحد لله، المتعالي، الماورائي؛ إذ يتحد الواحدان في هذ الحب، وبالعشق المجازي يبلغ الواحد هذا الحب المثالي. وبتأثير هذه الفكرة الفلسفية كتب «سيجزي» شعره، وكغيره من الشعراء الصوفيين وسم شعره بضبابية الحب الرومنسي العاطفي والعشق الإلهي.

كتبت «غولد» في مقدمتها: إن «حسن» ومعاصروه صوَّروا اللوعة الروحية من منظور الرغبات الدنيوية، وإن العديد من المعاني الموجودة في الأبيات التي يمكن أن تتكشف تبدو ظاهريًا كما لو أنها تعني رغبة إيروتيكية.

«يكمن قدري بين جنباتِ الحظ الطيب، الصبح، ومحبوبي.

يمنح مطلعُ الصبحِ عينيّ النور.

يهزم شارباهُ النَّضرين الكون.

متشحًا بالمساءِ تخادع شامتُه القدرَ.

يخلف الراحلون ورائهم أرصدة ًمن الذهبِ والفضة.

ويخلف حسن ُورائه وصفَ محبوبه.»

سمة مميزة أخرى يتّصف بها الشعر الفارسي، وكذلك أبيات «سيجزي» هو استخدامهم لاسمٍ أدبي أو ما يُسمى بـ(تخلص) عند نهاية كل مقطع. عادةً وحفاظًا على نسق الشعر الفارسي يشير الشاعر لنفسه بضمير الغائب بينما هو يخاطب قارئًا أو مستمعًا خياليًا. كما أن (تخلص) يمنح الشاعر الشهرة وأحيانًا مكانة الأديب وهويته. ويتضمن استخدام «سيجزي» للرديف الأكثر جاذبية في القصيدة غَزل 1 (منفصل) ليمنحه التخلص في نهاية المقطع دلالةً على عَزْلهِ لنفسه؛ ليس في المحتوى وحسب بل حتى في النَّسقِ والأسلوب.

يضم ديوان «بعد غدٍ تختفي الأيام» 50 قصيدة غزلية: 17 منها رباعية، ومقطوعتان، وقصيدة واحدة. ارتكزت «ريبكّا غولد» في ترجمتها على الأصلِ الفارسي بذكْرِ الرديف الأصلي بالفارسية والرومانية (مرفقًا بترجمة إنجليزية) سامحةً بذلك للقراء الذين لا يجيدون الفارسية بالتعرف على البنِيْة الأصلية للقصيدة، وكذلك المعاني المتعددة للكلمة الواحدة وفهمها.

لا يعد ديوان «بعد غدٍ تختفي الأيام» إضافةً قيمةً للمحتوى الأدبي المترجم وحسب، وذلك بإتاحة عملٍ لأحد رواد الشعر الذي فتن الشرق والمخيلة الشرقية لجمهورٍ أكبر من قراء الشعر؛ ولكنه أيضًا سِجلٌ زمانيّ يظهر بالإنجليزية في زمنٍ يحتاجه العالمُ المتعدد بإيدولوجياته. فحين تقود الجدالات والمناظرات السياسية الحتمية التي لا حصر لها للسؤال عن أهمية «السماح» بالهجرة، فمن المهم أن نتذكر بأنه، وخلال آلاف السنين، كانت الهجرة والتبادل الثقافي والتشجيع على المساهمة فيه هي ما شكَّل الشعرَ والعالم بكل أشكاله. وبينما نحن نقرأ شاعرين بقيمة هذا الشعر الجميل المدهش والمذهل الذي لم يشكِّل الثقافات الهندية والهندوفارسية وأدبها وحسب؛ بل أدب وثقافة كل البلدان؛ دعونا لا ننسَ بأن مؤلفها كان من عائلةٍ من المهاجرين، ففي هذه الصفحات نحن لا نقرأ فقط لـ«حسن سيجزي» ولكننا نقرأ شكلًا من أشكال تاريخ الهجرة، وهو أيضًا شكلٌ من أشكال البقاء القديم وكذلك إثراءٌ لهوية الواحد الثقافية على أرض أجنبية؛ إنه شكلٌ من أشكالِ الوجود الحديث أيضًا.

 


ملاحظات المترجمة:

(1):  digar

(2): nun

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق