مقالات

هل الفلسفة علاج أم هي -ببساطة- سعيٌ للحقيقة؟

حوار بين نايجل واربرتون وجولز إيفانز – ترجمة: عبير حمّاد

 

نايجل واربرتون: انتشر مؤخرًا الكثير من الاهتمام بإعادة إحياء الفلسفة الرواقية وتحديدًا الجزء العلاجي منها. أنا مرتابٌ حول هذا؛ لأن الفلسفةَ -في نظري- هي -في الأصل- محاولةٌ للفهم، وهي بذلك، فعلُ سؤالٍ وتحرٍ. لا ضمان بأنَّ اكتشاف ماهية الأشياء سيفيدنا نفسيًا، بل ربما -في الحقيقة- سيَسوء الأمر، وذلك -كما وضّح نيتشه- بأنه لربما من المستحيل مواجهة الحقائق الأعمق عن الواقع لاحقًا، فهذا سيجعل الوجود الإنساني غير محتمل. ما رأيكم؟

 

جولز إيفانز: شخصيًا لا أقول بأنَّ كل الفلسفةِ علاج، لكن -بالأحرى- هكذا وصَفها قدماء الإغريق والرومان وكذلك فَعَل الفلاسفة الهنود، إذ ابتكروا عددًا من الأساليب العملية التي قالوا بأنها ستساعد على تحويل المعاناة، والتي كانت جزءًا من «فلسفة الحياة» الشاملة، ولم تكن هذه الأساليب تتمحور ببساطة حول التفكير الإيجابي، لكنهم جادلوا عن حاجتنا لرؤية العالم كما هو بعدمِ استقراره، وبمحنهِ، وعلينا -وفق ذلك- أنْ نقبله. أُعيد اليوم اكتشاف بعض هذه الأساليب ويَختبرها بعض علماء النفس التجريبي الذين اكتشفوا بأنهم بالفعل يحوّلون المعاناة الوجدانية الشعورية. أريد أن أوصل هذه الفكرة قدر الاستطاعة؛ لأن الفلاسفة القدماء كانوا قادرين حقًا على مساعدة الناس في التغلُّبِ على معاناتهم وهو مما يُذكر للفلسفة ويشكر، وهو -أيضًا- الموضوع الأكثر تهميشًا وإقصاءً اليوم، كما تعرف. ألا تظن أننا كلّما أوصلنا هذه الفكرة أكثر كلما كانت الفلسفة أكثر ثباتًا وأهمية وصلةً بالعالم؟

حسنًا! هل أظن أنّ للحياة الطيبة قِيمة أعلى من الحقيقة؟ لا. أتمنى ألا أتمسك مطلقًا بشيءٍ لأنه جعلني سعيدًا إذا ظننت أنه غير حقيقي. تتضمن الفلسفة سعيًا حثيثًا لا يهدأ عن الحقيقة، وبحثًا دؤوبًا حول ما يفترضه الواحد. أنا أستمتع بهذا السعي والبحث؛ ولذا لا أتوقف عند الرواقية ولكني تابعتُ البحث؛ لأني لا أظن بأن الرواقية هي الحقيقة الكاملة عن الواقع، ولكن ما يمنحني الحافز لمواصلة البحث في النهاية هو نوعٌ من الإيمان الأفلاطوني بأن الحقيقة خيرٌ، وأنها خير لي. لِم البحث إن لم تعتقد بجدوى الوصول إلى وجهتك؟

نايجل واربرتون: يتضح أن فلسفات الحياة المتنوعة تختلف في آليتها ونجاحها؛ فأنت ذكرتَ عن وجود دعمٍ تجريبيّ للأساليب الفلسفية التي وجدتها في بعض الفلسفات القديمة. هل يمكنك أن تفصل إجابتك؟

جولز إيفانز: العلاج السلوكي المعرفي هو أحد أنواع العلاج المعنية في حديثي التي وافق عليها المعهد الوطني للصحة وتفوق الرعاية في المملكة المتحدة، وتقدمها دائرة الخدمات الصحية الوطنية. أخبرني مبتكراه، المعالجان النفسيان الأمريكيان «ألبرت إلّيس، وآرون بيك» أنهما تأثرا تأثيرًا مباشرًا بالفلسفة الرواقية؛ خصوصًا أن العلاج السلوكي المعرفي مبني على الفكرة الرواقية القائلة بأن مشاعرنا مرتبطة بأفكارنا واعتقاداتنا، ونحن قادرون على تعلم كيفية الوصول إلى «مسافة معرفية» تبعدنا عن اعتقاداتنا التلقائية ويمكننا رؤيتها على أنها محض أفكار وليست الحقيقة. كما يستقي العلاج السلوكي المعرفي ممارسات معينة من الفلسفة القديمة لتحويل أفكارنا: كاستخدام مفكرة للتدوين لمتابعة أنماط الأفكار الاعتيادية وتحدّيها، استخدام القواعد لتذكر الأفكار والتعود عليها، استخدام أساليب التصور والتخيل لتغيير المنظور، استخدام العمل الميداني أو «الواجب» السلوكي لتحويل الاعتقادات الجديدة لأفعال اعتيادية… وغيرها.

 

نايجل واربرتون: هل من حجة لاستخدام الأساليب النفسية كالعلاج السلوكي المعرفي بدلًا من الرجوع إلى الفلسفة الرواقية القديمة؟ «أرسطو» -مثلًا- كان نمطًا أوليًا مهمًا للعلماء، ولكن ليس من الحصافة أن يبني علماء اليوم ممارساتهم على فلسفته …

جولز إيفانز: إذا كنت تعاني من اضطراب عاطفي حاد، فمن المؤكد أن العلاج السلوكي المعرفي هو نقطة البداية؛ لكن العلاج السلوكي المعرفي يستبعد أمورًا مهمة، أولها: أنه أقل جمالًا كتابيًا من أعمال -مثل- «ماركوس أوريليوس» أو «لوكريتيوس» أو «سينكيا»، وللجمال سطوة على الروح. ثانيًا: يَستخدم العلاج السلوكي المعرفي الأساليب القديمة، ويستثني أي فكرة تتضمن الهدف الأخلاقي (السعادة، السلام الداخلي، الفضيلة، العدالة… وغيرها). ثالثًا: لا يكترث العلاج السلوكي المعرفي بكيفية ارتباط الأخلاق بالفيزياء؛ إذ حاول القدماء الإجابة على هذا السؤال، وهذا -على الأقل- يذكرنا بأهمية السؤال. رابعًا: العلاج السلوكي المعرفي مُصمَّم ليكون نشاطًا قصيرَ الأمد؛ يمتد من ثمانية إلى ستة عشر أسبوعًا، لا أن يكون فلسفةً حياتية دائمة تمارسه طوال حياتك، لكن ليس من اللائق أن يفرض عليك المعالج فلسفةً أخلاقية كعلاج للاكتئاب أو القلق، إذ إنهم يمنحونك طريق تغيّر الذات الأساسي، والخيار خيارك في اختيار الفلسفة الأشمل لحياتك.

 

نايجل واربرتون: أظن بأن حسم المسألة سيعود في نهاية الأمر إلى «ما اعتقادك بماهية الفلسفة». أعدُّ الفلسفة نشاطًا للتفكير النقدي حول ماهيّتنا وارتباطنا بالعالم، نشاطًا تاريخه طويل وثريّ. إن الفلسفة معنية بماهية الأشياء، محدودية معرفتنا، كيفية عيشنا للحياة. إنها معادية للتشدد، وتقتات على التشكيك بالافتراضات. لا توجد فلسفة جادة تبقي الفيلسوف دون تغيير، ولكن ذلك لا يعني أن التغيير يجب أن يكون للأفضل أو أكثر مواساة: أن تفكر بطريقةٍ مختلفة يعني أن تستجدي السؤال. ويكمن هنا خطرٌ شديد من الوقوع في فخ خداع النفس، بالاعتقاد أن الفلسفة نوعٌ من البلسم الشافي الذي سيجعلنا جميعًا أفضل وأعقل، ولنقل -مثلًا-: جَعْل المنطق معصومًا من الفرضيات الخاطئة يمكن أن يؤدي بك إلى ضلالٍ شديد. كيف تُعرّف الفلسفة؟

 

جولز إيفانز: اقترب من الفلسفة على أنها نوعٌ من الواقعية: أملك مجموعةً من القيم وتصوّرًا عن ماهية العالم؛ أجربها وأرى إن كان باستطاعتي أن أعيش وفقًا لها، إذا ما كانت تتناسب مع الواقع، وإذا ما أدّتْ إلى تعزيز الشعور بالازدهار والانتعاش. ويردّ الواقع (بما في ذلك الآخرون) ذلك لي، مما يسمح لي أن أعرف إذا ما كنتُ أعيش الحياة بحكمةٍ أو بحماقة. كما تتغير عملية الخطوتين دومًا، وأنت دومًا ستتكيف وتعيد النظر في افتراضاتك، لكن لا أحد يكون -بالكلية- ضد الاعتقاد، فالمرء يحتاج لمجموعةٍ من القيم والآراء للعيش وفقًا لها. أظن أن عليك أنت أيضًا أن تتمتع بها، صحيح؟ أنا واثقٌ بأنها تتغير بمرور الزمن؛ لكنك إذا كنت مشككًا شكًا تامًا -مثل بيرو- فلن تعرف إذا ما عليك أن تغادر السرير أم لا.

نايجل واربرتون: نعم، بالتأكيد علينا أن نضمن بعض الأشياء، لكن كل شيء قابل للشك بالرغم من أن بعض الاعتقادات أكثر ثباتًا وتجذرًا من غيرها. تعجبني فكرتك عن الموازنة التأملية بين الأفكار والتجارب الحية. ما هي القيم التي تحاول أن تعيش وفقًا لها نتيجةً لاتباعك لهذه الطريقة؟

جولز إيفانز: أحاول أن أعيش بتواضع ولطف، واحترامٍ وإبداع، لكنك لو عرفتَ مدى الضرر الذي أعيشه لعيشي وفقًا لهذه القيم ستضحك علي. ماذا عنك؟

نايجل واربرتون: أحب رسالةَ «برتراند راسل» للمستقبل التي ألقاها على شاشة «بي بي سي» سنة 1959. اختصر قيمه الفلسفية بمبدئين: أولًا: حاوِل أن تبدو متوحدًا بوجه الحقائق حول أي شأن، بدلًا من أنْ تتمنى أن يكون ذلك صحيحًا؛ بالطبع ليست مهمةً سهلة. ثانيًا: وهذا مبدأ آخر صعب للعيش وفقًا له: «الحب حكمة، الكره حماقة». علينا أن نتعلم استساغة حقيقة أن الناس سيتلفظون بما لا نحبه، بل وحتى نمقته. لنعيش معًا علينا أن نقدر على الحديث بحرية، ونتصالح مع الآخرين في ذلك أيضًا. مثلك أنا؛ فشلتُ بالطبع أن أعيش وفقًا لهذه القيم لمدةٍ من الزمن، ولكن بالرغم من ذلك فإن هذه المبادئ حسنة.

 


 

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق